الحوثيون وقوات صالح يواصلون الاعتداءات على الإعلاميين وعائلاتهم

{الشرق الأوسط} ترصد من داخل صنعاء انتهاكاتهم ضد الحريات

مسلحان حوثيان يجلسان على الأرض في صنعاء أمس (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان يجلسان على الأرض في صنعاء أمس (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون وقوات صالح يواصلون الاعتداءات على الإعلاميين وعائلاتهم

مسلحان حوثيان يجلسان على الأرض في صنعاء أمس (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان يجلسان على الأرض في صنعاء أمس (إ.ب.أ)

قال شقيق الإعلامي اليمني معد الزكري، لـ«الشرق الأوسط»، إن مسلحين حوثيين داهموا منزلهم في العاصمة صنعاء مساء أول من أمس، واختطفوا شقيقيه ووالده واقتادوهم بقوة وتهديد السلاح بعد الاعتداء عليهم بالضرب بأعقاب البنادق أثناء مقاومتهم ورفضهم الذهاب مع المسلحين.
وتعدّ هذه هي المرة الثانية التي يتعرض فيها الزكري للاعتداء من قبل الحوثيين، بعد اختطافه أواخر ديسمبر (كانون الأول) الفائت والتحقيق معه لثلاثة أيام، إلى جانب تعذيبه بطبيعة الحال في أحد المعتقلات السرية التابعة للجماعة في صنعاء. وذكر الزكري، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن المسلحين الحوثيين عادوا إلى المنزل مرة أخرى بعد ساعات قليلة من اقتياد والده وشقيقيه، وقاموا بتفتيش المنزل ونهبوا جهاز كومبيوتر وذاكرتين خارجيتين (هارد)، الأمر الذي دفعه إلى التواري عن الأنظار والانقطاع عن عمله وأسرته خشية اختطافه هو الآخر من قبل مسلحي الحوثي.
وأضاف الزكري بشيء من السخرية والحُرقة «والدي وشقيقي الآخر لا علاقة لهما لا بالسياسة ولا بالأحزاب ولا بالصحافة ولا أي نشاط عام». ويعمل الزميل معد الزكري صحافيًا ومصورًا للعديد من وسائل الإعلام. وسبق أن أعد تقريرًا استقصائيًا تلفزيونيًا حول تنظيم القاعدة أثناء سيطرته المؤقتة على مديرية العدين في محافظة إب، الأمر الذي زعم الحوثيين بسببه أنهم اشتبهوا به عند اعتقاله، حسبما أفاد بعد الإفراج عنه في يناير (كانون الثاني) الفائت، على الرغم من كون التقرير أعد بشكل مهني وتم عرضه على قناة فضائية تابعة، أو موالية، للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، وحزبه المؤتمر الشعبي العام.
وهذه ليست المرة الأولى، ولا يبدو أنها الأخيرة، التي يكون المصورون الصحافيون فيها في مرمى استهداف جماعة الحوثي واعتداءاتهم. فسبق أن اعترض مسلحون طريق المصور الصحافي عبد العزيز الصبري أثناء تنقله بين قرى أرحب (شمال صنعاء)، وقاموا بمصادرة كاميراته الخاصة، بذريعة أنه «قام بتصوير منازل الدواعش»، حسب حديثه لـ«الشرق الأوسط». كما تم اعتراض وتوقيف مراسل ومصور قناة «سكاي نيوز» محمد القاضي، في وقت سابق، بينما اختطف مصور ومراسل قناة «بلقيس» يحيى السواري، لعدة أيام، أثناء تغطيته لمظاهرة احتجاجية لطلاب جامعة صنعاء في فبراير (شباط) الفائت رفقة زميليه يحيى حمران وأمين دبوان مراسل قناة «يمن شباب» الفضائية.. السلوك الذي كان ضحيته العشرات من الصحافيين المستقلين والحزبيين.
وقال مصور صحافي يعمل مراسلاً لوكالة أنباء دولية إنه سبق أن قام بتغطية العديد من النزاعات المسلحة، إضافة إلى الاحتجاجات الشعبية في فبراير 2011، من دون أن يتعرض للاعتداءات التي تعرض لها بعد اجتياح الحوثيين لصنعاء، أو يشعر بأن سلامته الشخصية كمصور مهددة فعليًا.
على صعيد متصل، تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي وثيقة منسوبة لاجتماع اللجنة الأمنية العليا التابعة للحوثيين أوصت، قبل أيام قليلة، باعتقال العديد من الصحافيين والناشطين في محافظة ذمار شمال البلاد. وتصاعدت الانتهاكات ضد الصحافيين بشكل تصاعدي، وبصورة أكثر عدوانية، خلال الأسابيع الثلاثة الماضية. ولا تفرق الجماعة المسلحة في سلوكها ما بين منتقديها من حيث توجهاتهم وانتماءاتهم الفكرية واصمة جميع معارضيها بـ«الإرهاب والدعشنة»، سواء أكانوا صحافيين مستقلين، أم ينتمون إلى حزب إسلامي كالإصلاح، أم يساريي التوجه وقريبيب من الحزب الاشتراكي، أو التنظيم الناصري، أو التجمع الوحدوي، بل إن قائمة الانتهاكات ضمت أيضا، في واحدة من المفارقات، صحافيين ينتمون إلى حزب المؤتمر الشعبي العام، الحليف الاستراتيجي لجماعة الحوثي.
ففي صنعاء، اختطفت ميليشيات الحوثي مساء أول من أمس الكاتب والباحث اليساري طاهر شمسان، رفقة الناشط جمال جحيش مدير مشروع النظافة في أمانة العاصمة، وترفض حتى اللحظة الإفصاح عن أسباب ومكان احتجازه.
وفي محافظة عمران شمال صنعاء (50 كم)، أقدمت ميليشيات الحوثيين قبل نحو أسبوع على اختطاف الصحافي المستقل محمود طه، ولا يزال حتى اللحظة في مكان غير معلوم ويواجه تهمًا وصفتها نقابة الصحافيين «بالكيدية والمهترئة».
ودعت نقابة الصحافيين جماعة الحوثي، في بيان صادر عنها قبل أيام، إلى الكف عن «التعامل مع الصحافيين كأعداء وعملاء»، مطالبة في الوقت نفسه بسرعة الإفراج عن الصحافي محمود طه ورفاقه، معربة عن قلقها من حملات التحريض ضد الصحافيين والإعلاميين والتعامل معهم كعملاء، وما يترتب على ذلك من أخطار على حياة الصحافيين، وتزايد التهديدات والمخاطر في البيئة الصحافية.
وفي عدن، وجّه مجموعة من الناشطين والصحافيين «نداء إنسانيًا إلى جماعة الحوثي والقوات الموالية لها؛ بإطلاق سراح مجموعة من النشطاء الميدانيين من أبناء المدينة، العاملين في المجال الإغاثي الطبي التطوعي». وقال الصحافي والناشط الحقوقي عاد نعمان، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن العديد من الناشطين والصحافيين من أبناء مدينة عدن تم احتجازهم خلال الأيام القليلة الماضية، أثناء تأديتهم عملهم الإنساني بالتزامن مع وصول البعثات الطبية الدولية والمساعدات الدوائية وفرقها الميدانية؛ وفي طليعتها بعثة الصليب الأحمر، ومنظمة اللجنة الدولية، ومنظمة أطباء بلا حدود.
وأبدى نعمان تخوفه على سلامة زملائه، مطالبًا بـ«ألا يتم الزج بهم في عمليات المفاوضات لتبادل الأسرى بين طرفي الاقتتال لكونهم ليسوا طرفًا في المواجهات المسلحة، وجل أعمالهم محصورة في إطار العمل الإغاثي الطبي». ونوه نعمان بأن «العديد من أقارب وأصدقاء المختطفين العاملين في مجال الإغاثة قد تلقوا تهديدات بقتل المختطفين وتصفيتهم جسديا، أثناء اتصالات أجروها معهم عبر هواتفهم الجوالة، وردّ عليها أفراد من القوات الموالية والتابعة للجماعة».
مروان دماج، أمين عام نقابة الصحافيين اليمنيين، حمل في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» جماعة الحوثي مسؤولية ما يتعرض له الصحافيون اليمنيون، مطالبًا بسرعة الإفراج عن المعتقلين لديها والكف عن انتهاك حريات التعبير والرأي، محذرًا من «استمرار النهج الميليشياوي تجاه المؤسسات الإعلامية الذي سيؤدي إلى انهيار كامل للمؤسسات الإعلامية ومكتسبات حرية الرأي والتعبير في اليمن».
ويتعرض الصحافيون والكتاب اليمنيون في مختلف المدن والمحافظات لجملة من الانتهاكات والاعتداءات في ظل انفلات الوضع، وانهيار مؤسسات الدولة وسيطرة ميليشيا الحوثي على السلطة. وتنوعت الانتهاكات من اعتقالات تعسفية خارج القانون، واعتداء بالضرب، والخطف، والتهديد بالقتل، بالإضافة إلى اقتحام المنازل، ونهب واقتحام العديد من وسائل الإعلام والصحف اليومية، وليس انتهاء بحجب العشرات من المواقع المستقلة والخاصة بالتزامن مع بدء عمليات «عاصفة الحزم».
ولا يزال مسلحو الجماعة يحتلون مقار العديد من المؤسسات الإعلامية ويرفضون إخلاءها، ومن جملتها قناة «سهيل» الفضائية و«يمن شباب»، إضافة إلى صحيفة «المصدر» اليومية التي تم إيقافها واحتلال مقرها، علاوة على صحيفة «أخبار اليوم» اليومية التي تم إغلاق مقارها في صنعاء ونهب مطابعها وممتلكاتها من قبل الحوثيين.
وتعليقا على ذلك، قالت منظمة مواطنة لحقوق الإنسان، وهي منظمة حقوقية مستقلة مقرها صنعاء في موقعها على شبكة الإنترنت، إن «احتلال مقر قناة (سهيل) بصنعاء وإيقاف بثها، وغيرها من وسائل الإعلام، من قبل جماعة الحوثي انتهاك سافر لحرية التعبير». من جهتها، أدانت نقابة الصحافيين اليمنيين «انتهاك جماعة الحوثي للحريات الصحافية»، معربة عن قلقها من «استمرار الميليشيا الحوثية في انتهاك الحريات الصحافية وقمعها ومطاردة الأصوات المعارضة، وارتكابها جريمة تدمير ممنهج للمؤسسات الإعلامية الرسمية». ودعت النقابة الاتحاد الدولي للصحافيين إلى «بذل مزيد من الجهد مع النقابة للضغط من أجل الدفاع عن الحريات الصحافية التي تشهد أسوأ مرحلة في تاريخها من الانتهاكات وارتكاب جرائم فظيعة بحق الصحافيين والإعلاميين اليمنيين».
وقالت نقابة الصحافيين في بيان سابق إن «الصحافة اليمنية شهدت منذ سقوط العاصمة صنعاء في أيدي الجماعة أكبر وقائع الانتهاكات والاعتداءات ضد الصحافيين ووسائل الإعلام بمتوالية تكشف عن التوجه العدائي الذي حملته هذه الجماعة ضد منابر إعلامية مختلفة أو ناقدة لها». وأضافت «الحريات الصحافية تواجه أكبر تهديد لها منذ إقرار التعددية السياسية بعد إعلان الوحدة اليمنية في عام 1990».
إلى ذلك، وفي السياق ذاته، قالت مؤسسة «حرية للحقوق والحريات والتطوير الإعلامي» إنها رصدت «359 حالة انتهاك تعرض لها صحافيون وإعلاميون ووسائل إعلامية مختلفة في اليمن» في فترة وجيزة لم تتعد أربعة أشهر فقط.
وقالت المؤسسة، في تقريرها السنوي الصادر مؤخرًا، إن «مؤشر الخطر على حرية الإعلام تصاعد أكثر خلال النصف الثاني من 2014 إثر الأحداث التي وقعت في العاصمة صنعاء وفي مناطق أخرى في اليمن»، في إشارة إلى اجتياح جماعة الحوثي للعاصمة صنعاء في 21 سبتمبر (أيلول) 2014.
وقد توزعت الانتهاكات ضد الصحافيين إلى جانب حالتي قتل «ما بين 13 حالة شروع في القتل، و29 حالة اعتقال واحتجاز، و58 حالة اعتداء جسدي، و12 حالة إخفاء قسري واختطاف، و4 حالات محاكمات جائرة، و25 حالة إيقاف وفصل تعسفي، و42 حالة نهب وإتلاف ممتلكات، و44 حالة سب وتحريض، و50 حالة منع ومصادرة أدوات، بالإضافة إلى 80 حالة تهديد»، الأمر الذي يكشف إلى أي درجة يعمل الصحافي اليمني في وضع حرج وغير آمن البتة وأشبه بحقل ألغام.
وكانت جماعة الحوثيين قد هددت، قبل نحو شهر، في بيان صادر عما يسمى اللجنة الثورية العليا «بمزيد من الإجراءات الحازمة» تجاه ما سمتها «أبواق الفتنة وإعلام الحروب»، متهمة بعض من وسائل الإعلام «بأنها ناطقة باسم قوى الفساد والمجرمين وتجار الحروب وعصابات التكفير والعناصر الاستخبارية القاعدية»، وهو البيان الذي وصفه العديد من المراقبين والحقوقيين بأنه بمثابة إعلان حرب ضد الصحافة اليمنية الحريات الشخصية والعامة.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.