«أبراهام لينكولن» تتوجه إلى المحيط الهادي

وسط تصاعد الخطاب العدائي بين الصين وتايوان

حامة الطائرات «أبراهام لينكولن» وفي الاطار صورة وزعتها البحرية الأميركية لقائدة الحاملة آمي باورنشميدت. (رويترز) (أ.ب)
حامة الطائرات «أبراهام لينكولن» وفي الاطار صورة وزعتها البحرية الأميركية لقائدة الحاملة آمي باورنشميدت. (رويترز) (أ.ب)
TT

«أبراهام لينكولن» تتوجه إلى المحيط الهادي

حامة الطائرات «أبراهام لينكولن» وفي الاطار صورة وزعتها البحرية الأميركية لقائدة الحاملة آمي باورنشميدت. (رويترز) (أ.ب)
حامة الطائرات «أبراهام لينكولن» وفي الاطار صورة وزعتها البحرية الأميركية لقائدة الحاملة آمي باورنشميدت. (رويترز) (أ.ب)

في مهمة وصفت بـ«الروتينية»؛ توجهت حاملة الطائرات النووية «أبراهام لينكولن» بقيادة قبطان امرأة، وذلك للمرة الأولى في تاريخ البحرية الأميركية، مع مجموعتها القتالية، إلى منطقة غرب المحيط الهادي. وغادرت الحاملة مرساها وعلى متنها للمرة الأولى، أيضاً، سرب مقاتلات من طراز «إف 35 سي» الأكثر تطوراً، تابعة لقوات «المارينز»، بعدما أنجز طاقم الحاملة برنامجاً تدريبياً استغرق 9 أشهر.
ويأتي نشر المجموعة القتالية التي تضم الحاملة و7 سفن حربية، تضم طرادات ومدمرات حاملة للصواريخ الموجهة، وسط تصاعد الخطاب العدائي بين الصين وتايوان، والتوترات الناجمة عن قيام الصين بنشر قواتها وإقامة جزر صناعية ودخولها في صراعات إقليمية على حقوق الاستثمار في المنطقة. وفيما لم يعلق قائد المجموعة الضاربة، الأدميرال جيفري آندرسون، خلال مؤتمر صحافي عقده مساء الاثنين، على هذا الأمر تحديداً، فإنه قال إن المجموعة الضاربة مستعدة لإنجاز مهمتها مهما كانت الأوضاع.
وقال: «نحن مدربون، ولدينا القدرة على تنفيذ الانتشار على مستوى عالمي. مهمتنا هي توفير القدرة القتالية والقوات البحرية الجاهزة حتى نتمكن من العمل جنباً إلى جنب مع حلفائنا وشركائنا، لنكون قادرين على ردع العدوان وتعزيز حرية الملاحة وسيادة القانون والمبادئ الأخرى التي تدعم الأمن في منطقة المحيطين الهندي والهادي وأيضاً مواجهة النفوذ الخبيث».
من جهتها؛ قالت القبطان آمي باورنشميدت، قائدة الحاملة «لينكولن»، إن طاقمها كان يؤدي أداء استثنائياً خلال عمليات التدريب، وإنها شعرت بالتواضع لتكليفها بسلامتهم. وكان 5 بحارة لقو مصرعهم في سبتمبر (أيلول) الماضي، خلال عمليات التدريب عندما اصطدمت مروحيتهم بسطح الحاملة وسقطت في البحر، وذلك بعد 12 يوماً فقط من تولي باورنشميدت مهمة قيادة الحاملة. وفيما أكدت أن التحقيقات لا تزال جارية لتحديد أسباب الحادث، قال تقرير أولي إن المروحية تعرضت لاهتزازات عنيفة قبل اصطدامها بسطح الحاملة.
في هذا الوقت، بدأت الولايات المتحدة واليابان تدريبات عسكرية مشتركة، تستخدم فيها معدات متطورة تشمل أحدث التقنيات العسكرية، وذلك في محاكاة للاستعداد لصد غزو صيني محتمل ضد تايوان، قد يمتد إلى بعض جزر اليابان نفسها. وذكر تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» أن جنود البلدين يتدربون منذ شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، على استخدام طائرات وقاذفات صواريخ لمهاجمة سفن وهمية لدولة لم يتم ذكر اسمها، لكن ربما تكون الصين. كما نفذ جنود آخرون تدريبات مماثلة في إحدى الغابات على ساحل اليابان الشمالي، قام خلالها نحو 20 جندياً من مشاة البحرية الأميركية والجنود اليابانيين، بقراءة خرائط ومعالجة بيانات على أجهزة كومبيوتر محمولة. وشكلت تلك التدريبات أولى العمليات المشتركة بين قوات المارينز وجنود الدفاع الذاتي الياباني، للتدريب على تدمير أهداف بحرية باستخدام صواريخ أرض تطلق من سفينة، يعمل عليها ضباط يابانيون وأميركيون، لتوجيه الصواريخ والطائرات والسفن والرادارات من كلا الجانبين. وقال الرائد بن ريدينغ؛ الضابط المنسق لمحاكاة الضربات الصاروخية لمشاة البحرية: «في منطقة المحيطين الهندي والهادي، تتحدث عن مسافات شاسعة، وعلينا أن نقاتل مع حلفائنا بكل الأصول التي يمكننا الاستفادة منها».
وبحسب التقرير، تدفع المخاوف بشأن الصراع الإقليمي؛ وعلى الأخص من الصين التي تهدد بالاستيلاء على تايوان بالقوة، الجيشين الأميركي والياباني إلى زيادة تدريباتهما وتعميق تكاملهما. ويلعب حلفاء أميركا وأصدقاؤها في المنطقة دوراً أكبر في التصدي للصين. وتبني أستراليا دفاعاتها من خلال إنفاق أكثر من 180 مليار دولار على برامج دفاعية عالية التقنية؛ بما في ذلك الصواريخ بعيدة المدى، وتوقيعها على عقد ضخم في إطار تحالف ثلاثي مع بريطانيا للحصول على 8 غواصات نووية أميركية، بينما تخطط تايوان لزيادة الإنفاق العسكري على مدى السنوات الخمس المقبلة.
وتعبر اليابان عن قلقها من التحركات الصينية منذ سنوات، تخوفاً من قيام بكين بالمطالبة بجزر تسيطر عليها اليابان في بحر الصين الشرقي. وفي عام 2018، أنشأت «لواء الانتشار السريع البرمائي»، على غرار قوات المارينز. وأعرب الجنرال كايل إليسون عن سعادته لحدوث تقدم كبير في قدرة اللواء الياباني على الانتشار والاشتباك مع العدو بسرعة. ورغم استبعاد تورط الجيش الياباني في أي صراع خارج أراضي الدولة بسبب القيود الدستورية؛ فإن القادة اليابانيين يعبرون عن قلقهم من أن أي صراع في تايوان قد يمتد سريعاً ليشمل الجزر اليابانية القريبة، وبأنهم يحتاجون للعمل مع الولايات المتحدة للاستعداد لتلك التطورات. ويمكن لوحدات الصواريخ اليابانية المضادة للسفن في سلسلة جزرها الجنوبية، أن تساعد في مواجهة أي محاولة من جانب الصين لإرسال سفن إلى غرب المحيط الهادي لصد الولايات المتحدة. ونقل تقرير الصحيفة عن ناروشيغ ميشيشيتا، نائب رئيس «المعهد الوطني للدراسات السياسية» في طوكيو، قوله إن «أحد أهم أهداف العمليات المشتركة بين الولايات المتحدة واليابان، إذا اندلعت الحرب عبر مضيق تايوان، سيكون وقف القوات الصينية قبل عبورها سلسلة الجزر». وبدا أن الخلاف بين واشنطن وحلفائها في المنطقة حول تحمل تكلفة الإنفاق والانتشار العسكري الأميركي قد تم حله، بعد الخلاف الذي أثارته مطالبة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب تلك الدول برفع مساهماتها. ووافقت طوكيو أخيراً على زيادة دفعاتها السنوية لتقاسم تكاليف القوات الأميركية في اليابان؛ بما في ذلك نحو 50 ألف فرد. وستنفق اليابان في المتوسط 1.85 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة، بزيادة 4.6 في المائة على العام الماضي. كما وافقت كوريا الجنوبية العام الماضي على زيادة مساهماتها لقاء وجود القوات الأميركية على أراضيها.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended