«كاوست» تتقصى آثار النشاط البشري على الحياة البرية عالمياً

«كاوست» تتقصى آثار النشاط البشري على الحياة البرية عالمياً
TT

«كاوست» تتقصى آثار النشاط البشري على الحياة البرية عالمياً

«كاوست» تتقصى آثار النشاط البشري على الحياة البرية عالمياً

حينما بلغت جائحة «كورونا» ذروتها في عام 2020 وحدث الإغلاق العام في معظم دول العالم للحد من انتشار مرض «كوفيد - 19»، أتاحت تلك الإجراءات فرصة فريدة لعلماء البيئة في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، لدراسة تأثير وجود البشر أو غيابهم في التنوع البيولوجي، عبر مشروع بحثي دولي يُسمى «PAN - Environment» الذي يربط بين الباحثين حول العالم الذين يدرسون الآثار البيئية لعمليات الإغلاق.

البشر والطبيعة

لقد أفرزت الجائحة ولا تزال تأثيرات سلبية شملت مناحي الحياة كافة، ومن ضمنها مجتمع البحث العلمي. فقد طالت تداعيات تلك الأزمة الباحثين والمنشآت البحثية وطلبة الدراسات العليا والتعاون العلمي العالمي والاستراتيجيات البحثية.
في الجانب الآخر كشفت هذه الأزمة عن أهمية البحث العلمي كوسيلة للتقدم ولمواجهة كافة الأزمات والكوارث في المستقبل، كما ساهمت بجعل المبدعين محليين بقدر ما هم عالميين، وأظهرت أهمية التشبيك العلمي.
نذكر أنه وقبل ظهور هذه الجائحة شكلت حرية السفر ونقل البضائع عن طريق البر أو الجو أو البحر أساساً للتقدم الاجتماعي والاقتصادي، لكن كان لها آثار وعواقب باهظة الثمن فيما يخص عالم الطبيعة، إذ أدت إلى تدمير الموائل وحدوث ظاهرة التغير المناخي. وفي شهر أبريل (نيسان) من عام 2020 تغير الوضع، إذ تمكنت الطبيعة من بسط نفوذها من جديد بسبب تعرض ما يقرب من 4.4 مليار شخص لإجراءات من الإغلاق الكامل أو الجزئي على المستوى الوطني، مما اضطر هؤلاء الأفراد إلى تقييد تحركاتهم بشدة.
مع بقاء الناس في منازلهم، أخذت الأحياء البرية تظهر في أماكن غير متوقعة، إذ شارك عديدٌ من الأشخاص في رصد مشاهد لحيوانات برية، على وسائل التواصل الاجتماعي.
عندما لاحظ البروفسور كارلوس دوارتي، الأستاذ المـتميز في علوم البحار بـ«كاوست»، التقارير المتزايدة عن السلوك الحيواني غير المعتاد، أطلق مشروع «PAN - Environment» للربط بين الباحثين الدوليين الذين يدرسون الآثار البيئية لعمليات الإغلاق.
«هدفنا استغلال تجربة انعزال البشر في منازلهم التي حدثت على المستوى العالمي بمحض المصادفة لتقييم آثار النشاط البشري في التنوع البيولوجي والنظم البيئية على نطاق عالمي»، حسبما يقول دوارتي، الذي قاد المشروع جنباً إلى جنب مع الدكتورة أماندا بيتس، وهي اختصاصية علم البيئة البحرية بجامعة ميموريال في نيوفاوندلاند بكندا، والبروفسور ريتشارد بريماك، اختصاصي علوم البيئة بجامعة بوسطن في الولايات المتحدة الأميركية.
تشير وفرة من الأدلة المتناقلة في أثناء عمليات الإغلاق إلى أن الحيوانات قد استغلت غياب البشر لتتمتع بحرية الحركة، كظهور مجموعة من حيوانات ابن آوي (نوع من الذئاب) تجوب المتنزهات في تل أبيب، وعصبة من القِرَدة تبسط سيطرتها على الطرق الخالية في الهند، وحيوانات القندس تتأمل واجهات المحلات في برلين. لكن ثمة إشارات تحذيرية أيضاً تُظهِر أن بعض الأنواع قد تكون مُعرضة للخطر مع هجوم مزيد من البشر على المساحات الخضراء أو شروعهم في الصيد والبحث عن الطعام. من ثم، أدرك فريق دوارتي مدى الحاجة إلى إجراء تحقيق علمي كمي.
ركزت معظم الجهود الساعية إلى قياس تأثير البشر في الحيوانات إما على التغيرات عبر المكان - على سبيل المثال، كيف يختلف التنوع البيولوجي فيما بين المناطق المحمية وغير المحمية - وإما عبر الزمان، مثلاً، كيف تستجيب الحياة البرية في منطقة ما للتغيرات في النشاط البشري، سواء كانت قصيرة أو طويلة الأمد. لقد تسببت جائحة «كوفيد - 19» في حدوث اضطرابات مماثلة في جميع أنحاء العالم، مع فرض عديد من البلدان تدابير وقائية صارمة متماثلة.

دروس مستفادة

يتولى مشروع «PAN - Environment» جمع بيانات عالمية من مصادر متنوعة حتى يتمكن علماء البيئة من مقارنة سلوك الحيوانات قبل فرض إجراءات الإغلاق وأثناءها وبعدها، وكذلك في المواقع التي تطبق مستويات مختلفة من القيود، ومقارنة ذلك بالنتائج الواردة من مواقع «رصد» نائية أو يتعذر الوصول إليها. من شأن هذه الجهود أن تكشف ما إذا كان تراجع النشاط البشري قد مكن الحيوانات بالفعل من توسيع نطاق وجودها وزيادة أعدادها، وما إذا كان انعدام جهود المحافظة قد أدى إلى تعريض مزيد من الأنواع المهددة بالانقراض للخطر.
تُمثل هذه الظروف أيضاً فرصة لتقييم نقاط القوة والضعف في أنظمة الرصد الحالية، واستخدام النتائج لتحسين عملية الحفاظ على التنوع البيولوجي.
وقد فرضت مسألة تنظيم الجهود البحثية على المستوى العالمي في خضم القيود الناتجة عن عمليات الإغلاق تحديات عديدة. يقول دوارتي: «من الصعب التنسيق بين فرق كبيرة الحجم حول العالم عندما لا يكون بوسعك الالتقاء بأفرادها. ولكن لحسن الحظ، تقع (كاوست) في منطقة زمنية مناسبة بين الشرق والغرب، وهو الأمر الذي يتيح لي القيام بعملية التنسيق تلك».
ومع ذلك، ففي ضوء خضوع معظم الباحثين للاحتجاز في منازلهم، لم يتمكن أعضاء الفريق من مواكبة الملاحظات، مما جعل من الصعب الحصول على مجموعات قوية من البيانات. وعن هذا يقول دوراتي، «تلك هي النقطة التي عندها يمكن أن تساعد نُهُج البيانات الضخمة على الحد من أوجه عدم اليقين».
دعا فريق دوارتي علماء البيئة والعلماء المواطنين، مثل الباحثين المشاركين في مبادرة «بيو - لوغينغ» Bio - Logging وزملائهم من علماء الأحياء وعلماء البيئة والجهات المالكة لبيانات التنقل الخاصة بالبشر، لتوفير إمكانية الوصول المفتوح والسريع إلى ملاحظاتهم. ويأمل الباحثون في جمع بيانات آنية كافية للاسترشاد بها في وضع إجراءات فورية لعملية حفظ الأنواع، وذلك من خلال دمج مصادر البيانات المتنوعة، بما في ذلك الدراسات الاستقصائية التقليدية للحياة البرية والقصص المتناقلة، وأجهزة تتبع الحيوانات، والاستشعار عن بُعد، ووسائل التواصل الاجتماعي والصور مُحددة المواقع الجغرافية.

جودة الهواء والماء

لقد كشفت الأدلة المتناقلة بالفعل عن بعض الإيجابيات. فمع توقف الأنشطة الصناعية، تحسنت جودة الهواء والماء. على سبيل المثال، انخفضت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون اليومية على المستوى العالمي بنسبة 17 في المائة في بداية الإغلاق. كذلك انخفضت معدلات التلوث الضوضائي، وهو ما قد يفسر مشاهدة الحيوانات في الموانئ والمدن.
ومع ذلك، فإن غياب السياحة البيئية في المناطق المحمية يمكن أن يؤدي إلى خفض التمويل المخصص لحماية الحياة البرية وبرامج مكافحة الصيد الجائر، في حين أن إلغاء المؤتمرات الخاصة بالتنوع البيولوجي سوف يؤخر السياسات الرامية إلى مساعدة الدول على تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.
لقد أظهرت إجراءات الإغلاق أيضاً أن إحداث تغييرات هائلة في السلوك البشري لهو بالأمر الممكن، مما يدحض الفكرة القائلة بأنه من المستحيل تحقيق التغيرات المجتمعية واسعة النطاق اللازمة لمواجهة أزمات عالمية، مثل التغير المناخي.
يوصي فريق دوارتي بالعودة السريعة إلى البحث والتعليم في مجال حفظ البيئة (مع مراعاة تدابير السلامة المناسبة للجائحة) التي تعطي الأولوية لاستعادة الأنواع وحماية الموائل. يقول دوارتي: «يتأثر دور البشر بوصفهم أوصياء على الطبيعة عندما تتعطل قدرتنا على مواصلة نشاطنا». يعرب دوارتي عن تفاؤله بأن عمل فريقه سوف يعود بالفائدة على كلٍ من البشر والحيوانات. ويستطرد قائلاً: «بينما نتجاوز أزمة (كوفيد – 19) سوف تساعدنا الدروس المستفادة من مشروع (PAN – Environment) على إضفاء التوازن على دورنا في المحيط الحيوي. إذ إن تقييد الأنشطة التي تؤثر بالسلب في الحياة البرية، مع الترويج لتلك الأنشطة التي تفيد العالم الطبيعي، سوف يعود علينا في نهاية المطاف بحياة صحية أفضل».
في الوقت الحالي، هناك كميات هائلة من البيانات المطلوب معالجتها ونشرها والعمل وفقاً لها، يقول دوارتي: «إن الدروس التي نتعلمها من هذه التجربة بإمكانها أن تغير الطريقة التي يتعامل بها البشر مع الأنواع التي تتقاسم معنا الحياة على هذا الكوكب». وبفعل هذه الأزمة التي لا تُنسى، قد يعيد الناس اكتشاف فوائد الحياة في بيئة صحية، بل إنهم، كما يخلُص الفريق، «قد يستبدلون شعوراً بالانتماء محل شعورهم بالامتلاك».


مقالات ذات صلة

القمر مختبراً... كيف يشكّل «أرتميس» بروفة «ناسا» لرحلات المريخ؟

تحليل إخباري رواد الفضاء الأربعة في مهمة «أرتميس ‌2» (ناسا)

القمر مختبراً... كيف يشكّل «أرتميس» بروفة «ناسا» لرحلات المريخ؟

برنامج «أرتميس» يستخدم القمر لاختبار التقنيات والتحمل البشري واللوجيستيات تمهيداً لبعثات المريخ واستكشاف الفضاء العميق بشكل مستدام.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أطلقت «غوغل» نموذج «Gemma 4» بترخيص مفتوح يتيح الاستخدام والتعديل والنشر دون قيود كبيرة (رويترز)

«Gemma 4» من «غوغل»: ذكاء اصطناعي مفتوح يعمل على الأجهزة الشخصية

«غوغل» تطلق «Gemma 4» كنموذج مفتوح يعمل محلياً... ما يعزز الخصوصية ويقلل الاعتماد على السحابة ويدعم قدرات متقدمة للمطورين.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا صاروخ «ناسا» العملاق أرتميس «إس إل إس» في مركز كينيدي الفضائي (أ.ف.ب)

ما وراء الإطلاق… التقنيات الخفية التي تقود مهمة «أرتميس 2»

مهمة «أرتميس 2» تختبر أنظمة دعم الحياة، والملاحة، والطاقة لإتاحة رحلات بشرية مستدامة إلى الفضاء العميق تمهيداً للمريخ.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)

دراسة: حماية البيانات المالية تحتاج إلى أكثر من حلول تقنية

تشير الدراسة إلى أن حماية البيانات المالية تتطلب مزيجاً من التقنية والتنظيم وسلوك المستخدم مع تزايد التهديدات التي تتجاوز الحلول الأمنية التقليدية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

«شات جي بي تي» يصل إلى «CarPlay» كتجربة صوتية فقط، مع قدرات محدودة، في خطوة نحو دمج الذكاء الاصطناعي بالقيادة اليومية.

نسيم رمضان (لندن)

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
TT

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

أعلنت شركة «سبيس بايونير»، المتخصصة في تطوير الصواريخ ومقرُّها بكين، اليوم الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل، مما يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مطوّرو الصواريخ الصينيون في محاولتهم اللحاق بشركة «سبيس إكس» الأميركية، التابعة لإيلون ماسك.

ولم تقدم «سبيس بايونير»، المعروفة أيضاً باسم «بكين تيانبينغ تكنولوجي»، سوى قليل من التفاصيل حول سبب الفشل، واكتفت بإعلان الفشل، في بيان موجَز نشرته على حسابها الرسمي على تطبيق «وي تشات».

والشركة بين مجموعة صغيرة من شركات تطوير الصواريخ في القطاع الخاص، التي تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بجهود بكين لتحويل الصين إلى قوة فضائية كبرى، فضلاً عن الدعم المتعلق بالسياسات الذي يسهّل على هذه الشركات جمع رأس المال وطرح أسهمها للاكتتاب العام، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتتنافس هذه الشركات، الآن، على مَن يصبح المطوّر الصيني الرائد للصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي تقنية لم تتقنها، حتى الآن، سوى شركة «سبيس إكس».

والقدرة على إطلاق المرحلة الرئيسية لصاروخ مَداري واستعادتها وإعادة استخدامها هي عامل أساسي لخفض تكاليف الإطلاق وتسهيل وضع الأقمار الصناعية في المدار حول الأرض لأغراض تتراوح من الاتصالات إلى المراقبة العسكرية.


علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
TT

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فيما يعرف بظاهرة المستعر الأعظم أو (السوبرنوفا)، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك عادة بقايا نجمية شديدة الكثافة، مثل الثقب الأسود أو النجم النيتروني.

لكن بعض هذه الانفجارات عندما تحدث لأكبر النجوم في الكون قد تكون قوية للغاية لدرجة أنها لا تترك أي شيء على الإطلاق، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويطرح العلماء منذ ستينات القرن الماضي نظرية حدوث هذه الانفجارات النجمية فائقة القوة، وتوصلوا الآن إلى أدلة على وجودها، وإن كانت غير مباشرة.

ظهرت هذه الأدلة في أبحاث تتعلق بالثقوب السوداء وموجات الجاذبية في نسيج الكون، التي تعرف بتموجات (الزمكان).

وقال هوي تونغ، وهو طالب دكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش في أستراليا والمعد الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «نيتشر»، إن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الانفجارات النجمية العظمى تحدث في أضخم النجوم؛ أي تلك التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بما يتراوح بين 140 و260 مرة.

وأضاف تونغ: «على الرغم من كتلتها الهائلة، فإن عمرها قصير نسبياً، نحو بضعة ملايين سنة. وللمقارنة، ستعيش الشمس نحو 10 مليارات سنة، لذا فإن هذه النجوم تحترق أسرع بألف مرة تقريباً، مثل الألعاب النارية الكبيرة التي تشتعل بشدة ولفترة قصيرة قبل أن تنفجر».

«المدى المحظور»

يترك انفجار نجوم كبيرة ذات كتلة معينة وراءه نجماً نيوترونياً، وهو نواة النجم المنهارة والمضغوطة. وعندما تنفجر بعض النجوم الأكبر من ذلك، تترك وراءها ثقباً أسود، وهو جسم شديد الكثافة وله جاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع الهرب منها. ويحتفظ الثقب الأسود بجزء من كتلة النجم الأصلي، بينما يُقذف الباقي في الفضاء.

وفي هذه الدراسة، فحص الباحثون بدقة البيانات المجمعة عن 153 زوجاً من الثقوب السوداء، مع معرفة كتلتها بناء على موجات الجاذبية التي أطلقتها، ثم فصلوا الثقوب السوداء التي تشكلت عبر اندماجات سابقة بين ثقبين أسودين أصغر حجماً.

واكتشف الباحثون حينها غياب الثقوب السوداء التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بواقع 44 إلى 116 مرة، وهو ما أطلقوا عليه وصف «المدى المحظور».

وقالوا إن غيابها يمكن تفسيره على أفضل وجه بأنه اندثار النجوم الأكبر، ولكن بدلاً من أن تترك وراءها ثقوباً سوداء في هذا النطاق من الكتلة كما هو متوقع، فإنها تنفجر دون أن تترك أي أثر في نوع نادر من الانفجارات يطلق عليه «سوبرنوفا عدم الاستقرار الزوجي».

أفضل مؤشر حتى الآن

ووصفت عالمة الفيزياء الفلكية المشاركة في إعداد الدراسة مايا فيشباك من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو هذه الظاهرة بأنها «من أعنف أنواع انفجارات موت النجوم».

وأضافت: «في الغالب، تشكل النجوم الضخمة ثقوباً سوداء. وكلما زادت كتلة النجم، زاد ثقل الثقب الأسود»، إلى أن تصل النجوم إلى عتبة كتلة معينة، تفرض بعدها القواعد الفيزيائية لانفجارها عدم تركها أي بقايا نجمية.

وقال تونغ: «تصبح النواة غير مستقرة، مما يؤدي إلى انهيار جامح ثم انفجار حراري نووي عنيف ينسف النجم».

وفي الوقت الحالي، قد تكون الأدلة المقدمة في هذه الدراسة أفضل مؤشر حتى الآن على حدوث انفجارات عدم الاستقرار الزوجي.

وقال تونغ: «إننا نستخدم في الأساس شيئاً غير مرئي، وهو الثقوب السوداء، باعتباره سجلاً لبعض من أكثر الانفجارات سطوعاً في الكون».


حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟