كتاب مصريون ينتقدون «جائزة ساويرس» ويصفونها بالشكلية

طالبوا بإدراج الشعر ضمن فروعها واختيار لجان تحكيم تتسم بـ«الحيادية»

كتاب مصريون ينتقدون «جائزة ساويرس» ويصفونها بالشكلية
TT

كتاب مصريون ينتقدون «جائزة ساويرس» ويصفونها بالشكلية

كتاب مصريون ينتقدون «جائزة ساويرس» ويصفونها بالشكلية

انتقد كتاب وروائيون مصريون جائزة «مؤسسة ساويرس الثقافية»، رغم تشديدهم على أهميتها، ولفتوا إلى أن جوائزها صارت شكلية، وأن هناك استئثاراً من جانب بعض دور النشر بها، كما أن لجان تحكيمها غالباً ما تفتقر إلى الحيادية، فضلاً عن تكرار الحاصلين عليها أكثر من مرة.
وحذَّر الكُتاب - ومنهم من فاز بها - من أن تفقد الجائزة جديتها وقيمتها.
هنا تحقيق حول الجائزة التي احتفلت قبل أيام بدورتها السابعة عشرة.

الروائي رشيد غمري: تدوير الفائزين ولجان التحكيم
عدد الجوائز الأدبية العربية على العموم ضئيل للغاية، إذا ما قورن مثلاً بعدد الجوائز التي تُمنح في فرنسا وحدها، وتصل لحوالي ألفي جائزة سنوياً، تمثل حافزاً كبيراً بالنسبة للأدباء. وتعد جائزة ساويرس من حيث المبدأ إضافة مهمة؛ لكن هذا بالطبع لا يمنع أن لي ملاحظات عليها. كنت أتمنى ألا تصاب بالداء الذي تعاني منه أغلب الجوائز العربية التي تقوم على حسابات خاصة بخلاف جودة العمل المرشح. وقد لاحظت مع آخرين أنه جرى خلال عمر الجائزة تدوير الفائزين ولجان التحكيم من ناحية، ومنح الجوائز لدور نشر بعينها فيما يشبه «الكوتة».
ويمكن ببساطة ملاحظة الدوائر الفاعلة في الجائزة، والمتحكمة فيها، والمستفيدة منها، بمجرد رصد الفائزين على مدى السنوات الثماني الأخيرة؛ حيث سنجد نصيب الأسد لكُتاب هم في الوقت نفسه صحافيون ثقافيون في أماكن بعينها، وعدد من دور النشر ضمن شبكة علاقات مهنية وشخصية، يجري توزيع الجوائز بينهم، بينما يتبادل بعضهم المواقع في لجان التحكيم، مما يلقي ظلالاً من الريبة، ويفقد الجائزة حضورها وقيمتها عاماً بعد عام.
ورغم ذلك فنحن لا نريد هدم الجائزة ولا تشويهها؛ بل نرغب فقط في أن تصلح مسارها، بتعيين إدارة مختلفة، واعتماد لجان تحكيم أكثر حيادية. وتطبيق معايير موضوعية دون التفات لحسابات العلاقات الشخصية، ومكاسب دور نشر بعينها، فالجائزة كان يمكن أن تكون فرصة لكتاب تنويريين، ولديهم أفكار جديدة، ورؤى فنية مغايرة.
صحيح أن بعض الفائزين بالجائزة كُتاب جيدون؛ لكن مجمل النتائج يكشف أن المعيار الأدبي ليس وحده ما يحكم لجان التحكيم.
أما فيما يتعلق بجوائز «المجلس الأعلى للثقافة» وجوائز الدولة على العموم، فلا أظن أن هناك أي تعارض، ونحن بحاجة إلى عشرات الجوائز؛ لأن لدينا أعداداً متزايدة من الكُتاب المبدعين.
أعتقد أن هناك استبعاداً متعمداً للشعر، بحجة أنه ليس زمنه، كما أن قصيدة النثر التي يُفترض أنها التعبير الملائم للعصر، لم تصل بعد إلى كثير من القراء. وأظن أن هذا أدعى لتخصيص مزيد من الجوائز للشعر.

الكاتب عبد الوهاب داود: لا دور ثقافياً لها
أظن أن جوائز عائلة ساويرس لم يعد لها أي دور ثقافي منذ دوراتها الأولى، لا سلبياً ولا إيجابياً، اللهم إلا منح بعض النقود لأشخاص يحترفون العمل الثقافي، سواء في لجان التحكيم، أو الكتابة، حتى أنه لم يعد ينتظرها أحد، ولا يعقد عليها أملاً سوى من يمرون بضائقة مالية، أو من يبحثون عن أي بارقة اعتراف بكتابتهم الباهتة.
وأذكر أنني حضرت جلسة كان يتصدرها الكاتب الراحل سعيد الكفراوي، في الدورات الأولى للجائزة، كان يتحدث عن دوره في لجنة تحكيم الرواية، وأذكر أنه قال ما معناه أن اللجنة استبعدت كل الروايات التي تقدم بها صحافيون، لا لشيء إلا لأنهم يكسبون جيداً، ولديهم مساحات للنشر، وما زلت أذكر عبارته جيداً: «ح نديها لكلاب السكك، ولا ياخودهاش صحفي»! ساعتها ضحكت، وتحسرت على بؤس الثقافة والمثقفين المصريين، وأدركت طرفاً من مأساة الجوائز في عالمنا العربي. فأغلب الظن أن أي جهة مانحة تتصدر أهدافها قيمة الجائزة المعنوية، فهي تبحث لنفسها عن مكانة ما لدى الكُتاب والقراء، ولدى المجتمع الذي تعمل فيه؛ لكن ما يحدث من لجان التحكيم في الغالب هو ما يفقد هذه الجوائز مكانتها ومصداقيتها.
ولك أن تتأمل أسماء من فازوا بهذه الجائزة على مدار سنواتها، ومنهم –مثلاً- كاتب فاز في إحدى الدورات بأفضل رواية للشباب، وبعدها بعامين فاز بأفضل سيناريو، ثم رواية كبار الكتاب، وآخر فاز بجائزة المسرح، وقبلها جائزة القصة القصيرة، وقبلهما جائزة الرواية!
عائلة ساويرس تعمل في مجال الإنتاج السينمائي، فبماذا –مثلاً- نفسر أنها لم تنتج أي سيناريو من السيناريوهات الفائزة بجوائزها طوال 16 عاماً؟ لماذا لم تحوِّل ولو رواية واحدة من روايات الفائزين إلى فيلم؟

الروائي والمترجم أشرف الصباغ: مجرد وسيلة مالية
موضوع الجوائز شائك جداً، وخصوصاً عندما يكون كل أعضاء لجان تحكيم هذه الجائزة أصدقاء. وفي الحقيقة هناك لغط كثير حول جائزة ساويرس. أنا أستشعر الحرج في الحديث. وأود ألا أسبب لهم أي إحراج. ولكنني ممتن جداً لأنهم يحصلون على مقابل مادي لجهودهم في التحكيم يعينهم على مواجهة أعباء الحياة. وهذا أمر جيد، ومن أهم فوائد هذه الجائزة.
الأمر الآخر، هو أن أجيالاً مختلفة تحصل على جوائز ساويرس. وهذا شيء مهم. وفي الواقع القيمة المالية هي أهم ما في هذه الجائزة، لتساعدهم قليلاً على مواجهة الفقر وتدني مستوى المعيشة. وعموماً: غالبية الجوائز المصرية والعربية تكمن قيمتها الحقيقية في القيمة المادية. وهذا ما يفرحني وما يجعلني أتحدث عن هذه الجوائز باهتمام شديد. لكن دعونا من مسألة الإبداع؛ لأن الإبداع وقيمته يكمنان في المادة المكتوبة وليس في الجوائز. يجب ألا نخلط الأمور حتى لا نفسد فرحة الحصول على أموال تساعدنا على مواجهة الفقر والبطالة.
جائزة ساويرس لا تنافس أي جائزة. ولا توجد جوائز في مصر ينافس بعضها البعض الآخر. إنها مجرد وسيلة للحصول على مكافأة مادية (أموال) لمواصلة الحياة، وربما الكتابة أيضاً، ومواصلة المشاركة في اللجان، وإحداث حالة حراك حتى وإن كانت شكلية.
وبالطبع، هذه الجوائز -سواء كانت خاصة مثل «ساويرس»، أو حكومية مثل جوائز «المجلس الأعلى للثقافة» وجوائز الدولة وغيرها- كلها تختلف في شيء واحد فقط؛ في قيمتها المادية لا أكثر ولا أقل.
وأنا في الحقيقة، أناشد منظمي هذه الجوائز والقائمين عليها زيادة قيمتها؛ لأن الكُتاب والشعراء يعانون، وليست لدى غالبيتهم مصادر للرزق.

الروائي حاتم رضوان: الجوائز ظاهرة صحية
تعدُّد المؤسسات المانحة للجوائز الأدبية ظاهرة صحية، فكلما زاد عددها أعطت فرصة أكبر لعدد من المبدعين للفوز بها، كما أن قيمتها المادية قد تعوِّض المبدع عما يعانيه من صعوبات كثيرة في النشر والانتشار.
وبالنسبة لجوائز ساويرس، لا أعلم الآلية المتبعة في التحكيم؛ خصوصاً في مراحل التصفيات الأولية، والتي أرى أنها قد تظلم بعض الأعمال التي تستحق الوصول للقوائم القصيرة، على حساب بعض الأعمال لقلة من المبدعين، وليس كلهم ممن أعتقد أنهم مفروضون عليها، أو تحوطهم شبهة مجاملة.
وبالتأكيد فإن لكل محكم ذائقته الخاصة التي قد تؤثر في الاختيارات النهائية. وكذلك لا توجد جائزة عادلة بنسبة مائة في المائة، ولكن في النهاية فإن معظم من فازوا بجوائز ساويرس يستحقونها، ولا أعتقد أن جائزة ما يمكن أن تسحب البساط من جائزة أخرى؛ لكن لي ملاحظة على جوائز الدولة التي أعتقد أنها في كثير من الأحيان تتبع سياسة «الدور»، وليس الأفضل.
وهناك علامة استفهام كبيرة في جائزة ساويرس، وهي عدم تخصيص جائزة للشعر، وهذا سؤال يوجه للهيئة المؤسسة للجائزة. ولا أعتقد أن السبب تدني مستوى الشعر؛ لأن مصر زاخرة بالشعراء المجيدين، وهناك جوائز مخصصة له.

الكاتبة وسام سليمان: أين السيناريوهات؟
رأيي أن الجائزة الأجدر للسيناريو أن يتم تحويله إلى فيلم، وبما أن هناك اعترافاً من جانب اللجنة -وهي تضم شخصيات سينمائية بارزة مثل الفنان بشير الديك، وكمال رمزي- بعدد من السيناريوهات الجيدة بالفعل، فمن الأَوْلى أن تكون الجائزة دعماً لتنفيذ الفيلم أو إنتاجه.
في البداية، كان صيت الجائزة يلفت نظر المنتجين، وهناك أفلام ظهرت بالفعل كانت فازت بجائزة ساويرس، مثل «واحد صفر»؛ لكن يبدو الآن أن المنتجين صاروا بعيدين جداً عن الاهتمام بها، وهو ما جعل الجوائز تأخذ طابعاً شكلياً.
لماذا نشكو من قلة السيناريوهات، أو من عدم وجود أعمال جيدة منها؟ فالجائزة ولجنة تحكيم السيناريو تشير إلى أن هناك كُتاباً جيدين يحصلون على جوائز، فأين تكمن المشكلة إذن؟ وما الموانع التي تعوق تحويل تلك السيناريوهات إلى أفلام يراها الناس، ويفرح بها كاتبها؟
الجوائز لا تأخذ قيمتها من العمل نفسه، وهو غالباً لا يُرى ولا تتم قراءته؛ لأنه سيناريو. وأنا لهذا أشعر ببعض الغضب، ولدي أمنيات أرجو أن تتحقق وتتحول جوائز السيناريو إلى نوع من الدعم لتنفيذ وإنتاج الفيلم، وليس مجرد جائزة محددة بمبلغ مادي. فرأيي أن الجائزة الحقيقية التي يحصل عليها السيناريست يجب أن تتحدد في شيء واحد فقط، هو أن يرى روايته على شاشة السينما.



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.