غابرييل بوريتش... يعيد تشيلي إلى معسكر اليسار

ثلاثيني كرواتي الأصل بات أصغر رئيس في أميركا اللاتينية

غابرييل بوريتش... يعيد تشيلي إلى معسكر اليسار
TT

غابرييل بوريتش... يعيد تشيلي إلى معسكر اليسار

غابرييل بوريتش... يعيد تشيلي إلى معسكر اليسار

إذا كانت كوبا هي المعقل الرئيسي للرمزية التاريخية بالنسبة لليسار الشيوعي في أميركا اللاتينية بثورتها المديدة الصامدة بالقبضة الحديدية وقمع الحريات وإلغاء التعددية السياسية، والمترنّحة منذ عقود على شفا الإفلاس والاحتضار، فإن تشيلي تجسّد الحالة الوحيدة التي وصل فيها الشيوعيون إلى الحكم عن طريق انتخابات ديمقراطية ودافعوا عنه حتى الموت.
هذا ما حصل مع الرئيس سالفادور الليندي الذي فضّل الموت على الاستسلام للعسكر، ومن ثم، أصبح عنواناً لرمزية أعمق بكثير - في نظر كثيرين - من رمزية فيديل كاسترو الذي برع في تصفية أعدائه بقدر ما برع في إلغاء منافسيه وإقصاء رفاقه الذين تجاسروا على مخالفته الرأي أو انتقاده.
وبعد 48 سنة من سقوط الليندي قتيلاً وهو يدافع عن قصر الرئاسة في وجه الانقلابيين، ومرور ثلاثين سنة على تسليم قائد الانقلاب الجنرال أوغوستو بينوتشيت (بينوشيه) الحكم إلى المدنيين، قرّرت تشيلي قبل انتهاء2021 إرسال الشاب اليساري غابرييل بوريتش (يكتب الاسم بوريك) إلى قصر «لا مونيدا» مقرّ رئاسة الجمهورية. ولقد فاز بوريتش في الدورة الثانية على منافسه اليميني المتطرف خوسي أنطونيو كاست، ليصبح أصغر رئيس في تاريخ تشيلي وأميركا اللاتينية وهو بعد لم يبغ الـ36 من عمره.
أبصر غابرييل بوريتش النور في مدينة بونتا آريناس، عند أقصى جنوب تشيلي. والتحق بكلية الحقوق في جامعة تشيلي المرموقة في العاصمة سانتياغو، التي كان أحد قادتها الطلابيين في الاحتجاجات التي كادت تسقط حكومة الرئيس المحافظ سيباستيان بينييرا إبان ولايته الأولى عام 2011. وفي العام التالي فاز برئاسة اتحاد الطلاب الجامعيين ضد منافسته الشيوعية كاميلا فاييخو قبل أن يترشّحا سويّة على لائحة واحدة في الانتخابات النيابية عام 2013.
في العام 2014 دخل بوريتش البرلمان إلى جانب فاييخو وأربعة من قادة الحركة الطلابية كانوا كلهم دون الثلاثين من العمر. وتسلّم قيادة حزب التوافق الاجتماعي أحد أركان «الجبهة العريضة»، التي تضمّ القوى اليسارية والحزب الشيوعي التشيلي، التي اختارته مرشحاً لرئاسة الجمهورية مطلع السنة الحالية بعد فترة تردد لفترة طويلة بسبب قلّة خبرته في المعترك السياسي.

اختلاف الآراء حوله
يأخذ خصوم بوريتش – المتحدر من أصول كرواتية – عليه، أنه لم يحصل على الإجازة الجامعية لأنه ترك الدراسة، ودخل البرلمان. كما يأخذ عليه البعض أنه ينتمي إلى عائلة ميسورة، وإلى الجيل الذي لم يعرف القمع والاضطهاد إلا من خلال القصص والروايات... وليس مثل الذين قامت الاحتجاجات الطلابية ضدهم. وهنا يقول أستاذ العلوم السياسي أوجينيو تيروني عن غابرييل بوريتش، إنه «نسخة محسنة عن الناشط الفرنسي واحد زعماء مايو (أيار) 1968 دانييل كوهين بنديت، لكنه عوضاً عن الانضمام إلى مجموعة هيبّية قرر تأسيس حزب جديد». ثم يضيف «إنه يتكيّف مع النظام القائم، لكنه يعزف عن تسلّق المناصب داخل الأحزاب التقليدية، ويؤسس الجبهة العريضة، حيث يهزم الحزب الشيوعي في الانتخابات الداخلية، ثم ينسج تحالفاً واسعاً بين قوى الوسط واليسار، ويمدّ يده إلى الحزب الديمقراطي المسيحي ويفوز برئاسة الجمهورية».
أما رئيسة الجمهورية السابقة ميشيل باشيليت (وهي اشتراكية) فتقول، إن «معظم جيل القياديين الشباب في الجبهة العريضة من أبناء مسؤولين في الأحزاب التقليدية لعبوا أدواراً بارزة في الحكومات التي تعاقبت منذ نهاية الديكتاتورية... ويجمع بينهم قاسم مشترك هو انتقادهم لهذه الحكومات التي يصفونها بالليبرالية الجديدة». وتضيف باشيليت مستدركة «لكن من المفارقات العديدة لهذا اليسار الجديد الذي يرفع شعار الانفتاح على قوى الوسط والتقدمية المعتدلة، أن الركيزة الأساسية للجبهة العريضة هو الحزب الشيوعي، الذي مضى قرن كامل على تأسيسه وما زال يحافظ على التزامه التام بالعقيدة الماركسية اللينينية، رغم وجود تيارات متناحرة داخله مثل التيّار الذي تتزعمه فاييخو».
ومن المآخذ الأخرى على بوريتش العلاقة الوطيدة التي تربطه ببعض القوى اليسارية المتطرفة التي سبق له أن شارك في عدد من أنشطتها ومهرجاناتها. غير أنه عبر مشاركته في الاحتجاجات الطلابية أظهر مرونة وقدرة على التوفيق بين أطياف الجبهة العريضة، وكان له دور محوري في الاتفاق السياسي الذي توصّلت إليه القوى السياسية يوم 15 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 لانتخاب هيئة مدنية مكلفّة وضع دستور جديد للبلاد. وهذا اتفاق خرج عنه الحزب الشيوعي، الذي هاجم أنصاره بوريتش في الشارع ووصفوه بـ«الخائن». وتجدر الإشارة إلى أن من أشد المتحمسين لدعم بوريتش في الانتخابات الرئاسية الأخيرة كانت مايا فرنانديز الليندي، حفيدة الرئيس الأسبق سالفادور الليندي.
وعن ذلك الدور المحوري الذي كان منعطفاً أساسياً في مسيرة بوريتش السياسية، يقول صديقه جيورجيو جاكسون، الذي يرجّح أن يتولّى إحدى الحقائب الرئيسية في الحكومة الجديدة «بعدما اندلعت موجة الاحتجاجات الطلابية والشعبية في العام 2019، ووصلت الأزمة السياسية إلى طريق مسدودة، اتصل غابرييل بالزعيم اليميني خوان أنطونيو كولوما الذي يرأس الكتلة البرلمانية الأكبر في مجلس الشيوخ، واتفقا على مخرج للأزمة بتغيير الدستور الذي وضعه بينوتشيت والقائم منذ العام 1980». وتابع جاكسون «وبالفعل، تمكّن بوريتش بقراره الفردي، يومذاك، من دفع الجبهة العريضة إلى التوقيع على الاتفاق الذي أيّدته جميع القوى السياسية لانتخاب هيئة دستورية وتكليفها وضع دستور جديد للبلاد. تلك الخطوة هي التي أوصلت بوريتش اليوم إلى سدة الرئاسة».

احتفال عشرات الألوف
وخرج عشرات الآلاف التشيليين في العاصمة سانتياغو يحتفلون بفوز بوريتش الذي خاطب أنصاره قائلاً «إن النمو الاقتصادي الذي حققته تشيلي في العقود الثلاثة المنصرمة، والذي يثير الغيرة في المحيط الإقليمي، يقوم على قاعدة رخوة لأنه لم يصل إلى المحتاجين». ونبّه أن حكومته ستفي بكل الوعود التي قطعها في الحملة الانتخابية، والتي كانت هي شعارات الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالصحة والتعليم للجميع من غير تمييز بين الأغنياء والفقراء، وتوفير العيش الكريم إلى الذين صنعوا هذا النمو.
ولكن في اليوم التالي، استيقظت تشيلي على انهيار أسعار بورصة العاصمة التي تراجعت بنسبة 8 في المائة، بينما كانت قيمة العملة الوطنية «البيزو» تتراجع أمام الدولار الأميركي إلى أدنى مستوى منذ أزمة العام 2008. وكان هذا مؤشراً مبكّراً على أن الالتزام بالوعود الانتخابية التي قطعها الرئيس الجديد يقتضي قرارات لا تستسيغها أسواق المال مثل زيادة ضريبة الدخل، خاصة على شركات قطاع المناجم الذي يشكّل المصدر الرئيس للعملة الصعبة في تشيلي، وإلغاء النظام التقاعدي الخاص الذي يموّل فقط من العمّال منذ أواخر سبعينات القرن الماضي.

الأهمية المركزية للاقتصاد
مع هذا، قلل المحللون الاقتصاديون من أهمية رد فعل أسواق المال؛ كونها تلقائية وعفوية عندما يفوز اليسار في أي انتخابات. وتقول باميلا فيغيروا، الأستاذة الجامعية في العلوم الاقتصادية، إن «بوريتش معتدل، وهذا من المفترض أن يحتوي ردة فعل المستثمرين في غضون أيام قليلة. ولكن لا بد له أن يسارع إلى الإعلان عن فريقه الاقتصادي من أجل تهدئة الأسواق، التي ليس من مصلحتها أن تعلن عليه الحرب؛ لأن الجميع على يقين من ضرورة أن يتعاون الجميع لإنقاذ الوضع الاقتصادي الذي أنهكته الاضطرابات الاجتماعية وجائحة (كوفيد – 19)».
من ناحية أخرى، لا شك في أن الاقتصاد سيتصدّر أولويات الرئيس الجديد، لكن ثمّة ملفات أخرى لا تقلّ أهمية، مثل الوضع الأمني والعلاقة مع البرلمان الذي تتوزع القوى اليسارية واليمينية مقاعده مناصفة، فضلاً عن عملية وضع الدستور الجديد التي تتولاها الهيئة المدنية. وعن هذا الملف الأخير، يقول الأستاذ الجامعي كريستوبال بيلوليو «لو كنت مكان بوريتش لاستثمرت كل رصيدي السياسي من أجل إنجاز مشروع وضع الدستور الجديد واعتماده بأغلبية واسعة في الاستفتاء الشعبي. مضمون الرسالة التي وجهها الناخبون إلى الرئيس الجديد هو أنهم يريدون دستوراً معتدلاً يعيد التوازن من جديد إلى البلاد. وإذا قرّر الدستور مثلاً تأميم قطاع المناجم، فهذا لن يحظى بتأييد مقاطعات الشمال (المنجمية). وبالتالي، من واجبات بوريتش الإصغاء إلى صوت الاعتدال، والاكتفاء بتضييق الشرخ الاجتماعي العميق عندما يسلّم الحكم بعد أربع سنوات مع دستور يطوي إلى الأبد صفحة الدستور الموروث من عهد بينوتشيت».
في أي حال سيجد بوريتش نفسه مضطراً إلى إتقان «فن التوازنات» أمام مجتمع ينتظر منه إنجازات اقتصادية سريعة وحلولاً لمشكلات هيكلية قديمة عجزت عن حلها جميع الحكومات السابقة. ذلك أن الإحباط قد يطلّ قريباً إذا تأخرت - أو تعثّرت - نتائج هذا الانتصار الذي رفع منسوب التوقعات إلى أعلى مستوى منذ عودة الديمقراطية إلى تشيلي في العام 1990.
والواقع، أن غابرييل بوريتش يصل إلى رئاسة تشيلي مدعوماً بتأييد غالبية واضحة (أكثر من 56 في المائة) من مواطنيه الذين صوّتوا ليسار جديد لا يحمل إرث الديكتاتورية الثقيل ضد المرشح اليميني المتطرف الذي يدافع عن هذا الإرث الذي رزحت تشيلي ثلاثة عقود تحت وطأته. ويبقى السؤال هو معرفة سقف الإحباط الذي يمكن للتحالف الجديد الذي سيحكم البلاد أن يصمد معه، والذي قد يفتح الباب أمام انفجار اجتماعي آخر قد يقدّم الحكم لليمين المتطرف على طبق من فضة.
التحالفات السابقة التي تعاقبت على الحكم منذ نهاية تسعينات القرن الفائت توزّعت على كتلتين كبيرتين: واحدة ضمّت قوى وسطية ويسارية، وأخرى ضمّت قوى وسطية ويمينية. إلا أن التحالف الذي يدعم الرئيس الجديد يقوم على الحزب الشيوعي و«الجبهة العريضة» التي تضمّ مجموعة واسعة من القوى والهيئات الطلابية والجامعية التي تشكّلت إبّان سلسلة الاحتجاجات التي بدأت في العام 2011... وكانت لحمتها الأساسية التجانس العمري والتشخيص المشترك للمشكلات الاجتماعية التي تعاني منها تشيلي.

أول خطاب لبوريتش
في خطابه الأول بعد إعلان النتائج النهائية، قال بوريتش «نحن أمام منعطف تاريخي، ومن واجبنا جميعاً ألا نضيّع هذه الفرصة». ومن ثم، تعهد بأن تصغي حكومته إلى نبض الشارع، وألا تتخذ قراراتها معزولة عن الناس بين جدران القصر الرئاسي. ولأنه يدرك جيداً أن الأسباب التي كانت وراء الاحتجاجات الشعبية ما زالت قائمة، وتنتظر أول فرصة لكي تفجّر الوضع مجدداً، دعا خصومه وجميع القوى الأخرى إلى الحوار والتعاون «كي يكون الدستور الجديد ملتقى الجميع على طريق المستقبل وليس مفترقاً».
أما المرشح اليميني المتطرف خوسيه أنطونيو كاست، فقد سارع من جهته إلى تهنئة بوريتش حتى قبل إعلان النتائج النهائية. وقال كاست «إنه (بوريتش) يستحق كل الاحترام. لقد فاز عن جدارة وأتمنى له النجاح في الحكم». إلا أنه، في المقابل، قال، إن المشروع السياسي الذي حمله إلى التقدم في الدورة الأولى من الانتخابات ليس عابراً. وتابع «إنني اتعهد أمام كل الذين صوّتوا لنا بأننا سنبقى دائماً بجانبهم ولن نتخلى عنهم أبداً. سنبقى في الأرياف مع تقاليدنا وعاداتنا، وإلى جانب ضحايا الإرهاب وضد كل المحاولات لتغيير وجه تشيلي الحقيقي»... مذكراً بأنه هو فاز في الدورة الأولى الفارق بنفسه الذي فاز به بوريتش في الدورة الثانية. بيد أن المعاينة الأولى للدورة الثانية من الانتخابات أظهرت أن بوريتش نال غالبية ساحقة بين الشباب دون الثلاثين من العمر وبين النساء وفي الأرياف، واستطاع أن يشكّل قاعدة شعبية أوسع بكثير من التي يستند إليها أي من الأحزاب التي تؤيده - بما في ذلك الحزب الشيوعي – ما قد يعطيه هامشاً واسعاً من المناورة في مواجهة التحديات العديدة التي تنتظره.



هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.