اشتباكات مع «مطلوبين» تثير قلقاً وتوتراً في درعا

بعد بث شريط مصوّر لمسلح «داعشي» متهم بتنفيذ اغتيالات

نشاط مجموعة مسلحة تزعم انتماءها إلى «داعش» يثير مخاوف من لجوء جيش النظام السوري إلى التضييق من جديد على منطقة مخيم مدينة درعا (إ.ب.أ)
نشاط مجموعة مسلحة تزعم انتماءها إلى «داعش» يثير مخاوف من لجوء جيش النظام السوري إلى التضييق من جديد على منطقة مخيم مدينة درعا (إ.ب.أ)
TT

اشتباكات مع «مطلوبين» تثير قلقاً وتوتراً في درعا

نشاط مجموعة مسلحة تزعم انتماءها إلى «داعش» يثير مخاوف من لجوء جيش النظام السوري إلى التضييق من جديد على منطقة مخيم مدينة درعا (إ.ب.أ)
نشاط مجموعة مسلحة تزعم انتماءها إلى «داعش» يثير مخاوف من لجوء جيش النظام السوري إلى التضييق من جديد على منطقة مخيم مدينة درعا (إ.ب.أ)

شهدت مدينة درعا بجنوب سوريا، خلال الأيام الماضية، حالة من التوتر والقلق بعد أن وقعت اشتباكات في منطقة مخيم مدينة درعا، يوم الخميس الماضي، بين مجموعات محلية مسلحة تابعة للجنة المركزية للتفاوض ومجموعة تابعة لأحد المطلوبين للأجهزة الأمنية التابعة للنظام وللجنة المركزية يدعى «مؤيد عبد الرحمن»، المُلقب «مؤيد حرفوش»، ما أدى إلى مقتل مدنيين اثنين وشقيق مؤيد الحرفوش، وإصابة آخرين من مجموعتهم، بعد هجوم قامت به «مجموعة اللجنة المركزية» على مقر تابع لمؤيد الحرفوش في مخيم مدينة درعا.
وقال الناشط أبو الليث الحوراني من مدينة درعا البلد لـ«الشرق الأوسط» إن الاشتباكات بدأت على خلفية اتهام مؤيد حرفوش ومجموعته بارتكاب عمليات اغتيال والتخطيط لتنفيذ اغتيالات جديدة في المنطقة، بعد بث شريط مصور قبل أيام لأحد أبناء مخيم مدينة درعا، وهو أحد عناصر مجموعة الحرفوش، تحدث خلاله عن انتمائه لتنظيم «داعش» بتنسيق مع مؤيد حرفوش، وتنفيذ عدة عمليات اغتيال وخطف في المنطقة.
ويعتبر مؤيد الحرفوش ومحمد المسالمة الملقب بـ«الهفو» من أبرز المطلوبين للجنة الأمنية واللجنة المركزية في مدينة درعا البلد، ورفضا التسوية الأخيرة والخروج من المدينة إلى الشمال السوري. وكان بقاؤهما، بحسب ما تقول مصادر محلية، ذريعة لحدوث معارك في مدينة درعا في شهر أغسطس (آب) الماضي. وحينها وقف أبناء المدينة في صف المقاومة ضد دخول الفرقة الرابعة التابعة للنظام، وتعرضوا للقصف. وانتهت المعارك آنذاك باتفاق بين النظام و«اللجنة المركزية» والجانب الروسي قضى بدخول الشرطة الروسية وقوات من النظام، وإبعاد الفرقة الرابعة، وترك المطلوبين للترحيل يواجهون مصيرهم بعد «إعلان اللجنة المركزية» في درعا البلد تحميلهم مسؤولية ما حدث.
ووفقاً للمصدر، فإن الاشتباكات الأخيرة التي شهدتها مدينة درعا في منطقة المخيم، أحدثت توتراً وقلقاً بين المدنيين، حيث يعتبر الأهالي في المدينة أن هذه الاشتباكات تعطي ذرائع لتوجيه تهديدات جديدة باقتحام المدينة على أيدي قوات النظام بذريعة وجود خلايا لتنظيم «داعش».
في المقابل، هناك من يرى أن الحرفوش والهفو متهمان بتجارة السلاح والخطف والقتل والعمالة لصالح النظام ولا علاقة لهما بالانتماء لتنظيم «داعش»، بل هما من الوسائل التي يعتمد عليها النظام لفرض حالة أمنية جديدة على المنطقة بذرائع مختلفة.
يُذكر أن اللجنة الأمنية للنظام السوري حاولت خلال تطبيق الخريطة الروسية والتسويات الجديدة في منطقة درعا البلد، منتصف شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، استثناء مخيم المدينة من الاتفاق واقتحامه عسكرياً بسبب وجود المطلوبين مؤيد حرفوش ومحمد الهفو ومجموعاتهما، لكن «اللجنة المركزية للتفاوض» رفضت حينها، وأصرت على تطبيق الاتفاق على كامل منطقة درعا البلد، بما فيها مخيم المدينة.
وبررت حينها «اللجنة المركزية» موقفها بأن وجود شخصين مطلوبين لا يعني تعرض المدنيين للقصف والنزوح والتهجير واستخدام قوة عسكرية ضد منطقة كاملة.
ومع استمرار الانفلات الأمني في محافظة درعا، شهدت مدينة درعا المحطة خلال اليومين الماضيين عمليات اغتيال واستهداف. واللافت أن مدينة درعا المحطة منطقة أمنية لم تخرج عن سيطرة النظام السوري طيلة السنوات الماضية، وتحتوي على جميع المراكز الأمنية، بما في ذلك قيادة الشرطة المدينة، ومركز المحافظة، والدوائر الحكومية المهمة والرئيسية في المحافظة.
وكان انفجار قوي هزّ، صباح يوم الخميس، مدينة درعا المحطة بعد انفجار عبوة ناسفة استهدفت سيارة رئيس المجلس البلدي في بلدة النعيمة علاء العبود، في حي الكاشف بالقرب من دوار طريق خربة غزالة في مدينة درعا، أثناء ذهابه إلى عمله، ما أدى إلى مقتله وجرح آخرين كانوا معه، تم نقلهم إلى مستشفى درعا الوطني.
كما عثرت الجهات الأمنية الحكومية، صباح يوم الأربعاء الماضي، في مدينة درعا المحطة على عبوة ناسفة كانت مركونة بالقرب من دوار المحافظ ونادي الضباط، تم تفجيرها بعد العجر عن تفكيكها من الأجهزة الهندسية المختصة، دون وقوع إصابات جراء ذلك. وتعتبر المنطقة التي وجدت فيها العبوة الناسفة من المناطق الأمنية التي تنتشر فيها قوات الأمن بكثافة، إذ تضم المنطقة بيت المحافظ ونادي الضباط وكثيراً من المراكز الأمنية والعسكرية الأخرى.
ورد ناشطون من درعا هذه الأحداث الأخيرة في مدينة درعا المحطة إلى مجموعات رديفة للنظام أو قوات محسوبة على النظام مثل الميليشيات الإيرانية، مستندين إلى اعتبار أن المناطق التي تم تفجير العبوات الناسفة فيها مؤخراً بمدينة درعا المحطة، إنما هي مناطق أمنية، إذ تشهد مراقبة مشددة وحواجز عسكرية وكاميرات مراقبة، وبالتالي لا يسهل وصول أشخاص مسلحين إليها. ويقول هؤلاء إن الهدف من ذلك بقاء المحافظة بشكل غير مستقر وآمن، ما يعرقل المساعي الأخيرة التي شهدتها المحافظة، من خلال تقليل عدد الحواجز العسكرية والقبضة الأمنية بموجب الاتفاق على تطبيق «الخريطة الروسية»، والتسويات الأخيرة التي شهدتها المنطقة أخيراً.
ويأتي في هذا الإطار ما شهدته منطقة درعا ما سحب كثيراً من الحواجز والنقاط الأمنية والقوات العسكرية التابعة للنظام، إذ تمت إزالة ما يقرب من 40 حاجزاً ونقطة عسكرية. كما تم سحب قوات الفرقة الرابعة والفرقة 15 التي كانت تنتشر في عدة مناطق بدرعا.
في مقابل ذلك، يرد النظام السوري الحوادث التي شهدتها درعا المحطة إلى الانفلات الأمني الذي يسببه «المخربون» والمسلحون الرافضون للتسوية، الذين ما زالوا موجودين في المنطقة.
وفي السويداء ذات الغالبية الدرزية جنوب سوريا، التي تشهد بدورها حالة من الانفلات الأمني وانتشار السلاح والجريمة وحوادث الخطف والاغتيال، قال ريان معروف مدير تحرير شبكة «السويداء 24»، لـ«الشرق الأوسط»، إنه منذ اجتماع اللجنة الأمنية في الشهر الماضي في السويداء ظهرت بوادر مرحلة جديدة وتعاط جديد للنظام السوري، حيث استقدمت قوى الأمن الداخلي 150 عنصراً من المهام الخاصة وحفظ النظام من دمشق إلى السويداء، وعززت مناطق وجودها والمراكز الحكومية ومنها المستشفى الوطني، كما سحبت الفرقة 15 معظم قواتها من محافظة، درعا وأعادتها إلى ثكناتها في السويداء. وتدخلت تلك القوات (قوات حفظ النظام) بشكل مباشر في عدة حوادث، واشتبكت مرات مع مجموعات محلية من أبناء السويداء.
وأشار معروف إلى أن الإجراءات الجديدة حدت من التعاطي السلس الذي كان النظام يسلكه سابقاً مع المنطقة، بما في ذلك غياب دور القوات الأمنية منذ عام 2014 حيث كانت هذه القوات تنأى عن التدخل المباشر في الحوادث الأمنية التي تحصل بين أبناء السويداء ودمشق. ويبدو أن هناك مجموعات محلية في السويداء رافضة لطريقة التعاطي الجديد بالعنف أو فرض القوة من النظام على المنطقة، علماً بأن معظم تشكيلات السويداء المحلية المسلحة غير محسوبة على المعارضة وغير رافضة أصلاً لوجود قوات النظام وأجهزته الأمنية منذ عام 2011.
وتشهد محافظة السويداء مؤخراً تصاعداً في العمليات والهجمات من مجموعات محلية مسلحة على مراكز حكومية وأمنية تابعة للنظام السوري. وفي هذا الإطار، وقع هجوم قبل أيام على مركز قيادة شرطة المحافظة، وسبق ذلك هجوم على مراكز أمنية ومبنى المحافظة في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.



اليمن يحذر من تصعيد الحوثيين وتنسيقهم مع «جماعات إرهابية»

الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
TT

اليمن يحذر من تصعيد الحوثيين وتنسيقهم مع «جماعات إرهابية»

الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)

جدّدت الحكومة اليمنية تحذيرها من خطورة التصعيد الحوثي في مختلف جبهات القتال، مؤكدة امتلاكها أدلة على وجود تنسيق وتخادم بين الجماعة وتنظيمات إرهابية، في الوقت الذي كثّفت فيه تحركاتها الدبلوماسية لحشد دعم دولي أوسع لتعزيز قدرات جهاز مكافحة الإرهاب، ومواجهة التهديدات المتزايدة التي تطول الأمنين الإقليمي والدولي.

ووفق مصادر رسمية، ترى الحكومة أن استمرار هذا التصعيد يُقوّض فرص السلام، ويعزز بيئة الفوضى التي تستغلها التنظيمات المتطرفة، مشددة على أن أي تسوية سياسية لن تكون قابلة للاستدامة دون إنهاء الانقلاب الحوثي، وتجفيف منابع الإرهاب بكل أشكاله.

وخلال لقاء جمع رئيس جهاز مكافحة الإرهاب في اليمن اللواء شلال شايع مع سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن عبدة شريف، ناقش الجانبان التهديدات الأمنية الراهنة، وفي مقدمتها ما وصفه المسؤول اليمني بـ«التخادم الميداني» بين الحوثيين وتنظيمات مثل «القاعدة» و«داعش» وحركة «الشباب» الصومالية.

اليمن يتطلع إلى مزيد من الدعم الدولي لجهاز مكافحة الإرهاب (إعلام حكومي)

وأوضح شايع أن هذا التنسيق لا يقتصر على تبادل المصالح، بل يمتد إلى تنسيق عملياتيّ يهدف إلى زعزعة الاستقرار، وخلق بؤر توتر تستنزف قدرات الدولة، وتهدد أمن الممرات البحرية وخطوط التجارة الدولية.

وأشار إلى أن التصعيد الحوثي الأخير في عدد من الجبهات يأتي ضمن استراتيجية أوسع لخلط الأوراق، وإرباك المشهد الأمني، بما يمنح التنظيمات الإرهابية مساحة أكبر لإعادة تنظيم صفوفها، وتنفيذ عمليات نوعية.

جهود أمنية

في موازاة التحذيرات، استعرض رئيس جهاز مكافحة الإرهاب اليمني سلسلة من العمليات الأمنية التي نفّذتها القوات المختصة، وأسفرت عن تفكيك خلايا إرهابية، وإحباط مخططات استهدفت منشآت حيوية، إلى جانب ضبط شبكات تهريب أسلحة ومخدرات.

وأكد أن هذه النجاحات تحققت بفضل التعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين، مُشيداً بالدعم الذي يقدمه «تحالف دعم الشرعية» في دعم الاقتصاد اليمني، بما يسهم في تقليص بيئة الفقر التي تستغلها الجماعات المتطرفة.

تنسيق يمني بريطاني لمواجهة الأنشطة الإرهابية (إعلام حكومي)

كما أشار شائع إلى أهمية تطوير قدرات الجهاز في مجالات التدريب والتأهيل، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، بما يمكّنه من مواكبة التحديات الأمنية المتغيرة، خاصة في ظل تشابك التهديدات بين الإرهاب والجريمة المنظمة.

من جانبها، أكدت السفيرة البريطانية حرص بلادها على دعم اليمن في هذا المجال، مشددة على أهمية بناء قدرات المؤسسات الأمنية، وتعزيز التنسيق الدولي لمواجهة التهديدات المشتركة، وضمان استقرار المناطق المحرَّرة.

في سياق متصل، بحث المسؤول اليمني مع السفير الأميركي لدى اليمن، سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية في مكافحة الإرهاب، حيث جرى التركيز على تطوير التعاون في مجالات التدريب، وبناء القدرات، وتبادل الخبرات الفنية.

وخلال اللقاء، شدد شائع على ضرورة تكاتف الجهود الدولية لمواجهة ما وصفه بـ«التحالف غير المعلَن» بين الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، محذراً من تداعيات هذا التنسيق على الأمن الإقليمي، وسلامة الملاحة الدولية.

كما دعا إلى تنفيذ صارم للعقوبات الدولية المفروضة على الحوثيين، خاصة ما يتعلق بحظر تهريب الأسلحة، وتجفيف مصادر التمويل، مؤكداً أن استمرار تدفق الأسلحة يسهم في إطالة أمد الصراع، ويعزز قدرات الجماعة على تهديد الأمن البحري.

وأشاد بالدور الأميركي في دعم جهود مكافحة الإرهاب، وعدَّ أن هذا الدعم يشكل عنصراً حاسماً في تعزيز قدرة الأجهزة الأمنية اليمنية على مواجهة التحديات الراهنة.

تحركات رئاسية

على الصعيد السياسي، كان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي قد ناقش مع السفيرة البريطانية سبل تعزيز العلاقات الثنائية، وأولويات الدعم الدولي لليمن، خاصة في مجالات التعافي الاقتصادي، وبناء المؤسسات، وتعزيز الأمن والاستقرار. وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وأكد العليمي أن استقرار اليمن يرتبط بشكل وثيق بإنهاء الانقلاب الحوثي، واستعادة مؤسسات الدولة، وبسط سيطرة الحكومة على كامل الأراضي، مشيراً إلى أن التطورات الإقليمية الأخيرة تعزز قناعة المجتمع الدولي بخطورة الدور الذي تلعبه إيران في زعزعة استقرار المنطقة.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي استقبل السفيرة البريطانية (إعلام حكومي)

كما شدد على أهمية تشديد العقوبات على الحوثيين، وردع انتهاكاتهم لحقوق الإنسان، بما في ذلك الهجمات التي تستهدف المدنيين والنازحين، والتي تمثل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي.

وتطرّق إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمواجهة التحديات الراهنة، بما في ذلك إقرار الموازنة العامة، وتنفيذ برنامج إصلاحات اقتصادية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، وتحسين مستوى الخدمات، وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية.


تهديد الحوثيين بالحرب ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)
ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)
TT

تهديد الحوثيين بالحرب ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)
ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)

يتصاعد القلق الدولي من تداخل المسارين العسكري والإنساني في اليمن، في ظل مؤشرات متزايدة على احتمال انخراط الجماعة الحوثية في الحرب الدائرة إلى جانب إيران، بالتوازي مع تحذيرات أممية من تدهور غير مسبوق في مستويات الأمن الغذائي، خلال الأشهر المقبلة.

وتُجمِع التقديرات على أن أي تصعيد عسكري جديد لن يقتصر أثره على الجبهات، بل سيمتدّ إلى حياة ملايين اليمنيين الذين يواجهون، بالفعل، واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

يأتي ذلك في وقتٍ تشير فيه تقارير حديثة إلى أن توقيت انخراط الحوثيين في المواجهة الإقليمية لا يزال مرتبطاً بحسابات استراتيجية أوسع تقودها طهران، وسط مخاوف من أن يتحول اليمن إلى ساحة إضافية لتصفية الحسابات، بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على سلاسل الإمداد الغذائي والاقتصاد الهش.

في السياقين السياسي والعسكري، تعززت المؤشرات على أن قرار انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية لا يزال مؤجَّلاً بانتظار توقيت مناسب تُحدده القيادة الإيرانية، وتحديداً دوائر صنع القرار المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

مخاوف من أن يؤدي تصعيد الحوثيين عسكرياً إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

وتؤكد تصريحات قيادات في الجماعة أن الجاهزية العسكرية قائمة، لكن تفاصيل التحرك تبقى رهناً بما وصفوه بـ«عنصر المفاجأة»، وهو ما يعكس طبيعة الدور الوظيفي الذي قد تؤديه الجماعة، ضِمن شبكة النفوذ الإقليمي لإيران.

وتذهب تحليلات دولية إلى أن هذا التأجيل لا يعكس حياداً بقدر ما يمثل جزءاً من استراتيجية إدارة التصعيد، حيث يجري الاحتفاظ بالحوثيين كورقة ضغط يمكن تفعيلها في مراحل لاحقة من الصراع. ويُنظَر إلى هذا التكتيك على أنه يهدف إلى رفع كلفة المواجهة على الخصوم، دون استنزاف مبكر للأدوات الإقليمية.

أزمة تتجه نحو الأسوأ

بالتوازي مع هذه التطورات، حذّرت شبكة الإنذار المبكر من المجاعة من أن أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن مرشحة للتفاقم، خلال الفترة الممتدة من يوليو (تموز) إلى سبتمبر (أيلول) المقبلين، وهي فترة الذروة السنوية لاحتياجات المساعدات.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 16 مليون يمني قد يحتاجون إلى مساعدات غذائية خلال هذه الفترة، في ظل استمرار تدهور سُبل العيش وارتفاع معدلات الفقر، إلى جانب التراجع الحاد لفرص العمل والدخل.

كما أن معظم مناطق اليمن، وفق هذه البيانات، ستظل ضمن المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي أو أسوأ، ما يعني أن شريحة واسعة من السكان تُواجه أزمة حقيقية في تأمين احتياجاتها الأساسية.

ثلاث محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

ويُعزى هذا التدهور إلى مجموعة من العوامل المتراكمة، وفي مقدمتها استمرار النزاع، والانهيار الاقتصادي، وتقلبات المناخ، فضلاً عن القيود المفروضة على حركة التجارة والإمدادات. كما أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل مستمر يزيد من صعوبة حصول الأُسر على الغذاء، خصوصاً في ظل تآكل القدرة الشرائية.

وتُظهر البيانات أن حدة الأزمة تختلف من منطقة لأخرى، إلا أن ثلاث محافظات خاضعة لسيطرة الحوثيين هي الحديدة، وحجة، وتعز ( الأخيرة خاضعة جزئياً)، مرشحة للوصول إلى مستوى الطوارئ في انعدام الأمن الغذائي، وهو من أخطر المراحل التي تسبق المجاعة.

ولا تبدو المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دولياً بمنأى عن الأزمة، حيث يُتوقع أن تواجه بعض الأُسر في محافظات مثل لحج والضالع وأبين وشبوة مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.

وتفاقمت الأزمة، بشكل أكبر، بسبب تعليق المساعدات الغذائية في مناطق سيطرة الحوثيين منذ سبتمبر الماضي، ما أثّر على أكثر من تسعة ملايين شخص كانوا يعتمدون عليها بشكل أساسي.

في المقابل، يخطط برنامج الغذاء العالمي للوصول إلى نحو 1.6 مليون مستفيد في مناطق الحكومة الشرعية، خلال العام الحالي، إلا أن هذه الجهود تبقى محدودة، مقارنة بحجم الاحتياجات.

مؤشرات مُقلقة

تؤكد بيانات الأمم المتحدة أن الوضع الغذائي في اليمن لا يزال عند مستويات مُقلقة، حيث لم تتمكن 64 في المائة من الأسر من تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية مع نهاية عام 2025، في حين يعاني 37 في المائة من السكان الحرمان الغذائي الحاد.

كما تضطر الأسر إلى إنفاق نحو 72 في المائة من دخلها على الغذاء، ما يترك هامشاً ضيقاً للغاية لتغطية بقية الاحتياجات مثل الصحة والتعليم. ولجأت نحو 59 في المائة من الأسر إلى استراتيجيات تكيُّف قاسية، من بينها تقليص الوجبات أو التسول، مع تسجيل نسب أعلى في مناطق سيطرة الحوثيين.

غلاء الأسعار يشكل قيوداً كبيرة على حصول الأُسر اليمنية على الغذاء (الأمم المتحدة)

وتبرز مشكلة سوء التغذية كأحد أخطر أوجه الأزمة، إذ يعاني نحو 2.5 مليون طفل دون سن الخامسة سوء التغذية الحاد، بينهم نصف مليون في حالة حرجة، إضافة إلى تأثر 1.3 مليون امرأة حامل ومرضع. وترتبط هذه الأرقام بانتشار الأمراض، وتدهور الخدمات الصحية، وفقدان مصادر الدخل.

كما سجلت تقارير الرصد ارتفاعاً في مؤشرات الإنذار المرتبطة بواردات الغذاء والوقود، حيث تجاوزت الأسعار المستويات العالمية بشكل كبير، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد من تعقيد الأزمة ويحدّ من قدرة السكان على التكيف.


مشاورات لـ«حماس» في القاهرة لإحياء «اتفاق غزة»

طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

مشاورات لـ«حماس» في القاهرة لإحياء «اتفاق غزة»

طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تنخرط إسرائيل في معارك حرب إيران، مبتعدة عن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة والتزاماته، فيما تواصل «حماس» حراكاً آخر في القاهرة، بحثاً عن مخرج للتعثر الذي يتواصل منذ إعلان المرحلة الثانية من الاتفاق منتصف يناير (كانون الثاني) دون تقدم.

تلك المشاورات تعول «حماس» أن تحقق اختراقاً في مشهد التعثر الحالي للاتفاق لأسباب بينها استمرار حرب إيران، وفق تقديرات خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لافتين إلى أن ما يحدث مجرد محاولات لبلورة مسار جديد يعيد اتفاق غزة لطريقه ووقف الخروقات وبحث حلول للأزمات اليومية في القطاع جراء الحصار الإسرائيلي.

مشيِّعون يشاركون في جنازة فلسطينيين قُتلوا خلال ضربة إسرائيلية استهدفت منزلاً بالنصيرات وسط قطاع غزة (رويترز)

وأجرت «حماس» سلسلة لقاءات مع مسؤولين في جهاز المخابرات العامة المصرية، إضافة إلى اجتماع مع المبعوث الأممي نيكولاي ملادينوف، جرى خلالها استعراض مجمل التطورات السياسية والميدانية المرتبطة بملف غزة، وفق تقارير نقلتها وسائل إعلام بالبلدين الوسيطين مصر وقطر.

وقف الخروقات ودمج عناصر «حماس»

وقال مصدران مقربان من «حماس»، لـ«الشرق الأوسط»، الثلاثاء، إن وفداً للحركة برئاسة نزار عوض الله، وضم أيضاً القيادي غازي حمد، التقى مسؤولين أمنيين بمصر وكذلك مبعوثين لمجلس السلام، وناقشوا ملفات عديدة بينها خروقات إسرائيل لاتفاق غزة، ودمج موظفي «حماس» بالشرطة، وتشغيل معبر رفح، وعمل لجنة إدارة غزة التي يفترض أن تتسلم مهامها من الحركة بالقطاع.

وتحدث أحد المصدرين عن أن موضوع نزع سلاح «حماس» كان مطروحاً في أحد المناقشات، ولكن حسمه مؤجل لحين نشر الشرطة الفلسطينية ونشر قوات الاستقرار الدولية، لافتاً إلى أن «حماس» تنتظر دفعاً أميركياً لاتفاق غزة ووقف إسرائيل لخروقاتها.

في سياق متصل، أكد مصدر من لجنة إدارة قطاع غزة، لـ«الشرق الأوسط»، الثلاثاء، أن اللجنة لم تلتق وفد «حماس»، متحفظاً على تقديم أسباب.

وكانت ثلاثة مصادر تحدثت إلى «رويترز»، الاثنين، وأفادت بأن مبعوثين من «مجلس السلام»، الذي يترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التقوا مطلع الأسبوع ‌بممثلين عن حركة «حماس» في القاهرة في محاولة للحفاظ على وقف إطلاق النار في غزة، متوقعين عقد اجتماعات إضافية هذا الأسبوع، دون تحديد موعدها.

وعقب الاجتماع، أعلنت إسرائيل، في بيان، الأحد، أنها ستعيد قريباً فتح معبر رفح بين غزة ومصر، والمغلق منذ بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران.

ونقلت «رويترز» عن أحد المصادر قوله إنه يعتقد أن ما أعلنته إسرائيل كان نتيجة مباشرة للاجتماع بين «حماس» و«مجلس السلام»، المكلف بالإشراف على قطاع غزة بعد توقف القتال فيه.

وكشفت إذاعة «مونت كارلو» الدولية، الثلاثاء، أن حركة «حماس» تستعد لبدء جولة محادثات جديدة في القاهرة، رغم التوتر الأمني في المنطقة، لبحث سبل تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، التي توقفت منذ اندلاع الحرب مع إيران مطلع الشهر الجاري.

أسرة فلسطينية فوق مبنى مدمر جراء القصف العسكري الإسرائيلي جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية الدكتور أحمد فؤاد أنور، إن زيارة وفد «حماس» تأتي في توقيت مهم وتتواكب مع تصعيد إسرائيلي بالمنطقة، لافتاً إلى أن مباحثات الحركة بالقاهرة التي شهدت أكثر من مستوى، سواء مع مجلس السلام أو الجانب المصري، تعطي تطمينات بأن الاتفاق لا يزال قائماً وتبحث خروقات إسرائيل، وبالوقت ذاته تبحث عن صياغة للمستقبل القريب، خاصة القضايا المرتبطة بعمل لجنة إدارة القطاع وملف نزع السلاح وغيرهما.

إبقاء الملف في دائرة الضوء

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، أيمن الرقب، أن مشاورات «حماس» في القاهرة تقول إن ثمة زخماً جديداً بشأن «اتفاق غزة»، ومحاولة مصرية لإبقاء الملف في دائرة الضوء وعدم توقفه، متوقعاً أن يستمر هذا الزخم لإعادة فك تجميد الاتفاق المتعثر حالياً.

ومنتصف يناير الماضي، أعلنت واشنطن الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب لإنهاء الحرب في القطاع، عبر بنود تشمل انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً من غزة، ونزع سلاح «حماس»، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار. وحتى الآن لا يزال الجيش الإسرائيلي يسيطر على أكثر من نصف القطاع، في حين ترفض «حماس» إلقاء سلاحها.

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

غير أن «هيئة البث الإسرائيلية»، تحدثت السبت، بأن القوة الدولية سيبدأ نشرها في قطاع غزة اعتباراً من مايو (أيار) المقبل.

والاثنين، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي «أهمية الإسراع بتمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من الاضطلاع بمهامها من داخل القطاع، باعتبار ذلك خطوة أساسية في إدارة المرحلة الانتقالية وتثبيت التهدئة»، وفق بيان للخارجية المصرية.

ويرى أنور أن ما يحدث مجرد محاولات لبلورة مسار جديد يعيد «اتفاق غزة» لطريقه في ظل الاضطرابات العالمية جراء حرب إيران، متوقعاً استمرار مثل هذه اللقاءات واستمرار الموقف المصري الداعم لوقف إطلاق النار وإعمار القطاع.

ويتوقع الرقب استمرار زخم دفع اتفاق غزة للأمام بحراك مصري على أمل أن يحدث اختراق أو انفراجة في المشهد المتعثر منذ أسابيع.