«مهرجان الفنون الإسلامية»... 284 عملاً متعة لزوار الشارقة

في دورته الـ24 تحت عنوان «تدرجات»

الفنانة الهندية سيمرين والبحث عن حل بيئي في أعماق البحار
الفنانة الهندية سيمرين والبحث عن حل بيئي في أعماق البحار
TT

«مهرجان الفنون الإسلامية»... 284 عملاً متعة لزوار الشارقة

الفنانة الهندية سيمرين والبحث عن حل بيئي في أعماق البحار
الفنانة الهندية سيمرين والبحث عن حل بيئي في أعماق البحار

تحتفي الشارقة بواحد من أهم مهرجاناتها وأطولها زمناً، هو «مهرجان الفنون الإسلامية» الذي يستمر لأربعين يوماً، تنتهي في الثالث والعشرين من الحالي، ويجمع عشرات الفنانين، العرب والأجانب. الهدف دائماً واحد، هو استلهام الفنون الإسلامية، بأعمال جديدة، بدءاً من الخط، مرواً بالعمارة، والأنسجة، والمشغولات اليدوية، وكذلك المجوهرات. وتشهد الدورة الرابعة والعشرين التي تحمل عنوان «تدرجات»، 151 فعالية و284 عملاً لـ63 فناناً جاءوا من 27 دولة، لإنجاز أعمالهم، ومواكبة إطلاقها. وتوزعت المعروضات على أماكن عدة، حيث يحتضن «متحف الشارقة للفنون» القسم الأكبر من الأعمال، وتتوزع أيضاً، على، مختلف مناطق الشارقة، ومنها: متحف الشارقة للفنون، بيت الحكمة، واجهة المجاز المائية، ساحة الخط، الشرقية والوسطى، وغيرها من الأماكن التي تزهو بأعمال فنية لافتة، يرافقها فعاليات تفاعلية مختلفة، إذ ثمة محاضرات، ونقاشات، وعروض فيديو، وورشات.
في «متحف الشارقة للفنون»، متعة للزائر هذه الأيام، رؤية عشرات الأعمال المعروضة في أجنحة متجاورة، حيث حاول كل فنان أن يقدم تصوره لفكرة «التدرجات» مستوحياً التراث الإسلامي، برؤية خاصة وبأدوات عصرية. تعدد جنسيات الفنانين، واختلاف الزوايا التي يطلون منها على الموضوع المطروح، هو ما يصنع التمايز الفعلي لهذا المهرجان.
فالبريطاني بن جونسون الذي زار غرناطة قبل 30 سنة، ولم يشف من العمارة الإسلامية التي رآها هناك، بقي يقتفي أثرها، من الأندلس إلى المغرب، وإسطنبول وصولاً إلى إيران، لتصبغ أعماله الفنية. عاشق للأقواس والقباب والزخرف، متيم بما شهدت عيناه، ينقل لنا دراساته الحسابية لجانب من قصر الحمرا، ثم تقف مشدوهاً أمام لوحة كبيرة، تظن نفسك وأنت تقترب منها على وشك دخول قصر أندلسي، وقد بدت القبة في اللوحة، كما البركة التي تتقدمها، جميعها كأنها حية أمامك. الأندلس مصدر وحي للفنان والشاعر السعودي عبد الله العثمان، في عمله «أرض الخيال» الذي من خلال فيلم فيديو، يريك كيف أنّ الأندلس لا تزال حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي. ويقول العثمان: «الكلمة الواحدة يمكن أن تتحول في شوارع المدن وعلى ألسن سكانها... فإذا قلت غرناطة سيعرفها الناس كعاصمة الأندلس التي خلدها التاريخ وكإشارة إلى حي غرناطة في الرياض».

التقنيات الحديثة، سمحت للفنانين، تقديم أفكارهم، بطرق مبتكرة، كما الأميركية أنا كبرفاسر في عملها «ترتيب الوحي». إذ ما إن تدخل غرفتها المظلمة، حتى تكتشف أنّها حوّلت أحد جدرانها إلى شاشة، يختلط فيها طيفك مع الحروف العربية التي تبدأ بالظهور كأنها أخيلة أخرى ترافقك في اقترابك وابتعادك عن الشاشة. تشرح لنا الفنانة التي تعلمت العربية، عن حبها لها، وإقامتها في مصر، وأنّ عملها مستوحى من قصة نزول الوحي بالتدرج وعلى مراحل، امتدت لسنوات. لكن من الصعب أن ترى في هذا العمل أكثر من لعبة ضوء، تجذبك، لتعيد التعامل مع ظلك بطرافة، وهو يتلاعب مع الأحرف.
لكل فنان مزاجه، وذاك هو الأمر الشيق في المهرجان، فالتنوع يخلق متعة وأنت تجول بين الأعمال، وتقع على الهندية، سيمرين مهرا أجاروال، المقيمة في الإمارات، ترى جداريات تملأ الركن المخصص لها، هي عبارة عن إعادة رسم لخريطة أعماق البحار. فالفنانة من هوايتها الغطس ومراقبة العالم البحري العجيب بطحالبه ونباتاته وصخوره وكأنّما شبكة عنكبوتية تربط بين مكوناته، وهي تعيد تشكيله على طريقتها، وتهدينا مخططاً لإعادة تشكيل الأرض على غرار البحر، كامتداد له، بعد أن خربتها يد العبث. وهذه من الأعمال الفنية البيئية القليلة، في المهرجان. بالمقابل نجد العديد من الأعمال ذات البعد الروحاني، من بينها ما أنجزه سامي ل. دي جيوسا بالتعاون مع «أ و م ع» من المملكة المتحدة، تحت عنوان أشعة. إذ تم اختيار المكعب الخشبي أو الصندوق، الذي يتوسط صالة العرض محمولاً على قاعدة، لترتسم حوله على أرضية الغرفة وحيطانها شبكة من الخطوط، وفق قياسات هندسية دقيقة، كأنّما رسمها عنكبوت، لكنّها في الحقيقة، تنطوي على سحر تكرار المربع بخطوطه المستقيمة، الذي منه يمكن، أن نبتدع أشكالاً جديدة إلى ما لا نهاية. وتكرار الشكل الواحد في الفن الإسلامي، من التقنيات القديمة المعروفة، لكنّها هنا تكتسب بالأبيض والأسود حداثتها ونكهتها المعاصرة.
روحانيات الإماراتيين
الجانب الروحاني برز أكثر عند الفنانين الإماراتيين الذين أعطت لهم مساحة أكبر من الدورات السابقة، ومالوا بغالبيتهم إلى تركيب التجهيزات.
فقدمت آلاء إدريس عملها «فجوة» الذي يمكن تسميته بصندوق الفرجة. وهو غرفة مطلية من الخارج باللون الأسود، ننفذ منها إلى الداخل بالنظر من خلال فتحة صغيرة، تسمح بمتابعة شريط فيديو يعرض على الحيط المقابل للفتحة، ويتخذ أبعاداً إضافية بفضل مرآتين على الجدارين الجانبيين. في حين تلتمع الأرضية وكأنها بركة سوداء. من الفتحة يتابع الناظر مشهد اشتعال النيران في الحطب ولهبها ومن ثم خمودها وعودة جذوتها ويلمح وجهه ينعكس داخل المشهد. إشراك المتفرج بالتفاعل مع العمل، بات جزءاً من لعبة بعض الفنانين، مثل «خلوة» الإماراتية عزة القبيسي التي نحتت فيما يشبه جذع شجرة مدخلاً، وجهزت الداخل بمقعدين متقابلين لاستراحة العابرين الذين كانوا يجدون تسليتهم بولوج هذا المكان المعزول. أمّا الإماراتي عبد الله الملا، فرأى في تكرار المثلثات الهرمية، وتركيبها وفق ذائقته، وسيلته للتعبير عن الـ«تدرجات» في الفن الإسلامي.
على أي حال كلٌ حاول، لكنّ البعض ابتعد عن موضوع «تدرجات» المطروح، وآخرون اقتربوا حد التبسيط، وثمة من لم ير من ضرورة بالالتزام. ومن شيم الفنانين انتزاع حرياتهم، بطريقتهم الخاصة.
وقدمت الفنانة الإماراتية نجاة مكي، ضمن المهرجان، في «متحف الشارقة للخط»، معرضاً لأعمال مختلفة، بأساليب متنوعة، اعتمد بعضها على التفاعل، مع الجمهور والبعض الآخر، كان لوحات بألوانها الجريئة المعهودة، كما قدمت صندوق الفرجة الخاص بها، كما مواطنتها آلاء إدريس معتمدة المرايا في داخل الغرفة، لخداع البصر، وإدخال المتفرج في لعبة الأبعاد الثلاثية، وانعكاس الغرفة على مرآة الأرضية ليبدو للناظر وكأن ثمة فجوة بعمق الغرفة نفسها.
وحرص المنظمون على الاحتفاظ بتقليد عرض الأعمال الفنية، القائمة على الخزفيات اليدوية ولوحات الخط، سواء بالطريقة التقليدية، أو بالاشتغال بخيوط الذهب والمنمنمات. وهذا قسم يحتاج موضوعاً منفرداً، لما توليه الشارقة من عناية بالخط العربي، تعليماً وتحديثاً، ومتابعة لنشاط الخطاطين في العالم.
الفن للعموم
من تقاليد المهرجان، حرصه على إشراك عموم الجمهور، بحيث يحرص القيمون على أن تجد بعض الأعمال مكاناً لها في الساحات، وعلى مقربة من المراكز التجارية، وأماكن النزهة، مما يتيح للمارة تذوق المتع الفنية وتعميم الفائدة. هذه السنة، وصلت المعروضات الخارجية إلى مدرّج خورفكان الجميل المطل على البحر، فعرض الفنان الكويتي جاسم النشمي، عمله «مصلى يتسامي رقم 2»، حيث يتعالى تجهيز، مستلهم من المشربيات التقليدية، بأبعاد ثلاثية، ويمنح المكان رونقاً مختلفاً.
ومن الأعمال الخارجية ما عرض في «زيرو 6 مول» مثل العلبة الموسيقية التي تحمل عنوان «تحكّم لا تحكّم» لـ«ستوديو أريجولار» من كولومبيا وكندا، وشكلت متعة ظريفة للعابرين. فهذا الصندوق الرقمي الكبير بحجم غرفة صغيرة يعزف الموسيقى وتتراقص عليه الأشكال الهندسية، ويتيح للزائرين أن يمرروا أناملهم على جدرانه ليعزفوا أو ليظنوا أنّهم يعزفون، وأنّ أشكالاً جديدة تنبجس من بين أصابعهم. ومن التجهيزات الخارجية اللافتة جداً تلك التي تحمل اسم «هلال» ووضعت في ساحة بيت الحكمة، لبيا جنسن من الدنمارك، ومات ماكونيل من أميركا.
تركيب هندسي على شكل ثلاث موجات ضخمة متداخلة ومفرّغة كسوار ذهبي، يبلغ طول كل منحنى منها 12 متراً وبارتفاع ثلاثة أمتار، دمجت فيها سلسلة من الألوان. هي في حقيقة الأمر، أشرطة من الأكريليك والفولاذ والألومنيوم والبامبو تمزج بين الشكل السداسي والحلزوني على أسس هندسية، ومع سطوع الشمس تتضاعف الأقواس وترتسم المزيد من الأشرطة في الساحة. وإلى جانب هذا التجهيز، «أمل» للفنان اليمني - الفرنسي ناصر الأسودي. وهي كرة كبيرة بقطر 100 سنتمر، مفرغة ومرتسمة جدرانها بحروف عربية ينفذ منها الضوء، تزداد ألقاً مع التماع ظلها على الأرض، وهي مشغولة بروح فنان، يعرف كيف يستوحي من العمارة الإسلامية، زخرفها وقبابها ودوائرها، وفكر اللامتناهي.
من الصعب الكتابة عن عشرات الأعمال التي شارك فيها فنانون من مصر وسوريا والعراق، وهونغ كونغ، وصربيا، ودول كثيرة أخرى، كما رأينا للمرة الأولى عدداً كبيراً من الأعمال الخليجية، لكن يبقى هذا المهرجان نقطة مضيئة، لدفعه بالفنانين، من مختلف المشارب، لاستلهام الفنون الإسلامية برؤى حداثية، بعد أن طغت عليها التقليدية لفترة طويلة، ولا تزال.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».