أفغانستان في قبضة «طالبان»... بماذا تختلف نسختها الثانية عن الأولى؟

الحركة تواجه تحدي التحوّل من تمرّد إلى حكومة... وحل إشكالية العلاقة مع «القاعدة»... وكبح «داعش»

أفغان ينتظرون الفرار عبر أي طائرة مغادرة بعد سيطرة «طالبان» على الحكم في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
أفغان ينتظرون الفرار عبر أي طائرة مغادرة بعد سيطرة «طالبان» على الحكم في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
TT

أفغانستان في قبضة «طالبان»... بماذا تختلف نسختها الثانية عن الأولى؟

أفغان ينتظرون الفرار عبر أي طائرة مغادرة بعد سيطرة «طالبان» على الحكم في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
أفغان ينتظرون الفرار عبر أي طائرة مغادرة بعد سيطرة «طالبان» على الحكم في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

كانت السنة 2021، أفغانياً، سنة «طالبان» بامتياز. عادت هذه الحركة إلى السلطة في كابل بعد غياب دام 20 عاماً. عادت على جثة حكومة الرئيس أشرف غني التي سقطت وسقط معها رهان الغرب على إقامة حكومة أفغانية مركزية تصل إلى السلطة، وترحل عنها، عبر صناديق الانتخابات. عودة «طالبان» مثّلت أيضاً هزيمة للولايات المتحدة التي حزمت حقائبها ورحلت عن بلاد استنزفتها، بشرياً ومادياً، على مدى عقدين من الزمن في «حرب لا تنتهي». لم تُهزم أميركا عسكرياً، لكن «نفس طالبان» كان أطول منها. كما أن الخروج من «مقبرة الإمبراطوريات» كان ضرورياً لتصويب البوصلة في اتجاه الخطر الحقيقي الذي يهدد استمرار الهيمنة الأميركية عالمياً. فهذا الخطر، كما يقول الأميركيون، لم يعد مصدره «الإرهاب الدولي» بقدر ما بات يأتي من خصوم كالصين وروسيا.
ماذا تعني عودة «طالبان» إلى السلطة؟ وهل هناك مخاوف حقيقية من تحوّل أفغانستان، في ظل حكمها، إلى نقطة جذب للجماعات المتشددة، كما كان الحال في نسخته الأولى قبل العام 2001؟
هذا التقرير يتناول بعض التحديات والتهديدات المتوقعة من أفغانستان الجديدة في ظل حكم «طالبان» بنسخته الثانية.

الطريق إلى كابل

تسلّمت حركة «طالبان» الحكم في العاصمة الأفغانية بعد السقوط الفوضوي لحكومة الرئيس أشرف غني في أغسطس (آب) الماضي. لم تحصل عملية تسلّم وتسليم، كما تصوّرها الأميركيون الذين راهنوا، في اتفاق الدوحة مع «طالبان» في 29 فبراير (شباط) 2020، على مفاوضات أفغانية - أفغانية تؤدي إلى تشكيل حكومة شراكة تضم الحركة وإدارة الرئيس غني. ضغط الأميركيون على غني للتنازل. تنازل، لكن ليس بالقدر الذي تريده «طالبان». ضغط الأميركيون أكثر. لم يستمع لهم. وفي الحقيقة، لم تكن «طالبان» مستعجلة لصيغة حكومة لا تشكل هي سوى جزء منها. فلماذا تنضم إلى حكومة مع غيرها ما دام في إمكانها أن تستحوذ عليها كلها؟ كان هذا الأمر واضحاً وضوح الشمس في الشهور التي سبقت فرار غني من كابل. فقوات الحكومة الأفغانية التي أنفق الأميركيون مليارات الدولارات على تدريبها وتجهيزها خلال السنوات العشرين الماضية، بدا فجأة كأنها فقدت الرغبة في القتال. كانت تسلّم مواقعها تباعاً أمام زحف «طالبان». ازدادت وتيرة الانهيار بعدما رفع الأميركيون الغطاء الجوي الذي كانوا يوفرونه لمواقع الجيش والشرطة الأفغانيين. والأرجح أن الجدل حول من يتحمل مسؤولية انهيار القوات الأفغانية سيستمر طويلاً. الأميركيون سيجادلون بأن الجنود الأفغان ألقوا أسلحتهم ولم يقاتلوا كما ينبغي. القادة الأفغان سيردون بأنهم ضحّوا بآلاف من جنودهم لكن الأميركيين تركوهم فريسة لأعدائهم بعدما بدأوا بإخلاء قواعدهم وتوقفوا عن تقديم الدعم للجيش الأفغاني، إلا في حالات محدودة جداً.
في منتصف أغسطس، كانت «طالبان» تطرق أبواب كابل. لم تهاجمها. فالتفاهم غير المعلن مع الأميركيين قضى بأن دخول العاصمة يتم باتفاق مع إدارتها. ما لم يتوقعه الأميركيون كان فرار غني، دون سابق إنذار ودون تنسيق معهم. كان غني يخشى، ربما، أن يلقى مصير الرئيس السابق نجيب الله الذي انتزعته قوات «طالبان» من مقر الأمم المتحدة في كابل عام 1996 وشنقته مع شقيقه على عمود إنارة في شارع عام. غني نفسه يبرر فراره بأنه أراد تجنيب العاصمة قتالاً دامياً في حال قرر البقاء والمقاومة.
تسبب فرار غني وسقوط حكومته في حالة هلع في أوساط آلاف الأفغان الذين عملوا على مدى سنوات ضمن إدارات الحكومة الأفغانية وأجهزتها الأمنية وباتوا الآن تحت رحمة خصومهم السابقين. كثير من الذين تجمعوا في العاصمة كانوا أصلاً من موظفي الحكومة وأفراد عائلاتهم ممن فروا من مناطق أخرى استولت عليها «طالبان». لم يكن أمام هؤلاء النازحين، وغيرهم من الخائفين من سكان كابل، أي وسيلة أخرى الآن للفرار بعدما سيطرت «طالبان» على معظم أرجاء البلاد وباتت تطوق كابل نفسها. المخرج الوحيد كان مطار حامد كرزاي الدولي. فتدفق هؤلاء إلى هناك بعشرات الآلاف، محاولين ركوب أي طائرة مغادرة عبر الجسر الجوي الذي أقامته الولايات المتحدة وحكومات أخرى لإجلاء الأجانب والمتعاونين معهم.
أعادت مشاهد الإجلاء الفوضوي للأجانب والأفغان من مطار كابل إلى الأذهان صور الانسحاب الأميركي من سايغون عام 1975 عندما تعلّق فيتناميون بطائرات وهي تُقلع من سطح السفارة الأميركية قبل سيطرة قوات «الفيتكونغ» على عاصمة ما كان يُعرف آنذاك بفيتنام الجنوبية. تكرر المشهد المحزن في كابل هذه المرة. حاول مواطنون أفغان التعلق بطائرات أميركية وهي تقلع من المطار، فسقطوا منها بعد قليل من إقلاعها. وستبقى، على الأرجح، صور الأفغان وهم يركضون وراء الطائرات المغادرة، رمزاً يذكّر الأميركيين، على مدى عقود مقبلة، بفشلهم في أفغانستان.

حكومة «طالبان»

دخلت «طالبان» كابل دخول المنتصرين. لم تلقَ أي مقاومة من القوات الحكومية السابقة التي خلع كثير من عناصرها زيهم العسكري وتجمعوا حول مطار العاصمة ينتظرون إجلاءهم، كعشرات الآلاف غيرهم من المحتشدين حول أسوار المطار أملاً بالفرار في أي طائرة مغادرة. والحقيقة أن «طالبان» لم تقم بما كان كثيرون يخشون قيامها به، وتحديداً ارتكاب فظاعات ضد خصومها السابقين. فقد أرسلت الحركة، عبر مسؤوليها الكبار الذين تسلموا مقاليد الحكم في كابل، رسائل طمأنة لجميع معارضيها بأنها لن تمسسهم بأذى وبأن صفحة جديدة فُتحت معهم وبأنها تريدهم أن يشكلوا جزءاً من مستقبل أفغانستان. والأكثر من ذلك، تحدثت الحركة عن رغبتها في تشكيل «حكومة جامعة»، وهو ما فُسّر بأنه يعني إشراك شخصيات محسوبة على الإدارة السابقة في السلطة الجديدة. والتقى مسؤولو «طالبان» بالفعل مع شخصيات بارزة من الحكم السابق ممن لم يغادروا كابل وبعضهم كان أصلاً جزءاً من مفاوضات الدوحة الفاشلة مع الحركة، مثل الرئيس السابق حامد كرزاي، ورئيس المجلس الأعلى للمصالحة عبد الله عبد الله. لكنّ هذه الاتصالات لم تسفر، كما يبدو، عن اتفاق على إشراك أيٍّ من هؤلاء في السلطة الجديدة. فقد أعلنت «طالبان» حكومتها الأولى من قياديين في الحركة من عرقية البشتون، مع تهميش واضح لمكونات أخرى في المجتمع الأفغاني، مثل الطاجيك والأوزبك والهزارة. والأكثر من ذلك، منحت «طالبان» مناصب بارزة في حكومتها لعناصر كانت سابقاً مدرجة على لوائح الإرهاب، مثل كبار قادة ما تُعرف بـ«شبكة حقاني»، أو لسجناء سابقين في غوانتانامو أو سجون الحكومة الأفغانية. أوحى ذلك بأن الحركة ربما تريد العودة إلى طريقة حكمها المتشدد بنسخته الأولى، علماً بأن هذه الخطوة يُمكن أيضاً أن تُفسّر بأنها نابعة من سعي «طالبان» إلى إرضاء شريحة من عناصرها ممن يرون أن «الانتصار» الذي تحقق إنما تم نتيجة تضحيات المقاتلين على الأرض وليس نتيجة مفاوضات القادة السياسيين مع الأميركيين في الدوحة.
في أي حال، وجدت حكومة «طالبان» الأولى نفسها فوراً أمام اختبار التحوّل من حركة تمرّد إلى سلطة مسؤولة عن توفير حاجات شعبها، وهي مهمة شاقة في بلد مثل أفغانستان، يفرّ منه أبناؤه المتعلمون، وتعاني مصارفه من خزائن فارغة، فيما ودائعه الخارجية مجمدة، واقتصاده منهار بعدما كان قائماً لسنوات طويلة على مساعدات تأتيه من الخارج لكنها جفّت الآن بعد سقوط الحكومة الأفغانية.
والأكثر من ذلك، وجدت حكومة «طالبان» نفسها أمام مخاوف وتحذيرات دولية من أزمة إنسانية بالغة الخطورة ستواجه ملايين الأفغان خلال فصل الشتاء القارس. وهذا الوضع الإنساني كان عاملاً أساسياً وراء تحرك دول إسلامية، بقيادة المملكة العربية السعودية وباكستان، لعقد اجتماع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، في ديسمبر (كانون الأول)، خُصص لمساعدة الشعب الأفغاني.

التحدي الإرهابي

لم تواجه حكومة «طالبان» الجديدة تحدياً يُذكر من بقايا النظام السابق الذي انهار بشكل سريع مع الانسحاب الأميركي. النواة الصلبة من هؤلاء انكفأت إلى معقلها التقليدي في وادي بنجشير، شمال كابل، والذي شكّل عقبة كأْداء أمام حكم «طالبان» الأول في تسعينات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة. لكنّ أحمد مسعود، نجل الزعيم الطاجيكي الشهير أحمد شاه مسعود، الذي صدّ «طالبان» في بنجشير ومنعها من إكمال سيطرتها على أفغانستان، فشل في تكرار إنجاز والده هذه المرة. فقد اقتحم مقاتلو الحركة معقله بعد معركة قصيرة وتمكنوا من إلحاق الهزيمة بأنصاره الذين فرّوا إلى دول أخرى أو انكفأوا للتحصن في جبال نائية. والحقيقة أن هؤلاء المعارضين لم يكن في إمكانهم صد الحركة رغم استفادتهم من صعوبة تضاريس منطقتهم. فقد كانوا معزولين عن العالم الخارجي، ولم يكن هناك طرف على استعداد لمدّهم بالسلاح في مواجهة الحكم الجديد في كابل (ناشد نجل مسعود الأميركيين دعمه لكنهم لم يستجيبوا لطلبه).
ولا يُعتقد أن هناك تهديداً جدياً يمكن أن يواجه حكم «طالبان» في السنة الجديدة على أيدي معارضيها المهمشين من إثنيات الطاجيك والأوزبك والهزارة.

التهديد «الداعشي»: «ولاية خراسان»

في مقابل غياب التهديد من فصائل النظام السابق والإثنيات المهمشة للحكم الجديد في كابل، تواجه «طالبان» تحدياً من نوع آخر. فهناك التهديد «الداعشي» الذي نشأ من نفس بيئة «طالبان» وبين قادتها المستائين من عدم تشددها بما فيه الكفاية. يتركز تهديد هؤلاء في ولايات شرق البلد، لا سيما في كونار وننغرهار حيث يتحصن مئات، وربما بضعة آلاف، من مقاتلي «ولاية خراسان»، فرع «داعش» في أفغانستان. وقد واجه هؤلاء قوات الأمن الأفغانية على مدى سنوات، مثلما تواجهوا مع مقاتلي «طالبان» الذين عجزوا عن إخضاعهم، رغم تلقيهم أحياناً دعماً جوياً من القوات الأميركية وقوات الحكومة الأفغانية السابقة. وقد برز خطر «الدواعش» بشكل خاص بعد سيطرة «طالبان» على الحكم وفتحها أبواب السجون التي كان يُحتجز خلفها عدد كبير من مقاتلي «ولاية خراسان» وقادتها. وسارع هذا التنظيم بالفعل إلى «عرض عضلاته» بسلسلة تفجيرات انتحارية. استهدف أولها القوات الأميركية المشرفة على الجسر الجوي في مطار كابل ما أدى إلى مقتل 13 عسكرياً أميركياً، فيما استهدف التفجيران الثاني والثالث مسجدين للشيعة الهزارة في قندوز وقندهار، ما أدى إلى سقوط عشرات الضحايا. ولم يكتفِ «ولاية خراسان» بهذه الهجمات بل لجأ أيضاً إلى شن عمليات خاطفة تمثلت على وجه الخصوص في زرع عبوات ناسفة استهدفت عناصر «طالبان» في شرق البلاد تحديداً. وردّت «طالبان»، كما يبدو، بعمليات قتل خارج نطاق القضاء في حق مقاتلي «داعش».
وليس واضحاً كيف سينتهي الصراع بين «طالبان» و«داعش»، لكن المؤشرات توحي بأن الطرف الأول لن يسمح للثاني بأن يشكل تهديداً لحكمه، ما ينذر بمواجهة أكبر بين الطرفين قد تشهدها السنة الجديدة.

التهديد الإرهابي الخارجي

لكنّ التهديد الإرهابي لا يقتصر في الواقع على «داعش»، إذ إن أفغانستان تواجه اليوم مخاطر التحول من جديد إلى ساحة اجتذاب من يُسمَّون «الجهاديين الأجانب»، كما كان عليه الحال في تسعينات القرن الماضي. آنذاك، خلال النسخة الأولى من حكم «طالبان»، كانت أفغانستان بمثابة «مصنع» لتفريخ المتشددين الذين كانوا يتدفقون إلى معسكرات أقامتها جماعات أجنبية عديدة لتدريب عناصرها قبل إرسالهم في عمليات خارجية. سرق تنظيم «القاعدة» الوهج من هؤلاء نتيجة قيامه بهجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 انطلاقاً من أفغانستان. لكن الحقيقة أن الساحة الأفغانية آنذاك كانت قاعدة خلفية لعدد كبير من الجماعات المحظورة في بلادها والتي انتقلت للإقامة في ظل حكم الملا عمر، زعيم «طالبان». ولم تمنع مبايعة «القاعدة» للملا عمر قيام هذا التنظيم بهجمات 11 سبتمبر، وقبلها هجمات إرهابية عديدة أخرى، رغم الجدل داخل تنظيم أسامة بن لادن حول شرعية شن اعتداءات من دون الحصول على إذن زعيم «طالبان».
ويُفترض الآن أن بيعة «القاعدة» لزعيم «طالبان» ما زالت مستمرة بعد تولي الدكتور أيمن الظواهري القيادة خلفاً لأسامة بن لادن، وبعد تولي الملا أخوندزادة قيادة «طالبان» خلفاً للملا أختر منصور (الذي تولى بدوره قيادة الحركة بعد وفاة الملا عمر). ويكرر قادة «طالبان» اليوم تعهدهم بعدم السماح لأي جماعة بأن تستغل أراضي أفغانستان لتهديد طرف خارجي، ما يعني أن تنظيم الظواهري، أو أي تنظيم آخر، لن يكون حراً في تكرار شن هجمات انطلاقاً من أفغانستان. ويُفترض أن ذلك سيشمل، مثلاً، الإيغور الصينيين والأوزبك والطاجيك وجماعات عربية كانت تنشط سابقاً انطلاقاً من أفغانستان.
وليس واضحاً في الواقع ما إذا كان الظواهري نفسه قد انتقل أو يخطط للانتقال الآن للإقامة في أفغانستان، خصوصاً أنه قد يكون أكثر حرية في موقع اختبائه الحالي لمواصلة التحريض على شن هجمات ضد الأميركيين، وهو أمر دأب عليه في إصداراته الإعلامية، لكن «طالبان» ربما لن تسمح به الآن.
والواقع أن «القاعدة» ليست بحاجة ماسّة لأفغانستان، تحديداً، للتحضير لمهاجمة الأميركيين. فلديها خلاياها داخل مناطق القبائل بباكستان. ولديها وجود داخل إيران نفسها، بالتنسيق أحياناً مع أجهزة استخباراتها. كما أن فروعها ناشطة في أكثر من بلد، سواء من خلال حركة «الشباب»، فرع «القاعدة» في شرق أفريقيا، أو من خلال «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» و«تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي» في شمال أفريقيا والساحل الأفريقي. كما أن لـ«القاعدة» فرعها في سوريا ممثلاً بتنظيم «حراس الدين» الذي حافظ على الولاء للظواهري بعدما فكت «جبهة النصرة» بحُلّتها الجديدة (هيئة تحرير الشام) بيعتها له.
ووجود كل هذه الفروع لـ«القاعدة» يخفّف الضغط على قيادة التنظيم لاستخدام أفغانستان من جديد منطلقاً للتخطيط لهجماته. ولكن، رغم ذلك، ثمة معلومات متداولة على نطاق ضيق تشير إلى انتقال عناصر من «القاعدة» بالفعل مع عائلاتهم إلى مناطق في جنوب أفغانستان حيث يعيشون حالياً في ظل حكم «طالبان». لكن ليس واضحاً حتى الآن ما إذا كان وجودهم يمكن أن يتحول لاحقاً إلى نسخة مشابهة لما كان عليه وجود «القاعدة» في السابق. وستحمل السنة الجديدة مؤشرات أكثر وضوحاً على الأرجح لنوع العلاقة التي ستنشأ بين «طالبان» وضيوفها الجدد.

تيارات «طالبانية»

ولا شك أن وجود «الجهاديين الأجانب» مرتبط أيضاً بملف أفغاني داخلي محض له علاقة بوجود تيارات داخل «طالبان» تمثل فكراً أكثر تشدداً من تيارات أخرى. وفي هذا الإطار، سيكون من المهم جلاء موقف ما يُعرف بـ«شبكة حقاني» الواسعة النفوذ داخل هيكل الحكم الجديد لـ«طالبان» في كابل. وكان قد تردد على نطاق واسع في الأيام الأولى التي أعقبت سيطرة «طالبان» على العاصمة الأفغانية، في أغسطس الماضي، أن خلافاً كبيراً وقع بين قادة الحركة الذين انقسموا بين تيار عسكري تهيمن عليه «شبكة حقاني» وبين الجناح السياسي الذي فاوض الأميركيين في الدوحة ومثّله على وجه الخصوص الملا عبد الغني برادار. وأشارت معلومات آنذاك إلى أن العسكريين جادلوا بأن الفضل في «النصر» يعود بجزء كبير منه إلى تضحياتهم وليس إلى السياسيين الذين كانوا يفاوضون في فنادق فارهة ويجولون على عواصم العالم. وأثار غياب الملا برادار عن كابل وقتها إشاعات بأنه ذهب إلى قندهار للشكوى عند الملا أخوندزادة. لكن «طالبان» نفت وجود خلافات في صفوفها، مؤكدة أن «شبكة حقاني» جزء لا يتجزأ منها. في مقابل هذا النفي، يصرّ متشككون على أن «شبكة حقاني» تضم فعلاً أطرافاً أكثر تشدداً من غيرهم داخل «طالبان»، معتبرين أن نشاط الجماعات المتشددة الأجنبية يمكن أن يحصل على الأرجح في مناطق سيطرة هذه الشبكة بجنوب شرقي البلاد على الحدود مع باكستان. ولا شك أن هذا الرأي يتقاطع مع حقيقة أن فرع «طالبان» الباكستاني، «تحريك باكستان طالبان»، لديه امتداد واضح داخل مناطق جنوب شرقي أفغانستان، حيث يتخذ منها مقاتلو الحركة منطلقاً لهجماتهم داخل باكستان وملجأ للاختباء من رد القوات الباكستانية. وانطلاقاً من حقيقة هذا الارتباط بين «طالبان» الأفغانية و«طالبان» الباكستانية، لم يكن غريباً أن تلعب الأولى دوراً في ترتيب المفاوضات التي جرت أخيراً بين حكومة رئيس الوزراء عمران خان وقادة «تحريك طالبان».
وسيكون محورياً على الأرجح موقف الزعيم الأعلى لـ«طالبان» الأفغانية الملا أخوندزادة سواء لجهة حسم الخلافات داخل «طالبان» نفسها، بين السياسيين والعسكريين، أو لجهة العلاقة مع الجماعات الأجنبية المتشددة كـ«القاعدة» أو «تحريك طالبان»، خصوصاً أن هذه الجماعات التي تعيش في ظل حمايته يُفترض أن تكون مبايعة له. لكن القليل فقط يُعرف عن أخوندزادة الذي يسير، على ما يبدو، على خطى الملا عمر. فليس هناك سوى صورة واحدة له تم توزيعها لدى توليه قيادة «طالبان» خلفاً للملا أختر منصور قبل أعوام. والفارق الوحيد بينها وبين الصورة اليتيمة للملا عمر أن هذه الأخيرة كانت من بعيد وغير واضحة، بينما صورة أخوندزادة كانت «رسمية» يظهر فيها بوضوح. ولم توزع «طالبان» أبداً أي صور أخرى يظهر فيها وجه أخوندزادة الذي يبدو أنه يعيش منعزلاً في قندهار تاركاً إدارة الحكم في كابل لقادة حركته، مكتفياً بتوجيهات عامة للسياسات التي يفترض أن تتبعها حكومته.



«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


تقرير يكشف: إزالة الألغام من مضيق هرمز قد تستغرق 6 أشهر

سفن وقوارب تظهر في مضيق هرمز (رويترز)
سفن وقوارب تظهر في مضيق هرمز (رويترز)
TT

تقرير يكشف: إزالة الألغام من مضيق هرمز قد تستغرق 6 أشهر

سفن وقوارب تظهر في مضيق هرمز (رويترز)
سفن وقوارب تظهر في مضيق هرمز (رويترز)

في ظلِّ تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط وتزايد المخاوف من تداعياتها على الاقتصاد العالمي، تتجه الأنظار إلى مضيق هرمز بوصفه أحد أهم الممرات الحيوية لتدفق الطاقة. وفي هذا السياق، يبرز تحذير جديد من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) يكشف عن تحديات معقَّدة قد تطيل أمد الاضطرابات في هذا الشريان الاستراتيجي، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات سياسية واقتصادية واسعة.

فقد أفاد تقرير نقلته صحيفة «إندبندنت» بأن عملية تطهير مضيق هرمز بالكامل من الألغام التي يُعتقد أن إيران زرعتها قد تستغرق ما يصل إلى ستة أشهر.

وذكرت صحيفة «واشنطن بوست»، نقلاً عن ثلاثة مصادر مطلعة، أن مسؤولاً في وزارة الدفاع الأميركية قدَّم هذا التقدير إلى المشرِّعين خلال جلسة مغلقة عُقدت في الكونغرس يوم الثلاثاء.

ويشير هذا التقييم إلى احتمالية استمرار التداعيات الاقتصادية لفترة طويلة، إذ يُعدّ مضيق هرمز شرياناً تجارياً حيوياً لنقل النفط عالمياً، حيث كان يمرّ عبره نحو 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية قبل اندلاع الحرب، علماً بأنه يخضع حالياً لحالة من الحصار المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران.

وقد انعكست هذه التطورات سريعاً على أسعار الوقود، إذ بلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة، يوم الأربعاء، نحو 4.02 دولار للغالون، مقارنة بـ2.98 دولار قبل يومين فقط من الهجوم المفاجئ الذي شنَّته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى المشهد السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، حيث قد يؤثر استمرار اضطراب الملاحة في المضيق سلباً على فرص الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي المقبلة. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الحرب لا تحظى بتأييد غالبية الأميركيين، كما يُحمّل أكثر من نصف الناخبين الرئيس دونالد ترمب مسؤولية كبيرة عن ارتفاع أسعار البنزين.

وفي ردّه على هذه التقارير، وصف المتحدث باسم البنتاغون، شون بارنيل، ما ورد في صحيفة «واشنطن بوست» بأنه «غير دقيق»، دون تقديم تفاصيل إضافية.

في المقابل، أفاد ثلاثة مسؤولين، فضَّلوا عدم الكشف عن هوياتهم، بأن المشرّعين اطّلعوا على معلومات استخباراتية تُشير إلى أن إيران ربما زرعت أكثر من 20 لغماً بحرياً في مضيق هرمز ومحيطه. ووفقاً لهذه المعلومات، جرى نشر بعض الألغام من خلال قوارب، بينما زُرعت أخرى باستخدام تقنيات توجيه تعتمد على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، الأمر الذي يزيد من صعوبة اكتشافها والتعامل معها.

ولا يزال من غير الواضح حتى الآن كيف ستتعامل القوات الأميركية مع هذه الألغام، رغم أن بعض المسؤولين أشاروا إلى إمكانية استخدام الطائرات من دون طيار والمروحيات كجزء من عمليات الإزالة المحتملة.

وبحسب ما أوردته شبكة «سي إن إن»، فقد بدأت القوات الإيرانية في زرع الألغام داخل هذا الممر المائي الحيوي منذ شهر مارس (آذار)، وذلك عقب اندلاع الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل.

وتشير تقديرات وكالة الاستخبارات الدفاعية إلى أن إيران تمتلك أكثر من خمسة آلاف لغم بحري، وهي ألغام قد تكون ذات فاعلية كبيرة في بيئة مضيق هرمز، نظراً لضحالة مياهه وضيق ممراته الملاحية، ما يزيد من تعقيد عمليات إزالتها ويُضاعف من المخاطر المحتملة على حركة الملاحة الدولية.