«تاريخ جديد للإنسانية»... هل اللامساواة هي الثمن الحتمي للتطوّر البشري؟

جاء الكتاب نتيجة لمراسلات إلكترونية بين الكاتبين تطوّرت لتصبح كتاباً ضخماً

«تاريخ جديد للإنسانية»... هل اللامساواة هي الثمن الحتمي للتطوّر البشري؟
TT

«تاريخ جديد للإنسانية»... هل اللامساواة هي الثمن الحتمي للتطوّر البشري؟

«تاريخ جديد للإنسانية»... هل اللامساواة هي الثمن الحتمي للتطوّر البشري؟

يبدو تقدّم المجتمعات البشرية من أشكالها البدائية الأولى (المجتمعات الجوّالة جامعة الثمار) نحو مجتمعات أكثر تقنية وتحضراً (كمجتمعاتنا الحاضرة) وكأنّه نمطٌ من الحركة التاريخية الخطية التي صارت بمثابة سردية كبرى Meta Narrative. تتأسس معالم هذه السردية على جملة مواضعات، منها أنّ كلّ انتقالة تاريخية في نمط الجماعة البشرية يصاحبها تغيير في نمط الخبرات الجديدة المتحصلة مترافقاً مع خسارة خبرات قديمة، مع تعزيز حالة اللامساواة وتكريس معالم التراتبية الطبقية Class Heirarchy بين أفراد الجماعة البشرية. تبدو هذه السردية الكبرى وكأنها فكرة متفق عليها بين مدوّني تاريخ تطوّر المجتمعات البشرية في شتى تلوّناتها (سياسية، أنثروبولوجية، اقتصادية،،، إلخ)، ومن هؤلاء الساردين المعاصرين لحكاية تطوّر المجتمعات البشرية على سبيل المثال: يوفال نوح هراري Yuval Noah Harari في كتابه «الإنسان العاقل: موجز تأريخ الجنس البشري»، وجاريد دياموند Jared Diamond في كتابه «العالم حتى الأمس»، وفرانسيس فوكوياما Francis Fukuyama في كتابه «أصول النظام السياسي». تتفق هذه الكتب القياسية على فكرة مركزية فحواها أنّ المجتمعات البشرية عندما تصبح أكبر وأكثر تعقيداً وتحضراً وغنى، فإنها تصبح في الوقت ذاته أقلّ مساواة. تخبرنا سردية التطوّر الكبرى أنّ أوائل البشر عاشوا مثل جامعي الثمار في صحراء كالاهاري: جماعات صغيرة متنقلة تعيش بمساواة وديمقراطية كاملة؛ غير أنّ هذه المساواة اختفت مع تعاظم حالة الاستقرار في الأرض وارتقاء الزراعة لكون الزراعة منشطاً بشرياً يتطلّبُ إدارة حازمة للأرض واليد العاملة وموارد المياه. حصل بعد هذا نشوء المدن الصغيرة الأولى، ثمّ الدول في نهاية المطاف؛ الأمر الذي تطلّب المزيد من تعزيز التراتبيات الطبقية بفعل ظهور القادة والإداريين وتقسيم العمل والطبقات الاجتماعية. السردية التطوّرية – التي صارت مواضعة راسخة في الأذهان – واضحة إذن: المساواة البشرية تتطلب التضحية بها كثمن لا بديل عن دفعه في سبيل التطوّر البشري. شيء أقرب إلى مقايضة فاوستية حاسمة لا يمكن ملاعبتها أو تغييرها، وكلّ ما يمكننا فعله إزاءها هو القبول بها.
نُشِر في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 كتابٌ يناقضُ هذه السردية الاجتماعية التطوّرية الكبرى ويرى فيها سردية أسطورية. عنوان الكتاب هو فجرُ كلّ شيء The Dawn of Everything، مع عنوان ثانوي مثير: تاريخ جديد للإنسانية A New History of Humanity. الكتاب ضخمٌ يتجاوز السبعمائة صفحة، وفيه ملحق بيبلوغرافي شغَل وحده ثلاثاً وستين صفحة! أما مؤلفا الكتاب فهما: ديفيد غريبر David Graeber المتخصص بالأنثروبولوجيا الاقتصادية والناشط الفوضوي الذي أشغل مواقع جامعية مميزة في أميركا قبل أن توقفه جامعة ييل عن العمل بسبب نشاطه المؤثر في تأسيس حركة «احتلوا وول ستريت»، وعقب ذلك عمل غريبر في مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية. المؤلف الآخر هو ديفيد وينغرو David Wengrow أستاذ علم الآثار (الحفريات) في معهد الآثار التابع للكلية الجامعة في لندن. ثمة ملاحظتان مهمّتان في شأن هذا الكتاب: الأولى أنّه جاء نتيجة لمراسلات إلكترونية بين الكاتبين ناقشا فيها سردية التطوّر البشري، ثمّ تطوّرت هذه المراسلات لتصبح في نهاية المطاف كتاباً ضخماً. الملاحظة الأخرى، أنّ غريبر لم يشهد بنفسه نشر كتابه وتحقيقه أعلى المبيعات وانضمامه السريع إلى قائمة «البست سيلر»؛ فقد توفي في 2 سبتمبر (أيلول) 2020؛ أي قبل سنة من نشر الكتاب وبعد وقت قصير من إكماله متأثراً بمرض في البنكرياس.
يُرجِعُ مؤلفا الكتاب أصول السردية التطورية السائدة إلى فكر عصر التنوير الأوروبي، ويسوّغان رسوخ هذه السردية واستمراريتها غير المنقطعة لكونها مرغوبة من جانب كلّ الفرقاء السياسيين والاجتماعيين، سواء كانوا ذوي توجهات محافظة أو ليبرالية. بقدر ما يختصُّ الأمر بالليبراليين، على شاكلة آدم سميث Adam Smith مبتدع نظرية اليد الخفية التي تعمل على تحقيق التوازن الطبيعي في الأسواق، تمثل سردية التطور البشري قصة جميلة مرغوبة تعزز فكرة اللامساواة التي تتعاظم مع تزايد المناشط التجارية ونشأة الدولة الحديثة. الحال ذاتها تتماشى مع تنويعة أخرى في هذه السردية وظّفها اليساريون منطلقين من فكر الفيلسوف جان جاك روسو الذي رأى أن الحالة الطبيعية هي أن يكون الإنسان متحرراً من أي قيود مفروضة عليه؛ لكنّ مَقْدَمَ الزراعة وما تطلبته من امتلاك أراضٍ جعل الناس مقيّدين بقيود لم يعهدوها من قبلُ.
اندفع غريبر ووينغرو في كتابهما المشترك لتفنيد السردية الخطية للتطوّر البشري التي عضّدتها رؤى الأصوليين (المحافظين) والليبراليين (الثوريين)؛ فقد قدّما في كتابهما شواهد مستمدّة من البحث الأنثروبولوجي والآثاري لتفنيد مواضعات تلك السردية. ثمة على سبيل المثال في الكتاب كشوفات تفيد بأنّ حفريات في ولاية لويزيانا الأميركية أبانت أنّ الأميركيين الأوائل قرابة 1600 سنة قبل الميلاد أنشأوا أبنية ضخمة صالحة لحياة تجمعات بشرية ضخمة وليس جماعات بشرية متناثرة؛ الأمر الذي يوفر شاهدة مؤكدة بأنّ الجماعات البشرية الأولى من جامعي الثمار لم يكونوا محض بشر متفرقين يحيون حياة بسيطة منعزلة.
من المثير في الكتاب إشارة المؤلفين إلى «الثورة الزراعية»، تلك الانعطافة المفصلية في السردية التطورية للبشرية لكونها مثّلت قمّة هرم المقايضة الفاوستية عندما ارتضت البشرية أن تستبدل البساطة والمساواة بالغنى والرفعة الاجتماعية والتراتبية الطبقية. يرى المؤلفان – ببساطة – أنّ تلك الثورة لم تجرِ وقائعها بحسب التفاصيل المثيرة التي ترويها لنا السردية التطورية الكبرى بل جاءت الانتقالة من مجتمعات التقاط الثمار نحو المجتمعات الزراعية هادئة وممتدّة على مدى زمني طويل؛ فلم تكن الانتقالة تنطوي على أي خصائص ثورية، وقد تناغمت البنى الاجتماعية للانتقالة الزراعية مع البنى الاجتماعية السابقة. وبطريقة مماثلة لم تتطلب نشأة المدن الكبيرة ضرورة حتمية مسبقة لنشأة طبقة الملوك والكهنة والبيروقراطيين، ويقدّم غريبر ووينغرو أمثلة على بنى مجتمعية ظهرت فيها معالم سلطة شبيهة بمعالم سلطة المجتمعات المتحضرة الكبيرة؛ لكنّ الفرق أنّ السلطة في المجتمعات السابقة كانت غير ممركزة في مكان واحد.
من المهم عند قراءة هذه الكتاب الانتباه إلى حقيقة أساسية: عندما يقدّم المؤلفان أطروحة مناقضة للأطروحة السائدة لا يعني هذا أنهما يبشّران بحقبة ذهبية عاش فيها أسلافنا الأوائل من جامعي الثمار في حالة مساواة كاملة وحرية مطلقة. يؤكد المؤلفان في غير موضع من الكتاب على شيوع حالة الهُجنة Hybridity في المجتمعات البشرية الأولى: تراتبية في مواضع محدّدة ولاتراتبية في مواضع سواها، مساواة في ظروف محدّدة ولامساواة في ظروف سواها،،،، إلخ، ويقدّمان أقواماً مثل الشيروكي Cherokee والإنويت Inuit كأمثلة تطبيقية، حيث عاشت تلك الأقوام أزمنة تفاوتت بين الشمولية الطاغية والديمقراطية الناجزة اعتماداً على فصول السنة!
يؤكد المؤلفان في خاتمة الكتاب، أنهما كتبا هذا الكتاب مدفوعَيْن بمخرجات التنقيب الآثاري وبهجة ملاعبة الخيال الحر والتفكّر خارج صندوق المواضعات الراسخة، وأنّ أطروحتهما ليست سوى جهد فكري يحتملُ – بل يستوجب – النقد والتفكّر ومقاربة الموضوع من زوايا مغايرة غير مختبرة أو مدروسة بكفاية، وليس هذا سوى جزء من الحيوية الفكرية التي ينبغي أن نتعشقها في سعينا اللانهائي للبحث عن مغامرة الوجود البشري على هذه الأرض، ومآلاتها اللاحقة التي انتهت إلى ما نحنُ عليه اليوم.



«ملتقى نالا للسرد» يحتفي برائد القصة السعودية محمد علي علوان

الأديب الراحل محمد علوان
الأديب الراحل محمد علوان
TT

«ملتقى نالا للسرد» يحتفي برائد القصة السعودية محمد علي علوان

الأديب الراحل محمد علوان
الأديب الراحل محمد علوان

تنطلق اليوم (الأربعاء) في الرياض الدورة الأولى من «ملتقى نالا للسرد»، بمشاركة عدد من الأدباء والنقاد والباحثين والمبدعين. وتنظّم جمعية آداب وفنون السرد «نالا» الملتقى على مدى يومين.

وتُخصَّص باكورة دورات الملتقى للقصة القصيرة، التي تحمل اسم «دورة القاص محمد علي علوان»، للاحتفاء بتجربة أحد رواد القصة السعودية، وما قدَّمه من منجز أدبي أسهم في إثراء المشهد السردي المحلي.

وقال يوسف المحيميد، رئيس مجلس إدارة الجمعية والمشرف العام على الملتقى، إن الدورة الأولى تجمع عدداً من الأدباء والأكاديميين والكتّاب والمهتمين بالسرد، مشيراً إلى أن اختيار تجربة القاص علوان يأتي وفاءً لمنجزه الإبداعي وإسهاماته في تطور القصة السعودية. وأكد أن الملتقى يسعى إلى فتح مساحات للحوار والنقد في التحولات التي يشهدها هذا الفن الأدبي، وقضاياه الفنية والجمالية.

ويحتفي الملتقى في برنامجه بالأديب السعودي محمد علي علوان، أحد أبرز كتّاب القصة القصيرة في السعودية، الذي توفي في أغسطس (آب) 2024 عن عمر ناهز 73 عاماً.

وُلد محمد علوان في أبها عام 1950، وحصل على درجة البكالوريوس في الأدب العربي من كلية الآداب بجامعة الملك سعود عام 1974. وعمل في وزارة الإعلام منذ تخرجه، وتولى الإشراف الثقافي في عدد من الصحف والمجلات، كما شغل منصب وكيل الوزارة لشؤون الإعلام الداخلي.

نشر الراحل 6 مجموعات قصصية، وأشرف على الصفحات الثقافية في كل من مجلة «اليمامة» وصحيفة «الرياض» لسنوات عدّة. كما شارك في أمسيات قصصية نظَّمتها الأندية الأدبية وجمعية الثقافة والفنون، وكان عضواً مؤسساً في «مؤسسة عسير للصحافة والنشر».

ويتضمن الملتقى عرضاً مرئياً يتناول جوانب من سيرة القاص الأدبية، إلى جانب تكريمه وتدشين أعماله الكاملة، بما يسهم في توثيق تجربته وإبراز أثرها في مسيرة القصة السعودية.

وإلى جانب الاحتفاء بمسيرة الأديب السعودي علوان، يشتمل البرنامج العلمي في يومه الأول على قراءات نقدية تتناول تجربته، وجلسات تبحث الخصائص الفنية للقصة المعاصرة والثيمات البارزة في القصة القصيرة، إضافة إلى تقديم عدد من الشهادات والتجارب الإبداعية في مجال الكتابة القصصية.

ويبحث المشاركون في اليوم الثاني أثر التحولات المجتمعية والثقافية في القصة القصيرة، وحضور المدينة في السرد القصصي السعودي المعاصر، من خلال أوراق ومداخلات يقدّمها عدد من النقاد والباحثين والمبدعين، بينما تُختتم أعمال الدورة بإعلان التوصيات.

وأنهت اللجان التنظيمية والفنية والإعلامية استعداداتها لانطلاق الملتقى واستقبال المشاركين والضيوف، في خطوة تسعى الجمعية من خلالها إلى ترسيخه منصةً للحوار في فنون السرد، ودعم حضور القصة السعودية ومبدعيها في المشهد الثقافي.


من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إلياس خوري
إلياس خوري
TT

من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إلياس خوري
إلياس خوري

إذا كان مقدّراً لكل جيل من الأجيال أن يواجه نصيبه من التحديات، وأن يحمل من السمات الثقافية والفكرية والاجتماعية، ما يمكن أن يصبح إنجازه الخاص وعلامته الفارقة، فإن الجيل الذي سمّي بجيل السبعينات في لبنان هو أحد أكثر الأجيال تميزاً في الدور، وثراءً في التجربة، وتمزقاً بين الخيارات.

على أن الطالع الدراماتيكي لأبناء ذلك الجيل، قد شاء لهم وهم في أوج التفتح أن يشهدوا بأمّ أعينهم هزيمة يونيو (حزيران) عام 1967، وقصف مطار بيروت بعدها بعام واحد، ومظاهرات أبريل (نيسان) الصاخبة بعدها بعامين، وأن يواكبوا في الآن ذاته صعود المقاومة الفلسطينية وحركة اليسار الجديد، بما جعلهم يقفون على التخوم الفاصلة بين لبنانين متبايني الهوية والدور، قبل أن يقضي الاثنان معاً على مذبح التناحر الأهلي.

عقل العويط

وحيث كان من الطبيعي أن تحتضن الجامعة اللبنانية في تلك الفترة الكثرة الكاثرة من أبناء الفقراء والبورجوازية الصغيرة، وفق التصنيف الماركسي التقليدي، وأن تتحول بالتالي إلى بؤرة للتغيير وحركات الاحتجاج على ما اعتُبر آنذاك فساد السلطة وخنوعها ومواقفها السياسية المتخاذلة، فإن كلية التربية بالذات كانت «درة» التاج الجامعي، وواسطة عقده الأثمن.

ولا يعني ذلك أن كل المنتسبين إلى الكلية، كانت لديهم الأهداف ذاتها والطموح إياه، حيث إن بعض الملتحقين بها لم يروا فيها سوى المحطة التي لا بد من اجتيازها، للالتحاق بسلك التعليم الثانوي، الذي يوفر لهم الحد المقبول من الاستقرار والأمن المعيشي. إلا أن البعض الآخر راهنوا من خلالها على ما يتعدى الجانب الدراسي التقليدي، مؤثرين تحويلها إلى واحة متنوعة للتحصيل المعرفي، وإلى مساحة لتلاقح الأفكار، وإلى حاضنة مثلى لمغامرة التجديد وتيارات الحداثة الوافدة.

علوية صبح

على أن الدور الذي أنيط بالكلية، لم يأت من الفراغ المحض ولم يكن وليد الصدفة المجردة، بل تضافرت على تحقيقه عوامل عدة، بينها الامتحانات الجدية والنزيهة، التي كان على الطلاب المتبارين خوضها، لكي يحظوا بفرصة الالتحاق بالكلية. وبينها أن المقبولين من الطلاب كانوا قادمين من كافة مدن البلاد وقراها، ومن مناطقها الزراعية وأطرافها النائية، بما حوّل الكلية إلى وطن مصغر، تتفاعل بين ظهرانيه صفوة منتقاة من الطلبة المتفوقين، وأصحاب المواهب الفتية، والمخيلات الباحثة عن التفتح.

كما أن المنحة المالية التي كان يتقاضاها الطلبة المنتسبون للكلية، قد لعبت دوراً غير قليل في جعلها تتبوأ دورها الريادي بين كليات الجامعة الأخرى. ليس فقط لأنها تمنح هؤلاء مكافأة مادية لا توفرها أي مؤسسة أكاديمية مماثلة، بل لأن إعفاء الطلاب من مشقة البحث عن وظيفة أو مهنة توفر لهم سبل العيش، هو ما أتاح لهم التفرغ الكلي للدراسة، بقدر ما أتاح للكلية أن تتحول إلى ورشة دائمة للتفاعل الثقافي والفكري بين مكوناتها المختلفة.

حسن داود

لم تعد الكلية بهذا المعنى مجرد مؤسسة رسمية لتدريب الطلاب وتهيئتهم لمهنة التعليم، وهي التي حملت عند تأسيسها عام 1951 اسم «دار المعلمين العليا»، بل تمكنت بعد ذلك بسنوات من أن تتجاوز دورها الأساسي، لتتحول إلى منارة ثقافية حقيقية، وإلى مشروع فريد للتغيير وصناعة المستقبل. اللافت بهذا الخصوص أن ما حدث في بيروت الستينات والسبعينات، قد حدث ما يشبهه تماماً في بغداد الأربعينات، إذ كانت دار مماثلة لإعداد المعلمين، تضم بين جنباتها كلاً من بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ولميعة عباس عمارة، وتهيئ لهم الفرصة النموذجية والنادرة لإطلاق مشروع الحداثة الرائد، الذي لم يشهد الشعر العربي مثيلاً له عبر تاريخه.

ومع أن الفضل في ما أصبحت عليه الكلية، بنسختها اللبنانية، كان عائداً من بعض وجوهه إلى النخبة المنتقاة من أساتذتها، بينهم أدونيس وخليل حاوي وخالدة سعيد وأنطون غطاس كرم وأنيس فريحة والمطران جورج خضر ويمنى العيد وعلي شلق وريمون جبارة وميشال عاصي وغيرهم، فإنه كان عائداً من وجوه أخرى لنضالات الحركة الطلابية اللبنانية، كما للصفوة المختارة من الطلاب، الذين كان كلٌّ منهم يرسم للكلية دوراً يتجاوز دورها الأكاديمي، ويجعل منها صورة مصغرة عن الوطن الآخر، الذي كان يطمح لبنائه على مقاس أحلامه. ولن يعود من المستغرب تبعاً لذلك، أن يعمد العديد من الطلاب الناشطين والقياديين إلى الامتناع عن المشاركة في امتحانات نهاية العام، بهدف تمديد سنوات الدراسة لأقصى مدة ممكنة.

بول شاؤول

على أن سحر كلية التربية الفريد لم يكن متأتياً من قاعاتها الدراسية فحسب، بل كان منبثقاً بشكل خاص من ردهة الكافتيريا الواسعة، والواقعة أسفل المبنى الغربي، التي شهدت طاولاتها ومقاعدها أعمق النقاشات الفكرية والسياسية، وشهدت زواياها النائية ولادة الكثير من القصائد والنصوص النثرية، فيما شكلت من ناحية أخرى مسرحاً مناسباً لنشوء الصداقات وقصص الحب. اللافت في تلك الحقبة أن النجاح أو الفشل في نسج العلاقات العاطفية بين الطلاب والطالبات لم تكن معاييره متصلة بمنسوب الوسامة أو الثروة أو توفر السيارة والشقة السكنية، بل كان الطالب الأكثر صلة بالقراءة، والأكثراكتنازاً بالمعرفة، هو الأقدر من سواه على الفوز بقلوب الفتيات.

أما المهرجان الشعري السنوي الذي كان ينظمه ويشرف عليه بول شاوول، وآثر إعطاءه شكل المباراة بين الشعراء الشبان، فقد تحول من خلال مستوى المشاركين فيه، ولجنته التحكيمية المؤلفة من كبار الشعراء والنقاد اللبنانيين، إلى مناسبة دورية استثنائية، ينتظر انعقادها الكثيرون، ويقطع الفائز بجائزتها الخطوة الأولى على طريق الكتابة الشائك.

كلية التربية التي أُفرغت من الجدوى وتحولت إلى أطلال ما كانته قبل 50 عاماً لم تكن سوى صورة مصغرة عن الحلم الذي أضعناه

وإلى الشعراء والروائيين والمسرحيين والرسامين، كان ثمة نخبة واعدة موازية من القادة الطلابيين والمفكرين السياسيين والمناضلين من أجل التغيير. وإذا لم يكن بالمستطاع تسمية كل أولئك الذين تضافرت جهودهم لتضييق المسافة بين واقع وطنهم المتردي، وصورته المقابلة في نصوصهم ومخيلاتهم، والذين ما زال بعضهم يتصدر المشهدين الثقافي والسياسي في لبنان حتى يومنا هذا، يمكنني أن أسمي من بينهم، على سبيل المثال لا الحصر، عصام خليفة وأنور الفطايري وأنطوان سيف وبول شاوول ونصير الأسعد وإلياس عطالله وغسان شربل وجورج سمعان وإلياس خوري ورشيد الضعيف ومحمد العبدالله وعقل العويط وهاشم الأيوبي وحمزة عبود وعلوية صبح وهدى بركات وجودت فخر الدين وحسن داود وشربل داغر.

ولن تفوتني الإشارة في هذا الصدد إلى أن دور الكلية الثقافي لم يقتصر على الأنشطة الخاصة بأساتذتها وطلابها وحدهم، بل هي تعدت ذلك الدور لتجعل من قاعاتها المختلفة مساحة للثقافة والتنوير، يقف على منصاتها عشرات المبدعين اللبنانيين والعرب. وإذا كان البعض قد رأوا في وقفتهم تلك جواز مرورهم باتجاه التكريس، كما اعترف شاعر المحكية أسعد جوان، فقد استضافت الكلية سعيد عقل ومحمد الفيتوري وموريس عواد، إضافة إلى محمود درويش، الذي لم يتوان عن القول في الأمسية التي دعي لإقامتها، بأنه يشعر بالرهبة والخوف، لأنه يقف على المنبر الأكثر اتصالاً بمغامرة التجديد، معتبراً أن الأمسية تلك هي الامتحان الشعري الأصعب الذي يخوضه في حياته.

على أن ذلك الحلم الوردي لم يدم طويلاً، ليس فقط لأن الحرب الأهلية وما تلاها من كوارث قد أطاحت بجزء كبير منه، بل لأن السلطات المتعاقبة لم تستطع ابتلاع تلك الجرعة الفائضة من الحرية، وذلك المناخ غير المسبوق من الاندماج الوطني، فعملت على إجهاض التجربة من أساسها، لتقتصر مهمتها على تهيئة القادمين من الكليات الأخرى، للانخراط في مهنة التعليم، ولسنة واحدة لا أكثر، وليتوزع ما تبقى من المبنيين اللذين تشغلهما الكلية على مؤسسات جامعية أخرى. ومع ذلك فقد يبدو الأمر من بعض وجوهه، كما لو أن كلية التربية، التي أُفرغت من الجدوى، وتحولت إلى أطلال ما كانته قبل خمسين عاماً، لم تكن سوى صورة مصغرة عن الحلم الذي أضعناه، وعن الكيان الواعد الذي تعامل معه القائمون على مقدراته كغنيمة حرب، ولم يترددوا بعد ذلك في تحويله إلى حطام.


3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
TT

3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا

تبنّى الأمويون فن النحت، واعتمدوه بشكل خاص في ميدان العمارة المدنية، كما تشهد مجموعة من القطع الأثرية، أهمّها تلك التي خرجت من بين أطلال قصر يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة. بدأ استكشاف هذا الموقع في نهاية القرن التاسع عشر، وجرت أعمال المسح فيه خلال ثلاثينات القرن الماضي، وتبيّن أنه بُني في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. أسفرت أعمال التنقيب عن العثور على عدد كبير من التماثيل المتنوّعة، منها 3 قطع يمثل كلّ منها رجلاً مدرعاً. ويوحي هذا الزي المشترك بأن هذه الأنصاب تجسّد قامات متنوّعة من العسكر، أي من «مجتمع الجيش» كما جاء في تعريف «لسان العرب».

لم يصل أيٌّ من هذه التماثيل الثلاثة بشكل كامل للأسف، غير أن ما تبقّى منها يسمح بتحديد تكوينها الأول، واللافت أنها تمثّل اختلافاً كبيراً في بنيتها كما في أسلوبها الفني. تحضر إحدى هذه القطع على شكل قامة منتصبة فقدت رأسها. وتقابلها قامة أخرى فقدت كذلك رأسها، وبقيت منها كتلتان مهشّمتان. تمثّل القطعة الثالثة نموذجاً مغايراً، وهي على شكل تمثال نصفي يضمّ الرأس والصدر. تحاكي هذه المجسّمات من حيث الحجم المقياس الطبيعي للإنسان، ويتبنّى كلٌّ منها طرازاً فنياً خاصاً يتجلّى في الشكل الخارجي كما في الصياغة المتبعة في النقش والنحت. تتميّز القطعة الأولى بقامتها المنتصبة، وتتبنّى الطراز الكلاسيكي الروماني بشكل لا لبس فيه، ويتجلّى هذا الطراز في البنية التشريحية الخاصة بها، كما في زيّها التقليدي.

تمثّل هذه القامة رجلاً يقف بثبات، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، شاهراً بيده سيفاً سقط القسم الأعلى منه وضاع. تتدلّى الذراع اليسرى وتبدو ملتصقة بالصدر، وتمسك اليد بترس دائري زُيّن بشبكة من النقوش الزخرفية، تتكوّن من سلسلة دوائر ملتفة حول ذاتها، أكبرها شريط مزيّن بالزخارف اللولبية، يليه شريطان نحيلان مجرّدان. وتحضر في الوسط كتلة ناتئة على شكل قبّة، تعلوها سلسلة من الخطوط العمودية المرصوصة على شكل أسنان المشط. يرتدي هذا العسكري اللباس الروماني التقليدي، ومقوّماته سترة مدرّعة تنسدل وتحجب أعلى الساقين، مع حزام معقود حول الخصر. تزيّن هذه السترة 4 سلاسل من المساحات البيضاوية المرصوصة، تحاكي ما يُعرف بـ«لبوس الحديد» في «لسان العرب»، وتعلو هذه اللبوس منصات الكتف التقليدية المزيّنة بمساحات مماثلة، تنعقد على شكل سوارين عريضين حول أعلى الذراعين. يبدو هذا التمثال رومانياً من حيث الأسلوب، ويعكس نموذجاً شاع في تدمر كما في البتراء خلال القرون التي سبقت ظهور الإسلام.

اتخذ هذا النمط طابعاً محلياً نتيجة لهذا الانتشار، ويحفل الميراث الأدبي بالشواهد التي تؤكّد ذلك، منها قول أبو الأخزر الحماني: «مقلصاً بالدرع ذي التغضن/ يمشي العرضنى في الحديد المتقن». وقول عمرو بن معديكرب الزبيدي: «إن تلقَ عمراً فقد لاقيت مدرعاً/ وليس من همه إبل ولا شاء».

تأتي القطعة الثانية على شكل كتلتين منفصلتين لم يتمّ جمعهما كما يبدو. تمثّل إحدى هاتين الكتلتين الصدر، وتمثّل الأخرى الساقين، وفيهما يبدو اللباس على شكل عباءة تمتدّ حتى حدود الركبتين، كاشفة عن سروال فضفاض. يتبنّى هذا اللباس الطراز الساساني، ويعلوه شريط مضفور بسلسلة من الدوائر ينسدل حول العنق، وحزام مماثل ينعقد حول الخصر. تزين السروال شبكة متجانسة من المربّعات الملتوية تُعرف باسم «المُعين»، وتزيّن العباءة سلسلة تحاكي التعزيزات القشرية، ممّا يجعل منها قميصاً مدرّعاً، أي «قميص من حديد يلبس وقاية من السلاح»، كما يقول «لسان العرب».

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو كما أشرنا على شكل تمثال نصفي، يجسّد كما يبدو جندياً مدرّعاً يعتمر خوذة عريضة تعلوها قبة مزيّنة بشبكة من الخطوط العمودية. فقد هذا الجندي ذراعه اليمنى، وبدت ذراعه اليسرى مرفوعة في اتجاه صدره، غير أن يده تساقطت وبات من الصعب تحديد حركتها الأصلية. الوجه دائري ومكتنز، مع شاربين مقوّسين ولحية قصيرة تلتف حول ذقنه. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان، والعينان شاخصتان، وهما لوزيتان، ويتوسّط كلاً منهما بؤبؤ دائري عريض، يعلوه ثقب دائري غائر. الأنف قصير وناتئ، والثغر صغير، مع شق أفقي بسيط يفصل بين شفتيه. يماثل هذا الوجه في تكوينه الوجوه العديدة التي خرجت من قصر هشام في خربة المفجر، ويعكس نسقاً محلياً طبع النتاج الفني الأموي الخاص بميدان النحت.

تؤلّف هذه القطع المنحوتة مجموعة صغيرة تعكس صورة مختزلة لـ«مجتمع الجيش» في العالم الأموي، وتقابلها صورتان تفصيليتان من جداريات قصير عمرة في الأردن، تظهر في كلّ منها صورة عسكري يعتمر كذلك خوذة عريضة مقبّبة. يتكرّر هذا النموذج في لوح مستطيل منجز بتقنية الجص الجيري المنحوت، مصدره موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية في البادية السورية. تعلو هذا اللوح صورة فارس يظهر معتمراً خوذة مشابهة، ملتحفاً لباساً مدرّعاً، تعلوه شبكة من التعزيزات القشرية.

من ناحية أخرى، تشكّل هذه المجموعة الصغيرة رافداً من مجموعة كبيرة من الصور المنحوتة خرجت من موقع خربة المفجر في البادية الفلسطينية، وتقابل هذه المجموعة أخرى مشابهة خرجت من قصر الحير الغربي في البادية السورية. تشكل هذه الصور المنحوتة دليلاً حياً على استمرارية هذا الفن في بلاد الشام في ظل الحكم الأموي، بعد تراجعه في العهد البيزنطي، كما تؤكّد تبنّي السلطة الحاكمة لهذا التقليد في ميدان العمارة المدنية تحديداً.