100 عام من العلاقات الفرنسية ـ اللبنانية

بدأت تترسخ منذ حصول باريس على {نظام الامتيازات} من العثمانيين أيام لويس الرابع عشر

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

100 عام من العلاقات الفرنسية ـ اللبنانية

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

صدر حديثاً في باريس عن دار نشر «لارماتان» كتاب بالفرنسية تحت عنوان «فرنسا ولبنان 1920 - 2020 (مائة عام من التضامن)»، للدكتور ميشال شهدان خليفة، الذي يتناول فيه مسار السياسة الفرنسية المتبعة في لبنان منذ تأسيسه لغاية الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون.
يشير الكتاب إلى أن علاقة فرنسا بلبنان بدأت تترسخ منذ حصول باريس على «نظام الامتيازات» من الإمبراطورية العثمانية، حيث عمد الملك لويس الرابع عشر إلى تعيين لبنانيين مسيحيين موارنة من أسرة آل الخازن قناصل له لدى لبنان، بهدف تشجيع المبادلات التجارية بين بلاده والإمبراطورية العثمانية، مما أدى فيما بعد إلى توثيق الروابط بشكل كبير بين مسيحيي لبنان وفرنسا.
وقد شجّع حاكم لبنان، الأمير الدرزي فخر الدين الثاني المعني الكبير، هذا التقارب الفرنسي - اللبناني؛ إذ قدَّم للتجار الفرنسيين مستودعاً كبيراً في صيدا عُرِف بـ«خان الفرنج»، لا تزال آثاره ماثلة حتى يومنا. لكن الامتيازات التي حصلت عليها فرنسا أثارت حفيظة بريطانيا، الدولة العظمى المنافسة لها، فطالبت بالحصول على امتيازات مماثلة، مما أدى، ومنذ ذلك الحين، إلى خصومة عنيفة بين باريس ولندن، لدرجة أن استقلال لبنان سنة 1943 تحقق سريعاً نتيجة هذه المنافسة.
ويوضح الكاتب أن من بين الأهداف الرئيسية لفرنسا من إعلان دولة لبنان الكبير سنة 1920 كان الوصول إلى منابع النفط في المنطقة، بعد أن تبين لفرنسا خلال الحرب العالمية الأولى حاجتها الماسة إليه، إضافة إلى رغبتها في إنشاء «كيان للأقليات الدينية والإثنية» في الشرق الأوسط، خصوصاً للمسيحيين.
ويضيف أنه خلال مرحلة الانتداب الفرنسي على لبنان، حصل اصطدام بين بطريرك الموارنة والمفوضين الفرنسيين الذين كان معظمهم علمانيين أدى إلى انحيازه للمعارضة السياسية التي دعمتها بريطانيا ضد فرنسا. وقد اضطر الجنرال شارل ديغول زعيم «فرنسا الحرة» إلى إعطاء لبنان استقلاله سنة 1943، بعد أن اعتبر مساعدوه مطلب الاستقلال بدعم من البطريرك بمثابة «خيانة الموارنة»، باعتباره جاء في ظروف ترزح فرنسا خلالها تحت الاحتلال الألماني.
ويلفت المؤلف إلى أن ديغول الذي عاش سنتين في لبنان ملحقاً عسكرياً خلال الانتداب الفرنسي، كان يخشى على هذا البلد من أطماع الدول المجاورة له؛ فقدم له الحماية خلال حرب 1967، وعمد بعد اعتداء إسرائيل على مطار بيروت الدولي إلى فرض حظر شامل على بيع الأسلحة الفرنسية لإسرائيل. ويلفت الكتاب إلى أن ديغول ساعد على بناء وتطوير لبنان في عهد الرئيس فؤاد شهاب عبر القروض المالية له، من أجل تحديث البنى التحتية والمؤسسات الإدارية فيه، ثم ضاعف مساعداته هذه في عهد الرئيس شارل حلو الذي كان يُعتبَر أكثر رؤساء لبنان ميلاً للفرنسيين.
بيد أن الكتاب يعد حرب أكتوبر 1973، التي أدت إلى ارتفاع أسعار النفط، نقطة تحول كبيرة في سياسة فرنسا تجاه لبنان، إذ دفعت بالرئيس بومبيدو إلى اتباع سياسة انفتاح كبير على العالم العربي، لدرجة أنه خشي في الانتخابات الرئاسية اللبنانية سنة 1970 وصول المرشح سليمان فرنجية المدعوم من زعماء «الحلف الثلاثي» الماروني إلى رئاسة البلاد، فحاربته باريس خوفاً من أن يسيء إلى علاقاتها مع دول الخليج النفطية؛ فقد نتج عن هذه الحرب تحوّل مهم في السياسة الدولية تجاه الشرق الأوسط، إذ إن إسرائيل التي كانت تعاني بداية من صعوبات في مواجهة القوات العربية، هددت باستعمال سلاحها النووي ضد مصر وسوريا، مما دفع بالولايات المتحدة إلى التدخل فوراً، وإرسال وزير خارجيتها إلى المنطقة، هنري كيسنجر، الذي نجح بوقف المعارك العسكرية، لكن هذه الحرب تركت انعكاسات سلبية على لبنان، إذ إن المقاتلين الفلسطينيين الذين تجمعوا فيه منذ سنة 1970، بدأوا يكثفون عملياتهم العسكرية ضد إسرائيل، في وقت تزايدت فيه الصدامات بينهم وبين الجيش اللبناني، ما ساهم لاحقاً في اندلاع الحرب اللبنانية سنة 1975.
يعتبر الكاتب أن الحرب اللبنانية التي استمرت حتى عام 1990، كانت تغطية لعملية السلام بين مصر وإسرائيل، وإغراق سوريا في مشكلات لبنان الداخلية، ملمحاً إلى أن الخوف الكبير للرئيس فرنسوا ميتران كان حصول حرب عالمية نووية بين واشنطن وموسكو بسبب الحرب اللبنانية، وقد تراجع نفوذ فرنسا بقوة في لبنان، بعد تفجير ثكنة للجنود الفرنسيين في بيروت. ودعم ميتران «اتفاق الطائف» سنة 1990، إذ اعتبره المخرج الوحيد لإنهاء الحرب اللبنانية التي تحولت في النهاية إلى حرب بين المسيحيين أنفسهم. أما خليفته جاك شيراك، فقد كان أكثر مَن عمل على ترسيخ الدولة اللبنانية بعد انهيارها خلال الحرب الأهلية، إذ دعم صديقه رئيس الحكومة، رفيق الحريري، في تركيز «الجمهورية الثانية»، عبر تقاسم السلطة التنفيذية مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، وإعادة إعمار لبنان مع الحريري، عبر تنظيم ثلاثة مؤتمرات دولية في باريس لجمع المساعدات المالية له.
وبخلاف ذلك، فإن الرئيس نيكولا ساركوزي، على عكس شيراك الذي تقرب من المملكة العربية السعودية، مال إلى قطر التي كانت تبحث عن دور سياسي وإعلامي بارز لها في المنطقة، فتم تنظيم «مؤتمر الدوحة» سنة 2008 بتعاون فرنسي - قطري نتج عنه إعطاء الطائفة الشيعية في لبنان حصة أساسية في الحكومة عُرِفت بـ«الثلث المعطل»، مما أعطاها نفوذاً أوسع في البلاد، إلا أن الرئيس الاشتراكي فرنسوا هولاند الذي زار لبنان سنة 2016، وصرح بأن «أمن لبنان هو أيضاً أمن فرنسا»، عاد، فحوّل وجهة فرنسا من جديد تجاه المملكة السعودية.
يبقى أن الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون الذي صرح بأن فرنسا «لن تتخلى عن لبنان»، يرفض الانحياز إلى أي طرف في أحداث لبنان، ساعياً إلى البقاء على مسافة واحدة من الجميع، ويحاول أن يلعب دور «الوسيط الحذر» بين الأطراف المتخاصمة في لبنان والمنطقة. وهذا ما يفسر رفضه المتواصل لتصنيف «حزب الله» إرهابياً، رغم ضغوط حلفائه في الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا. ويرى الكاتب أن فرنسا، حامية المسيحيين في الشرق، تواجه اليوم منافسة روسية إذ ترغب موسكو في أن تكون هي أيضاً حامية الأقليات المسيحية في هذه المنطقة عبر المسيحيين الأرثوذكس المنتشرين فيها، مما أدى إلى ظهور منافسة بين باريس وموسكو على غرار ما كانت عليه سابقاً بين باريس ولندن.
وقد بدأت روسيا التي ركزت قواعد عسكرية لها في سوريا، تغلغلها فعلياً في لبنان بشكل تدريجي بدءاً من شماله، خصوصاً أن زعيم أكبر حزب مسيحي لبناني، جبران باسيل، يطالبها بأن تلعب دوراً أكبر في لبنان. وخلاصة الكتاب أن ماكرون يواجه اليوم في لبنان صراع «المجموعات الطائفية الأربع» المكونة له، وهي المسيحية والسنية والشيعية والدرزية، باعتبار أن كل طائفة تريد أن تبسط نفوذها في البلاد على حساب غيرها، مما أدى إلى شلل خطير في كل مؤسساته بات يهدد مصيره ووحدته.


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً