«لا تنظر لفوق»... ولا إلى تحت أيضاً

فيلم ساخر ينتقد البيت الأبيض والإعلام ويطرح أسئلة

دي كابريو وجنيفر لورنس في لقطة من «لا تنظر لفوق»
دي كابريو وجنيفر لورنس في لقطة من «لا تنظر لفوق»
TT

«لا تنظر لفوق»... ولا إلى تحت أيضاً

دي كابريو وجنيفر لورنس في لقطة من «لا تنظر لفوق»
دي كابريو وجنيفر لورنس في لقطة من «لا تنظر لفوق»

تستأذن رئيسة الجمهورية أورلين (ميريل ستريب) الجميع على الهواء بحجة الذهاب لقضاء حاجة. تترك ابنها جاسون (جونا هِل) المُعين رئيس الفريق الرئاسي وحده على المنصّة يواجه الحاضرين في القاعة. هؤلاء أخذوا يرشقونه بالقاذورات وهم يغادرون القاعة سريعاً. يجلس جاسون هناك مكرراً ما قالته له والدته بأنها ستعود بعد قليل. لكنها لن تعود... غادرت المنصّة والبيت الأبيض بأسره واستقلت طائرتها الخاصّة لتلحق بالبليونير بيتر (مارك ريلانس) الذي كان انسحب قبلها مستخدماً العبارة ذاتها. كلاهما يدرك أن حساباته كانت خاطئة وأن الكارثة التي حذّر منها البعض واقعة. الآن حان وقت الهرب والنجاة بالنفس.
في هروبها تركت رئيسة الجمهورية ابنها المدلل (بحسب مشاهد سابقة) وحيداً ليغطّي هروبها. تركته يموت. أما هو فما زال على الغباء ذاته الذي واكبه في كل مشهد له في فيلم آدم مكاي الرائع «لا تنظر لفوق» Don‪’‬t Look Up.
قبل ذلك كله يبدأ الفيلم كبداية ليست مختلفة عن أفلام أخرى تحدّثت عن احتمال أن يضرب نيزك كبير هذا الكوكب مسبباً نهايته. دكتور راندل ميندي (ليوناردو دي كابريو) ومساعدته كايت ديبسكي (جنيفر لورنس) يكتشفان أن هناك نيزكاً جانحاً سيصطدم بالأرض. بحسبان بسيط لديهما (معقّد لدينا) يدركان أن هناك ستة أشهر فقط قبل أن يحدث الصدام المروع.
لكن، وعلى عكس الأفلام الكثيرة التي تحدثت عن نهاية الأرض بضربة نيزك، لا ينصرف الفيلم لحكاية حول تضافر الجهود لمنع الكارثة (كما حال فيلم Deep Impact لميمي لَدر، 1989) ولا لإرسال صواريخ نووية لتفتيت النيزك قبل وصوله (Meteor - رونالد نيم، 1979) أو للنجاة في موقع ناءٍ من الأرض سوف لن يصبه الضرر (The Day After Tomorrow - رولاند إيميريش، 2004). ما يتلوه الفيلم هو فشل المسؤولين، على مستوى البيت الأبيض و«ناسا» في درء الخطر الساحق وتعثّرهم في اتخاذ القرارات الصائبة لمنع وقوع الكارثة. بكلمات أخرى، يعكس الفيلم الوضع المعتاد في أفلام ذات منطلقات شبيهة، فهو ليس عن نجاح الأرض في اللحظات الأخيرة في النجاة من الكارثة، بل كيف إنها لن تنجو من الكارثة مطلقاً.
«لا تنظر لفوق» هو فيلم جاد جدّاً في سخريته الهازئة جداً. مختلف في صياغته الفنية ليواكب موضوعه المختلف عن المعتاد. صحيح أنه يتبع السرد التقليدي لأي فيلم تنتجه هوليوود في أي اتجاه، لكنه يتمتع بما يكفي من اللحظات التي لا تستطيع أن تتجاهل اختياراتها لإيصال المفاد: اللقطات القريبة لوجه ميدني حين يحذر من الخطر في المقابلة التلفزيونية الأخيرة له، المشاهد المؤلّفة من لقطات سريعة لأسماك وطيور وماء وبشر وأعشاب وحياة طبيعية تتداخل وسط المشاهد الدرامية ذاتها لكي تشي بجمال مهدد وحياة أخرى إلى زوال. النجاح في كيفية إظهار أوجه الأزمة على صعيديها الفردي والسياسي والتقاط تفاصيل التصرّفات التي تختزل مرجعيات الشخصيات. نعم، كل هذا يمكن لمخرج جيد آخر توفيره، لكن تحت إدارة مكاي، ينتمي هذا الجهد إلى قرار مُحكم بالجمع بين جانبي المعالجة في بلاغة واضحة. خالية من دواعي الثرثرة اللفظية والخطابة، لكن هذا لا يعني أن الفيلم سيمرّ على عيوب الواقع المُعاش مبتسراً أو مكتفياً بالسخرية والكاريكاتور وحدهما.
ينطلق من تمهيد سريع: دكتور مندي ومساعدته يكتشفان وجود نيزك ضخم انطلق من عمق الفضاء في اتجاه لا التباس فيه: سيصطدم بالأرض بعد ستة أشهر. يتوجهان لمقابلة المسؤولين. بعضهم يحيل القضية إلى البيت الأبيض. الموعد الأول لا يتم، الثاني يقع بين هذين الشخصين الجادّين والمؤمنين بالخطر المتمثل والداعيان لمواجهته قبل فوات الأوان، وبين السيدة الأولى وابنها وكلاهما ساخر مما جاء به هذان الزائران. أقصى ما تستطيع رئيسة الجمهورية القيام به هو التفكير بالموضوع. يلتقط الإعلام ما يدور، لكن من زاوية الترفيه أكثر من زاوية البحث. مقدّمة اللقاء التلفزيوني بري إيفانتي (كيت بلانشت) منجذبة إلى العالم ميندي أكثر من انجذابها إلى العلم. زميلها (تايلر بيري) متمرّس في تفتيت أي قضية جادّة لكي تتحوّل إلى نادرة مسلّية تعجب المشاهدين.
إذ تنفجر ديبياسكي غضباً من هذا التصرّف (فتوضع على قائمة غير المرغوبين بالظهور على شاشة التلفزيون) ينساق ميندي إلى علاقة جنسية مع بري يخصص لها الفيلم ركناً محدوداً لا يضر ولا يحيد عن المشكلة الأساسية والقضية التي يطوّرها المخرج صوب صدام لاحق بين ميندي والبيت الأبيض والإعلام ذاته وهو يشهد بأن أحداً لا يصدّق دعواه والحكومة تكذب وعينها على الانتخابات المقبلة، بينما العالم في خطر.
إذا كان هذا المضمون متشائماً وسوداوياً فليكن. الاستخفاف به ربما هو صورة مصغّرة لاستخفاف المسؤولين بالخطر الذي انطلق د. ميندي ومساعدته كايت للتحذير منه. ما يؤازره هو أن المخرج مَكاي، يعالجه من زاويتين لا فاصل بينهما: هو بالفعل كوميديا سوداء هازئة من فشل السياسيين وأصحاب النفود في اتخاذ الموقف الحازم الذي يستطيعون القيام به لو أرادوا، وهو أيضاً، وبالدرجة ذاتها، جاد وواقعي في نقد التصرّفات الفردية لهذا للفئة التي تعيش فوق كوكبها الخاص، ورصف الأحداث اللولبية التي تحدد تبعات وجود تلك النماذج اللاهية التي يوفّرها الفيلم لمشاهديه.
تكاد رئيسة البيت الأبيض تمضي قُدماً في إرسال صواريخ محمّلة بالرؤوس النووية بغرض تفتيت النيزك الضخم لولا تدخل البليونير بيتر (الذي يناديها باسمها الأول) شارحاً لها أن هذا النيزك يحتوي على الذهب والفضة ولا يجب تفويت فرصة كهذه للحصول على ثروته.
علينا هنا أن نصنّف الأمور حسب مراجعها. بيتر، الذي هو ثالث أغنى أغنياء العالم حسب الفيلم، يذكّر بشخصية غايتس من حيث سُلطته وثرائه وشغله المتواصل على التكنولوجيا المنفصلة، لديه، عن كل أصل آخر للحياة. التذكير بغايتس ليس عارضاً أو غير مقصود والممثل مارك ريلانس يمنح هذه الشخصية الأداء المُحاك بدقة لمماثلة أي شخصية هلامية ذات شأن اقتصادي وطبيعة منفصمة عن الواقع. لديه سُلطة فوق الرئيسة. يأمرها فتنفّذ.
لكن هذا التماثل ليس سوى جانب من التذكير بغايتس (أو أي شخص آخر في قائمة مجلة «فوربس» لأثرياء العالم في الغرب) الجانب الآخر هو أننا نقرأ طوال الفيلم ما يحدث حاضراً بالنسبة لوباء كورونا وتبعاته. لا يغيب عن بال الممعن أن المقصود في الظل ليس الحكاية الخيالية حول النيزك الآتي من عمق الفضاء، بل الوباء المنتشر على الأرض من حيث الإثراء الحاصل من خلاله للبعض والخطر المحدق من جراء مخاطره الذي لا يُبالي الفريق الأول له إلا لمنفعته. هذا بالإضافة إلى الكيفية العاجزة التي يواجه فيها العالم هذا الخطر.
كل من تماثل بيتر بغايتس (كون الثاني مؤسس «ميكروسوفت» وأبرز العاملين في المجالات الإلكترونية الحديثة كما حال شخصية بيتر) والنيزك بـ«كورونا» واضح. قوّة الفيلم في سرد وضع خيالي ومعالجتها بنفس ساخر للتعبير عن وضع حقيقي قائم. رأى بعض النقاد أن بيتر يشبه إلون مسك (Elon Musk) أحد البارزين في علوم الأجواء والصناعات الفضائية الثقيلة، ربما هذا صحيح في جانب وحتى لو كان صحيحاً كلياً، فإن الغاية ليست الانفراد بشخص معين بقدر ما هي تحديد أولوياته ومشاغله وخطرها على البشر من حيث توجهها النائي عن صلب العلم ومنافعه.
حبكة الفيلم في هذا الشأن لا تترك المسائل افتراضية إلا بمقدار. نرى بيتر يجلس مكان السيدة الأولى مترأساً اجتماعاً. يناديها، كما ذكرت، باسمها الأول. في المشهد الذي سيحدّثها فيه عن مضار ضرب النيزك؛ ما يجعلها تأمر باستعادة الصواريخ النووية التي انطلقت لمواجهته يدخل الغرفة بلا إذن مسبق، ويطلب منها أن توافيه لحديث خاص. عندما تتأخر يدخل ثانية ويقول لها بحدّة «جيني، أريدك الآن».
تنصاع جيني لأوامره وتلغي مسألة التصدي للنيزك مقتنعة أن الضرر الناتج من تدميره أقل من الفوائد المتوقعة منه. لكن لاحقاً، عندما تتأكد من أن النيزك لن يترك بقعة من العالم إلا وفتك بها توافق على إطلاق تلك الصواريخ. ينطلق الصاروخ الأول فيرتفع قليلاً ثم يضرب باخرة راسية. يبتسم بيتر (الذي يشاركها القرار) ويقول «هذا هو خطأ الأربعة إلى الخمسة في المائة النسبي». إنه عندما يتأكد من أن الصواريخ تنفجر قبل الوصول وما يصل لا يؤثر يغادر مسرعاً تاركاً رئيسة الجمهورية لتتصرّف. هذه تحذو حذوه تاركة ابنها جاسون لمصيره وهو الذي لا يبدو إنه يفقه شيئاً مما يدور.
يقبض المخرج على النبرة الصحيحة (وربما الوحيدة) القادرة على المزج بين الكوميديا السياسية (سوداء وهازئة) وبين الواقع بلا تخفيف شأن. هذا الفيلم حول صلة الناس الوطيدة بالجهل والتجاهل. الحياة في خطر وما زال أكثرهم لا يكترث لأن يعاين ما يحذّر منه العلم. عن الإعلام الذي يموّه الأولويات طلباً للترفيه والسياسيين الذين يضعون السياسة قبل العدالة والذات قبل المصلحة العامّة. ثم - إذا كان كل ذلك غير كافٍ - عن معاداة المنطق والواقع والعلم والمثقفين عموماً.
كل الممثلين هنا رائعون في أدوارهم وليس فقط جنيفر لورنس وليوناردو دي كابريو. هما يحملان مهمّة النجاح في تجسيد ما يجهدان في إثباته، لكن الجميع متفهم كل لدوره في هذا الفيلم. بلانشيت رائعة ومارك ريلانس لا يمكن إغفاله. بدرجة أقل بقليل هناك ميريل ستريب التي تذكرك بأنها نجمة، لكنها تتقن دورها جيداً. يجيد المخرج خلط الأوراق من دون أن تضيع منه دلالة. وحين يأتي الأمر إلى تجسيد العنوان يختار مشهداً هو، كالكثير من المشاهد، مسار سخرية وخوف: في خطابها للشعب الأميركي الذي لا يعرف من يصدّق (هي أو العلم) تطلب من الناس ألا تتطلع إلى فوق. بل أن تنظر إلى تحت. العبارة من قوّة الإيحاء بأبعادها الاجتماعية والسياسية لدرجة لا يمكن إغفالها.
في النهاية هناك اللجوء إلى الدين. يعود العالم مندي إلى زوجته وأولاده ويستقبل في بيته آخرين آمنوا مثلهم بنهاية العالم بسبب الجهل (وليس عقاباً)، لكن من اعتقد أنها النهاية تقول إن الحل في التديّن على خطأ؛ لأن هذه العائلة وضيوفها ستتلقّى العاقبة ذاتها. هي ليست مثالاً على انفلات العالم من أخلاقياته وغلوّه في الخطيئة، بل تذكير بأن وقت الدعاء قد يتأخر وإذا ما فعل فلا نجاة لأحد.


مقالات ذات صلة

ترشيحات «الأوسكار» ترفع حرارة التوقعات بالفائزين

يوميات الشرق تيموثي شالاميه في «مارتي سوبريم» (A24 - أ.ب)

ترشيحات «الأوسكار» ترفع حرارة التوقعات بالفائزين

أُعلنت بالأمس ترشيحات جوائز «الأوسكار» للدورة 98، والتي ستقام في الخامس عشر من شهر مارس (آذار) المقبل. القوائم توحي بأن «الأوسكار»، كحفل وكناصية تقدير…

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا))
يوميات الشرق مخرجة الفيلم التونسية كوثر بن هنية ترفع جائزة الأسد الفضي من مهرجان البندقية (إ.ب.أ)

«صوت هند رجب» يصل إلى القائمة النهائية لـ«الأوسكار»

نجاح جديد أحرزه الفيلم التونسي «صوت هند رجب» بصعوده للقائمة النهائية لترشيحات الأوسكار الـ98 وهو الترشيح الثالث الذي تحققه المخرجة كوثر بن هنية.

انتصار دردير (القاهرة)
سينما مهرجان «برلين» المقبل ينشد استعادة مكانته

مهرجان «برلين» المقبل ينشد استعادة مكانته

بعد مهرجان «برلين» في دورته الـ76، التي تبدأ في 22 فبراير (شباط)، ينطلق المهرجان انطلاقة جديدة بعد سنوات من تعرّضه لعثرات إدارية وفنية.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
سينما شاشة الناقد: 3 أفلام عن مدارات الفضاء وأحلام الثراء والأخوة

شاشة الناقد: 3 أفلام عن مدارات الفضاء وأحلام الثراء والأخوة

«it‪’‬s a rip» يقول أحد أفراد البوليس الذين اقتحموا منزلاً ووجدوا فيه أكثر من 22 مليون دولار. في القواميس معنى كلمة «Rip» هو «تمزيق» أو «شق».

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
يوميات الشرق «قيمة عاطفية»... الفنّ لغة متأخّرة لما عجزت العائلة عن قوله (متروبوليس)

يواكيم تريير في بيروت... سينما التجربة البشرية في حالتها غير المُكتملة

أتاحت مشاهدة أفلام المخرج النرويجي يواكيم تريير في بيروت تلامساً مباشراً مع رؤية سينمائية تلمح في الإنسان كائناً غير مكتمل، يتشكّل عبر التردُّد والخسارة بقدر…

فاطمة عبد الله (بيروت)

مهرجان «برلين» المقبل ينشد استعادة مكانته

من «شذب الورد» (ذا ماتش فاكتوري)
من «شذب الورد» (ذا ماتش فاكتوري)
TT

مهرجان «برلين» المقبل ينشد استعادة مكانته

من «شذب الورد» (ذا ماتش فاكتوري)
من «شذب الورد» (ذا ماتش فاكتوري)

بعد مهرجان «برلين» في دورته الـ76، التي تبدأ في 22 فبراير (شباط)، ينطلق المهرجان انطلاقة جديدة بعد سنوات من تعرّضه لعثرات إدارية وفنية جعلته يتأرجح بين المكانة العالمية التي احتلّها سابقاً وبين الانتقال إلى وضع أدنى مقلق لا يتلاءم مع تاريخه الناصع. في العام الماضي، تعهّدت مديرة المهرجان الجديدة، تريشا تاتل، بأن تُعيد للمهرجان بريقه ودوره الريادي، وقد أنجزت بعض ذلك الوعد إلى حدّ مقبول، والمنتظر استكماله هذا العام.

معركة

في لقائها مع الصحافة قبل 3 أيام، ذكَّرت رئيسة المهرجان تاتل بأن دور المهرجانات اليوم هو الحفاظ على نبض السينما المستقلة في مواجهة المتغيّرات: «إنها معركة لضمان أن ثقافة السينما تستطيع الاحتفاظ بأنفاسها». وأضافت: «صالات السينما هي أقوى وسيلة ليعرض المبدع عمله. من المهم حقاً أن نشترك في مشاهدة الأفلام في الصالات، لأننا بحاجة إلى مزيد من التواصل والقليل من العزلة».

في الواقع، إن الوضع القائم مع انتشار سلطة المنصّات وجاذبيتها يؤيِّد ما تذهب إليه تاتل. فلولا جميع المهرجانات (تلك الغربية على وجه الخصوص)، لما بقي للسينما ذات التوجّهات الفنية شكل، وللجادة مضمون يُذكر.

ما يأمله المهرجان الألماني هو- على الأقل - تثبيت مكانته بين مهرجاني «كان» و«ڤينيسيا»، اللذين يقودان الحركة السينمائية البديلة عالمياً. ويُعدّ نجاح هذه الدورة أساسياً في صلب هذا الهدف.

فيلم الافتتاح هو «تقليم الورد» (Rosebush Pruning) لكريم عينوز (من أب جزائري وأم برازيلية)، الذي استقبل المهرجان له أفلاماً سابقة باستحسان عام. هذه السنة يعود بفيلم عن صراع الأقارب على إرث الأم بعد وفاتها. وغالباً ما يكون من نوع الأفلام التي تدور في مناسبة تجتمع فيها شخصيات سرعان ما تُبدي ما كانت تخفيه من مشاعر وأسرار.

إنه واحد من 22 فيلماً في المسابقة الرسمية، 20 منها لم يسبق عرضها عالمياً. الفيلمان الوحيدان اللذان شهدا عروضاً في مناسبة أخرى هما «جوزفين» لبِث دي أرايجو، الذي شارك في عروض مهرجان «صندانس» هذا الشهر، و«وولفرام» لوورويك تومتون، الذي عُرض في مهرجان «أديلايد» في أستراليا قبل 3 أشهر.

«ملكة عند البحر» (ذ ماتش فاكتوري)

أزواج وزوجات

سنشاهد فيلمين من إخراج سينمائيين تركيَّين، هما «رسائل صفراء» (Yellow Letters) للتركي إلكر شلق، عن رجل وزوجته يتعرّضان لحملة حكومية في يوم افتتاح مسرحيّتهما، ما يؤدي إلى زعزعة أركان حياتهما المشتركة.

والثاني فيلم شاركت السعودية في تمويله إلى جانب تركيا وفرنسا واليونان والسويد وهولندا، بعنوان «خلاص» لأمين ألبر، عن نزاع بين شقيقين حول الوسيلة التي يمكن من خلالها الدفاع عن بلدة تسودها عصابة.

في موقع آخر، يوفّر الفيلم النمساوي «الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (The Loneliest Man in Town) لتيزا كوفي حكاية عازف أغنيات بلوز يعيش بمنأى عن العالم المحيط، إلى أن يقرّر فعل شيء لإنقاذ شقته المهدّدة بالهدم.

في الفيلم الألماني «زوجتي تبكي» (My Wife Cries) قصة عامل بناء يهرع إلى المستشفى حال تلقيه اتصالاً من زوجته. وفي موضوع قريب ولو مختلف، يأتي «ذباب» (Flies)، دراما مكسيكية لفرناندو أيمبك عن رجل يستأجر شقة ليكون قريباً من المستشفى الذي ترقد فيه زوجته.

إنها معركة لضمان أن ثقافة السينما تستطيع الاحتفاظ بأنفاسها

هناك فيلم رسوم من إخراج الياباني يوشيتوشي شينوميا بعنوان «فجر جديد»، حول عامل في مصنع مهدّد بالإغلاق ومحاولته تجنّب البطالة بالكشف عن سر اختفاء والده من دون أثر.

ثلاثة أفلام عن المرأة، أولها «نينا روزا» للكندية جنڤييڤ ديلودي دي سيلاس، عن رجل يحاول معرفة ما إذا كانت الرسّامة التي أثارت اهتمامه بلوحاتها فنانة أصيلة أم لا.

الثاني هو «ملكة البحر» (Queen at Sea) للانس هامر، ومن بطولة جولييت بينوش، التي تلعب دور زوجة مصابة بسرطان متقدّم ومحاولة زوجها وابنتها مساعدتها في هذا المصاب. وهناك «هناك بحر آخر» (At the Sea)، فيلم مجري-أميركي عن امرأة (آمي أدامز) تعود لزيارة أهلها لتجد أمامها صدّاً بسبب عملها راقصة.

الفيلم الياباني «فجر جديد» (ملف مهرجان برلين)

مقابل غائب

ترسم هذه الأفلام صيغة البحث عن توافق عائلي، أو في بعض الحالات عمّا يهدّد حياتها المشتركة، كون العديد منها، والأخرى التي لا يتّسع المجال لذكرها، تدور في رحى ما يجمع أو ما يفرّق بين العائلات الغربية أو تلك التي تعيش في الغرب.

المقابل الغائب هو تلك النفحة من الأفلام التي سبق عرضها في الدورات الثلاث الماضية وما قبلها، والتي عمدت إلى طرح مسائل سياسية ساخنة، كالقضية الفلسطينية أو تاريخ التمييز العنصري ضد اليهود.

وبالتأكيد، هناك أفلام في برامج موازية للمهرجان ستوفّر بديلاً لما تعرضه المسابقة، وهو ما يجب البحث عنه خلال عروض المهرجان.


شاشة الناقد: 3 أفلام عن مدارات الفضاء وأحلام الثراء والأخوة

«النصب» (نتفليكس)
«النصب» (نتفليكس)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام عن مدارات الفضاء وأحلام الثراء والأخوة

«النصب» (نتفليكس)
«النصب» (نتفليكس)

THE RIP

النصب ★★★ إخراج: ‪ جو كارناهان ‬

الولايات المتحدة | تشويق بوليسي

حول ثروة ضخمة وخيارات قليلة

«it‪’‬s a rip» يقول أحد أفراد البوليس الذين اقتحموا منزلاً ووجدوا فيه أكثر من 22 مليون دولار. في القواميس معنى كلمة «Rip» هو «تمزيق» أو «شق». حسب التعبير الأميركي تعني حيلة ونصباً، لذلك يصرخ أحدهم بتلك العبارة محذّراً الآخرين من الوقوع في فخ محكم.

حكاية «نصب» بسيطة في الجوهر ومعقدة في التنفيذ: 5 أفراد من رجال ونساء البوليس يستهدفون منزلاً في مدينة ميامي تبعاً لوشاية بأنه يحتوي على مئات آلاف الدولارات. يكتشفون أن هناك أكثر من 22 مليون دولار مخبأة في غرفة سرية محصَّنة. القلق يسري في عروق هؤلاء لأن المبلغ يغري بتوزيعه بينهم باستثناء بعضهم، ولأن هناك قوة خارجية مجهولة تتربص بهم خارج المنزل.

لو أن المخرج جو كارناهان اختار لفيلمه أن يبقى داخل ذلك المنزل، لأنجز عملاً أفضل على الأرجح، لكنه بعد نحو 95 دقيقة يختار الانتقال بفيلمه إلى الشارع للكشف عمن يريد سرقة الغلّة.

على ذلك يحافظ الفيلم على مهارة وتشويق. بن أفلك هو التحري الذي يتبنى رفض سرقة الغلّة، بينما مات دامون يثير حوله غموض الموقف. الباقون بينهم رجل شرطة فاسد وامرأتان يتذكّران ماذا كانا سيفعلان بحصة من هذا المال لو أتيح لهما ذلك.

المداولات ناجحة رغم كثرة الحوار، والموضوع مثير بحد ذاته من زاويتين: ماذا لو أن رجال القانون، مع كل متاعبهم المادية وأحلامهم بغد أفضل، سمحوا لأنفسهم بالغنيمة؟ وهل سيفعلون ذلك أم سيقاومون الإغراء؟

قبل أن أنسى، هناك كلب مدرَّب على شم المال ونراه يكتشف أن البيت ملغوم بالدولارات، لكن بيننا، هل يمكن لأي كلب اكتشاف ذلك من وراء جدار تم بناؤه لعزل الغرفة السرية؟ لا أعتقد.

BUGONIA

بوغونيا ★★★ إخراج: ‪ يورغوس لانتيموس ‬

الولايات المتحدة | كوميديا سوداء

عن خطر العيش مع الغرباءفيلم المخرج اليوناني يورغوس لانتيموس الذي كوّن لنفسه صيتاً عالمياً كبيراً، الأخير تحذير من سقوط الإنسان في ورطة غزو من قوى خارجية تسيطر على مقدّراته. لا نأخذ هذه الرسالة بحذافيرها لأن القوى الخارجية قد تكون، لو نجح المخرج في الترميز، من يملك مقادير الحياة على الأرض من الساسة ومبدعي الصناعات الإلكترونية والسوشيال ميديا وكبار شركات الأدوية.

إيما ستون في «بوغونيا» (فوكاس فيتشرز)

فيلم المخرج اليوناني يورغوس لانتيموس، الذي كوّن لنفسه صيتاً عالمياً كبيراً، هو الأخير تحذير من سقوط الإنسان في ورطة غزو من قوى خارجية تسيطر على مقدراته. لا نأخذ هذه الرسالة بحذافيرها، لأن القوى الخارجية قد تكون، لو نجح المخرج في الترميز، من يملك مقادير الحياة على الأرض من الساسة ومبدعي الصناعات الإلكترونية والسوشيال ميديا وكبار شركات الأدوية.

لكن لانتيموس لا يريد أن يقترب من الواقع بأي شكل، ولا حتى الإيحاء به. يبني حكايته على أن رجلين هما تَدي (جسي بليمونز) ودوني (آيدن دلبس) يخطفان ميشيل (إيما ستون) وينقلانها إلى منزل منعزل. تَدي محارب في سبيل نقاوة الإنسان على الأرض، ودوني أضعف من أن يعترض. إنه تابع مخلص، وإذا ما طلب منه تَدي مراقبة ميشيل المقيّدة إلى كرسي بتهمة أنها ليست في الحقيقة بشراً بل هبطت من السماء لتسيطر على حياتنا، فإنه سيفعل ذلك بكل قناعة (إلى أن تتبدد هذه القناعة لاحقاً).

كان بالإمكان للفيلم أن يرسم ملامح أقرب إلى الحقيقة قبل الوصول إلى نهايته، حيث سنتعرف على ما إذا كانت ميشيل بشراً أم لا، من دون أن يتبنَّى الواقعية بشكل مباشر. لكن لانتيموس، الذي يحرص على حماية أسلوبه ومنواله الإخراجي، يفضل أن يبقى ضمن فانتازيا داكنة يدرجها تحت نوع من الكوميديا السوداء، مشحونة بأسلوب سبق أن وجد له أتباعاً كثيرين. أسلوبه يحمل سادية في التعبير؛ فهو مخرج يرى من الطبيعي تعريض أبطاله، خصوصاً إيما ستون، التي سبق أن ظهرت في فيلمين من أعماله هما «Poor Things» و«Kind of Kindness» لأوجاع بدنية ونفسية. تمنحه ستون كامل ثقتها ليمنحها موقعاً متميزاً ضمن مسيرتها الفنية، لكن ما نراه في الواقع قد يكون موجعاً أكثر من كونه مستحقاً.

السؤال الذي يطرأ أثناء متابعة مشاهد تعذيب شخصيتها هو: هل هذه التفاصيل ضرورية لنا أو للفيلم نفسه؟ ألم يكن بالإمكان أن يوحي بها المخرج بدلاً من عرضها صراحة؟

قد يتمتع لانتيموس بخيال جريء، لكن هذا لا يجعله بالضرورة فناناً عميقاً. أفلامه، عند إزالة القشور والانتباه إلى ما وراء المشاهد المخصصة للإبهار، لا تقدم أكثر من رؤية لما هو غريب وجديد، دون عمق حقيقي يستحق الثناء ذهب إليه نقاد عرب وغربيون على حد.

BROTHER

أخ ★★ إخراج: ‪ ماكياي سوبجنشكنسي

بولندا- 2025 | دراما عائلية

عن أم وطفلين ومتاهةدراما تعكس جهداً كبيراً من المخرج في تحليل العلاقات الأسرية بين ثلاثة أفراد (الأم وولديها) في غياب الزوج الذي يقضي عقوبة في السجن. تتعرّف الأم على أستاذ ابنها ديڤيد وتقيم علاقة معه.

من «أخ» (آبل فيلم برودكشنز)

الابن الأكبر يظهر ميولاً للعنف في المدرسة، فيسأله أستاذ الرياضة عن السبب، ومن خلال هذا الحوار يتواصل مع والدته، ما يؤدي إلى تطور تلك العلاقة. لكن ديڤيد يظل محور الفيلم، حيث يبحث المخرج في نشأة الصبي وسط أسئلته الحائرة التي يقدّمها الفيلم بشكل صامت.

حضور الأب في ذهن الأم وولديها أقوى من حضوره على الشاشة، وقد نجح المخرج في تقديم موضوع مثير للاهتمام على صعيد الحكاية وما يطرحه. غير أن التنفيذ كان مختلفاً، إذ يتبع المخرج أسلوب سرد يعتمد على انتقالات مستعجلة قبل أن يحقق كل مشهد هدفه بالكامل، في حين تبدو الكاميرا مشغولة بمشاهد استعراضية بلا سبب فعلي.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


العلاقة اللولبية بين دونالد ترمب والسينما

رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)
رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)
TT

العلاقة اللولبية بين دونالد ترمب والسينما

رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)
رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)

ما بين عامي 2004 و2017، ظهر دونالد ترمب في حلقات تلفزيونية أسبوعية بعنوان «المتدرّب». كان المستضيف ومدير النقاشات والمعلّق والمنتج المنفّذ. المسلسل كان من النوع القائم على المباريات والألعاب التلفزيونية الكوميدية. في مطلع كل موسم، تُقدّم مجموعة من المشتركين (بعضهم معروف) في مسابقات ومواقف مثيرة، ومن ينجح في الإجابات ينتقل إلى الأسبوع التالي، ومن يخسر لا يعود.

الهدف النهائي هو بقاء رابح واحد يؤول إليه المال والشهرة، وضيافة الرجل الذي بات لاحقاً رئيس الولايات المتحدة الأميركية.

دونالد ترمب في حلقة من «المتدرب» (إم جي إم تليفزيون)

بين ترمب وريغان

خلفية ترمب في «الشو بزنس» سبقت هذا المسلسل واستمرت بعده. في الواقع، ظهر ممثلاً في «وحيد في البيت 2» (Home Alone 2) سنة 1992. ثم شُوهد في دور صغير في آخر فيلم أخرجه وودي آلن بعنوان «مشهور» (Celebrity). لم يظهر ممثلاً يؤدي شخصية أخرى، بل بشخصيته هو، كما فعل في فيلم كوميدي آخر بعنوان «أسبوعا إنذار» (Two Weeks Notice) سنة 2002.

حقيقة أنه مثّل بشخصيته نفسها توحي بأنه اعتبر باكراً أن الكاميرات الوحيدة التي يريد الوقوف أمامها هي كاميرات وسائل الإعلام. لم يرغب في شق طريقه ممثلاً محترفاً، كما كان حال الرئيس الأسبق رونالد ريغان، بل في توظيف شخصه إعلامياً بمنهج سياسي محدد. هذه نقطة الاختلاف الأهم بينه وبين رونالد ريغان، الممثل الذي انتقل من أدوار ثانوية في السينما ابتداءً من عام 1937، ثم اعتزل التمثيل ليصبح حاكم ولاية كاليفورنيا عام 1967، تمهيداً لتوليه رئاسة الجمهورية الأميركية عام 1981 (خلفاً لجيمي كارتر) حتى عام 1989 (حين تلاه جورج بوش الأب).

كلاهما، ترمب وريغان، انتميا إلى الحزب الجمهوري، ولو أن ريغان بدأ توجهه السياسي عضواً في الحزب الديمقراطي قبل أن يستقيل منه وينتمي إلى الحزب المناوئ.

بعد سنوات من الأدوار الصغيرة، بدأ ريغان يُعزِّز حضوره على الشاشة بأدوار مساندة، كما في «سرب دولي» (International Squadron، للويس سايتر،1941)، ومن ثم تقدّم نحو أول بطولة له مشاركاً روبرت كامينغز في «صف الملوك» (Kings Row، لسام وود، 1941).

كان ريغان جاداً في رغبته بالنجاح في مهنة التمثيل، لكن مسيرته تعرَّضت للتراجع بسبب انضمامه إلى جهود الحرب العالمية الثانية، حيث خدم في وحدة الأفلام العسكرية منتجاً موادَّ تدريبية ودعائية، مما أبعده عن الشاشة لسنوات. وعندما عاد إلى الحياة المدنية، كان عليه أن يبدأ من جديد. وجد نفسه في منتصف الخمسينات في سلسلة من الأدوار المساندة، وأدرك أنه لن يستطيع تعويض ما فاته.

في المقابل، أدرك ترمب أن آماله ليست في الأفلام، على عكس ريغان الذي كان يرغب في أن يتبوأ النجومية لأطول فترة ممكنة.

جورج كلوني مبتسماً (نتفليكس)

استعادة الحلم الأميركي

يعود بعض الفوارق بين الرئيسين إلى اختلاف الظروف والمشكلات التي واجهها كل منهما خلال فترة حكمه. تبدو المرحلة الريغانية أكثر انسجاماً مع رغبات ذلك الرئيس في تحقيق هدف أساسي هو استعادة المبادئ الأخلاقية لأميركا. فقد تعرَّضت هذه المبادئ لهزّة كبيرة بسبب حرب ڤيتنام، التي كانت موضوعاً لأفلام عدّة مناوئة لها، إلى جانب الحراك الشعبي والإعلامي. ما هدف إليه ريغان كان استعادة إيمان الأميركيين بأميركا، وقد أنجز هذا الهدف بنجاح.

كذلك سعى إلى الحد من هيمنة الحكومة على الاقتصاد المحلي من ناحية، ومواجهة الاتحاد السوفييتي من ناحية ثانية، في إطار الحرب الباردة التي شهدها العالم بين القوتين العظميين.

ومثل كثير من الممثلين والمخرجين وأصحاب المهن السينمائية الأخرى في هوليوود، من بينهم جون واين، والمخرج سام وود، والممثل روبرت تايلور، وآخرون عديدون، كان ريغان عدواً لدوداً للشيوعية. أيَّد موقف اللجنة المكارثية التي حقّقت في انتماءات سينمائيي هوليوود ومسرحيي وكتّاب نيويورك، وما إذا كانوا يمهّدون لهوليوود «حمراء» أم لا.

أفلام كثيرة لريغان في تلك الفترة حملت مضامين إعلامية يمينية التوجه، وبدأ ذلك مع «جهاز الجو السري» (Secret Service of the Air) عام 1938، و«سرب دولي» (1941)، و«هذا هو الجيش» (This Is the Army) سنة 1943. كما تولى التعليق الصوتي لفيلم تسجيلي بعنوان «القتال لكسب السماء» (The Fight for the Sky)، إلى جانب أعمال أخرى.

صفر تسامح

يختلف منهج ريغان عن منهج ترمب في نوعية ممارسة السياسة الداخلية والخارجية. فعند الرئيس الحالي، هناك «صفر تسامح» مع كل نقد يوجَّه إليه، والأمثلة خلال الفترة القصيرة منذ توليه الحكم كثيرة: من مقاضاة مؤسسة «بي بي سي» البريطانية، إلى تقييد حرية تناول حياته الشخصية في الإعلام الأميركي، وصولاً إلى هجومه على إعلاميين تلفزيونيين انتقدوه، والتسبب في إحالتهم المبكرة إلى التقاعد.

إحدى أبرز هذه المحطات تمثّلت في خلافه الشديد مع الممثل جورج كلوني، الذي بدأ بوصف الرئيس له بأنه ممثل «رديء من الصنف الثاني».

وفي حفل «غولدن غلوبز» الأخير، سنحت الفرصة لكلوني لنقل خلافه مع الرئيس إلى مستوى آخر، حين تحدّث بالفرنسية أثناء تقديمه جائزة أفضل فيلم درامي، نكاية بتعليق سابق لترمب سخر فيه من كلوني وزوجته، اللذين نالا الجنسية الفرنسية.

وكان كلوني قد علّق سابقاً على سياسة ترمب قائلاً: «نعم، سنبني أميركا أولاً في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل»، وهو الموعد المحدد للانتخابات الثانية.

حتى اليوم، ومنذ توليه السلطة، عمد ترمب إلى تحديد أولوياته سريعاً وبحزم، ومن بينها محاولته إصدار تشريع يفرض ضريبة ثقيلة على كل فيلم أميركي المنشأ يُصوَّر خارج الولايات المتحدة. عدم منطقية هذا القرار لا تعني أنه لن يعود إليه في المستقبل.