حصول فلسطينيين على وضع قانوني بعد سنوات من «التيه» في غزة

فلسطينيون ينتظرون تسلم هوياتهم من مكتب الشؤون المدنية في غزة الأربعاء الماضي (أ.ب)
فلسطينيون ينتظرون تسلم هوياتهم من مكتب الشؤون المدنية في غزة الأربعاء الماضي (أ.ب)
TT

حصول فلسطينيين على وضع قانوني بعد سنوات من «التيه» في غزة

فلسطينيون ينتظرون تسلم هوياتهم من مكتب الشؤون المدنية في غزة الأربعاء الماضي (أ.ب)
فلسطينيون ينتظرون تسلم هوياتهم من مكتب الشؤون المدنية في غزة الأربعاء الماضي (أ.ب)

لم يتمكن خضر النجار من مغادرة قطاع غزة منذ عودته إلى الأراضي الفلسطينية قبل 25 عاماً، ولا حتى طلب العلاج الطبي لمرض ألم به في العمود الفقري، أو إلقاء نظرة الوداع على والدته التي توفيت في الأردن، العام الماضي.
أما السبب، فهو رفض إسرائيل السماح للسلطة الفلسطينية بإصدار بطاقة هوية وطنية له. وجعل ذلك من المستحيل عليه المغادرة، حتى قبل أن تفرض إسرائيل ومصر حصاراً عقابياً ضد القطاع عندما سيطرت حركة حماس المسلحة عليه عام 2007. وفي الأشهر الأخيرة، وافقت إسرائيل على منح إقامة لآلاف الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، وذلك في محاولة لتخفيف التوترات القائمة، مع الحفاظ على سيطرتها المستمرة منذ عقود على حياة أكثر من 4.5 مليون فلسطيني.
في هذا الصدد، قال النجار (62 عاماً) ويعمل نجاراً: «كابدت معاناة هائلة»، ووصف لوكالة «أسوشيتد برس»، سلسلة «أشبه بالكابوس»، من المحاولات الفاشلة للحصول على تصاريح لمغادرة المنطقة الساحلية الضيقة. أما الآن، فقد أصبح واحداً بين أكثر من 3200 فلسطيني في غزة من المقرر أن يحصلوا قريباً على بطاقة هوية وطنية. ومن شأن ذلك تسهيل السفر، لكنه مضطر إلى اجتياز متاهة من العقبات البيروقراطية المرتبطة بالحصار.
من ناحيتها، تقول إسرائيل إن القيود ضرورية لاحتواء «حماس»، في الوقت الذي ترى جماعات حقوقية، أن الحصار شكل من أشكال العقاب الجماعي بحق مليوني فلسطيني يعيشون في غزة. تجدر الإشارة في هذا الصدد، إلى أن إسرائيل سحبت جنودها ومستوطنيها من غزة عام 2005، بينما طردت حماس قوات السلطة الفلسطينية بعد ذلك بعامين.
ومع ذلك، لا تزال إسرائيل تسيطر على سجلات السكان الفلسطينيين، قاعدة بيانات محوسبة للأسماء وأرقام الهوية. وينظر الفلسطينيون ومعظم المجتمع الدولي إلى غزة، باعتبارها جزءاً من الأراضي المحتلة. وتشير تقديرات، إلى أن عشرات الآلاف من الفلسطينيين ليس لديهم إقامة قانونية، ما يجعل من المستحيل عملياً عبور الحدود الدولية، أو حتى نقاط التفتيش العسكرية الإسرائيلية المنتشرة في أرجاء الضفة الغربية. وقد عاد معظمهم إلى المنطقة بعد أن عاشوا في الخارج، ورفضت إسرائيل تدوينهم في السجلات.
تقول عهد حمادة، مسؤولة كبيرة في وزارة الداخلية التي تديرها حماس، إن هناك أكثر عن 30 ألف مقيم من دون وضع قانوني واضح داخل غزة وحدها. وافقت إسرائيل على منح الإقامة لحوالي 13500 فلسطيني، الأمر الذي أقدمت عليه كبادرة حسن نية عقب اجتماعات انعقدت بين وزير الدفاع بيني غانتس والرئيس الفلسطيني محمود عباس. وكانت هذه الدفعة الأولى من الإجراءات منذ انهيار محادثات السلام قبل أكثر من عقد.
في سياق متصل، استبعدت الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تتكون من أحزاب تدعم وأخرى تعارض قيام دولة فلسطينية، أي مبادرات رئيسية لحل الصراع، لكنها قالت إنها تريد تحسين الظروف المعيشية داخل الأراضي الفلسطينية. كما تريد دعم السلطة الفلسطينية التي بدأت تفقد شعبيتها على نحو متزايد، وتحكم أجزاء من الضفة الغربية وتتولى تنسيق الأمن مع إسرائيل. وفي بيان أصدره عقب اجتماعه مع عباس، تعهد غانتس بمواصلة دفع «إجراءات بناء الثقة في مجالات اقتصادية ومدنية».
من ناحيتهم، ابتهج الفلسطينيون في غزة، ورقصوا وهم يصطفون لتلقي رسائل من سلطة الشؤون المدنية التابعة للسلطة الفلسطينية تسمح لهم بالتقدم للحصول على بطاقات هوية وطنية وجوازات سفر. وذرف البعض دموع الفرح، بينما بدا البعض الآخر مذهولين بعد أن علموا أنهم ليسوا على القائمة.
تعود مشكلات الإقامة إلى عام 1967، عندما استولت إسرائيل على القدس الشرقية والضفة الغربية وغزة في حرب خاضتها في مواجهة الدول العربية المجاورة. ويرغب الفلسطينيون أن تشكل المناطق الثلاث المستقبلية إلى جوار إسرائيل. جدير بالذكر في هذا الصدد، أن إسرائيل أجرت إحصاءً سكانياً بعد ثلاثة أشهر من الحرب، ولم تسجل سوى الفلسطينيين الذين كانوا موجودين فعلياً. وفي وقت لاحق، سمحت لبعض الأشخاص الذين ليس لديهم وضع قانوني، بزيارة عائلاتهم بموجب تصاريح زيارة. كما عاد العديد من الفلسطينيين بعد اتفاقيات أوسلو في التسعينيات، وتجاوزوا مدة تصاريحهم على أمل أن تجري تسوية وضعهم في إطار اتفاقية سلام نهائية لم تتحقق قط على أرض الواقع. وبعد اندلاع الانتفاضة الثانية ضد الحكم الإسرائيلي، جرى لم شمل العائلات إلى حد كبير عام 2000، ويحظر على الفلسطينيون إلى حد كبير الانتقال إلى الضفة الغربية من غزة. ومنحت الموافقات الأخيرة حق الإقامة داخل الضفة لحوالي 2800 فلسطيني، انتقلوا قبل عام 2007 وكانوا معرضين لخطر الترحيل.
من ناحيتها، قالت «غيشا»، منظمة حقوقية إسرائيلية تدافع عن حرية الحركة، إنه من خلال طرح توسيع نطاق الإقامة كبادرة حسن نية، فإن إسرائيل تعيد تغليف شيء هي ملزمة بفعله بموجب القانون الدولي. وصرحت ميريام مرمر، المتحدثة باسم «غيشا»، إن هذه مجرد بداية، من بعض النواحي، لكن المشكلة برمتها أوجدتها سياسات إسرائيل المتشددة تجاه الفلسطينيين تحت الاحتلال. وأضافت: «ما يزال هناك بالطبع الآلاف الذين يفتقرون إلى وضع قانوني والملايين الذين ما زالوا يخضعون لنظام التصاريح». وكان النجار، الذي عاش في الأردن قبل انتقاله إلى غزة، من المحظوظين، فقد حصل هو وزوجته وأطفالهم الأربعة على الإقامة. وعلق بقوله: «الحمد لله، أصبح بإمكاني الآن الذهاب لزيارة أخواتي وعائلتي (في الأردن) بعد أن أصبح لدينا جوازات سفر».
ووجد الرعايا الأجانب أنفسهم، ومعظمهم من الفلسطينيين المولودين في بلدان أخرى وتزوجوا من فلسطينيين داخل المناطق المحتلة، في مأزق مماثل. من بين هؤلاء طارق حمادة، الذي قال إنه ما يزال ينتظر حصول زوجته الفلسطينية التي انتقلت إلى غزة من الكويت عام 1997، على الإقامة. وقال إنها تحلم طوال حياتها بأداء فريضة الحج إلى مكة المكرمة، لكنها عاجزة عن فعل ذلك.
من جانبه، حاول فائق النجار، من أقارب خضر، العودة إلى غزة من ليبيا عام 2008، لكن مصر رفضت لأنه لا يحمل بطاقة هوية وطنية، فتسلل عبر أنفاق التهريب على الحدود المصرية التي جرى تدمير الجزء الأكبر منها منذ ذلك الحين، وتقدم بطلب للحصول على بطاقة هوية، لكنه لا يعرف ما إذا كان سيحصل عليها. وقال: «لدي أخوات في مصر أرغب في زيارتهن. أبلغ 60 عاماً، متى إذن سأحصل على بطاقة هوية؟ عندما أكون على عتبة الموت؟».



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.