غابرييل بوريتش... يعيد تشيلي إلى معسكر اليسار

ثلاثيني كرواتي الأصل بات أصغر رئيس في أميركا اللاتينية

غابرييل بوريتش... يعيد تشيلي إلى معسكر اليسار
TT

غابرييل بوريتش... يعيد تشيلي إلى معسكر اليسار

غابرييل بوريتش... يعيد تشيلي إلى معسكر اليسار

إذا كانت كوبا هي المعقل الرئيسي للرمزية التاريخية بالنسبة لليسار الشيوعي في أميركا اللاتينية بثورتها المديدة الصامدة بالقبضة الحديدية وقمع الحريات وإلغاء التعددية السياسية، والمترنّحة منذ عقود على شفا الإفلاس والاحتضار، فإن تشيلي تجسّد الحالة الوحيدة التي وصل فيها الشيوعيون إلى الحكم عن طريق انتخابات ديمقراطية ودافعوا عنه حتى الموت.
هذا ما حصل مع الرئيس سالفادور الليندي الذي فضّل الموت على الاستسلام للعسكر، ومن ثم، أصبح عنواناً لرمزية أعمق بكثير - في نظر كثيرين - من رمزية فيديل كاسترو الذي برع في تصفية أعدائه بقدر ما برع في إلغاء منافسيه وإقصاء رفاقه الذين تجاسروا على مخالفته الرأي أو انتقاده.
وبعد 48 سنة من سقوط الليندي قتيلاً وهو يدافع عن قصر الرئاسة في وجه الانقلابيين، ومرور ثلاثين سنة على تسليم قائد الانقلاب الجنرال أوغوستو بينوتشيت (بينوشيه) الحكم إلى المدنيين، قرّرت تشيلي قبل انتهاء2021 إرسال الشاب اليساري غابرييل بوريتش (يكتب الاسم بوريك) إلى قصر «لا مونيدا» مقرّ رئاسة الجمهورية. ولقد فاز بوريتش في الدورة الثانية على منافسه اليميني المتطرف خوسي أنطونيو كاست، ليصبح أصغر رئيس في تاريخ تشيلي وأميركا اللاتينية وهو بعد لم يبغ الـ36 من عمره.
أبصر غابرييل بوريتش النور في مدينة بونتا آريناس، عند أقصى جنوب تشيلي. والتحق بكلية الحقوق في جامعة تشيلي المرموقة في العاصمة سانتياغو، التي كان أحد قادتها الطلابيين في الاحتجاجات التي كادت تسقط حكومة الرئيس المحافظ سيباستيان بينييرا إبان ولايته الأولى عام 2011. وفي العام التالي فاز برئاسة اتحاد الطلاب الجامعيين ضد منافسته الشيوعية كاميلا فاييخو قبل أن يترشّحا سويّة على لائحة واحدة في الانتخابات النيابية عام 2013.
في العام 2014 دخل بوريتش البرلمان إلى جانب فاييخو وأربعة من قادة الحركة الطلابية كانوا كلهم دون الثلاثين من العمر. وتسلّم قيادة حزب التوافق الاجتماعي أحد أركان «الجبهة العريضة»، التي تضمّ القوى اليسارية والحزب الشيوعي التشيلي، التي اختارته مرشحاً لرئاسة الجمهورية مطلع السنة الحالية بعد فترة تردد لفترة طويلة بسبب قلّة خبرته في المعترك السياسي.

اختلاف الآراء حوله
يأخذ خصوم بوريتش – المتحدر من أصول كرواتية – عليه، أنه لم يحصل على الإجازة الجامعية لأنه ترك الدراسة، ودخل البرلمان. كما يأخذ عليه البعض أنه ينتمي إلى عائلة ميسورة، وإلى الجيل الذي لم يعرف القمع والاضطهاد إلا من خلال القصص والروايات... وليس مثل الذين قامت الاحتجاجات الطلابية ضدهم. وهنا يقول أستاذ العلوم السياسي أوجينيو تيروني عن غابرييل بوريتش، إنه «نسخة محسنة عن الناشط الفرنسي واحد زعماء مايو (أيار) 1968 دانييل كوهين بنديت، لكنه عوضاً عن الانضمام إلى مجموعة هيبّية قرر تأسيس حزب جديد». ثم يضيف «إنه يتكيّف مع النظام القائم، لكنه يعزف عن تسلّق المناصب داخل الأحزاب التقليدية، ويؤسس الجبهة العريضة، حيث يهزم الحزب الشيوعي في الانتخابات الداخلية، ثم ينسج تحالفاً واسعاً بين قوى الوسط واليسار، ويمدّ يده إلى الحزب الديمقراطي المسيحي ويفوز برئاسة الجمهورية».
أما رئيسة الجمهورية السابقة ميشيل باشيليت (وهي اشتراكية) فتقول، إن «معظم جيل القياديين الشباب في الجبهة العريضة من أبناء مسؤولين في الأحزاب التقليدية لعبوا أدواراً بارزة في الحكومات التي تعاقبت منذ نهاية الديكتاتورية... ويجمع بينهم قاسم مشترك هو انتقادهم لهذه الحكومات التي يصفونها بالليبرالية الجديدة». وتضيف باشيليت مستدركة «لكن من المفارقات العديدة لهذا اليسار الجديد الذي يرفع شعار الانفتاح على قوى الوسط والتقدمية المعتدلة، أن الركيزة الأساسية للجبهة العريضة هو الحزب الشيوعي، الذي مضى قرن كامل على تأسيسه وما زال يحافظ على التزامه التام بالعقيدة الماركسية اللينينية، رغم وجود تيارات متناحرة داخله مثل التيّار الذي تتزعمه فاييخو».
ومن المآخذ الأخرى على بوريتش العلاقة الوطيدة التي تربطه ببعض القوى اليسارية المتطرفة التي سبق له أن شارك في عدد من أنشطتها ومهرجاناتها. غير أنه عبر مشاركته في الاحتجاجات الطلابية أظهر مرونة وقدرة على التوفيق بين أطياف الجبهة العريضة، وكان له دور محوري في الاتفاق السياسي الذي توصّلت إليه القوى السياسية يوم 15 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 لانتخاب هيئة مدنية مكلفّة وضع دستور جديد للبلاد. وهذا اتفاق خرج عنه الحزب الشيوعي، الذي هاجم أنصاره بوريتش في الشارع ووصفوه بـ«الخائن». وتجدر الإشارة إلى أن من أشد المتحمسين لدعم بوريتش في الانتخابات الرئاسية الأخيرة كانت مايا فرنانديز الليندي، حفيدة الرئيس الأسبق سالفادور الليندي.
وعن ذلك الدور المحوري الذي كان منعطفاً أساسياً في مسيرة بوريتش السياسية، يقول صديقه جيورجيو جاكسون، الذي يرجّح أن يتولّى إحدى الحقائب الرئيسية في الحكومة الجديدة «بعدما اندلعت موجة الاحتجاجات الطلابية والشعبية في العام 2019، ووصلت الأزمة السياسية إلى طريق مسدودة، اتصل غابرييل بالزعيم اليميني خوان أنطونيو كولوما الذي يرأس الكتلة البرلمانية الأكبر في مجلس الشيوخ، واتفقا على مخرج للأزمة بتغيير الدستور الذي وضعه بينوتشيت والقائم منذ العام 1980». وتابع جاكسون «وبالفعل، تمكّن بوريتش بقراره الفردي، يومذاك، من دفع الجبهة العريضة إلى التوقيع على الاتفاق الذي أيّدته جميع القوى السياسية لانتخاب هيئة دستورية وتكليفها وضع دستور جديد للبلاد. تلك الخطوة هي التي أوصلت بوريتش اليوم إلى سدة الرئاسة».

احتفال عشرات الألوف
وخرج عشرات الآلاف التشيليين في العاصمة سانتياغو يحتفلون بفوز بوريتش الذي خاطب أنصاره قائلاً «إن النمو الاقتصادي الذي حققته تشيلي في العقود الثلاثة المنصرمة، والذي يثير الغيرة في المحيط الإقليمي، يقوم على قاعدة رخوة لأنه لم يصل إلى المحتاجين». ونبّه أن حكومته ستفي بكل الوعود التي قطعها في الحملة الانتخابية، والتي كانت هي شعارات الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالصحة والتعليم للجميع من غير تمييز بين الأغنياء والفقراء، وتوفير العيش الكريم إلى الذين صنعوا هذا النمو.
ولكن في اليوم التالي، استيقظت تشيلي على انهيار أسعار بورصة العاصمة التي تراجعت بنسبة 8 في المائة، بينما كانت قيمة العملة الوطنية «البيزو» تتراجع أمام الدولار الأميركي إلى أدنى مستوى منذ أزمة العام 2008. وكان هذا مؤشراً مبكّراً على أن الالتزام بالوعود الانتخابية التي قطعها الرئيس الجديد يقتضي قرارات لا تستسيغها أسواق المال مثل زيادة ضريبة الدخل، خاصة على شركات قطاع المناجم الذي يشكّل المصدر الرئيس للعملة الصعبة في تشيلي، وإلغاء النظام التقاعدي الخاص الذي يموّل فقط من العمّال منذ أواخر سبعينات القرن الماضي.

الأهمية المركزية للاقتصاد
مع هذا، قلل المحللون الاقتصاديون من أهمية رد فعل أسواق المال؛ كونها تلقائية وعفوية عندما يفوز اليسار في أي انتخابات. وتقول باميلا فيغيروا، الأستاذة الجامعية في العلوم الاقتصادية، إن «بوريتش معتدل، وهذا من المفترض أن يحتوي ردة فعل المستثمرين في غضون أيام قليلة. ولكن لا بد له أن يسارع إلى الإعلان عن فريقه الاقتصادي من أجل تهدئة الأسواق، التي ليس من مصلحتها أن تعلن عليه الحرب؛ لأن الجميع على يقين من ضرورة أن يتعاون الجميع لإنقاذ الوضع الاقتصادي الذي أنهكته الاضطرابات الاجتماعية وجائحة (كوفيد – 19)».
من ناحية أخرى، لا شك في أن الاقتصاد سيتصدّر أولويات الرئيس الجديد، لكن ثمّة ملفات أخرى لا تقلّ أهمية، مثل الوضع الأمني والعلاقة مع البرلمان الذي تتوزع القوى اليسارية واليمينية مقاعده مناصفة، فضلاً عن عملية وضع الدستور الجديد التي تتولاها الهيئة المدنية. وعن هذا الملف الأخير، يقول الأستاذ الجامعي كريستوبال بيلوليو «لو كنت مكان بوريتش لاستثمرت كل رصيدي السياسي من أجل إنجاز مشروع وضع الدستور الجديد واعتماده بأغلبية واسعة في الاستفتاء الشعبي. مضمون الرسالة التي وجهها الناخبون إلى الرئيس الجديد هو أنهم يريدون دستوراً معتدلاً يعيد التوازن من جديد إلى البلاد. وإذا قرّر الدستور مثلاً تأميم قطاع المناجم، فهذا لن يحظى بتأييد مقاطعات الشمال (المنجمية). وبالتالي، من واجبات بوريتش الإصغاء إلى صوت الاعتدال، والاكتفاء بتضييق الشرخ الاجتماعي العميق عندما يسلّم الحكم بعد أربع سنوات مع دستور يطوي إلى الأبد صفحة الدستور الموروث من عهد بينوتشيت».
في أي حال سيجد بوريتش نفسه مضطراً إلى إتقان «فن التوازنات» أمام مجتمع ينتظر منه إنجازات اقتصادية سريعة وحلولاً لمشكلات هيكلية قديمة عجزت عن حلها جميع الحكومات السابقة. ذلك أن الإحباط قد يطلّ قريباً إذا تأخرت - أو تعثّرت - نتائج هذا الانتصار الذي رفع منسوب التوقعات إلى أعلى مستوى منذ عودة الديمقراطية إلى تشيلي في العام 1990.
والواقع، أن غابرييل بوريتش يصل إلى رئاسة تشيلي مدعوماً بتأييد غالبية واضحة (أكثر من 56 في المائة) من مواطنيه الذين صوّتوا ليسار جديد لا يحمل إرث الديكتاتورية الثقيل ضد المرشح اليميني المتطرف الذي يدافع عن هذا الإرث الذي رزحت تشيلي ثلاثة عقود تحت وطأته. ويبقى السؤال هو معرفة سقف الإحباط الذي يمكن للتحالف الجديد الذي سيحكم البلاد أن يصمد معه، والذي قد يفتح الباب أمام انفجار اجتماعي آخر قد يقدّم الحكم لليمين المتطرف على طبق من فضة.
التحالفات السابقة التي تعاقبت على الحكم منذ نهاية تسعينات القرن الفائت توزّعت على كتلتين كبيرتين: واحدة ضمّت قوى وسطية ويسارية، وأخرى ضمّت قوى وسطية ويمينية. إلا أن التحالف الذي يدعم الرئيس الجديد يقوم على الحزب الشيوعي و«الجبهة العريضة» التي تضمّ مجموعة واسعة من القوى والهيئات الطلابية والجامعية التي تشكّلت إبّان سلسلة الاحتجاجات التي بدأت في العام 2011... وكانت لحمتها الأساسية التجانس العمري والتشخيص المشترك للمشكلات الاجتماعية التي تعاني منها تشيلي.

أول خطاب لبوريتش
في خطابه الأول بعد إعلان النتائج النهائية، قال بوريتش «نحن أمام منعطف تاريخي، ومن واجبنا جميعاً ألا نضيّع هذه الفرصة». ومن ثم، تعهد بأن تصغي حكومته إلى نبض الشارع، وألا تتخذ قراراتها معزولة عن الناس بين جدران القصر الرئاسي. ولأنه يدرك جيداً أن الأسباب التي كانت وراء الاحتجاجات الشعبية ما زالت قائمة، وتنتظر أول فرصة لكي تفجّر الوضع مجدداً، دعا خصومه وجميع القوى الأخرى إلى الحوار والتعاون «كي يكون الدستور الجديد ملتقى الجميع على طريق المستقبل وليس مفترقاً».
أما المرشح اليميني المتطرف خوسيه أنطونيو كاست، فقد سارع من جهته إلى تهنئة بوريتش حتى قبل إعلان النتائج النهائية. وقال كاست «إنه (بوريتش) يستحق كل الاحترام. لقد فاز عن جدارة وأتمنى له النجاح في الحكم». إلا أنه، في المقابل، قال، إن المشروع السياسي الذي حمله إلى التقدم في الدورة الأولى من الانتخابات ليس عابراً. وتابع «إنني اتعهد أمام كل الذين صوّتوا لنا بأننا سنبقى دائماً بجانبهم ولن نتخلى عنهم أبداً. سنبقى في الأرياف مع تقاليدنا وعاداتنا، وإلى جانب ضحايا الإرهاب وضد كل المحاولات لتغيير وجه تشيلي الحقيقي»... مذكراً بأنه هو فاز في الدورة الأولى الفارق بنفسه الذي فاز به بوريتش في الدورة الثانية. بيد أن المعاينة الأولى للدورة الثانية من الانتخابات أظهرت أن بوريتش نال غالبية ساحقة بين الشباب دون الثلاثين من العمر وبين النساء وفي الأرياف، واستطاع أن يشكّل قاعدة شعبية أوسع بكثير من التي يستند إليها أي من الأحزاب التي تؤيده - بما في ذلك الحزب الشيوعي – ما قد يعطيه هامشاً واسعاً من المناورة في مواجهة التحديات العديدة التي تنتظره.



«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.