الثقافة اللبنانية 2021: «معركة البقاء» رغم الجراح والخراب

إصدارات جديدة وعودة مؤسسات فنية... وأمل في معرض الكتاب

TT

الثقافة اللبنانية 2021: «معركة البقاء» رغم الجراح والخراب

نقطتان رئيسيتان حكمتا الحياة الثقافية اللبنانية طيلة عام 2021؛ الأولى تتجسد في تفاني كتاب وفنانين للتغلب على واقع استثنائي مرير، حيث بلغ الانهيار ذروته، ولم تعد الكتابة أو المسرح من الأولويات التي يجد الإنسان متسعاً للتمتع بها، ومع ذلك استمر البعض وأنتج. والنقطة الثانية هي بناء جسور ثقافية مع الخارج لإيجاد متنفسات، بحيث لم يعد الداخل وحده قادراً على إيجاد الأوكسجين الكافي للاستمرار.
ما من معرض فني أقيم أو مسرحية عرضت أو فيلم أنتج، أو كتاب خرج من المطبعة، إلا وكان فعل مقاومة شرسة ضد الموت. ففي غياب الكهرباء، وصعوبة العثور على المحروقات، والغلاء الفاحش، وما يتبع من منغصات، كان على اللبنانيين أن يثبتوا أنهم أحياء، وقادرون على الصمود. ليس بمستغرب أن يكون التعبير عن الألم، أو التحدي، من بين التيمات الأكثر تكراراً. من المباني الأثرية مروراً بغاليريات الفن، وليس انتهاء بالمسارح، الكثير منها تعرض للدمار في انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس (آب) عام 2020، حيث امتدت الأضرار على مساحة 8 كلم، وطالت نحو 62 ألف وحدة سكنية و20 ألف مؤسسة. هذه السنة استمر الترميم، وعادت الحياة إلى شارع مار مخايل ومنطقة الجميزة، حيث العديد من الغاليريات، مثل «تانيت» التي استأنفت عملها بعد الإصلاحات، وكذلك «صفير – زملر» بصالاتها المحاذية لمرفأ بيروت، و«غاليري صالح بركات» التي تعرضت بدورها لضربة موجعة.

- عودة الفن التشكيلي
تعود مؤسسات فنية للعمل، ومبانٍ تراثية تستعيد حياتها بعد أن ضربها الانفجار. فمن أصل 90 مبنى تراثياً تضرر بشكل كبير، رُمم 20 في المائة، ومن أصل 102 مبنى تضررت بشكل جزئي تم إصلاح أكثر من النصف. من أشهر المباني التي عصر خرابها القلب، مبنى «متحف قصر سرسق»، وقد افتتح جزئياً هذه السنة، بانتظار عودة كاملة العام المقبل. بالقرب منه، «فيلا عودة»، التي لم تنجُ هي الأخرى، لكنها فتحت أبوابها مع مطلع العام، واستقبلت واحداً من أهم معارض السنة، تحت عنوان «الفن الجريح»، شارك فيه 35 فناناً لبنانياً وأجنبياً، من بين الأعمال، ما كان قد نجا من الانفجار بندوب وكسور. بعضها عرض بعد الترميم والبعض الآخر، ترك كما هو. سينوغرافيا جان لوي مانغي كانت كفيلة برسم مشهد جمالي لافت، يجمع بين المعافى من الأعمال الفنية، والمجروح في الصميم، وما أنجز من وحي الحدث الكبير. استعادت المعارض التشكيلية شيئاً من عافيتها، دشنت غاليري «صفير – زملر» عودتها بمعرض للفنان مروان رشماوي الذي كان يستعد للعرض قبل الانفجار، وأصيبت بعض أعماله، كذلك شهدت «غاليري صالح بركات» معارض طوال العام، متجاوزة الأحزان والصعوبات، وربما أن المهمة الأصعب كانت من نصيب «غاليري مرفا» الأقرب لمكان الانفجار، لكن صاحبته جومانا عسلي لملمت جراحها وفتحت أبوابه.
وإذا كانت المهرجانات الصيفية قد غابت للسنة الثانية على التوالي، بسبب وطأة الجائحة، واستحالة التخطيط في ظل التخبط الاقتصادي، فإن لجنة «مهرجانات بعلبك» أبت أن تستلم ونظمت حفلاً وحيداً، حضره عدد محدود من المدعوين بعنوان «شمس لبنان لا تغيب» عُرض خلاله شريط من 80 دقيقة، تضمن 10 حفلات امتدت كل منها نحو ثماني دقائق، صُورت كلها في معابد من العصر الروماني تتوزع في أرجاء منطقة البقاع، غالبيتها غير معروفة، ما أتاح للمشاهدين اكتشافها، والتعرف على مواهب شابة.

- شجاعة مهرجانات السينما
ليست المهرجانات وحدها التي غابت، بل معارض الكتب، أهمها «معرض الكتاب الفرنسي»، و«معرض الكتاب العربي والدولي». هو عميد المعارض العربية لا يزال يئن، بسبب التكاليف الباهظة التي قد تترتب على ناشرين، يناضلون لتجاوز المحنة. والأمل في أن يتمكن «النادي الثقافي العربي»، وهو الجهة المنظمة، من عقد دورة جديدة في مارس (آذار) المقبل، والسعي جارٍ لتبصر النور.
الجائحة تزن ثقيلاً على المسارح التي عرضت العديد من المسرحيات مثل مسرحي «المدينة» و«مونو»، ولم يتوقف «المسرح الوطني اللبناني» بإدارة قاسم إسطنبولي، في صيدا، عن تقديم العروض. لكن الأشجع على الإطلاق هذه السنة هم منظمو المهرجانات السينمائية. فقد شهدت بيروت «مهرجان السينما الأوروبية»، الذي بقي افتراضياً، وأطلقت بمبادرة شجاعة، النسخة الأولى من «مهرجان بيروت للشرائط المصورة»، و«مهرجان بيروت للأفلام الوثائقية»، و«أسبوع الفيلم الألماني»، و«مهرجان مسكون لأفلام الرعب والخيال العلمي»، وعاد «مهرجان الفيلم العربي القصير» ليحتفي بنسخته الخامسة عشرة، وكذلك «مهرجان طرابلس للأفلام».

- الأفلام اللبنانية تخترق
كما تمكنت الأفلام اللبنانية رغم ركود حركة الصالات المحلية، بسبب الأوضاع الضاغطة للبلاد، من أن تخترق وتبرز عربياً وعالمياً، بعضها حصد جوائز في مهرجانات، أو تصدر مواقع متقدمة، مثل فيلم «دفاتر مايا» للمخرجين جوانا حاجي توما وخليل جريج الذي نال جائزة سعد الدين وهبة لأفضل فيلم عربي، في «مهرجان القاهرة السينمائي الدولي». وهو حكاية فتاة تعيش في كندا، تتلقى ليلة الميلاد، دفاتر وأشرطة، وصوراً قديمة كانت قد أرسلتها إلى صديقتها المقربة في بيروت. وارتأت عائلة هذه الصديقة التي توفيت أن تعيد إليها الأغراض التي ما إن تصل إليها حتى تفتح لها نافذة على بيروت الثمانينات التي كانت غارقة في الحرب. برز أيضاً فيلم «ع أمل تجي» للمخرج اللبناني جورج برباري، ويحكي عن مرحلة الانتقال من الشباب إلى الرجولة مع حيثيات وتفاصيل الجوانب العاطفية، وفيلم «قلتلك خلص» لإيلي خليفة يطرح كيفية تحكم المنتجين والممولين بكتاب السيناريو والمخرجين. وفيلم لارا سابا «ع مفرق طريق» حصد جائزة «مهرجان مالمو» في السويد، من كتابة جوزفين حبشي، يتناول قصة رومانسية كوميدية تدور في لبنان. وحظي فيلم المخرج إيلي داغر «البحر أمامكم» بعرضه في «مهرجان كان السينمائي 74» ضمن تظاهرة أسبوعي المخرجين، متنافساً لنيل الكاميرا الذهبية.
ورشحت وزارة الثقافة فيلم «كوستابرافا» لتمثيل لبنان في مسابقة الأوسكار عن فئة أفضل فيلم أجنبي. الفيلم شارك في مهرجانات عالمية منها «سينيميد» و«البندقية» و«تورونتو»، إخراج منية عقل، وتؤدي الممثلة والمخرجة نادين لبكي دور البطولة فيه إلى جانب صالح بكري.

- نجدة فرنسا والمغتربين
لبنان في الاختبار الصعب، ليس وحيداً، تضافرت الجهود الثقافية، لدعمه من جهات عدة، «اليونيسكو» تجمع التبرعات لترمم المباني الأثرية، «متحف سرسق» وجد تمويله أيضاً. مغتربون محبون للفن لم يبخلوا بدعم سخي. فرنسا قامت بجهد كبير. معرض «أنوار من لبنان» أقيم في «معهد العالم العربي» دعماً وتضامناً، أرّخ لسبعة عقود من الفن التشكيلي اللبناني بمختلف تياراته وأجياله منذ عام 1950 إلى اليوم. 100 عمل لـ55 فناناً، من ثلاثة أجيال بينهم لبنانيون، وعرب وفرنسيون، رسموا في لبنان ومن وحيه. في «معهد العالم العربي» أيضاً أقيمت أمسية موسيقية، بعنوان «بعلبك يا حبي» بمبادرة من عازف البيانو سيمون غريشي «بهدف جمع التبرعات» لـ«مهرجانات بعلبك الدولية».
حضر لبنان في المعرض الدولي السابع عشر للعمارة - بينالي البندقية، من خلال مشروع يحمل اسم «سقف للصمت» للفنانة المعمارية العالمية هلا ورده. ونظمت على هامش العرض، حملات توعية، بإعادة تأهيل التراث المعماري والثقافي المتضرر في بيروت.
ويشارك لبنان في «البينالي الدولي للفن المعاصر» في البندقية عام 2022، رغم كل الصعاب، بفضل معونة «الجمعية اللبنانية للفنون التشكيلية»، وتحت إشراف وزارة الثقافة حيث أعلن عن اختيار الفنانين الموهوبين، أيمن بعلبكي المقيم في لبنان ومنى ربيز المغتربة، ليمثلا بلديهما، بجناحين في هذه المناسبة.
مؤسسة بوغوصيان، اللبنانية - الأرمينية الأصل في بلجيكا، نظمت بدورها معرضاً، يستمر حتى فبراير (شباط) المقبل بالشراكة مع «مركز بومبيدو»، يعقد حواراً بين مجموع الأعمال الاستثنائية التي بحوزتها وقطع لفنانين لبنانيين من جميع الأجيال، تم إنتاجها في السنوات الأخيرة، لفتح بعض الآفاق المحتملة.

- روايات وترجمات وشعر
كتب عديدة صدرت. الوضع الحرج لم يمنع «دار الآداب» من متابعة إصدار ترجماتها لروايات عالمية: ماريز كزندي «انتظار الطوفان»، وهاروكي موراكامي «يوميات طائر الزنبرك»، ويوكو أوغاوا «شرطة الذاكرة»، وجيمس جويس «صورة الفنان في شبابه»، وإيزابيل الليندي «صورة عتيقة»، وروايات أخرى. كما أصدرت لجوخة الحارثي «حرير الغزالة»، و«ليليات رمادة» لواسيني الأعرج، وغير ذلك. «دار الجديد» مالت، إلى جانب الورقي، لنشر كتبها افتراضياً، بينها ثلاثة كتب للدكتور محمد الرميحي، و«الفظيع وتمثيله» لياسين الحاج صالح و«بعيون النساء» لعزة شرارة بيضون. وأصدرت خالدة سعيد عن «دار الساقي» «فضاءات 2» والشاعر شوقي بزيع «مسارات الحداثة» والمخرج هادي زكاك «سيلما طرابلس»، والأب جاك أماتييس السالسي «خميس مجلة شعر» موثقاً ومحللاً، وأصدرت «مؤسسة الفكر العربي»، كتابين علميين، بالعربية والإنجليزية حول «العرب وتحديات التحول نحو المعرفة والابتكار». وبمناسبة مرور 10 سنوات على وفاته، أصدرت «دار نلسن» ترجمة محمود شريح لدراسة كمال الصليبي «لبنان ومسألة الشرق الأوسط». وشهدنا ولادة الجزء الأول من موسوعة «الفلسفة الفرنسية المعاصرة» بإشراف الدكتور مشير عون، والرواية الأخيرة للأديب الفرنسي غيوم ميسو «الحياة رواية»، عن دار «هاشيت – أنطوان».
وفي الشعر قرأنا لشوقي أبي شقرا بعد 16 عاماً من الغياب «عندنا الآهة والأغنية وجارنا المطرب الصدى»، ولعبده وازن مختارات من شعره حملت عنوان «هكذا في الحكاية التي لم يَرْوِها أحد»، ولعباس بيضون «الحياة تحت الصفر» وعقل العويط «الرابع من آب 2020».
غيب هذا العام كباراً في الحياة الثقافية اللبنانية: الموسيقي الألمعي إلياس الرحباني، والروائي القدير جبور الدويهي، والسينمائي المناضل برهان علوية، والفنانة الشاملة ايتل عدنان، والناقد ومؤسس متحف «مقام» سيزار نمور. والكاتب الناشط لقمان سليم الذي قتل غدراً تاركاً وراءه مؤسسة «أمم» الثقافية التي تعمل على استمراريتها شقيقته الأديبة والناشرة رشا الأمير.
لم يكن العام بهيجاً، رغم ذلك فإن ما أنجز هو فعل مقاومة واستبسال، ما يجعل العاملين وراء كل كتاب أو فيلم أو مسرحية أو معرض، جزءاً من حركة إعادة ضخ الأمل في عصب بيروت. فرغم كل شيء، ستظل «المختبر الفعلي الثقافي والفني للمنطقة العربية»، بحسب الدراسة المهمة التي صدرت بالتعاون بين «المورد الثقافي» و«المعهد الألماني للدراسات الشرقية» في بيروت، وحررتها حنان الحاج علي وناديا فون مالتسان، تحت عنوان «نظرة حول السياسات الثقافية في لبنان».


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.