شاشة الناقد

مشهد من «لو انهارت الجدران»
مشهد من «لو انهارت الجدران»
TT

شاشة الناقد

مشهد من «لو انهارت الجدران»
مشهد من «لو انهارت الجدران»

لو كانوا يطيحو الحيوط *****
• إخراج: حكيم بلعبّاس
• المغرب (2022) | دراما اجتماعية

تتعامل جميع أفلام حكيم بلعبّاس (منذ أعماله الأولى قبيل مطلع القرن الجديد) مع الذاكرة والماضي والحنين ومعاناة الناس مع الواقع والأقدار عموماً. غالب ما حققه ينتمي إلى النوع التسجيلي مثل «تلك الأيدي» (2008) و«أشلاء»(2009) و«ثقل الظل» (2015). لكنه أخرج كذلك أفلاماً روائية، مثل «خيوط» (2003) و«عليش البحر» (2006) و«عرق الشتا» (2016) وآخرها هذا الفيلم.
الباحث عن اختلاف كبير بين معالجته الفيلم التسجيلي وصياغته للفيلم الروائي، لن يجد الكثير من الاختلاف؛ لأن هذا المخرج يؤلّف ما يعرضه من ذات واحدة. من عمق واحد. من نبع وجداني لا يندرج في انتماء آخر غير انتمائه لصاحبه.
يستخدم بلعبّاس خيالاً غير مُقيد في أفلامه الروائية، لكنه ليس الخيال البعيد عن الواقع، بل ذلك الذي يستلهم من الواقع المُعاش ومن البيئة الاجتماعية الحاضرة ما يثريه. ودائماً ما تدور حكاياته فيما يعرفه المخرج جيداً كونه عاش البيئة ونما في المجتمع قبل أن يحمل ذكرياته معه أينما اتجه.
«لو كانو يطيحو الحيوط» (باللهجة المغربية والعنوان العربي الآخر المعتمد هو «لو انهارت الجدران») نموذجي في كل ما سبق قوله مع اختلاف وحيد هو إنه فيلم يحتوي على 17 فيلما (أو 18 إذا اعتبرنا المقدّمة فيلماً آخر) كل منها حكاية مختلفة الحدث تلتقي كلها في انتمائها إلى ينبوع الذاكرة المشغولة بحرية المزج ما بين الواقع والخيال. النسب مختلفة. في الحكاية الأولى، مثلاً، شاب لا يُرى من قِبل الآخرين لكن الحكاية ذاتها ليست فانتازية، بل مشدودة، كباقي الحكايات الخالية من الخيال الجانح، إلى الأرض.
لا يعمد المخرج لترقيم حكاياته أو لمنحها عناوين. تلج كل حكاية في الأخرى كما لو أن الفاصل بينهما مجرد خيط وهمي أو صورتان متلاصقتان جنباً إلى جنب، لكن كل صورة تتحدّث عن شيء مختلف كحكاية وكشخصيات، لكنها في الوقت ذاته جزء من الفيلم الأكبر المتحد عضوياً بلا نتوءات.
يتحدّث بلعبّاس عن الفرد والعائلة والأقارب والغرباء والقرية وما يقع فيها. تفوح حكاياته بأشباح الماضي وبذكريات بعضها - فقط – حانٍ؛ كون الفيلم ليس من النوع الذي يريد مداعبة الذاكرة باستخلاص أجمل ما تحمله. هي حكايات لنساء ولرجال ولشبّان ولأولاد أمام حالات حياة تحيّر الكبار ويعايشها الصغار ولو على سطح مشاغلهم الأخرى.
في واحدة من تلك الحكايات أستاذ يود بعث رسالة غرامية لحبيبته الطبيبة. يختار الولد الذي يعرف أنه سيوصل الرسالة بأمانة وبسرعة. ينطلق الصبي بها ركضاً. تقرأها. يعود بجواب منها يسعد الأستاذ. يعد الصبي بدرجة.
يُحتمل أن يكون الصبي هو الحكيم بلعبّاس نفسه. من يدري؟ لكن الحكاية هي الوحيدة التي لا تصاحبها أشواك القلق والخوف والمعاناة. وإحدى الحكايات القليلة التي تخلو من الدعاء ومن شبح الموت الطاغي. يحضر الموت من الحكاية الثانية (موت عجوز وغسله) ويتكرر حضوره في أكثر من حكاية (موت خلال حفل عرس، موت عجوز تحدّى صبياً في الركض، موت آخر في المستشفى، إلخ...).
الدعاء والصلاة حاضران كذلك مراراً: امرأة تدعو الله أن تنجب. صلاة قائمة. جنازة. موشحات دينية.
معظم شخصيات هذه الأفلام تعيش بين جدار الحياة المطبق عليها وبين الموت المقبل. ذلك الجدار هو الذي يمنعها من أن ترتاح وتنتعش وتقوى. حياتها موغلة في الخوف من الغريب ومن الماضي ومن الحاضر معاً. من المقدّرات المتوارثة والبيئة التي لا تستطيع النهوض من كثرة ما تحمله من هموم ومشاكل فردية وجماعية.
كل ذلك وسواه ينتمي إلى الصورة، لكن الصوت مجسّد هنا كما لا يتجسّد في أي فيلم آخر. في أكثر من فيلم هو صوت الحياة (صوت متواصل لأولاد يلعبون الكرة شاهدناهم أو لم نشاهدهم). صوت طرق على الباب في غير وقت مناسب. صوت مطر. صوت أقدام. صوت النداءات. صوت العصافير. ثم هناك فسحة لصوت الصمت ذاته.
ضمن هذا الاهتمام يولِي المخرج عناية فائقة بالغناء والموسيقى. تستمع لموشحات مغربية هنا ولأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب هناك. يفاجأنا هذا لأن استخدام الأغنية ليس مرتبطاً بمذياع مفتوح على أغانٍ قديمة في مشهد تجلس فيه امرأة تنظر من نافذتها. الذاكرة التي يبثّها الفيلم وجدانية من الحياة ذاتها وليس لأن الشخصيات تعيشها.
قدر كبير مما نراه لا يحمل تفسيراً كاملاً لحدوثه. ما معنى ذلك الشاب الذي لا يُرى. هو غياب لمن؟ من هو ذلك الشاب المقيّد بسلاسل في قبو لامرأة عجوز؟ ما هي حكاية السيارة التي تطير؟ ما موقع الخيال من الواقع؟ كيف يتلاحم الاثنان في سلاسة على صفحة واحدة؟
في الساعة الأولى يهيئونا بلعبّاس بحكايات من ذكريات طفولة ومن أجواء فرح ومن حكاية لرجل عجوز يزرع جداره بأقفاس كنارات وعصافير (مع أغنية لأم كلثوم) لمرحلة داكنة بشخصيات شبحية كعامل محطة الوقود والمرأة الوحيدة التي يدق جرس هاتفها فلا تجيب. لحظات ويدق الباب فتفتح لتجد عنده رجل أعمى. كل ما سبق والكثير مما لم يجد له هنا مكاناً للرصد مشغول بقدرة المخرج الفذّة على سرد حكاياته بالغموض المناسب من دون أن ينفر المرء مما لا يصل إليه أو يفتر اهتمامه بما يراه. هناك فترة بسيطة يتساءل فيها المشاهد عما إذا كان الفيلم الكبير يتضمن ما لا يستطيع حمله. عن ذلك الثقل الذي يتراكم حكاية وراء حكاية، لكن مع الاستمرار يُطيح الفيلم بذلك التساؤل بسبب قوّة منهجه وعلى الرغم من كثرة حكاياته.
«لو كانوا يطيحو الحيوط» فريد جدّاً من نوعه: 17 أو 18 حكاية متوالية بلا توقف ولا فواصل فعلية كل حكاية كان يمكن لها أن تتحوّل لفيلم طويل مع بعض الشغل عليها، ليس بالأمر السهل. كذلك ليس بالأمر السهل تجاهل ذلك الشغل الثري على اللون والأفكار. يذكّرنا الفيلم ببعض سيرغي باريانوف، لكنه لا يستوحي منه. ينفصل عن كل ما ألفناه من أفلام وأعمال ويتجاوز إبداعات سابقة لهذا المخرج المنفرد في رؤاه وبراعته. كذلك في أفكاره المستنبطة من الواقع لترمز لما هو أبعد منه.

All the Marbles ****
• إخراج: روبرت ألدريتش
• الولايات المتحدة (1982) | دراما
‫توفير هذا الفيلم النادر على أقراص دي ڤي دي مرمماً بعد 40 سنة على تحقيقه حدث صغير - كبير يتوّج رغبة من يريد الاستزادة من أفلام مميّزة في تلك الفترة‬ ومن تلك الأعمال الجيدة والمنسية للمخرج روبرت ألدريتش.
أبطال هذا الفيلم ثلاث فتيات جميلات (لورين لاندون وفيكي فردريك وتراسي ريد) يمارسن المصارعة النسائية في الملاعب بكل ما فيها من قسوة وعنف وألم ذاتي، خصوصاً وإن كلاً منهن لديها حلم تريد إنجازه بعيداً عن هذا العمل بينما العمر يمر والمستقبل يمضي من دون دلالة واحدة تؤكد أنهن (أو إحداهن) ستحقق ذلك الطموح الذي تتطلّع إليه. رجل الأعمال الذي يديرهن (بيتر فولك) طيب الحاشية وجاد في عمله. خبير في سوقه وفي حياة الشوارع ويحمي فتأتيه بدافع من العاطفة الأقرب إلى الأبوية. وعلى الرغم من أنه لا يعترف بالطيبة الكامنة في ذاته، فإنه يدركها. وهو لا يهتم بأن تصرخ إحداهن في وجهه مدعية أنه فاشل، كإنسان. المهم هو ألا يتهمه أحد بأنه فاشل كمدير أعمال.
في المقابل، هناك الحرفة الرياضية التي تمارسها الفتيات. قساوتها والألم الشديد الذي عليهن تحمّله في سبيل لقمة العيش المفروضة، أمام جمهور ينتشي بما يراه، ويمارس نوعاً من السادية المكبوتة وهو يتابع مصارعات الحلبة بين الانتصار والهزيمة. وخلف كل ذلك، المدينة التي تبدو مثل غابة ممزقة بشوارع وجسور هي الفواصل بين كل أبنائها وأحلامهم المتباينة.
تصل الأحداث إلى ذروتها في الفصل الأخير، حيث ستقع مباراة حاسمة سيدركن بعدها المرحلة الصعبة التي تجاوزنها التي ستنتقل بهن من قعر الحياة إلى بعض قممها. تنتعش آمالهن ويزيّن المخرج هذا الانتعاش بمشاهد فرح قبيل أن ينتظر الفريق بشق النفس.
إنه نصر بالكاد يتجاوز الهزيمة. نصر لن يحقق أمانيهن، بل سيمدهن بمزيد منه من دون أن يضمن نجاح إحداهن في تحقيق الانتقال من وضعها هذا إلى ما هو أفضل.
كعادة أفلام ألدريتش، «كل ذلك الرخام» يحمل حزناً يواكبه حتى النهاية. كافة أعمال ألدريتش تنتهي إما بهزيمة أو بنصر يوازي الهزيمة. ما يزيد من قيمة هذا الفيلم حديثه عن أميركا والأحلام التي لا تتحقق. يحيط ببيئة رياضية قلّما شاهدناها على الشاشة ويتوجه ثلاث ممثلات هن، كشخصياتهن، طمحن يوماً لشهرة أكبر حجماً، لكنهن لم يبلغنها.



مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).


شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)

FLIES

★★★1‪/‬2

إخراج: فرناندو أيمبك | المكسيك (2026)

دراما عن امرأة جميلة الصورة ومحدودة التأثير

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال. تستيقظ، في مطلع هذا الفيلم الذي عُرض عالمياً للمرة الأولى في مهرجان «برلين» الأخير، على طنين ذبابة. تفتح النافذة لتخرجها ثم تغلقها، لكن ذبابة أخرى تظهر في الغرفة. ترشها بالمبيد، فيتسبب لها بالسعال، فتعود إلى فتح النافذة طلباً للهواء.

يمكن قراءة هذه البداية بوصفها استعارة مجازية لحياة امرأة اعتادت أن تعزل نفسها عن العالم، تغلق عينيها وأذنيها عمَّا حولها. ومع اختيار المخرج التصوير بالأبيض والأسود، يغدو هذا العالم أقل بهجة.

لاحقاً، تضطر أولغا إلى تأجير غرفة إضافية في منزلها لتغطية نفقات المعيشة. المستأجر رجل يُدعى توليو (أوغو راميريز)، ترقد زوجته في المستشفى، فتوافق على استضافته بشروط صارمة (ألا يستخدم المطبخ، وألا يطيل البقاء في الحمّام). غير أنه يُخفي وجود ابنه الصغير كريستيان (بستيان إسكوبار)، إلى أن تكتشفه أولغا. تمنحهما أسبوعاً للمغادرة، لكن هذا الأسبوع يكفي لبدء تحوّل داخلي في نظرتها إلى الحياة، بفعل حضور ذلك الصبي.

التحولات العاطفية لا تأتي مقنعة تماماً، لكنها تخدم غاية الفيلم في استكشاف المشاعر المكبوتة التي تبدأ أولغا في استعادتها تدريجياً. الحوار مبتسر، والإخراج يعتمد على قوة الصورة ودلالاتها، ضمن معالجة هادئة وفعالة لموضوع بسيط.

THE GARDEN WE DREAMT

★★★

إخراج: خواكين دل باسو

المكسيك (2026)

عائلة مهاجرة تبحث عن ذلك الحلم الجميل

لفيلمه الثالث «الحديقة التي حلمنا بها»، اختار المخرج دل باسو مدير التصوير التركي غوخان تيرياكي لمنح فيلمه الجمال المستوحى من طبيعة المكان. ترياكي هو مدير التصوير الذي عمل أكثر من مرة مع مواطنه المخرج نوري بيلج جيلان، وإذا كان لا بد من المقارنة بين رسم الكاميرا لأماكن التصوير التركية وبين تلك التي تتبدى في هذا الفيلم، فإنه لزاماً الإشارة إلى أن البون شاسع، رغم أن القيمة الفنية لشغل مدير التصوير بديعة كالعادة. لكن المختلف بتميُّز مثير هو أن تصوير الغابات الداكنة والرغبة في متابعة الشخصيات من كثب (عوض تلك المشاهد البعيدة والمتوسطة في أفلام بيلج) مثيران للاهتمام والتقدير.

«الحديقة التي حلمنا بها» (مهرجان برلين)

يبدأ الفيلم بمشهد عند الفجر: غابة شاسعة ما زالت في الظلام، وأصوات الطيور تنتشر فوقها، قبل أن يعلو صوت شاحنتين تتقدمان صوب الكاميرا، مهاجمتين وداعة الغابة وجمالها وحتى وحشتها.

تتمحور الحكاية حول عائلة من 3 أفراد كانت قد نزحت من تاهيتي إلى المكسيك بحثاً عن حياة أفضل. المكان الذي وجد فيه رب العائلة عملاً، والكوخ الذي يأويهم، يؤكدان للعائلة صعوبة العيش في المحيط الاجتماعي الجديد لها، ليس فقط في ذلك الكوخ، بل أيضاً من حيث العيش مع عمال مكسيكيين يعانون من مشاق الحياة بدورهم. كون العائلة غريبة يفرض عليها عزلة أكبر.

إنه فيلم جيد آخر عن الهجرة، جديدةٌ تلك الغابة التي تعكس عالماً ضخماً وغامضاً، عصيّاً على الاستيطان.

FOREST UP IN THE MOUNTAIN

★★★

إخراج: صوفيا بوردناييڤ

الأرجنتين (2026)

تسجيلي عن العنف في الزمن الغابر واليوم

صوفيا بوردناييڤ ربما هي أول محامية تمارس مهنة الإخراج. أرجنتينية حققت فيلمها الأول سنة 2021، وذلك بعد نحو 30 عاماً من الاهتمام بحقوق الإنسان في مجال عملها الأول. ليست هناك طريقة متاحة لمشاهدة ذلك الفيلم، لكن فيلمها الجديد يبدو نابعاً من تلك الاهتمامات الإنسانية، وعرضه في مهرجان «برلين» هو خطوتها الأولى صوب حضور دولي كبير.

«غابة في أعلى الجبل» (ماليزا برودكشن).‬

يجمع الفيلم بين زمانين: حاضر قريب، وأمس بعيد، لكن ما يوحِّد بينهما هو العنف الممارس على البيئة الطبيعية المحيطة بقرية ڤيللا ماسكاردي، التي تنتمي إلى مقاطعة «ريو نيغرو» («النهر الأسود»)، والتي عاشت في جبالها وربوعها قبيلة مابوتشي. ينطلق الفيلم من حادثة ذهب ضحيتها شاب من القبيلة عندما فتح البوليس النار عليه. تهتم المخرجة بالقضية، لكنها تحفر في الزمن لتعرض أن هذه القبيلة كانت دوماً عرضة لأطماع الوافدين البيض. تمضي بعيداً صوب القرن الـ19 لتسرد أحداثاً أخرى مماثلة وتاريخاً مليئاً بالعنف والأطماع.

بوصلة اهتمام المخرجة موجهة صوب نبش الحقائق التي دائماً ما تمحورت حول ارتكاب البيض جرائم قتل للمواطنين. ليس لديها فيلم تستعين به لتناول مقتل الشاب رفائيل في العام 2017، لكنها تنتج فيلماً ناقداً للموضوع، استنتجت حيثياته من المحكمة التي نظرت في تلك القضية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً