المنافسة على حُكم ليبيا... عام آخر بانتظار الحل أو الصراع

تأجيل الانتخابات الرئاسية من دون حل المعوقات يُجدد النزاع

سيف الإسلام القذافي... ترشح في سبها بجنوب ليبيا (أ.ب)
سيف الإسلام القذافي... ترشح في سبها بجنوب ليبيا (أ.ب)
TT

المنافسة على حُكم ليبيا... عام آخر بانتظار الحل أو الصراع

سيف الإسلام القذافي... ترشح في سبها بجنوب ليبيا (أ.ب)
سيف الإسلام القذافي... ترشح في سبها بجنوب ليبيا (أ.ب)

في قصر الأمم المتحدة بمدينة جنيف، وقبل أكثر من عشرة أشهر، أثنى مشاركون في «ملتقى الحوار السياسي الليبي» على ستيفاني ويليامز، المبعوثة الأممية لدى ليبيا بـ«الإنابة» حينها، إلى حد وصفها بـ«السيدة الحديدية الصامدة الصابرة»، وبأنها «تستحق التقدير والاحترام».
وكان منبع الإشادة، آنذاك، أن «ملتقى الحوار» نجح مطلع فبراير (شباط) الماضي، برعاية المبعوثة الأممية، التي غادرت فيما بعد موقعها، في انتخاب سلطة تنفيذية مؤقتة، ممثلة في المجلس الرئاسي بقيادة السفير محمد المنفي، وحكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة رجل الأعمال الثري عبد الحميد الدبيبة، لتنفيذ مهام محددة: «تبدأ بـ(المصالحة الوطنية)، وتنتهي بإجراء (الانتخابات الرئاسية والنيابية) في الرابع والعشرين من ديسمبر (كانون الأول)» 2021، وقتها استبشر الليبيون خيراً، ولسان حالهم يقول «آن لنا أن نستريح من عناء الاقتتال والانقسام».
غير أنه وقبل أن ينتهي العام بكل ما شهده من تجاذبات ومناكفات بين «الخصوم»، عادت ويليامز إلى البلاد بصلاحيات وظيفية أكبر كمستشارة للأمين العام للأمم المتحدة، بقصد إنقاذ «سفينة الانتخابات الجانحة»، لكن التحديات الجسام تكتلت في مواجهة مسار الاستحقاق الرئاسي، وقبل انتهاء الموعد المحدد لإجرائه بيومين أعلنت المفوضية العليا للانتخابات تأجيله، واقترحت على مجلس النواب تنظيمه في الرابع والعشرين من يناير (كانون الثاني)، ومن ثم تم ترحيل الأزمة بكل تعقيداتها إلى العام الجديد، وسط «قلق وخيبة أمل» عبر عنها المبعوث الخاص للولايات المتحدة وسفيرها إلى البلاد ريتشارد نورلاند، لعدم تمكن الليبيين من اختيار مستقبل بلدهم.
وفي عشرة أشهر تقريباً، هي عمر السلطة التنفيذية، شهدت ليبيا تفاصيل ومحطات كثيرة، ما بين بداية العام بانفراجته الكبيرة، ونهايته التي أصابت المواطنين بخيبة أمل أكبر، ما دفعهم إلى طرح أسئلة عدة بشأن المُتسببين في تعثر المسار السياسي، وإفشال الاستحقاق الانتخابي، وتحميل جانبٍ من المسؤولية لساستهم، وللبعثة الأممية - التي سبق وأن نالت ثناءً - لأنها لم تحاسب المُعرقلين.

مستقبل حكومة الدبيبة

فارق كبير الآن، بين الأجواء الإيجابية التي سادت ليبيا أثناء تسلم السلطة التنفيذية الجديدة مهام عملهما منتصف مارس (آذار) الماضي، في انتقال سلس بين إدارتين متحاربتين، وبين ما تشهده البلاد راهناً، بعد فشل السلطات المعنية في عقد الانتخابات وفق الإطار الزمني المتفق عليه في لقاءات جنيف التي رعتها الأمم المتحدة، وبات على 2.8 مليون ليبي تسلموا بطاقاتهم الانتخابية، الانتظار إلى موعد لاحق يحدده الأفرقاء المتشاكسون الطامحون في اعتلاء كرسي الحُكم.
وللإمساك مجدداً بخيوط اللعبة السياسية، شكل مجلس النواب لجنة من عشرة نواب أُنيط بها إعداد مقترح لخريطة طريق جديدة للمرحلة المقبلة، لكن ذلك لم يمنع تخوفات كثيرين من أن إرجاء الاستحقاق إلى موعد لاحق قريب، أو لمدة قد تطول لأشهر مقبلة، سيتبعه ترحيل جميع العقبات القانونية والاعتراضات الأمنية التي حالت دون إتمامه في المرة الأولى، فضلاً عن أن أي تأجيل سيصبح مقروناً بعزل حكومة الدبيبة، وتعيين أخرى بديلة عنها؛ وفق الخيار الذي تدعمه جبهة شرق ليبيا، ويلقى معارضة شديدة من مؤيدي السلطة التنفيذية في طرابلس العاصمة، وسط تحذيرات من عودة الانقسام المؤسسي، وما يتبعه من صراع مسلح مُحتمل. ويرى سياسيون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن «الأسباب التي أفشلت إجراء الانتخابات في ديسمبر (كانون الأول) ستفشله في أي شهر آخر، ما لم يتم التصدي لها وحلها»، ومن بينها وفق هؤلاء: قانون الانتخاب الصادر عن البرلمان، الذي صفوه بـ«المعيب». ويُجمل المحلل السياسي عيسي عبد القيوم، رأيه في أنه «ما لم تجر انتخابات تُثبت حقيقة التداول السلمي على السلطة فلا قيمة لفبراير»، في إشارة إلى «ثورة 17 فبراير (شباط)» التي أطاحت بالعقيد الراحل معمر القذافي عام 2011.

من برلين إلى باريس

ويلقي منتقدون باللائمة على الدبيبة كونه، في نظرهم، أضاع «فرصة ذهبية» بتغاضيه عن التحضير للانتخابات، و«تكريس أموال الدولة لدعم المبادرات الشبابية بقصد توسيع قاعدته الشعبية»، بالنظر إلى حجم إنفاق حكومته في الشهور العشرة الماضية، الذي تجاوز أكثر من 90 مليار دولار، وفقاً لبيانات البرلمان؛ لكن الدبيبة، الذي تسبب ترشحه للرئاسة في حالة من اللغط والرفض معاً من قبل مناوئيه، رأى أن حكومته تعاطت بنجاح مع الأزمات الموروثة والمتراكمة طوال عقد مضى. وأمام الجمود الذي اعترى المسار الانتخابي، سارعت ألمانيا إلى تنظيم مؤتمر «برلين 2» برعاية أممية، في الثالث والعشرين من يونيو (حزيران) 2021، وبمشاركة كافة القوى الدولية المعنية بالملف الليبي، وأبرز أطراف النزاع الليبي المحلية.
والمؤتمر، الذي حضرته الحكومة المؤقتة، جاء بعد عام ونصف العام من الاجتماع الأول «برلين 1»، وهدف بشكل رئيسي إلى ضرورة «انسحاب (المرتزقة) والقوات الأجنبية من ليبيا»، والتأكيد على إجراء الانتخابات في موعدها، وهي النقاط ذاتها التي ركز عليها «مؤتمر باريس» أيضاً في الثاني عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
والدبيبة، الذي حضر المؤتمر أكد «التزامه» بتنظيم هذه الانتخابات، إلا أن معارضيه رأوا أنه ذهب بالبلاد إلى حيث يريد «مستغلاً إنفاق الأموال في مشاريع لم يُكلف بها، بهدف ترسيخ وجود في السلطة»، وهو التبرير الذي قدمه رئيس مجلس النواب عقيلة صالح في إقدام مجلسه على سحب الثقة من الحكومة في الخامس والعشرين من سبتمبر (أيلول) الماضي.

حفتر... ومنافسوه

وكاد العام 2021 وهو يوشك على الرحيل أن يترك أثراً طيباً لدى الليبيين، الذين تحسموا لانتخاب أول رئيس لهم في تاريخ البلاد، إلا أن المناكفات السياسية، وطبيعة بعض المرشحين المثيرة للجدل، وتدخل أطراف دولية لجهة دعم مرشحين على حساب آخرين، ساهمت في إرجاء هذا المسار.
فالمنافسة على كرسي الحُكم في ليبيا، اتسعت لضم 96 مرشحاً، وفتحت المجال لمعركة واسعة من الطعون الانتخابية، في ظل صراع احتدم بوجود أسماء بارزة، لكن وقبيل الإعلان عن تأجيل الانتخابات بثلاثة أيام، استضاف المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني»، للمرة الأولى، في مدينة بنغازي، بعض منافسيه بالانتخابات الرئاسية، ليس من بينهم عقيلة صالح رئيس مجلس النواب أو سيف الإسلام القذافي. واعتبر هذا اللقاء، الذي ضم فتحي باشاغا، وأحمد معيتيق، والعارف النايض، وعبد المجيد سيف النصر، ومحمد المنتصر، خطوة نحو طريق المصالحة بين شرق ليبيا وغربها، تستبق أي رد فعل سلبي على تأجيل الاستحقاق. ومع الانتظار لما ستكشف عنه الأشهر الأولى من العام الجديد من مخاض عسير، ينظر البعض إلى إقدام سيف القذافي على الترشح بأنه تسبب في إرباك وخلط أوراق المتنافسين، فضلاً عن أنه بات هدفاً فعلياً لغالبية المجموعات المسلحة الموالية لمناوئيه، إلى جانب مطالبة منظمة العفو الدولية السلطات الليبية بتسليمه للمحكمة الجنائية الدولية، في وقت أظهرت استطلاعات رأي (غير رسمية) نجل حاكم ليبيا السابق كمنافس قوي للشخصيات البارزة على الساحة راهناً.
والحاصل أن المفوضية العليا للانتخابات والقضاء ومجلس النواب ألقى كل منهم بالكرة في ملعب الآخر بشأن ترشح سيف؛ لكن موسكو أبدت تمسكها بدعمه في مواجهة رفض واشنطن الذي عبر عنه سامويل وربيرغ، الناطق الإقليمي باسم وزارة الخارجية الأميركية، بالقول: «من الصعب تخيل وجود سيف في أي حكومة ليبية مستقبلية، والأمر سيمثل تحدياً أمام المجتمع الدولي».



انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.


سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
TT

سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)

أطلقت سوريا، اليوم الأربعاء، ‌خطة تدعمها واشنطن لتخليص البلاد من مخزون الأسلحة الكيماوية القديمة التي استخدمتها قوات تابعة للرئيس السابق بشار الأسد ضد السوريين.

وأدار الأسد على مدى عقود ​برنامجاً واسع النطاق للأسلحة الكيماوية التي أدى استخدامها إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى خلال الحرب الأهلية الطويلة في سوريا.

وعلى الرغم من انضمام دمشق إلى اتفاق حظر الأسلحة الكيماوية في عام 2013 وإعلانها امتلاك مخزون يبلغ 1300 طن، استمر استخدام الأسلحة المحظورة، بينما لا يزال حجم البرنامج غير واضح.

وقال سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي في مقابلة إن فريق عمل ‌دولياً تدعمه الولايات ‌المتحدة وألمانيا وبريطانيا وكندا وفرنسا، من ​بين ‌دول ⁠أخرى، سيتعقب ​جميع ⁠العناصر المتبقية من البرنامج ويدمرها تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيماوية.

وقال خبراء المنظمة إن هناك حاجة إلى تفتيش ما يصل إلى 100 موقع في سوريا لتحديد الذخائر السامة المتبقية وكيفية تدميرها.

وستتطلب عملية منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في منطقة تعج بالصراعات والاضطرابات السياسية وقتاً طويلاً وتكاليف باهظة. وقال مسؤولون إن اتساع الحرب ⁠الأميركية الإسرائيلية على إيران والمخاوف الأمنية الأوسع نطاقاً بالمنطقة ‌ستجعل تحديد توقيت للمهمة أمراً ‌صعباً لكنها ستصبح أكثر ضرورة لمنع استخدامها ​في المستقبل.

الحكومة تتعهد ‌بالسماح بتفتيش المواقع

أطيح بالأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، ‌وتعهدت الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع بفتح صفحة جديدة والقضاء على الأسلحة الكيماوية المحظورة ومنح المفتشين حرية الوصول الكاملة إلى المواقع المراد دخولها.

وقال عُلبي إن هذه الخطوة تظهر أن سوريا تحولت من دولة ‌كانت تخفي استخدام الأسلحة الكيماوية في الماضي إلى دولة «تقود العزم» على التخلص منها.

وخلصت عدة تحقيقات دولية ⁠إلى أن ⁠نظام الأسد استخدم غاز الأعصاب السارين، وكذلك غاز الكلور وغاز الخردل، لكنها لم تكشف أبداً عن المدى الكامل لهذا البرنامج السري.

وقال عُلبي: «لا نعرف (تحديداً) ما الذي تبقى، فقد كان برنامجاً سرياً». وأضاف: «المهمة تقع على عاتق سوريا للبحث في هذه الأمور ثم إعلانها».

وقال مصدر دبلوماسي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لحساسية الأمر، إن المواقع المائة قد تشمل أماكن بدءاً من القواعد العسكرية ووصولاً إلى المختبرات أو المكاتب.

وأضاف المصدر: «من المحتمل أن يستغرق هذا الأمر شهوراً طويلة، إن لم يكن سنوات، لإنجازه. وقطعاً لا يساعد ​الوضع الحالي في الشرق الأوسط ​على المضي قدماً في عملية التدمير الفعلي لأي بقايا لبرنامج أسلحة الأسد الكيماوية».