أميركا تنفي نيتها تقليص القوات في شرق أوروبا وخفض التدريبات العسكرية

بلينكن وستولتنبرغ يحذّران روسيا من «رد قوي»... ويرفضان تدخلها في تحديد الدول التي تنضم لحلف «ناتو»

تعهد الأمين العام لحلف «الناتو» ينس ستولتنبرغ بالتحاور مع موسكو «بحسن نية» (أ.ف.ب)
تعهد الأمين العام لحلف «الناتو» ينس ستولتنبرغ بالتحاور مع موسكو «بحسن نية» (أ.ف.ب)
TT

أميركا تنفي نيتها تقليص القوات في شرق أوروبا وخفض التدريبات العسكرية

تعهد الأمين العام لحلف «الناتو» ينس ستولتنبرغ بالتحاور مع موسكو «بحسن نية» (أ.ف.ب)
تعهد الأمين العام لحلف «الناتو» ينس ستولتنبرغ بالتحاور مع موسكو «بحسن نية» (أ.ف.ب)

في الوقت الذي تستعد فيه ويندي شيرمان نائبة وزير الخارجية الأميركي للقاء نظيرها الروسي سيرغي ريابكوف غداً (الاثنين)، في جنيف لبدء محادثاتهما بشأن الأزمة الأوكرانية، نفى البيت الأبيض تقريراً نشرته محطة «إن بي سي»، أشار إلى أن واشنطن تدرس احتمال خفض قواتها في أوروبا الشرقية وتقليص التدريبات العسكرية فيها، كاقتراح لخفض التوتر مع موسكو. وقالت المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي إميلي هورن في بيان، إنه «ليس دقيقاً الكلام الذي نقلته محطة (إن بي سي) عنا في تقريرها بأن الإدارة تقوم بتطوير خيارات لسحب القوات الأميركية بأوروبا الشرقية استعداداً للمناقشات المقبلة مع روسيا». وتابعت قائلة: «في الواقع، كنا واضحين مع روسيا، علناً وسراً، أنه في حالة غزو روسيا لأوكرانيا، فسوف نعزز حلفاءنا في الناتو على الجانب الشرقي، والذين لدينا التزام مقدس تجاههم». وأضافت: «بينما نعالج هذه الأزمة، ننتقد بشدة مع حلفائنا في الناتو تصرفات روسيا، على أساس مبدأ أن لا شيء يقرر من دونهم».
وكانت المحطة قد نقلت عن مسؤول كبير في الإدارة قوله إن الولايات المتحدة «تقوم بتجميع قائمة خيارات لتغيير وضع القوة في أوروبا لمناقشتها مع روسيا» في المحادثات. وأضاف أن الولايات المتحدة مستعدة لمناقشة تحركات محددة إذا كانت روسيا مستعدة لاتخاذ خطوات مماثلة لتقليص وجودها العسكري في المنطقة بما يتجاوز تقليص القوات في أوكرانيا. ورفضت واشنطن بالفعل بعض مطالب موسكو باعتبارها غير قابلة للتطبيق، ما يجعل التقدم السريع الذي يريده الكرملين في الاجتماعات التي ستعقد بدءاً من يوم الاثنين بين وفدي البلدين، أمراً غير مرجح، بحسب وكالة «رويترز». ومن المتوقع أن يعقد اجتماع آخر لمجلس الناتو وروسيا يوم الأربعاء، واجتماع يوم الخميس للمجلس الدائم لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، الذي يضم روسيا أيضاً.
ورفضت الولايات المتحدة وحلف الناتو بقوة مطلب روسيا بعدم قبول الحلف أعضاء جدداً، وسط مخاوف من أن روسيا ربما تخطط لغزو أوكرانيا، وهي خطوة ستكون مماثلة لما جرى عام 2014، عندما ضمت شبه جزيرة القرم. وتقترح موسكو أيضاً ألا تنشئ الولايات المتحدة أي قواعد عسكرية في دول الاتحاد السوفياتي السابق التي ليست جزءاً من التحالف، ولا تطور تعاوناً عسكرياً ثنائياً معها. وقال مسؤولون كبار في وزارة الخارجية للصحافيين الجمعة، إن سحب القوات في أوروبا ليس مطروحاً على الطاولة، وذلك في رد على سؤال حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تدرس جميع الخيارات قبل محادثات الأسبوع المقبل، بما في ذلك تغيير انتشار القوات. وقال مسؤول في وزارة الخارجية: «نحن لا ندرس خفض القوات في أوروبا كما يوحي التقرير الخاطئ الذي يتم تداوله»، في إشارة إلى تقرير محطة «إن بي سي». وتابع قائلاً: «الإدارة لا تناقش مع روسيا عدد القوات المتمركزة في دول البلطيق وبولندا». «وخلافاً لما نقله مسؤول لم يذكر اسمه في هذا التقرير الخاطئ، فإن الإدارة لا تجمع قائمة بتغييرات وضع القوة لمناقشتها في المحادثات المقبلة».
وأعلن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في اتصال منفصل مع الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ، بعد الاجتماع الافتراضي الاستثنائي الذي عقده وزراء خارجية الحلف أول من أمس (الجمعة)، أن روسيا ليس لها رأي فيمن ينبغي السماح له بالانضمام إلى الحلف. وحذرا روسيا من «رد قوي» على أي تدخل عسكري آخر في أوكرانيا. وشكلت تصريحاتهما رفضاً كاملاً لمطلب أساسي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي طالب حلف شمال الأطلسي بوقف خطط العضوية لجميع دول أوروبا الشرقية، بما فيها أوكرانيا وجورجيا. وكان بلينكن قد اتهم موسكو بـ«التضليل» عبر نشرها معلومات مضللة عن أوكرانيا من خلال ادعاءات عن أن الجمهورية السوفياتية السابقة تهدد روسيا وتسعى إلى نزاع. وحذر من أن الولايات المتحدة لن «تشتت» تركيزها بمطالب موسكو لجهة عدم توسع حلف شمال الأطلسي. وقال: «نحن مستعدون للرد بقوة على مزيد من العدوان الروسي. لكن الحل الدبلوماسي لا يزال ممكناً ومفضلاً إذا اختارته روسيا». وأكد أن روسيا حشدت عشرات الآلاف من القوات على طول الحدود مع أوكرانيا، متهماً إياها بذر الرماد في العيون عبر مطالب عدة هدفها تشتيت أنظار العالم عن السبب الحقيقي للأزمة الراهنة. وقال: «لا ينبغي لأحد أن يتفاجأ إذا قامت روسيا بالتحريض على استفزاز أو وقوع حادث ثم تحاول استخدامه لتبرير التدخل العسكري، على أمل أنه بحلول الوقت الذي يدرك فيه العالم الحيلة، سيكون الأوان فات».
وعلى الرغم من عدم ترجيح انضمام أوكرانيا إلى الحلف في المستقبل المنظور، فإن الناتو لا يستبعد انضمامها، إذا استوفت شروط العضوية، بحسب قواعد الحلف.
وتعهد الأمين العام للحلف، ينس ستولتنبرغ، الجمعة، بالتحاور مع موسكو «بحسن نية وفي القضايا الجوهرية» في المحادثات المرتقبة. وقال ستولتنبرغ في مؤتمر صحافي ببروكسل، بعد مؤتمر لوزراء خارجية «الناتو» عبر الفيديو: «لا بد من أن نستعد أيضاً لاحتمالية فشل الدبلوماسية». وأضاف ستولتنبرغ أن الوزراء شددوا على أن «أي عدوان إضافي ضد أوكرانيا ستكون له عواقب وخيمة وثمن باهظ لروسيا»؛ بيد أن التطورات التي شهدتها كازاخستان في الأيام القليلة الماضية، ومسارعة موسكو لإرسال جنودها للمساهمة في قمع الاحتجاجات المناهضة للحكومة في هذا البلد، فاقمتا من التوترات ومن قلق واشنطن بشأن الخطط الروسية.
وحذرت إدارة الرئيس بايدن من أنها تستعد لعقوبات قاسية إذا اختارت روسيا غزو أوكرانيا، وحذر بايدن خلال مكالمة هاتفية أواخر الشهر الماضي، مع الرئيس الروسي بوتين من مثل هذه العقوبات. وقال بايدن: «لقد أوضحت للرئيس بوتين أنه إذا اتخذ أي خطوات أخرى، وإذا ذهب إلى أوكرانيا، فسيواجه عقوبات صارمة. سنزيد من وجودنا في أوروبا مع حلفائنا في الناتو». وقال: «سيكون هناك ثمن باهظ يجب دفعه مقابل ذلك».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...