الحوثيون وقوات صالح يواصلون الاعتداءات على الإعلاميين وعائلاتهم

الحوثيون وقوات صالح يواصلون الاعتداءات على الإعلاميين وعائلاتهم

{الشرق الأوسط} ترصد من داخل صنعاء انتهاكاتهم ضد الحريات
الخميس - 27 جمادى الآخرة 1436 هـ - 16 أبريل 2015 مـ رقم العدد [ 13288]
مسلحان حوثيان يجلسان على الأرض في صنعاء أمس (إ.ب.أ)

قال شقيق الإعلامي اليمني معد الزكري، لـ«الشرق الأوسط»، إن مسلحين حوثيين داهموا منزلهم في العاصمة صنعاء مساء أول من أمس، واختطفوا شقيقيه ووالده واقتادوهم بقوة وتهديد السلاح بعد الاعتداء عليهم بالضرب بأعقاب البنادق أثناء مقاومتهم ورفضهم الذهاب مع المسلحين.

وتعدّ هذه هي المرة الثانية التي يتعرض فيها الزكري للاعتداء من قبل الحوثيين، بعد اختطافه أواخر ديسمبر (كانون الأول) الفائت والتحقيق معه لثلاثة أيام، إلى جانب تعذيبه بطبيعة الحال في أحد المعتقلات السرية التابعة للجماعة في صنعاء. وذكر الزكري، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن المسلحين الحوثيين عادوا إلى المنزل مرة أخرى بعد ساعات قليلة من اقتياد والده وشقيقيه، وقاموا بتفتيش المنزل ونهبوا جهاز كومبيوتر وذاكرتين خارجيتين (هارد)، الأمر الذي دفعه إلى التواري عن الأنظار والانقطاع عن عمله وأسرته خشية اختطافه هو الآخر من قبل مسلحي الحوثي.

وأضاف الزكري بشيء من السخرية والحُرقة «والدي وشقيقي الآخر لا علاقة لهما لا بالسياسة ولا بالأحزاب ولا بالصحافة ولا أي نشاط عام». ويعمل الزميل معد الزكري صحافيًا ومصورًا للعديد من وسائل الإعلام. وسبق أن أعد تقريرًا استقصائيًا تلفزيونيًا حول تنظيم القاعدة أثناء سيطرته المؤقتة على مديرية العدين في محافظة إب، الأمر الذي زعم الحوثيين بسببه أنهم اشتبهوا به عند اعتقاله، حسبما أفاد بعد الإفراج عنه في يناير (كانون الثاني) الفائت، على الرغم من كون التقرير أعد بشكل مهني وتم عرضه على قناة فضائية تابعة، أو موالية، للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، وحزبه المؤتمر الشعبي العام.

وهذه ليست المرة الأولى، ولا يبدو أنها الأخيرة، التي يكون المصورون الصحافيون فيها في مرمى استهداف جماعة الحوثي واعتداءاتهم. فسبق أن اعترض مسلحون طريق المصور الصحافي عبد العزيز الصبري أثناء تنقله بين قرى أرحب (شمال صنعاء)، وقاموا بمصادرة كاميراته الخاصة، بذريعة أنه «قام بتصوير منازل الدواعش»، حسب حديثه لـ«الشرق الأوسط». كما تم اعتراض وتوقيف مراسل ومصور قناة «سكاي نيوز» محمد القاضي، في وقت سابق، بينما اختطف مصور ومراسل قناة «بلقيس» يحيى السواري، لعدة أيام، أثناء تغطيته لمظاهرة احتجاجية لطلاب جامعة صنعاء في فبراير (شباط) الفائت رفقة زميليه يحيى حمران وأمين دبوان مراسل قناة «يمن شباب» الفضائية.. السلوك الذي كان ضحيته العشرات من الصحافيين المستقلين والحزبيين.

وقال مصور صحافي يعمل مراسلاً لوكالة أنباء دولية إنه سبق أن قام بتغطية العديد من النزاعات المسلحة، إضافة إلى الاحتجاجات الشعبية في فبراير 2011، من دون أن يتعرض للاعتداءات التي تعرض لها بعد اجتياح الحوثيين لصنعاء، أو يشعر بأن سلامته الشخصية كمصور مهددة فعليًا.

على صعيد متصل، تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي وثيقة منسوبة لاجتماع اللجنة الأمنية العليا التابعة للحوثيين أوصت، قبل أيام قليلة، باعتقال العديد من الصحافيين والناشطين في محافظة ذمار شمال البلاد. وتصاعدت الانتهاكات ضد الصحافيين بشكل تصاعدي، وبصورة أكثر عدوانية، خلال الأسابيع الثلاثة الماضية. ولا تفرق الجماعة المسلحة في سلوكها ما بين منتقديها من حيث توجهاتهم وانتماءاتهم الفكرية واصمة جميع معارضيها بـ«الإرهاب والدعشنة»، سواء أكانوا صحافيين مستقلين، أم ينتمون إلى حزب إسلامي كالإصلاح، أم يساريي التوجه وقريبيب من الحزب الاشتراكي، أو التنظيم الناصري، أو التجمع الوحدوي، بل إن قائمة الانتهاكات ضمت أيضا، في واحدة من المفارقات، صحافيين ينتمون إلى حزب المؤتمر الشعبي العام، الحليف الاستراتيجي لجماعة الحوثي.

ففي صنعاء، اختطفت ميليشيات الحوثي مساء أول من أمس الكاتب والباحث اليساري طاهر شمسان، رفقة الناشط جمال جحيش مدير مشروع النظافة في أمانة العاصمة، وترفض حتى اللحظة الإفصاح عن أسباب ومكان احتجازه.

وفي محافظة عمران شمال صنعاء (50 كم)، أقدمت ميليشيات الحوثيين قبل نحو أسبوع على اختطاف الصحافي المستقل محمود طه، ولا يزال حتى اللحظة في مكان غير معلوم ويواجه تهمًا وصفتها نقابة الصحافيين «بالكيدية والمهترئة».

ودعت نقابة الصحافيين جماعة الحوثي، في بيان صادر عنها قبل أيام، إلى الكف عن «التعامل مع الصحافيين كأعداء وعملاء»، مطالبة في الوقت نفسه بسرعة الإفراج عن الصحافي محمود طه ورفاقه، معربة عن قلقها من حملات التحريض ضد الصحافيين والإعلاميين والتعامل معهم كعملاء، وما يترتب على ذلك من أخطار على حياة الصحافيين، وتزايد التهديدات والمخاطر في البيئة الصحافية.

وفي عدن، وجّه مجموعة من الناشطين والصحافيين «نداء إنسانيًا إلى جماعة الحوثي والقوات الموالية لها؛ بإطلاق سراح مجموعة من النشطاء الميدانيين من أبناء المدينة، العاملين في المجال الإغاثي الطبي التطوعي». وقال الصحافي والناشط الحقوقي عاد نعمان، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن العديد من الناشطين والصحافيين من أبناء مدينة عدن تم احتجازهم خلال الأيام القليلة الماضية، أثناء تأديتهم عملهم الإنساني بالتزامن مع وصول البعثات الطبية الدولية والمساعدات الدوائية وفرقها الميدانية؛ وفي طليعتها بعثة الصليب الأحمر، ومنظمة اللجنة الدولية، ومنظمة أطباء بلا حدود.

وأبدى نعمان تخوفه على سلامة زملائه، مطالبًا بـ«ألا يتم الزج بهم في عمليات المفاوضات لتبادل الأسرى بين طرفي الاقتتال لكونهم ليسوا طرفًا في المواجهات المسلحة، وجل أعمالهم محصورة في إطار العمل الإغاثي الطبي». ونوه نعمان بأن «العديد من أقارب وأصدقاء المختطفين العاملين في مجال الإغاثة قد تلقوا تهديدات بقتل المختطفين وتصفيتهم جسديا، أثناء اتصالات أجروها معهم عبر هواتفهم الجوالة، وردّ عليها أفراد من القوات الموالية والتابعة للجماعة».

مروان دماج، أمين عام نقابة الصحافيين اليمنيين، حمل في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» جماعة الحوثي مسؤولية ما يتعرض له الصحافيون اليمنيون، مطالبًا بسرعة الإفراج عن المعتقلين لديها والكف عن انتهاك حريات التعبير والرأي، محذرًا من «استمرار النهج الميليشياوي تجاه المؤسسات الإعلامية الذي سيؤدي إلى انهيار كامل للمؤسسات الإعلامية ومكتسبات حرية الرأي والتعبير في اليمن».

ويتعرض الصحافيون والكتاب اليمنيون في مختلف المدن والمحافظات لجملة من الانتهاكات والاعتداءات في ظل انفلات الوضع، وانهيار مؤسسات الدولة وسيطرة ميليشيا الحوثي على السلطة. وتنوعت الانتهاكات من اعتقالات تعسفية خارج القانون، واعتداء بالضرب، والخطف، والتهديد بالقتل، بالإضافة إلى اقتحام المنازل، ونهب واقتحام العديد من وسائل الإعلام والصحف اليومية، وليس انتهاء بحجب العشرات من المواقع المستقلة والخاصة بالتزامن مع بدء عمليات «عاصفة الحزم».

ولا يزال مسلحو الجماعة يحتلون مقار العديد من المؤسسات الإعلامية ويرفضون إخلاءها، ومن جملتها قناة «سهيل» الفضائية و«يمن شباب»، إضافة إلى صحيفة «المصدر» اليومية التي تم إيقافها واحتلال مقرها، علاوة على صحيفة «أخبار اليوم» اليومية التي تم إغلاق مقارها في صنعاء ونهب مطابعها وممتلكاتها من قبل الحوثيين.

وتعليقا على ذلك، قالت منظمة مواطنة لحقوق الإنسان، وهي منظمة حقوقية مستقلة مقرها صنعاء في موقعها على شبكة الإنترنت، إن «احتلال مقر قناة (سهيل) بصنعاء وإيقاف بثها، وغيرها من وسائل الإعلام، من قبل جماعة الحوثي انتهاك سافر لحرية التعبير». من جهتها، أدانت نقابة الصحافيين اليمنيين «انتهاك جماعة الحوثي للحريات الصحافية»، معربة عن قلقها من «استمرار الميليشيا الحوثية في انتهاك الحريات الصحافية وقمعها ومطاردة الأصوات المعارضة، وارتكابها جريمة تدمير ممنهج للمؤسسات الإعلامية الرسمية». ودعت النقابة الاتحاد الدولي للصحافيين إلى «بذل مزيد من الجهد مع النقابة للضغط من أجل الدفاع عن الحريات الصحافية التي تشهد أسوأ مرحلة في تاريخها من الانتهاكات وارتكاب جرائم فظيعة بحق الصحافيين والإعلاميين اليمنيين».

وقالت نقابة الصحافيين في بيان سابق إن «الصحافة اليمنية شهدت منذ سقوط العاصمة صنعاء في أيدي الجماعة أكبر وقائع الانتهاكات والاعتداءات ضد الصحافيين ووسائل الإعلام بمتوالية تكشف عن التوجه العدائي الذي حملته هذه الجماعة ضد منابر إعلامية مختلفة أو ناقدة لها». وأضافت «الحريات الصحافية تواجه أكبر تهديد لها منذ إقرار التعددية السياسية بعد إعلان الوحدة اليمنية في عام 1990».

إلى ذلك، وفي السياق ذاته، قالت مؤسسة «حرية للحقوق والحريات والتطوير الإعلامي» إنها رصدت «359 حالة انتهاك تعرض لها صحافيون وإعلاميون ووسائل إعلامية مختلفة في اليمن» في فترة وجيزة لم تتعد أربعة أشهر فقط.

وقالت المؤسسة، في تقريرها السنوي الصادر مؤخرًا، إن «مؤشر الخطر على حرية الإعلام تصاعد أكثر خلال النصف الثاني من 2014 إثر الأحداث التي وقعت في العاصمة صنعاء وفي مناطق أخرى في اليمن»، في إشارة إلى اجتياح جماعة الحوثي للعاصمة صنعاء في 21 سبتمبر (أيلول) 2014.

وقد توزعت الانتهاكات ضد الصحافيين إلى جانب حالتي قتل «ما بين 13 حالة شروع في القتل، و29 حالة اعتقال واحتجاز، و58 حالة اعتداء جسدي، و12 حالة إخفاء قسري واختطاف، و4 حالات محاكمات جائرة، و25 حالة إيقاف وفصل تعسفي، و42 حالة نهب وإتلاف ممتلكات، و44 حالة سب وتحريض، و50 حالة منع ومصادرة أدوات، بالإضافة إلى 80 حالة تهديد»، الأمر الذي يكشف إلى أي درجة يعمل الصحافي اليمني في وضع حرج وغير آمن البتة وأشبه بحقل ألغام.

وكانت جماعة الحوثيين قد هددت، قبل نحو شهر، في بيان صادر عما يسمى اللجنة الثورية العليا «بمزيد من الإجراءات الحازمة» تجاه ما سمتها «أبواق الفتنة وإعلام الحروب»، متهمة بعض من وسائل الإعلام «بأنها ناطقة باسم قوى الفساد والمجرمين وتجار الحروب وعصابات التكفير والعناصر الاستخبارية القاعدية»، وهو البيان الذي وصفه العديد من المراقبين والحقوقيين بأنه بمثابة إعلان حرب ضد الصحافة اليمنية الحريات الشخصية والعامة.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة