«الفدية مقابل الحياة»... قصص مروعة عن خطف المهاجرين في ليبيا

ترصد حكايات مؤلمة عن تعرضهم للاغتصاب والتعذيب والاتجار بأعضائهم

مهاجرون غير نظاميين خلال عملية ترحليهم إلى أحد مراكز الاحتجاز في طرابلس بعد إنقاذهم من الغرق (غيتي)
مهاجرون غير نظاميين خلال عملية ترحليهم إلى أحد مراكز الاحتجاز في طرابلس بعد إنقاذهم من الغرق (غيتي)
TT

«الفدية مقابل الحياة»... قصص مروعة عن خطف المهاجرين في ليبيا

مهاجرون غير نظاميين خلال عملية ترحليهم إلى أحد مراكز الاحتجاز في طرابلس بعد إنقاذهم من الغرق (غيتي)
مهاجرون غير نظاميين خلال عملية ترحليهم إلى أحد مراكز الاحتجاز في طرابلس بعد إنقاذهم من الغرق (غيتي)

في قرية كفر أبو نجم بدلتا مصر، كان شبح الموت يخيم على كل الأنحاء، فالأخبار الواردة من ليبيا مُغلفة برائحة الدم، والجميع يتلمس في ذعر أي نبأ عن الشبان، الذين سافروا سراً قصد الهجرة إلى أوروبا، لكن ابتلعهم البحر المتوسط أمام ساحل مدينة الزاوية (غرب).
ومع مرور أيام قليلة غلب عليها اليأس والقهر، بدت الأوضاع على الجانب الآخر قاتمة ومريعة، فبعض الذين نجوا من الغرق «يُعذبون بأعواد من حديد، ويكتوون بالنار» في معسكر «بئر الغنم» لتجميع المهاجرين غير النظاميين، الواقع جنوب غربي العاصمة طرابلس.
هذه الفاجعة، التي ستتكشف تفاصيلها فيما بعد، مجرد نموذج مصغر لعشرات الجرائم التي يتعرض لها المهاجرون، الذين يتسربون داخل ليبيا عبر الصحراء المترامية، قادمين إليها من مسارات وعواصم مختلفة. البعض منهم يُقضى غرقاً، أو يصل إلى «الفردوس الأوروبي»، وإما يُغيب داخل سجون، و«كمبوهات» (عنابر ضيقة مسقوفة بألواح الخشب ورقائق الصاج) تابعة لعصابات التهريب، منتظرين مصيراً غامضاً، ربما يكون أسوأ من الموت بين طيات أمواج البحر.
ومسارات التهريب جميعها تتحكم فيها مافيا كبيرة، متشعبة محلياً وإقليمياً، وتصب داخل الحدود الليبية، ومنها إلى مدن غرب البلاد، مُطلة على ساحل البحر الأبيض، مثل صبراتة وزوارة والزاوية والقرة بوللي، إذ إن القادم من مصر والسودان والصومال قد يلتقي مع من جاء عبر تشاد والنيجر، ويلحق بهم القادم من غانا وساحل العاج، وجميعهم يظلون منذ خروجهم من ديارهم في عهدة «السمسار»، الذي يسلك بهم الدروب الوعرة إلى أن يستقروا في ليبيا، بعيداً عن أعين السلطات الأمنية. لكن إذا وقعوا في قبضة العصابات المتاجرة بالبشر، فالأمر قد يختلف كلياً لأنهم سيكونون حينها في حُكم الأموات، إذ إن كل شيء لدى هذه (المافيا) له ثمن... الحياة، وحتى دخول المرحاض، و«شربة الماء»، التي قد تضطر بعض النساء لدفع ثمنها من شرفهن، أو يتجرعن مياهاً ملوثة، لأن هناك يُجرى الاستثمار في «اللحم الحي» للمهاجرين.
وقائع هذا التحقيق جرت بين محافظات بدلتا مصر، ومناطق ليبية عدة، بقصد توثيق عملية تهريب البشر والمتاجرة فيهم، وكيف يقعون «كورقة رابحة» في قبضة ثنائي (المافيا) و(السماسرة)، ليتم المقايضة بهم، قبل أن ينالوا في أغلب الأحيان قسطاً وافراً من العذاب، والتغييب لأشهر عدة في الأقبية المجهولة و«الكمبوهات» السرية.
«الشرق الأوسط» رصدت جانبا من قصص تعذيب دامية تُرتكب داخل معسكرات للهجرة غير النظامية، تبدأ بضرب المهاجرين بالسياط والمواسير الحديدية، وتنتهي بحرق أجسادهم بالنار لإجبار أسرهم على دفع الفدية المطلوبة لإطلاق سراحهم، وقد يتطور الأمر فيخضعون للتخدير وانتزاع أعضائهم البشرية وبيعها حسب الطلب؛ وبعض هذه الجرائم يُرتكب داخل مقار رسمية للاحتجاز بطرابلس، من بينها غوط الشعال، والبعض الآخر يتم في معسكرات تشرف عليها مجموعات مسلحة، أو بمخازن سرية يُكدسون فيها انتظاراً لساعة التنفيذ.

صورة نشرها النائب العام الليبي لمهاجرين تعرضوا للتعذيب (الشرق الأوسط)

مأتم أبناء العم

كانت حرارة شهر يوليو (تموز) في مصر قد تجاوزت الأربعين درجة مئوية بقليل، وابنا العم حسن صلاح عطية (30 عاما)، وحسين حاتم عطية (19 عاماً)، يقطعان قرابة (750 كيلومتراً)، في أولى خطوات تحقيق حلمهما بالسفر إلى «الجنة الأوروبية الموعودة»، من قرية أبو نجم بمحافظة الشرقية، إلى مدينة السلوم، القريبة من الحدود الغربية مع ليبيا، ولا يحملان معهما سوى قليل من الزاد والملابس وبعض النقود.
هناك على جانبي طريق صحراوي، التقيا مع مصريين آخرين، حيث سلك بهم «سمسار الرحلة» المأجور طرقاً ودروباً لمدة خمسة أيام، تنقلوا خلالها من حافلة إلى أخرى، ومن مخزن لآخر، حتى انتهت مهمته معهم عند دخولهم الحدود الليبية. ومن هذه النقطة بدأت رحلة «شاقة محفوفة بالمخاطر والأهوال»، روتها لنا نورا سليم، ابنة عم حسن وحسين.
أخبرتنا نورا، ابنة الثلاثين ربيعا، أن ابني عميها أرادا تحسين نمط عيش أسرتيهما، كباقي أبناء كفر أبو نجم وقرى مجاورة أخرى في الشرقية عبر السفر إلى إيطاليا: «وصل إيطاليا مصريون كثيرون وهم يعملون الآن، وأصبحت أوضاع أسرهم جيدة». وأضافت بنبرة حزينة: «عائلتي تعيش حالياً أياماً قاسية؛ وتندم على ما حدث. فبعد تلقي أول اتصال هاتفي من حسن وحسين نهاية أغسطس (آب) الماضي، علمنا من مصريين في غرب ليبيا أن القارب الذي كان يقلهما مع آخرين انقلب في البحر، وغرقوا جميعهم، فأقمنا لهما مأتماً وتلقينا العزاء».
ومع حالة الحزن التي سادت قرية كفر أبو نجم لموت حسين وابن عمه حسن، الذي ترك وراءه طفلاً رضيعاً، بقي لدى أسرتيهما أمل في أن يكونا لا يزالان على قيد الحياة.
ووفقاً لبيانات وزارة الداخلية بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية، يوجد في جميع أنحاء البلاد أكثر من 575 ألف مهاجر غير نظامي، بينهم 6200 يحتجزون في مراكز للإيواء، يديرها جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية التابع للوزارة.

عصابة «الحاج حكيم»

المصير الغامض لابني العم حسن وحسين، ينطبق على آلاف المهاجرين غير النظاميين من جنسيات عربية وأفريقية عديدة، ممن يقعون في قبضة الميليشيات وعصابات المتاجرة بالبشر، فيتعرضون للتعذيب النفسي والبدني، والاعتداء الجنسي والسخرة بقصد ابتزاز أسرهم.
من بين هذه «العصابات الإجرامية»، هناك عصابة يتزعمها شخص يعرف بـ«الحاج حكيم»، تورط في خطف مجموعة من المهاجرين المصريين، وإنزال صنوف العذاب بهم، وصور «جريمته» بالفيديو لحمل ذويهم على دفع ما يطلبه من أموال. وقد أظهرت تحقيقات النيابة العامة الليبية لاحقاً أن «الحاج حكيم» يمتهن الاتجار بالبشر عبر دول مختلفة، وأنه تولى في الآونة الأخيرة تنسيق عمليات الهجرة غير المشروعة، عبر إدارة منظمة تمارس نشاطها تحت سيطرته في الداخل، ولها ارتباط مع شبكات أخرى تعمل لصالحه بدول الجوار.
ومن بين الحوادث، التي تُوصف بكونها «الأكثر دموية»، حادثة تصفية 21 مهاجراً غير نظامي من بنغلاديش في بلدة مزدة (جنوب غربي العاصمة)، على يد مواطن ليبي، كان يُكدسهم داخل مخزن تمهيداً لبيعهم، وقرر أن يُخمد غضبهم فأمطرهم بوابل من الرصاص.
وتشير بيانات صادرة عن هيئات معنية بالملف، منها «المنظمة الدولية للهجرة»، و«المفوضية السامية لحقوق الإنسان» إلى تعرض آلاف المهاجرين لعمليات تعذيب واسعة. وسبق لمديرية أمن طبرق (شرق) العثور على ثلاثة مصريين بمنطقة باب الزيتون، بدت عليهم آثار تعذيب شديد، وفارق أحدهم الحياة بعد نقلهم إلى مركز طبرق الطبي. وقالت المعلومات الأمنية، حينها، إنهم كانوا محتجزين في أحد المخازن المخصصة لتهريب الهجرة غير المشروعة، وحرموا الطعام، وتعرضوا للضرب من طرف عناصر هذه العصابة.
وتمكنت الشرطة وعناصر «الجيش الوطني» الليبي من تحرير 900 مصري، الأسبوع الماضي، وقالت الأجهزة الأمنية بشرق ليبيا وقتها إن عصابات التهريب احتجزتهم في مزرعة بمنطقة «بئر الأشهب» (74 كيلومتراً شرق طبرق)، بقصد مساومة ذويهم على دفع الأموال.

محمد صحبة والده بعد وصوله إلى مصر (الشرق الأوسط)

تعذيب في (بئر الغنم)

التعذيب لدى الميليشيات وعصابات الهجرة لم يستثن أحداً من المهاجرين، غير أن ما يحدث في مركز «بئر الغنم» من «جرائم»، نقلتها شهادات الفارين والمعتقلين في حديثهم إلى «الشرق الأوسط»، كشف عن أعمال «تعذيب وحشية ممنهجة»، وهو ما دفع حسين أبو العز، الذي يعمل معلماً للغة الإنجليزية في أحد المدارس المصرية، إلى اتهام صلاح القديري، مدير المركز، بالإشراف على تعذيب نجله محمد، بمساعدة شخصين ليبيين، يعرف الأول بـ«الهربا السفاح»، والآخر يدعى محمد الفلاح.
«الشرق الأوسط» واجهت عبر اتصالات هاتفية الأشخاص الثلاثة، الذين اتهمهم والد الضحية بتعذيب ابنه؛ غير أنهم نفوا الأمر، وأكدوا أنهم «يعاملون المحتجزين بشكل جيد».
ومحمد، الذي يدرس في كلية التجارة بجامعة المنصورة، كان من بين عشرات المهاجرين المُنتمين لقرية تلبانة بمحافظة الدقهلية (شمال مصر)، الذين تسللوا إلى ليبيا بقصد الهجرة إلى أوروبا، لكن ألقي عليهم القبض، فنُقلوا بين سجون ومراكز عدة، من بينها غوط الشعال في طرابلس، إلى أن انتهى بهم المطاف في «بئر الغنم»، الذي يضم أكثر من ألف مهاجر.
وهرب من غوط الشعال أربعة آلاف مهاجر من جنسيات مختلفة إلى شوارع العاصمة، منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، كانوا يحشرون في زنازين ضيقة وفي ظروف غير صحية، لكن قوات الأمن قالت إنها استعادت نحو ألفين منهم، والباقون إما ينامون في الشوارع، أو تتلقفهم عصابات التهريب.
وروى الشاب المصري، الذي سافر إلى ليبيا مطلع أغسطس الماضي، بحثاً عن مستقبل أفضل، أنه «تعرض للتعذيب بقسوة طيلة ثلاثة أشهر، قبل أن يتمكن والده من دفع 50 ألف جنيه (قرابة 3800 دولار) لأحد «السماسرة»، قصد تسهيل هروبه من المركز، بالإضافة إلى تسديد سبعة آلاف جنيه أخرى مقابل توصيله إلى قرب السلوم.
وترصد منظمة «العفو الدولية» تعرض المهاجرين في بعض مراكز الإيواء بعموم ليبيا لانتهاكات جسيمة، فضلاً عن تعرض المهاجرات المحتجزات في معسكرات الاعتقال للعنف الجنسي المروع على يد حراسه، مقابل الحصول على الطعام والمياه النظيفة، وهو ما يدفع المنظمة الدولية للهجرة لرفض إعادة أي مهاجر من البحر إلى ليبيا.
ونقلت «العفو الدولية» في تقرير لها، أصدرته في يوليو الماضي، عن عدة نساء سيدات أن «حراس معسكرات للمهاجرين يغتصبون النساء، ويجبروهن على ممارسة الجنس مقابل إطلاق سراحهن، أو حصولهن على الماء النظيف».
وروى محمد لـ«الشرق الأوسط» ما شاهده من «وحشية ترتكب مع المحتجزين» في مركز «بئر الغنم» قائلا: «كان الحراس يعذبوننا يومياً بشكل مهين، وهم يدخنون الحشيش، ويتناولون البوخة (هو مشروب مُسكر محلي الصنع)، وكنا نُضرب بأعواد الحديد، ويشرف على تعذيبنا القديري ومعه (الهِربا) والفلاح؛ ومن يشعر منا بألم أو يمرض ليس أمامه إلا انتظار الموت، لأنه لا وجود لأطباء أو علاج».
وبخصوص تكدس المعتقلين في أربعة عنابر ضيقة مع ارتفاع درجة حرارة الصيف، قال محمد: «عنبرنا كان يضم 450 شخصاً، وكان الجو حاراً جداً، مع قلة المياه والمراحيض، وكانوا يمنعوننا من الاستحمام مما سهل انتشار الأمراض الجلدية المُعدية».
وفي ظل حصص التعذيب اليومية، تحدث محمد أيضا عن حرمان المهاجرين من الطعام قائلا: «كان الأكل شحيحاً جداً لا يكاد يكفينا، والجوع يلازمنا دائماً. كنا نحصل على وجبتين فقط في اليوم لا تكفيان لسد جوعنا، وكان كل أربعة أشخاص يتناولون طبق مكرونة صغيرا، وكان يحلو للسجانين إسماعنا من وقت إلى آخر أقذع العبارات، ويخيفوننا بأننا لن نخرج من المعسكر إلا أمواتاً خصوصا المصريين».
ويشكل القادمون من بعض محافظات صعيد مصر ودلتاها العدد الأكبر من بين المهاجرين، الذين يتوافدون على ليبيا عبر الصحراء سراً، بحثاً عن «فرصة عمل»، أو أملاً في الفرار إلى «الفردوس الموعود».

الهروب بسيارة الشرطة

الملاحظة هنا أن مركز «بئر الغنم» يتبع رسمياً الشرطة الليبية، ومع ذلك كشف محمد لنا عن طريقة تهريبه، التي تمت بواسطة عناصر داخل المعسكر بقوله: «كل القائمين على المعسكر من ميليشيات وعناصر أمنية يبيعون المحتجزين سراً، ويتقاضون المُقابل كلما أتيحت لأحدهم الفرصة، دون معرفة باقي المسؤولين معهم بهذا الإجراء».
وأضاف محمد موضحا: «بعد أن دفع والدي في مصر المبلغ الذي حدده السمسار، أركبوني سيارة من عربات الشرطة المرصوصة داخل المعسكر، بعد رحلة عذاب استمرت ثلاثة أشهر تقريباً، جزء منها كان في مركز احتجاز غوط الشعال؛ ثم سلموني خارج البوابة الرئيسية لسيارة (تاكسي)، نقلتني بدورها إلى مكان بمدينة الزاوية (48 كيلومتراً غرب طرابلس)، ومن هناك ركبت سيارة أُجرة مع آخرين كانت في طريقها إلى مصر».
وبنبرة فرح لم تخل من ألم، أخبر حسين أبو العز، والد محمد، «الشرق الأوسط» بوصول نجله إلى منزله بمحافظة الدقهلية: «أخيراً استعدت ابني بعد ثلاثة أشهر. الحمد لله الذي نجاه من الجحيم. لكنه عاد إلي يائساً ومحطماً من قسوة التعذيب والإهانة، ومصاباً بأمراض جلدية نادرة؛ والمهم الآن سرعة الإفراج عن مسجون آخر من أبناء قرية تلبانة، يدعى نزيه سمارة (...) الوسيط يطلب 70 ألف جنيه»، وقال إن «السمسار»، الذي عمل على تهريب نجله، ينتمي إلى إحدى مدن جنوب مصر، ويقطن طرابلس.
وحصلت «الشرق الأوسط» على مقاطع «فيديو» من والد الضحية محمد، قال إنها من داخل المعسكر، وصورت عقب عملية تهريب بعض الضحايا.

المافيا والسمسار

هنا، تتكشف الحلقة المفقودة بين عمليات الخطف وتحرير الرهائن، وتكمن في الدور الذي يلعبه «السمسار» بالتوافق مع المتورطين في هذه الجرائم، والذي يؤكد دائماً على أنه «فاعل خير»، رغم أن واقعة الإفراج عن محمد كشفت ما يشبه علاقة (البيزنس) بينه وبين المسؤولين داخل مركز الاحتجاز.
«الشرق الأوسط» تواصلت عن طريق أسرة أحد المخطوفين في ليبيا مع أحد هؤلاء السماسرة، المقيم حالياً في حي الأندلس بطرابلس، الذي رفض الحديث معنا في بداية الأمر، لكنه دافع عن نفسه قائلا: «أنا أقدم خدمة لأهالي المخطوفين بالاطمئنان على أولادهم، والسعي للإفراج عنهم دون مقابل».
ورداً على اتهامه بـ«الاتجار في البشر»، قال السمسار: «لا. أنا أسعى لتخفيض المبالغ المطلوبة للإفراج عنهم، والتي قد تصل في بعض الأحيان إلى 10 آلاف دولار».
وحتى الآن، لا تزال أسرة نورا تتعرض للابتزاز من طرف «سماسرة» يطالبون بمبالغ مالية كبيرة، بحجة الإفراج عن ابني عميها، آخرهم انتحل صفة موظف كبير بالحكومة المصرية، لكن قبض عليه لاحقاً.
ومن «بئر الغنم»، وهو اسم لبلدة صغيرة كانت مسرحاً لمعارك «ثورة 17 فبراير» عام 2011 إلى الصحراء حيث الجريمة، التي شهدتها الحدود بين ليبيا والسودان، وذلك عندما أقدمت شبكة لتهريب المهاجرين على نقل 28 مهاجراً من السودان إلى الحدود الليبية، مقابل مبالغ مالية؛ لكنها تخلت عن 14 منهم وسط الصحراء، دون زاد أو وسائل لنقلهم، ما أدى لموت ستة مهاجرين، بينما تاه الباقون في الصحراء.
غير أن القضية أصبحت قيد التحقيق من النيابة العامة الليبية حالياً، بعدما قبضت أجهزة الشرطة على عناصر الشبكة، وتم حبسهم احتياطياً.
وتقول المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إن قرابة خمسة آلاف لاجئ وطالب لجوء مسجلين لديها، منهم نحو 45 في المائة رجالاً، و22 في المائة نساءً، و33 في المائة أطفالاً. كما سجلت المنظمة الدولية للهجرة إنقاذ 969 مهاجراً من الغرق في الفترة الممتدة من 19 إلى 25 ديسمبر (كانون الأول) 2021، وأعادتهم إلى مراكز الإيواء ثانية.

أعضاء بشرية للبيع

تسرب المهاجرين داخل ليبيا عبر الحدود المترامية بدا الآن أنه يصُب في صالح شرائح عديدة، بداية من الميليشيات والعصابات الممتهنة للتهريب، وصولاً لبعض القبائل بجنوب البلاد، التي تواجه اتهامات بالاستفادة من الفوضى، التي ضربت ليبيا طوال عقد مضى، والتربح من تهريب البشر والسلاح والمخدرات والوقود أيضاً.
لكن المثير في الأمر هو أن هذه التجارة فتحت باباً شرهاً آخر للاستثمار الحرام، يتمثل في قتل مهاجرين أفارقة، وانتزاع أعضائهم البشرية بواسطة أطباء اختصاصيين، وبيعها بمبالغ طائلة.
مصادر قضائية ليبية أطلعت «الشرق الأوسط» على جانب من التحقيقات الجارية مع وافد صومالي، يدعى حسن قيدي، متهم بـ«قتل عشرات المهاجرين، وانتزاع أعضائهم البشرية بواسطة شبكة يقودها تمتهن تهريب المهاجرين والاتجار فيهم وبيع أعضائهم البشرية». بالإضافة إلى اتهامه بـ«اغتصاب عدد من المهاجرات تحت تهديد السلاح، بعد خطفهن وإخفائهن في مخازن سرية لإرغام عائلاتهن على دفع الفدية نظير إطلاق سراحهن».
ولاحقاً تطرق النائب العام، الصديق الصور، إلى هذه الجريمة خلال لقائه مطلع ديسمبر (كانون الأول) 2021 مع وزيرة العدل، حليمة إبراهيم، وبعض القيادات، وقال إن التحقيقات الجارية بمعرفة النيابة العامة كشفت أن «شبكات الجريمة المنظمة استفادت من غياب سلطات الدولة؛ فارتكبت جرائم الاتجار بالبشر، وقتل مهاجرين والاتجار بأعضائهم البشرية».
الناشط المدني الليبي عبد الحميد الوافي، المهتم بملف المهاجرين والنازحين، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «جرائم الاتجار في الأعضاء البشرية للمهاجرين نشطت إلى حد كبير بعد عام 2011، وخاصة في مناطق غرب البلاد»، وتحدث عن «وجود عصابات تتخفى في صورة عمال يستدرجون ضحاياهم إلى أماكن سرية، وفي وقت ما، كان يتم ذلك في غابات قصر خيار(شرق العاصمة بنحو 80 كيلومتراً تقريباً)، «وهناك كانت تجرى عمليات جراحية للمخطوفين، وتنتزع أعضاؤهم البشرية، قبل أن يُلقى بهم في البحر». وفق قوله.
ويبرهن الوافي على ذلك بعثور بعض المواطنين، والأجهزة المحلية في وقت سابق على جثث لمهاجرين ممزقة إلى أشلاء، لكن عندما توجهنا بالسؤال إلى وزارة الداخلية الليبية عن هذه الجرائم قال لنا مسؤول أمني رفيع إن «كل ما يتعلق بهذه القضايا من معلومات لدى النائب العام، ومن الأفضل الذهاب إلى النيابة العامة»، لكن الأخيرة قالت إن «القضية رهن التحقيق».
ومن وقت لآخر تعثر الدوريات الأمنية عن جثث متحللة لمهاجرين في الصحراء الليبية. وقد شهدت ليبيا تزايدا ملحوظاً في تدفق أعداد المهاجرين باتجاه الشواطئ الأوروبية، في ظل ما تشهده البلاد من هدوء نسبي راهناً، لكن قوات خفر السواحل المحلية، والسفن الأوروبية العاملة على إنقاذ المهاجرين تعيدهم إلى ليبيا.
ويخلو حديث جُل المسؤولين الليبيين من تحمل أي مسؤولية تجاه ما يقع من جرائم تنكيل بحق المهاجرين، وبهذا الخصوص قال العميد المبروك عبد الحفيظ، مدير جهاز الهجرة غير المشروعة، إن بلاده «باتت ضحية، وتُركت وحيدة في مواجهة هذه القضية، التي عجزت عن معالجتها دول العالم».
كآبة أيام الانتظار تمر على أسر المخطوفين، الذين يستغيثون في ليبيا، ثقيلة، إلا أن الأنباء الواردة من معسكر «بئر الغنم» حملت خبراً ساراً لقرية كفر أبو نجم، اختلطت معه مشاعر الحزن والقهر مع دموع الفرح وحالة الترقب. فقد أبلغت نورا «الشرق الأوسط» أنه بعد ثلاثة أشهر من احتساب قريبيها في عِداد الموتى، أخبر أحد الناجين أسرتها أنهما كانا مسجونين معه في «بئر الغنم»؛ وتمكن هو من الهرب، بعدما اصطحبه أحد قيادات المركز الأمنية إلى منزله لذبح أضحية العيد الماضي، لكنهم حتى الآن لا يعلمون عنهما شيئا، وينتظرون تحرك السلطات المصرية لاستعادتهما.



مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
TT

مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)

كانت القنبلة مخبأة داخل جهاز تسجيل في مسجد «أبو ذر» بطهران، بينما علي خامنئي يلقي محاضرة على مصلين في يونيو (حزيران) 1981. انفجر الجهاز، وأصيب عدد من الأشخاص، كان هو أشدهم تأثراً بجروح بليغة.

«ذَهبتُ إلى حافة الموت لكن الله أعادني (...) شعرت أنه ينتظر مني أداء تكليف عظيم». كانت هذه كلمات خامنئي مستعيداً لحظاته وقت الانفجار؛ نجا بيد يمنى مشلولة، وربط نجاته بانتظار ذلك «التكليف».

أمضى خامنئي نحو 37 عاماً مرشداً لإيران، خلفاً للمرشد الأول الخميني. ومع بلوغه ذروة النفوذ، متمركزاً في شبكات معقدة وأدوات متفرعة لضبط «الثورة الإسلامية»، تطلب الأمر - كما تفيد تقديرات - نحو 15 دقيقة من غارة إسرائيلية، أواخر فبراير (شباط) الماضي، لينتهي فصل طويل من إيران التي كنا نعرفها، ويبدو أنها تغيرت على نحو ملتبس.

المرشد السابق علي خامنئي خلال تلقيه العلاج داخل مستشفى «بهارلو» بطهران بعد تعرضه لمحاولة اغتيال في يونيو 1981 (موقع المرشد)

حتى مع مجيء المرشد الثالث مجتبى خامنئي، فإن التركة التي أورثها الأب من صلاحيات مطلقة ورمزيات دينية مكثفة، ومصالح متشابكة، ومركزية سياسية وعسكرية ومالية، لم يحصل عليها الابن بوصفه مرشداً تقليدياً، بل تقاسمها «أبناء» عديدون، كما تفعل التنظيمات الأصولية حين تنتقل بحكم الصدمة والاضطرار إلى العمل الشبكي، الخيطي.

ثمة جدل بشأن ما إذا كان خامنئي قد جهز «الثورة الإسلامية» للعمل بلا رأس، عبر رؤوس متعددة تعمل بشكل شبه مستقل، أو أنه لم يكن يتخيل المصير الذي انتهى إليه، لاعتقاده بأن «يد الله» تحميه، كما كان يكرر في مناسبات عامة، غير أن ابنه مجتبى سيبدو جواباً على لغز الدولة العميقة في إيران، التي استعدت لولادة جمهورية تعمل مثل شبكات خيطية.

في الحالتين، إيران اليوم جمهورية من خلايا متفرقة، تشبه سلوك في طريقة عملها أذرعها «المقاومة».

«لا نتحدث عن معركة الآن»

بنت «الثورة الإسلامية» مجدها على الردع البعيد. خامنئي نفسه، في هذا الردع، لم يكن يتخيل، على الأرجح، أن تقترب منه نيران المواجهات. كان هو أكثر من عبر عن هذه المقاربة، دون غيره.

في مارس (آذار) 2011، لم يخف خامنئي ارتياحه لاندلاع ما سمي آنذاك «الربيع العربي»، وقال: «في هذه الأحداث، يمكن الشعور بيد قدرة الله». وفي مايو (أيار) 2019، كان أنصاره يهتفون أمامه بشعار يدعو بحماس إلى «معركة ضد أميركا». أوقفهم خامنئي، قائلاً: «الآن لا نتحدث عن معركة. القضية هي المقاومة».

بعد أحداث 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كانت إيران تتعرض إلى ضغوط متواترة للرد على إسرائيل والولايات المتحدة. مع ذلك ابتكرت طهران «الصبر الاستراتيجي»، الذي وصل إلى إخضاع قوى إقليمية، من وكلاء وأذرع، لفترات من الهدنة، ليست قصيرة.

من الواضح أن استراتيجية خامنئي مزيج من تصوره الديني عن التاريخ، وتكتيك إيران الذي يستند إلى إبقاء المعركة بعيدة عن طهران. حتى بعد وقائع 7 أكتوبر 2023؛ إذ يصفها رجل دين عراقي من النجف بقوله: «كأس سم سقاه يحيى السنوار للمرشد».

أشخاص يسيرون بجوار جدارية تصور المرشد السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران 13 أغسطس 2026 (رويترز)

طوال 4 عقود من وجوده على هرم السلطة، وبينما تجنب المواجهة المباشرة، كان المرشد ينسج خيوط النظام الشبكي من خلال تعيين أشخاص موالين لإدارة ملفات حيوية في الأمن والسياسة والاقتصاد والإعلام.

يشاع في طهران وبغداد وبيروت، بين دوائر مطلعة، أن مكتب المرشد ليس «مؤسسة في مبنى تقليدي لديها حارس وبوابة»، بل شبكة واسعة غير مرئية تضم عدداً غير متوقع من المسؤولين والممثلين والمندوبين والأذرع، تصل حتى إلى مؤسسات تقع تحت إشراف رئيس إيران، وظيفتهم جميعاً التأكد من أن «المرشد يرى ويسمع، ويقرر في كل شيء».

في بغداد، ظهر انعكاس لهذا التمدد، يكشف عنه مسؤول سابق، طلب التحفظ على اسمه، قال إن «رجل دين إيرانياً كان يواظب على تدقيق السياسة النفطية العراقية بشكل يومي، بأوامر شخصية من المرشد». وأضاف: «خامنئي أو مكتبه حريص على أن يحصل على تحديثات يومية بشأن الملفات الاستراتيجية».

الخطوط الحمراء... حمراء

يتجاوز موقع خامنئي حدود الدستور لـ«المرشد». يقول الباحث العراقي علي المدن، إنه «ومن خلال عقود طويلة تمتد إلى ما قبل (الثورة الإسلامية) عام 1979، راكم خامنئي عوامل وموارد تجاوزت الحدود التقليدية للصلاحيات الدستورية للمنصب. جمع، إلى جانب تجربته السياسية، رئاسة الجمهورية، وموقعه الديني، فضلاً عن شبكة واسعة من العلاقات والولاءات داخل المؤسسات».

يميل المدن، وهو باحث في «الفلسفة الإسلامية»، راكم خبرته عبر أكثر من 3 عقود من الدراسة والعيش في قم، إلى الاعتقاد بأن «موقع خامنئي الأب ليس نتاجاً لاختصاصاته الدستورية فحسب، إنما أيضاً للخبرة المتراكمة وقدرته على إدارة التوازن بين المؤسسات ومراكز القوة المختلفة».

لكن الطريقة التي بنى فيها خامنئي سلطاته غير التقليدية كانت محمية على الأرجح بفكرة الردع؛ إذ يضخ فيها «بعداً إلهياً»، في كل مرة يظهر فيها إلى العلن، مهما كان السياق.

عام 2018، كان ضيق العيش يطبق على الإيرانيين مع تفاقم العقوبات الأميركية. في أغسطس من ذلك العام، احتشد الآلاف حول منبر خامنئي ليسمعوه يقول: «أشعر بيد الله القوية تتجلى وتتبلور في قوة الشعب». هكذا تسرب إلى جمهور المرشد في إيران، وبلدان ما يسمى بـ«محور المقاومة»، كيف أن الخطوط الحمراء، حمراء لا يمكن كسرها.

مشيعون يتجمعون خلال جنازة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في طهران (رويترز)

يقول سياسي عراقي احتك لسنوات مع سياسيين على صلة وثيقة بمكتب المرشد الأب، إنهم ليسوا أقل ثقة من خامنئي بأن «يد الله» تحميه، وتحمي «الثورة الإسلامية» وتحميهم، بل إن أقصى ما كان يعده من سيناريوهات عن المواجهات، حين تصبح مباشرة، أنها «قد تصيب الرجل الذي يجلس جوار المرشد، وليس المرشد»، على حد تعبير أحدهم.

هل كان خامنئي متيقناً من أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أو رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لن يأمرا باغتياله؟ من الصعب الحصول على إجابة حاسمة، لكن المرشد نفسه حتى حين كان يتوقع انقلاب الأمور رأساً على عقب، كان يشير إلى الآخرين. في 10 يونيو (حزيران) 2005، وبمناسبة ذكرى وفاة المرشد الأول، قال خامنئي إن «هذه اليد القوية (يد الله) قد تتحول أحياناً إلى قبضة وتضرب الإنسان على رأسه».

يميل السياسي العراقي إلى أن «خامنئي لم يكن يريد الذهاب إلى المواجهة، بل إطالة الصراع على الأقل إلى نهاية حياته بالطريقة الطبيعية، وليس كما فرضها الإسرائيليون والأميركيون».

ومن وجهة نظره، فإن «بلوغ الصراع حافة قتل المرشد يعني أن مرحلة طويلة من تاريخ إيران وصلت إلى لحظة أفول».

خامنئي الابن... مرشد «الحرس»؟

مع أن كثيرين يرجحون فرضية أن خامنئي عارض توريث مجتبى مرشداً لإيران، إلا أن الأب ترك ابنه في وقت مبكر متوارياً، يتوغل في المجتمع والمؤسسات، من باب «الحرس الثوري». يقول أشخاص عراقيون ولبنانيون عاصروا تحولات إيران خلال التسعينات، طلبوا عدم الإشارة إلى أسمائهم، إن مجتبى استغل «مرونة هاشمي رفسنجاني (كان رئيساً لإيران حين لعب دوراً محورياً في انتخاب الأب مرشداً عام 1989) وانغمس في نسج علاقات مع الجميع، داخل الحرس، الحوزة، السوق، الجيش، الباسيج، والقضاء».

قال أحدهم إن خامنئي الابن هو من زج بـ«مير حسين موسوي» إلى السجن، وقضى على حركات سياسية في مهدها، أو في طور نشوئها، هندس وصول إبراهيم رئيسي إلى الرئاسة، وأسس فلسفة جديدة تتحول الدولة فيها، كمؤسسات، إلى ما يشبه (حزب الله) في قلب الدولة». لقد تعلم الرجل مبكراً مبادئ «الدولة العميقة».

هل كان الأب خامنئي يعارض التوريث، بوصفه مشروعاً يناقض «الثورة الإسلامية» التي جاءت على أنقاض نظام الشاه، لكنه في المقابل سمح للابن بأن يرث الدولة العميقة التي عينته مرشداً، أو «واجهة لها»، كما يصف رجل الدين العراقي من النجف؟

امرأة تمر بجوار ملصق يحمل صور المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

بالنسبة للباحث علي المدن، «مجتبى خامنئي ابن النظام؛ نشأ وكبر داخله (...) إنه منتَج لمؤسساته وليس واحداً من مؤسسيه، ولم يسبق له أن شغل منصباً سياسياً عاماً مماثلاً للمناصب التي شغلها والده قبل توليه القيادة، كما أن حضوره داخل المؤسسة الدينية لا يمتلك، حتى الآن، الامتداد نفسه الذي اكتسبه والده عبر عقود من التكوين العلمي وممارسة السلطة. ومن ثم فإن انتقال المنصب له لا يعني بالضرورة انتقال جميع الموارد الشخصية والسياسية التي كانت متجمعة في شخص والده».

الهوة التي يراها مختصون شاسعة بين الأب والابن تدفع رجل الدين من النجف إلى الجزم بأن «خامنئي الأب هو آخر مرشد يحمل الحد الأدنى من شروط الفقاهة، كما أنه الأخير الذي يمتلك هيمنة حقيقية على (الحرس الثوري)، على عكس خامنئي الابن الذي يهمين عليه الحرس ويدير أموره».

لا يعني ذلك، أيضاً، أن موقع المرشد أصبح رمزياً أو أن صلاحياته انتقلت إلى مؤسسة أخرى؛ إذ يميز علي المدن، بين «السلطة الدستورية للمرشد، وقدرته العملية على تركيز عملية صنع القرار في شخصه».

جمهورية انشطار الخلايا

إذا لم تنتقل السلطة من يد خامنئي الأب إلى ابنه المستتر حتى الآن، فأين استقرت؟ الجواب الجاهز أن «الحرس الثوري» يتحكم بكل شيء. على الأقل فإن هذه المؤسسة التي يمتد نفوذها وشبكاتها الأمنية والاقتصادية إلى عواصم في الشرق الأوسط ومناطق في غرب آسيا وأخرى بعيدة، هي التي أشرفت وأدارت جلسة انتخابه من قبل مجلس الخبراء في 8 مارس 2026. كان «الخبراء» يتوافدون معية أفراد من «الحرس الثوري» إلى مقر الانتخاب في مشهد دراماتيكي يعيد أجواء الحرب العالمية الثانية، يوم كانت الحكومة البريطانية تجتمع في ملاجئ «وستمنستر»، بينما يُمطر الطيران الألماني لندن بالقنابل».

يقول السياسي العراقي إن «الحرب الأخيرة على إيران أكبر مواجهة عسكرية شهدتها المنطقة، وتكاد تتجاوز حرب السنوات الثماني مع العراق».

لكن، وبالمقدار الذي يتحفظ به على تصوير الأمور في إيران بأنها سلسة، وتختزل باستبدال قائد بقائد آخر، فإن علي المدن يتحفظ أيضاً على وصف الوضع الجديد بأنه انتقال من «حكم المرشد» إلى «حكم الحرس الثوري»؛ لأنه يفترض انتقالاً مباشراً لا تسمح به بعدُ طبيعة النظام الداخلية ولا التحديات التي خلقتها أجواء الحرب.

أجواء الحرب نفسها قد تكون الكلمة المفتاحية لفهم ما تغير في إيران. على الأغلب، فإن نظام «الثورة الإسلامية» بالشكل الذي كانت عليه أيام الخميني وخامنئي، تَفَرّقَ دون أن ينفرط إلى جمهورية تنظيمات خيطية. يقول السياسي العراقي إن «إيران اليوم لا تحتاج إلى مرشد، بل إلى قادة علميات يتصرفون كمسؤولي خلايا سرية، مهمتهم الوحيدة هي البقاء».

إيرانية تمر أمام جدارية تحمل صورة المرشد علي خامنئي في شارع آزادي بطهران 29 يوليو 2026 (أ.ب)

كان وزير الخارجية عباس عراقجي وصف استراتيجية إيران خلال الحرب الأخيرة بـ«الدفاع اللامركزي»، في محاولة للقول إنها انتقلت من التركيز على حماية القيادات العليا إلى ضمان البقاء خلال الحرب. يبدو أن ذلك يجري عبر تعددية قتالية يصعب السيطرة عليها أو رصدها بسهولة.

ليس هناك دليل على أن خامنئي الأب كان قد وضع خطة لهذا الانشطار التنظيمي، لكن النتيجة واحدة، إيران اليوم «الدولة والثورة».

يظهر دوماً انعكاس إيراني في بغداد، هذه المرة انعكاس لحالة الانشطار. في مارس 2016، كانت الحكومة العراقية تفاوض فصيلاً من أجل هدنة قصيرة تستغرق يومين. كان الأميركيون قد حصلوا على وعد بوقف الهجمات على سفارتهم في بغداد، لكن المسيرات الملغمة واصلت ضرب منشأتهم.

تقول المصادر إن الاتصالات بين المسؤولين الأميركيين والعراقيين لم تكن ودية حينها، «بسبب إخفاق الحكومة في إبرام اتفاق مع فصيل». ونقلت مصادر موثوقة أن «ضابطاً في (الحرس الثوري) يعمل في العراق لم يرد على استفسارات مسؤول عراقي كبير بشأن: لماذا تواصل الهجوم رغم الاتفاق».

«مركز واحد وخيوط»

من هذه الزاوية الحادة يمكن ملاحظة ما تغير فعلاً. في عهد خامنئي كانت إيران تضم مؤسسات ومراكز قوة متعددة، وكان «الحرس الثوري» أحد أبرزها، لكن وجود مرشد ذي خبرة بمواصفات الأب أتاح له درجة عالية من المركزية في إدارة هذه المؤسسات وفي حسم الخلافات بينها.

بعد غيابه، يقول المدن: «يبدو أن عملية صنع القرار أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على التفاعل بين مكتب المرشد، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والقيادات العسكرية والأمنية، و(الحرس الثوري)، إلى جانب مؤسسات الدولة الأخرى».

يميل علي المدن إلى أن «الانتقال في إيران نسبي من مركزية شخصية عالية الحضور إلى مركزية مؤسسية أكثر تركيباً، ازدادت داخلها أهمية المؤسسات الأمنية والعسكرية بحكم الحرب والظروف التي جرت فيها عملية الخلافة».

إيرانية تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي خلال مراسم الأربعين في طهران (أ.ب)

بالفعل، تحول «الحرس الثوري» مثلاً إلى أسلوب «القطع» المنفصلة، بقيادات محلية وإقليمية تتمتع بقدر من الاستقلال العملياتي، كما لو أن «القائد الأعلى» مقتول على الدوام.

بات السؤال في إيران اليوم، وفق علي المدن، ليس من يحكم إيران؟ بل كيف يتوزع صنع القرار بعد اختفاء الشخصية التي كانت تمسك جمع الخيوط في مركز واحد؟ إنها «مرحلة إعادة تعريف العلاقة بين مؤسسة القيادة ومراكز القوة، في طور تشكل لم تكتمل فصولها بعد».

لا يخفي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان القلق من «إيران الخلايا». قال أخيراً إنه «لن يُسمح لمجموعة أن تأخذ إيران إلى شيء ما»، وصحيح أن طيفاً واسعاً من المحللين يصنفون مثل هذه التصريحات على أنها تكتيك إيراني لخلق سردية «الشرطي الجيد والشرطي الشرير»، لكن الوقائع الميدانية مرتبطة بأن إيران تتحرك كأجزاء منفصلة.

هل تستمر إيران على هذا النحو الشبكي، حيث تستطيع أن تعمل بالغموض، بلا رأس مركزي واضح قد يؤدي فقدانه في نصف ساعة إلى شل النظام بالكامل؟ ثمة إجابات مختلفة رائجة في الأوساط المهتمة، لكن ما هو أكثر أهمية اليوم يتعلق بقدرة النظام في طهران على التحكم بإيقاع «القطع» المنفصلة، وما إذا أصبح استقلالها داخل المنظومة مفرطاً ومخيفاً أكثر من الاستهداف الخارجي، أكثر مما كان خامنئي الأب ليحتمل ويتحمل.


نصر الله... الأسطورة التي دُفنت مع صاحبها

كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
TT

نصر الله... الأسطورة التي دُفنت مع صاحبها

كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

«تخيلي لو أنه لم يمت»، يقول محدِّثي عبر الهاتف من بيروت وهو على معرفة وثيقة بـ«حزب الله» وعلى تماسٍّ يومي بمجتمعه الأوسع.

يطرح سؤالاً افتراضياً: ماذا لو نجا حسن نصر الله، وكان عليه أن يقود المواجهة؟

لا يقصد مواجهة عسكرية مع إسرائيل. «فذلك ما يفعله الحزب وهي ملعبه»، بل «مواجهة نفسه وجمهوره وبيئته بهذه النكبة التي استجلبها لهم».

هل كان سيوقّع اتفاق وقف إطلاق النار؟ هل كان سيوافق على المفاوضات أم سيعارضها كما يفعل اليوم خليفته؟ هل كان يستطيع العودة إلى «لو كنت أعلم»، التي استخدمها بعد «حرب تموز 2006»؟

سيل من الأسئلة التي لن تجد إجابة لها و«فراغ هائل بحجم الحفرة التي ابتلعته ورفاقه في الضاحية الجنوبية» يقول مصدر آخر جنوبي واكب كل الحروب الإسرائيلية على لبنان وخسر أهلاً ورفاقاً ومنازل ويقف على نقيض سياسي من «حزب الله». ويتابع: «مرت سنتان ولا تزال البيئة والمحيط في حالة صدمة ونكران تام... حالة هذيان جماعي. كأن الناس لم يفقدوا قائداً عسكرياً أو زعيماً دينياً، بل خسروا من يمنحهم رواية عن أحوالهم».

ثمة إجماع حول قدرة نصر الله على «مسرحة» الحرب وخسائرها وتحويل أثمانها للمنكوبين والمكلومين والثكلى إلى لحظة ملحمية من النشوة والانتصار، ويبدو أن ذلك أكثر ما يفتقده محازبوه وجمهوره اليوم. فكأن انخراطهم في حرب الإسناد ودفعهم أثمانها، يبقى تفصيلاً مقابل غياب من يملي عليهم سيرتها الحسنة.

مصاب في تفجيرات «بيجر» يحمل هاتفاً عليه صورة أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتياله (أ.ف.ب)

وذلك الفراغ الخطابي ليس مردّه فقط كون أمين عام «حزب الله» الحالي نعيم قاسم، يفتقر لملكته، بل لأن نصر الله نفسه بدأ يخسر حيّزه العام وصورته ومشهديته قبل اغتياله بوقت غير قليل، وبهذا «جاءت لحظة الاغتيال إنقاذاً له من خسائر كثيرة واستحقاقات هائلة».

ويقول المصدر: «مات نصر الله فعلياً قبل لحظة اغتياله... مات مع عملية البيجر وسلسلة الاغتيالات التي توالت. مات حين فقد قدرته على التعبئة والتبرير وحين عجز عن تقديم رواية للناس، وحين لم يعد أحد يكترث بخطاباته وينتظرها كما في السابق».

هنا يضع المصدر يده على وظيفة هي برأيه أهم من الموقع التنظيمي الحزبي الذي شغله نصر الله؛ فهو «لم يكن رجل تكتيك عسكري، ولا رجل دين بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما كان (رجل تعبئة) منح الحزب قوة تتمتع بها الدول وليس الأحزاب أو التنظيمات المسلحة».

ومعلوم أن هذا الحضور الطاغي لا يولد في لحظة.

«كأنه لم يكن»

سوسيولوجي وكاتب يرصد تحولات الحزب وبيئته الاجتماعية يتذكر نصر الله بين عامي 2000 و2006، ويصفه بأنه كان أقرب إلى «الناشط الحزبي»، قبل أن يبني تدريجياً حضوراً تكرس، في رأيه، مع اغتيال رفيق الحريري، حين أصبح لكلامه وزن إقليمي.

فمنذ التحرير عام 2000، ونصر الله يرعى هذه الهالة و«اشتغل عليها شغلاً حثيثاً»، مستنداً إلى آلة إعلامية كاملة للحزب لتكريس صورة «أقرب إلى الأسطورة وأنصاف الآلهة، مبرراً بذلك استمرارية حمل السلاح».

مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال أمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين (د.ب.أ)

وحتى أمس قريب كانت إطلالاته التلفزيونية أشبه بـ«سهرات أم كلثوم. تفرغ الشوارع ويتسمر الناس أمام الشاشات ويطربون لما يسمعون».

وللمفارقة لم يكن المستمعون أعضاء في «حزب الله»، ولا حتى جميعهم جزءاً من بيئته المباشرة. كان نصر الله، في مراحل مختلفة، حدثاً عاماً: «يستمع إليه المؤيد، والخصم، ودول الجوار، وكل من ينتظر معرفة ما سيحدث في اليوم التالي».

أما اليوم، بعد سنتين، «فكأنه لم يكن».

سيدة جنوبية تنتمي إلى إحدى العائلات ذات الثقل الاجتماعي والديني توجهت إلى صور والنبطية قبل يوم واحد من إحياء ذكرى السنتين، تقول: «لم أرَ صوره في الشوارع أو على الأبنية كما جرت العادة. ولولا أن لمحت صورة صغيرة وجانبية له في دكان صغير لما تنبّهت أصلاً إلى غيابه التام عن المشهد العام».

وتضيف: «حتى في الجلسات الضيقة، ما عاد أحد يتحدث عنه، وبدا لي ذلك أكثر غرابةً أنه تزامن مع توقيت الذكرى... قد يبدو لوهلة أن ثمة عدم اكتراث به، لكنني أعتقد أنه أصبح ذلك الغائب (المسكوت عنه). إنه اليوم (التابو) الشيعي بامتياز».

وحسب السيدة، وهي القريبة من بيئة الحزب وتحظى بثقة داخل مجتمعه الضيق، من دون أن تكون جزءاً منه يبدو أنه «لم يعد من محبين لـ(السيد) من خارج نواة المحازبين الصلبة ومن هم على لائحة الرواتب الحزبية».

فحتى جمهوره العريض السابق لم يذهب إلى دور العزاء وهي «طقس محوري بالنسبة للشيعة».

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلام الحزب وصور أمينه العام السابق حسن نصر الله في الذكرى الثانية لاغتياله (د.ب.أ)

لم يبق إلا «الحرس»

يعيدني محدّثي الجنوبي إلى إرث نصر الله ليقول إنه «لم يبقَ من يرثه... حتى (حزب الله) كما نعرفه مات بموته».

ولشرح وجهة النظر تلك، يفنّدها صاحبها بالقول «في السياسة، تسبب نصر الله بإحراجٍ سياسيٍّ غير مسبوق لأقرب حلفائه، لجهة إعلانه حرب الإسناد بعدما تعهد شخصياً لرئيس مجل النواب نبيه برّي بعكس ذلك. ثم بعد إطلاق الصواريخ الستة، أجرى بري اتصالاته وحاول إقناع الحزب بعدم إصدار بيان يتبنى فيه الصواريخ، وأخذ تعهداً صريحاً آخر لم يعش سويعات حتى تم نقضه أيضاً».

وحتى 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 لعب نصر الله دوراً إقليمياً مع هامش مناورة مريح نسبياً فكان «الوسيط الأمين بين إيران ولبنان؛ حكومةً وطوائف وشعباً ومؤسسات، وأدى أدواراً في العلاقة مع المحيط والخارج، مُعفياً طهران من كثير من المواجهات المباشرة مع دول الجوار؛ فيمرر القرارات ويتلقى الصدمات عوضاً عنها».

لكن ذلك، يقول المصدر، بدأ يتغير تدريجياً بعد «7 أكتوبر»، ثم جذرياً بعد مقتل نصر الله، بحيث «لم يبقَ اليوم إلا (الحرس الثوري). فقط لا غير. (الحرس) يتحكم مباشرةً بكل مفاصل الحزب؛ قيادةً ومقاتلين واستراتيجياً. ونعيم قاسم غير قادر على لعب دور الوسيط أو المرسال».

مشهد من الذكرى الثانية لاغتيال أمين عام حزب الله السابق حسن نصر الله في ضاحية بيروت الجنوبية (رويترز)

أما بالنسبة إلى الهيكلية الحزبية، يتابع المصدر: «فإن حسن نصر الله هو آخر العمامات السوداء في الأمانة العامة. نعيم قاسم صاحب عمامة بيضاء وفي ذلك تراتبية دينية مختلفة، أما نائبه (المتداول) فهو محمد رعد. نائب في البرلمان وليس حتى رجل دين».

وإذا لم نحتسب مَن كان مرشحاً للأمانة العامة قبل قاسم وتم استبعاده (أو هو أبعد نفسه على ما يقول البعض)، أي إبراهيم السيد أمين، وكان الأقرب للمنصب بعد هاشم صفي الدين، فقد يذهب التفكير إلى ابن نصر الله محمد مهدي. رجل دين شاب ومعمم، وكادر حزبي فاعل.

«لكنه لم يؤهَّل لذلك الدور ولم ينضج بعد» على ما يتفق أكثر من مصدر.

أبناء نصر الله... محنة التركة

يشرح أحد المصادر: «بعد مقتله ومن حوله، نتبين أهمية الروابط العائلية في دائرة الثقة التي أحاط نفسه بها والتي تبين أن قيادة الحزب تقوم عليها». وحسب المصدر، فإن «ما نسفه نصر الله في اختياره البقاء في موقعه محاطاً بهؤلاء القادة المقربين منه، وانتظاره الموت الذي كان قادماً إليه لا محالة، هو نسيج العائلة والعشيرة والحزب معاً، وهو ما يصعب، إن لم يكن مستحيلاً، ترميمه».

واللافت أنه في ذلك كله، لم يشمل أبناءه ولم يعمل على تحضير أحدهم لوراثته.

وحسب الكاتب السوسيولوجي، فإن «قادة تاريخيين بهذا الحجم لا يفكرون في التوريث، ربما لنرجسيةٍ ما فيهم، مما يترك الأبناء متخبطين في هويتهم وفي إدارة ثقل التركة على كاهلهم».

والأبناء، وتحديداً جواد ومحمد مهدي اللذان كثّفا من حضورهما في الفترة الأخيرة «ظاهرة تستحق التوقف لا سيما مع محاولة كل منهما أنسنة الأب ومحاكاة صورته... لكن حقيقةً دون كثير جدوى».

وبمتابعة دقيقة لمواقع التواصل الاجتماعي التي يتوسّلها الشابان مؤخراً، ثمة جهد حثيث لديهما باقتباس سلوكيات الأب من تقليد حركة يده، أو طريقة كلامه، إلى شيء من توزيع أدوار، كأن يحاكي الأول قاعدة دينية بعمامته، ويستعين الآخر بغيفارا وتحرر الشعوب حيناً ثم الشهداء والأبرار ويقينه بعودة والده معهم حيناً آخر.

الطفل علي عبّاس (14 عاماً) الذي خسر عينه وأصيب بتشوهات في تفجيرات «بيجر» التي نفذتها إسرائيل في سبتمبر 2024 وهو لا يزال يحاول التعافي (رويترز)

«سحر العيون»... مجرد فقاعة

اليوم، وعوضاً عن البناء على تلك «الأسطورة»، «هزلت رواية نصر الله... وباتت في مهب الريح» يقول أحد المصادر. ويتابع: «بعد سنتين على موته، يكفي أن ننظر إلى الاستسهال في التصرف بسيرته من دائرته المباشرة لندرك أنه ليس هناك مِن قيِّم على هذا الإرث... كل تلك السرديات عن الكاريزما القيادية والشخصية الحاضرة وسحر العيون (التشبيه الشائع عن نصر الله والمستمد من وصف عبد الناصر)، كلها تلاشت فجأة. كأنها كانت مجرد فقاعة. فيكفي أن يزعم سياسي هامشي على شاشات التلفزة أنه كان يجالسه نحو 7 ساعات! أيُّ مبالغة تلك؟ أو مثلاً ابنه (مهدي) الذي راح يتحدث كيف يحضّر له الفطور، أو الفيديو الذي ظهر له وهو يتجول في السيارة في الضاحية ولا نعرف له سياقاً أو تاريخاً أو مصدراً. هل هو الإعلام الحزبي؟ تلفزيون المنار؟ مَن قرَّر أن هذه القصص يجب أن تخرج اليوم إلى العلن؟».

فقدان الصوت والصورة

مزيد من الأسئلة التي تصب كلها في إطار استباحة الرواية التي كان نصر الله يحتكرها. روايته عن نفسه وعن حزبه، ويضبط إيقاعها عبر آلة إعلامية ملتزمة لا تخرج عن سياق ما يمليه عليها.

فهل لهذا كان شعار الذكرى «على العهد باقون»؟ وهل لهذا أطلق قاسم مؤسسة لحفظ ونشر تراث نصر الله؟

فتاة من كشافة المهدي تحمل صورة أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

لعل هدف هؤلاء كان «أنسنة» الرجل وجعله شخصاً في المتناول لإيصال رسالة للحاضنة الشعبية الثكلى، أنه مثلهم وبينهم رغم الغياب.

لكن عملياً، النتيجة جاءت عكسية تماماً.

«الفراغ الذي بحجم الحفرة» وأزمة القيادة يقرأها السوسيولوجي من زاوية الكتلة البشرية التي كانت حاضرة بقوة، وأصبحت «غامضة ومغلقة أكثر من أي وقت مضى»، و«مجهولة تماماً لغير أبنائها المقربين».

ويقول: «كأن الشيعة كلهم انكفأوا وتركوا فراغاً في مفاصل الحياة اليومية، في علاقتهم بالأحزاب الأخرى والطوائف والمجال اللبناني الأوسع». وباستثناء القلة التي تظهر على وسائل التواصل الاجتماعي وتستبسل في الدفاع عن حرب الإسناد، تبدو له الكتلة الاجتماعية التي كان نصر الله صوتها، أقل ظهوراً وحضوراً.

ويقول: «كأنهم بفقدان نصر الله فقدوا الصوت والصورة».

لكن ما يبدو من الخارج ضمور يتكشف في دوائر الثقة الضيقة عن محنة أخرى.

صاحب دكان في بيروت يجلس خارجاً بينما يبث التلفزيون إحدى خطب أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله (أ.ب)

هل «الإيواء» قادم لا محالة؟

تقول السيدة الجنوبية إن «فراغ القيادة الحزبية يبدو اليوم ترفاً مقابل فراغ محركات الحياة اليومية للجنوبيين». وتتابع: «كأن (أمل) ورثت الشارع والمشهد في صور تحديداً عوضاً عن الحزب، وما كان يشكله الحزبيون من رادع للحركيين، ما عاد اليوم موجوداً، فأصبح هؤلاء سلطة أمر واقع يتحكمون بكل شيء... وفي ذلك مرار كثير».

واليوم يريد كثير من الجنوبين تصديق كلام أمينهم العام الجديد بأن «الإيواء» قادم لا محالة، وأن إيران لن تتخلى عنهم وعن دعمعهم بالمال والسلاح والنفوذ، لكنهم يصمتون عن أن المال لن يأتي وأن مجرد استخدام كلمة إيواء بدل «سكن لائق وفرش لائق» التي وعدهم بها نصر الله بعد «حرب تموز 2006»، يقول الكثير عن أحوالهم.

مواطن لبناني من سكان الضاحية يجلس على أنقاض منزله الذي دمّر بالقصف الإسرائيلي الذي استهدف مقرّ الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله في حارة حريك في بيروت في سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)

وبين المكابرة والحداد العميق الذي يقاسيه مجتمع الحزب، يبقى أن أكبر صدمة «هي فقدان السلطة و(فائض القوة) الذي تمتعوا به لأكثر من عقدين وأشهروه سلاحاً يومياً في وجه بقية اللبنانيين... لذلك يبدو أن عقدهم الاجتماعي اليوم يقوم على مداواة ذلك الجرح النرجسي بأن يصبّوا جام غضبهم على العملاء».

كأن الحديث المفرط عن الخونة والعملاء يعوّضهم عن ذلك الصمت المطبق عن كل ما عداهم. وهؤلاء بحسبهم هم اللبنانيون، كل اللبنانيين من خارجهم، وكل من لم يساندهم في إسنادهم... فتراهم يستشيطون غضباً في ذكرهم ويستعينون على الشقاء بمزيد من الشتم والوعيد.


من «أحمد الياباني» إلى «طوفان السنوار»... قصة عذابات ونهر من الأضرحة

أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
TT

من «أحمد الياباني» إلى «طوفان السنوار»... قصة عذابات ونهر من الأضرحة

أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)

كان حارس المقبرة لطيفاً وودوداً. ولعله ابتهج أن سكان الأضرحة التي يعايشها لم يغرقوا في النسيان الكامل، وأن هناك من لا يزال يزورهم أو يسأل عنهم. طاف بي بين أضرحة «مقبرة شهداء الثورة الفلسطينية» في بيروت، واستوقفتني أسماء كثيرة، بينها اسم بلقيس، زوجة الشاعر نزار قباني، التي قُتلت في انفجار ضرب السفارة العراقية في بيروت، وقد زُيّن ضريحها بأبيات من رثائه الموجع لها.

وتلعب الصدف أحياناً دوراً في تقرير المصائر. ولا غرابة أن تبدأ الحكايات من شرارة غير مقصودة. وسأروي قصة صدفتين.

روى لي حازم جواد، الذي قاد «البعث» العراقي إلى السلطة عام 1963، حكاية ذات دلالات. قال إن فريقاً في قيادة الحزب قرر عام 1959 اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم. تم اختيار الفريق المكلف بالاغتيال، لكن أحد أفراده اعتذر عن المشاركة بعدما كان قد وافق. تحت ضغط الوقت، سألت القيادة مسؤولاً حزبياً إن كان يعرف شاباً بديلاً للمعتذر، فحمل إليهم اسم الشاب صدام حسين. شارك صدام في محاولة الاغتيال الفاشلة، وأصيب بجرح في ساقه. فرّ إلى سوريا، حيث التقى مؤسس الحزب ميشال عفلق الذي وقع في الإعجاب بهذا الشاب، وأعطاه بعد سنوات قليلة فرص الصعود في الآلة الحزبية.

في الفترة نفسها، سمعت من رفاق القائد الفلسطيني الدكتور وديع حداد عن دور لعبته الصدفة. كان حداد يخطط لعملية مطار اللد، التي نُفذت في 30 مايو (أيار) 1972 وأسفرت عن مقتل عشرات الأشخاص، معظمهم من السياح.

تقول الرواية إن شاباً كان مقرراً أن يشارك في التنفيذ غرق بينما كان يسبح في منطقة الروشة في بيروت. لم تنتبه أجهزة الاستخبارات إلى الحادث وطبيعة دور الغريق، لكن حداد قرر الإسراع بتنفيذ العملية. بحث وديع، مع مجموعة «الجيش الأحمر الياباني»، عن بديل للغريق، فوقع الخيار على كوزو أوكاموتو، «أحمد الياباني»، وفقاً لتسمية «المجال الخارجي» التابع لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».

غسان شربل بين أضرحة مقبرة الثورة الفلسطينية (الشرق الأوسط)

استقبل حداد أعضاء الفريق وزودهم بتعليماته بعد تلقيهم تدريبات في بعلبك في البقاع اللبناني. غادروا بيروت إلى محطة أوروبية، ومنها إلى روما، حيث صعدوا إلى طائرة للخطوط الجوية الفرنسية متجهة إلى مطار اللد الإسرائيلي.

كان طابع العملية انتحارياً، إذ لم يكن مقدراً أن يبقى أحد من المهاجمين حياً. لعبت الصدفة دورها: قُتل اثنان من المهاجمين، وجُرح أوكاموتو واعتُقل. وسيشعر أوكاموتو بالأسى على مدى سنوات «لأنه لم يتمكن من ترك جثته في تراب فلسطين»، و«لأنه لم يتحول إلى نجمة في السماء على غرار ما حدث لرفيقيه»، وفقاً لمعتقداته اليابانية.

تعرض أوكاموتو في سجنه الإسرائيلي إلى تعذيب غير مسبوق. سُجن مقيّد اليدين في قفص للكلاب. وكان عليه، على مدى سنوات، أن ينتظر عواء كلب ويرد عليه بالعواء كي يأتيه الجندي بالطعام، من دون أن يوجه إليه سؤالاً أو كلمة.

وفي هذا العزل القاتل، فقد الأسير قدرته على استخدام يديه أو التفكير باستخدامهما. ولعله كان يتوقع أن يهرم ويموت في سجنه الإسرائيلي، لكن حدثاً غيّر مسار حياته.

كانت «الجبهة الشعبية - القيادة العامة»، بزعامة أحمد جبريل، تحتجز ثلاثة جنود إسرائيليين بعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982. خاضت الجبهة في منتصف الثمانينات مفاوضات شاقة غير مباشرة مع إسرائيل، شارك في تسهيلها المستشار النمساوي برونو كرايسكي. خلال تلك المفاوضات التي دامت نحو سنتين، أصر جبريل على أن تشمل عملية التبادل أسماء بارزة تقيم في السجون الإسرائيلية.

نضجت المفاوضات وحان وقت التبادل في 20 مايو (أيار) 1985. شاءت المهنة أن أكون حاضراً. أقلعت طائرتنا من دمشق إلى جنيف حاملة أحد الجنود الإسرائيليين الثلاثة. وبعد نجاح التبادل في جنيف، أقلّتنا الطائرة إلى طرابلس، إذ كان جبريل يريد إهداء النصر أيضاً إلى العقيد معمر القذافي، الذي لم يبخل على جبريل بالدعم على أنواعه.

كان أبرز من أُفرج عنهم بموجب صفقة التبادل الشيخ أحمد ياسين، زعيم حركة «حماس»، وزياد النخالة، الذي تولى لاحقاً منصب الأمين العام لـ«الجهاد الإسلامي»، وجبريل الرجوب، القيادي الفلسطيني المعروف. أما الرابع فكان أوكاموتو، الذي بدأ فصلاً جديداً ومختلفاً في حياته.

بعد إقامة محدودة في ليبيا، توجه أوكاموتو إلى سوريا، وأغلب الظن أنه انتقل سراً إلى لبنان في حدود 1987، وأقام مع رفاق له في منطقة البقاع، طبعاً مع تبديل مكان إقامته من وقت إلى آخر. عام 1997 اعتقلت السلطات اللبنانية في البقاع مجموعة من اليابانيين، وحُكم على أوكاموتو بالسجن ثلاث سنوات بتهمة الدخول خلسة إلى البلاد. أُفرج عن المجموعة عام 2000، لكن عودة أوكاموتو إلى اليابان لم تكن واردة، إذ كان مطلوباً فيها.

نجحت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» في إطلاق تحركات احتجاجية بالتعاون مع عدد من الأحزاب والشخصيات، وكان الغرض السماح له بالبقاء في بيروت. كان سليم الحص رئيساً للحكومة، واللواء جميل السيد مديراً للأمن العام، والجنرال إميل لحود رئيساً للجمهورية. وفي خطوة غير مسبوقة، منحت السلطات اللبنانية أوكاموتو صفة «لاجئ سياسي»، مشترطة عليه عدم القيام بأي نشاطات على الأرض اللبنانية.

أخذت «الجبهة الشعبية» على عاتقها حفظ الجميل للمقاتل الياباني، وتحملت نفقات إقامته وتطبيبه وإعادة تأهيله. لم يكن يشارك في أي نشاط علني باستثناء وضع إكليل سنوي على النصب التذكاري لشهداء عملية اللد في مقبرة الشهداء. وكان يجدد العهد لرفيقيه بالتحول إلى نجمة في السماء.

نصب المشاركين اليابانيين في عملية اللد (الشرق الأوسط)

خرج أوكاموتو من سجنه الإسرائيلي مدمراً. كان يشبه «رفات رجل». كان ظهره محنياً ويداه معطلتين، ويأكل مباشرة بفمه من دون استخدام يديه. لم يكن يعرف كيف يستحم أو يصنع القهوة، ولم يجرؤ على إطفاء المصباح.

لم يكن يرغب في استعادة ما حدث في هجوم اللد، ولم يحدثه المهتمون عنه بما يمكن أن يفتح جروحه. تولى أطباء موثوقون مساعدته. ومن 2008 إلى 2021 تولى سميح رزق الاهتمام به، وكان بالنسبة إليه بمثابة «الأب والأخ والصديق والرفيق». بعد وفاة سميح، انتقلت مسؤولية الاهتمام بأوكاموتو إلى فؤاد ضاهر، مسؤول العمل الاجتماعي في «الجبهة الشعبية» في لبنان، والذي ربطته بالياباني علاقة مودة بدأت من أيام سميح.

كان أوكاموتو يحب بحر صور، وكان المهتمون به يأخذونه إلى هناك. استرجع قدراً من العيش شبه الطبيعي. كان يحب تناول الأسماك واللحم والدجاج، ويخطر بباله أحياناً تناول كأس من النبيذ أو قنينة من البيرة. كان أحياناً يطلب سندويتش فلافل أو شاورما. كانت عربيته ركيكة، وإنجليزيته مثلها.

كانت تحركاته لا تُعلن مسبقاً، ولم يشعر المهتمون به بأن إسرائيل حاولت الوصول إليه مجدداً. أميركا أعلنت قبل سنوات عن جائزة قدرها خمسة ملايين دولار لمن يرشد إلى مقر إقامة أوكاموتو، لكن «الجبهة» لم تبلغ الرجل الذي أقام في سنواته الأخيرة مع عائلة أحبها وأحبته. لم يتزوج، ولم تكن له صديقة، ولم يكن مهتماً بهذا الأمر. لم يحاول أحد من عائلته في اليابان زيارته أو مراسلته.

فؤاد ضاهر الذي رافق أوكاموتو في سنواته الأخيرة يتحدث إلى غسان شربل (الشرق الأوسط)

يقول فؤاد ضاهر: «أوكاموتو جزء من حالة. زرت أمس مقابر شهداء الثورة الفلسطينية، وقلت لشخص التقيته هناك إن المقبرة تعبر عن أممية القضية الفلسطينية التي تضم جنسيات وأدياناً مختلفة. فيها الياباني والفرنسي والتركي والإيطالي والإيراني والعراقي. إذا ذهبت إلى حارس المقبرة يطلعك عليهم. ضريح كمال ناصر المسيحي يجاور ضريح محمد يوسف النجار وكمال عدوان».

في يوليو (تموز) الماضي، تدهورت صحة أوكاموتو، وفي 23 منه توفي في «مستشفى الرسول الأعظم».

أثارتني قصة أوكاموتو، فقلت أزور مقبرة الشهداء. جلت بين أضرحة كثيرة، بينها أضرحة غسان كنفاني وأبو حسن سلامة وكمال ناصر وبلقيس، زوجة الشاعر نزار قباني، وشاهدت أضرحة «الشهداء الأجانب».

الصدفة تلعب دورها. لم أخطط للكتابة عن أوكاموتو. زرت مخيم مار إلياس في بيروت لجس نبض الناس عشية إطفاء «طوفان السنوار» شمعته الثالثة. عاينت بؤس الإقامة في المخيم، لكنني لمحت على الجدار صورة أوكاموتو، فذهبت القصة في اتجاه آخر.

ضريح غسان كنفاني (الشرق الأوسط)

أخذني الحارس إلى ضريح غسان كنفاني، عضو المكتب السياسي لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». لاغتياله علاقة مباشرة بهجوم مطار اللد وما فعله أوكاموتو ورفيقاه. كان الناطق الرسمي باسم «الجبهة» التي أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم.

روى لي رفاق وديع حداد أنهم قلقوا على سلامة كنفاني. نصحوه بتغيير مقر إقامته وسيارته، لكنه لم يتجاوب «فقد خشي أن يُتهم بالتصرف كبرجوازي». لم تتأخر يد «الموساد» في الوصول إليه. في 8 يوليو (تموز) 1972 انفجرت قنبلة في سيارته وقتلت معه لميس نجم (17 عاماً)، ابنة شقيقته. قفزت إلى ذاكرتي عناوين بعض رواياته: «أم سعد» و«رجال في الشمس» و«عائد إلى حيفا».

في هذا المكان الهادئ يقيم رجل صاخب اسمه أبو حسن سلامة. ابن عائلة ثرية اقتدى بتجربة والده في التصدي للاحتلال. عاشق للنضال والعيش والنساء والسهر، وانشغلت بيروت طويلاً بزواجه من ملكة جمال لبنان والعالم جورجينا رزق. أسس الجهاز العسكري الذي سمي «القوة 17»، المكلفة بحماية ياسر عرفات. كان قريباً من مكتب القائد وقلبه.

ضريح علي حسن سلامة في مقبرة الثورة (الشرق الأوسط)

شارك أبو حسن سلامة في الإشراف على عمليات خارجية طالت مصالح إسرائيلية. اغتاله «الموساد» الإسرائيلي في بيروت في 22 يناير (كانون الثاني) 1979 بعد مطاردة طويلة. نُسجت حول دور «الأمير الأحمر» روايات كثيرة، بينها أنه اغتيل بسبب علاقته بالهجوم على الفريق الإسرائيلي في الدورة الأولمبية في ميونيخ عام 1972. والحقيقة هي أنه لم تكن له أي علاقة، لا بطرح الفكرة ولا بالتنفيذ، وفقاً لما أكده لي محمد عودة (أبو داود)، الذي أدخل المهاجمين إلى القرية الأولمبية ومعهم الأسلحة التي أحضرها صلاح خلف (أبو إياد) شخصياً إلى ميونيخ. وثمة من يعتقد أن سلامة، الذي نجح أحد أعضاء «الموساد» في الاقتراب منه، اغتيل «بسبب نجاحه في فتح خط مع الـ(سي آي ايه) وهو ما أثار قلقاً شديداً لدى إسرائيل».

مررنا أيضاً بضريح القيادي والأديب الفلسطيني ماجد أبو شرار الذي فخّخ «الموساد» سريره في أحد فنادق روما، حيث كان يشارك إلى جانب الشاعر الكبير محمود درويش في مؤتمر للتضامن مع الشعب الفلسطيني. عادت إلى ذاكرتي قصيدة محمود «صباح الخير يا ماجد»، التي استهلها قائلاً: «قُمْ، اقرأ سورة العائد، وحثّ السير إلى بلد فقدناه بحادث سير».

قال الحارس إن الجنسيات تتجاور في المقبرة، وكذلك الأديان. وأشار إلى أن كمال ناصر، القيادي الفلسطيني المسيحي، ينام في المقبرة إلى جانب كمال عدوان وأبو يوسف النجار. وكان كمال ناصر، الشاعر، قد «غار» من جنازة غسان كنفاني قائلاً: «يا سلام، هكذا يكون عرس الكاتب الشهيد».

اغتيل ناصر وعدوان والنجار في 10 أبريل (نيسان) 1973، في ما عُرف بـ«عملية فردان» التي شنها الجيش الإسرائيلي ليلاً في بيروت. وفي تلك الليلة شارك في الاغتيال الثلاثي ضابط إسرائيلي تنكر في ثياب امرأة اسمه إيهود باراك، وسيتولى لاحقاً منصب رئيس الوزراء.

ضريح آخر لا يقل إيلاماً. في 15 ديسمبر (كانون الأول) 1981 اقتحمت سيارة مفخخة مبنى السفارة العراقية في بيروت. كان بين الضحايا الدبلوماسية بلقيس الراوي، زوجة الشاعر الكبير نزار قباني. وقد زُيّن الضريح بمقطع من قصيدة للشاعر جاء فيه:

بلقيس...

يا عطراً بذاكرتي

يا زوجتي... وحبيبتي... وقصيدتي

نامي بحفظ الله... أيتها الجميلة

فالشعر بعدك مستحيل...

والأنوثة مستحيلة

أبيات نزار قباني على شاهد قبر بلقيس (الشرق الأوسط)

لا يريد الحارس صورة أو كلاماً. قال: «أنا مجرد ناطور، والقصة هي عند سكان الأضرحة». سألته من يوفر له راتبه، فأجاب إنها حركة «فتح».

تذكرت في طريق العودة محمود درويش العصي على النسيان. تذكرت أيضاً ياسر عرفات، الذي كان يحلم بقبر في فلسطين حرة. رجعت مثقلاً بـ«طوفان الأضرحة».