حصاد 2021 للسينما العالمية

تيارات وأرقام ومهرجانات مخيِّبة للأمل

«ذا كارد كاونتر» لبول شرادر
«ذا كارد كاونتر» لبول شرادر
TT

حصاد 2021 للسينما العالمية

«ذا كارد كاونتر» لبول شرادر
«ذا كارد كاونتر» لبول شرادر

على عكس ما سجّلته السينما العربية في هذا العام الآيل لتوديعنا من مواقف واتجاهات وأفلام، كما أوردنا هنا في الأسبوع الماضي، تتمتّع السينما العالمية بذلك القدر الكبير من السعة والشمولية بحيث يمكن نشر صفحات عنها إذا ما شاء الناقد التوسع في كل ناحية من نواحيها.
السينما العالمية انتعشت بنسبة 40% عمّا كان الحال عليه تجارياً في العام الماضي، 2020، لكنّ هذا لا يعني أنها تقدّمت كثيراً على صعيد استعادة جماهيريّتها من أنياب الداء المنتشر واستغلال المنصّات المنزلية لحاجة ورغبة الكثير منّا البقاء في المنازل.
حسب إحصاءات مؤكدة، فإن صناعة السينما الأميركية على وجه التحديد (وهي الأكبر والأنجح عالمياً) شهدت الوضع التالي:
> في عام 2019 سجلت 11 ملياراً و320 مليوناً من الإيرادات.
> في عام 2020 اكتفت بمليارين و90 مليون دولار.
• حتى منتصف هذه السنة، 2021، تنبأ المعنيون بأن الخسارة الإجمالية للسينما حول العالم ما بين 2021 و2025 ستبلغ 160 مليار دولار.
> هذه الخسارة المتوقعة ستشمل صالات السينما التي ستخسر قرابة 8 مليارات دولار كل سنة.
طبعاً سيتغيّر كل شيء للأفضل لو صدق المسؤولون حين أعلنوا (ولو على نحو متضارب) أن أيام «كورونا» و«كوفيد» ومتحوراتهما ستصل إلى نهايتها مع نهاية العام المقبل.

التمثيل بالكمامة

سينمات العالم ما زالت أقل رغبة في تقديم مواضيع حول الوباء الكبير. عدد محدود من الأعمال السينمائية هذا العام دار حوله والكثير منه تسجيلي (أفضلها مما شاهده هذا الناقد فيلم صيني بعنوان «76 يوماً» حققه وايكسي تشن والصيني- الأميركي هاو وو، والذي تناول الأيام الأولى من انتشار الوباء). سبب وجيه لذلك يعود إلى أن التمثيل تحت الأقنعة لا يمكن تحمّله لا حين التصوير ولا حين المشاهدة. كيف ستقرأ انفعال الممثل إذا ما كان نصف وجهه غير مرئي بكامله؟ كذلك لا يمكن الآن تناول الموضوع إلا على نحو محدد. مثل المواضيع التي تدور حول الحروب الكبيرة منها والصغيرة ومثل تلك التي تتحدث عن أوضاع اجتماعية عامّة مطروحة اليوم (كالهجرة غير الشرعية، أو الشرعية منها) يحتاج موضوع «كورونا» إلى سيناريوهات مكتوبة باتجاه نقدي أو -على الأقل- بموقف يعكس إلماماً ويحتوي اتجاهاً ذا رأي محدد.
في مطلع العام شاهدنا «حظ سيئ في ممارسة الحب Bad Luck Banging or Loony Porn» للمخرج الروماني رادو يود الذي عرضه مهرجان برلين وخرج منه بجائزة الدب الذهبي (الأولى). فيه نرى بطلة الفيلم وهي تسير في شوارع بوخارست وقد غطّت وجهها بالكمامة معظم الأحيان. كذلك من تمر بهم من رجال ونساء. نعم هو واقع، لكن ما يجعله مقبولاً في هذا النطاق هو أسلوب المخرج القائم على اللا- حكاية (أو «الحكاية المحدودة») ضمن أسلوبه السردي الممطوط.
مهرجان برلين الذي توجّه للعروض الافتراضية مطلع 2021 ما زال أحد أهم خمسة مهرجانات دولية إلى جانب «كان» و«فنيسيا» و«صندانس» و«تورونتو». كل من «صندانس» و«تورونتو» عانى مما فرضه الوباء حول العالم. لكن «كان» و«فنيسيا» أقدما على إقامة دورتيهما حتى آخر نقطة في قاموس التحدي.
«كان»، الذي انتقل مرحلياً إلى منتصف السنة عوض ربيعها، أهدى جائزته الأولى إلى فيلم عنيف بعنوان «Titane» للفرنسية جوليا دوكورناو. أما المهرجان الإيطالي فمنح جائزته الأولى لفيلم «يحدث Happening» للفرنسية الأخرى أودري ديوان.
عندي، أخفقت المهرجانات الثلاث، عبر لجان تحكيمها، إطلاق سهامها صوب الأهداف الصحيحة. مقابل «يحدث» كان هناك «ذَا كارد كاونتر» لبول شرادر الذي هو أعمق وأهم من معظم ما عرضه المهرجان الإيطالي. عوض «تيتان» الذي خطف السعفة في «كان»، فقدت لجنة التحكيم قدرتها على التحكيم بإغفالها فيلم شون بن «يوم العَلَم». أما عروض برلين فقد شملت أقل عدد مميّز من الأعمال، اثنان منها كانا جديرين بالجائزة الأولى لو أن التحكيم استبعد أفلام الدهشة والصدمة كحال «حظ سيئ في ممارسة الحب»، هما: «عجلة الحظ والفانتازيا» للياباني ريوسوكي هاماغوتشي، و«دفاتر مايا» للثنائي اللبناني جوانا حاجي توما وخليل جريج.
«دفاتر»، برلين، يشترك مع «أوروبا» لحيدر رشيد (الذي عُرض في «كان» ضمن تظاهرة «نصف شهر المخرجين») في أنهما عن الهجرة. الأول حين يزور الماضي لبنانية وابنتها المهاجرتين إلى كندا، والثاني عبر حكاية شاب يسعى للبقاء حيّاً وقد دخل بلغاريا آتياً من تركيا خلسة.
موضوع الهجرة -مشروعة أو غير مشروعة- تم طرحه على نحو أفضل في «Limbo» للبريطاني بن شاروك، عبر حكاية شاب سوري يهوى عزف العود الذي جلبه معه حين لجأ إلى بريطانيا. الآن هو في منزل يحوي طالبي لجوء آخرين ينتظر أوراقه.
هناك شعور إنساني عميق لهذا الفيلم البسيط كذلك الحال بالنسبة للفيلم الصربي «بقدر ما أستطيع السير As Far as I Can Walk» لستيفن أرسنييفيتش. هذا ينتقل باهتمامه إلى مخيّم صربي للاجئين حيث يحاول الأفريقي (إبراهيم كوما) التأقلم مع زوجته (نانسي منسه- أوفاي) في الوضع الجديد. هذا إلى أن تهرب الزوجة مع لاجئ سوري (مكسيم خليل) ما يُطيح بمستقبله ذاك.
في كل الأحوال، فإن المهرجانات عموماً ما زالت المعين الأفضل للتعرّف على السينمات المختلفة والبديلة والمخرجين ذوي البصمات الخاصة. هؤلاء (مثل جين كامبيون وبدرو ألمودوفار وباولو سورنتينو وشون بن) ما زالوا المعيار الصحيح لقياس حركة سينما المؤلف واتجاهاتها. والفضل في ذلك للمهرجانات، كون الأسواق التجارية محدودة الأثر والتأثير.

جمهور ونقاد وأرقام

أميركياً، حاولت السينما استعادة مكانتها بين المشاهدين. لم يكن هذا هيّناً على الإطلاق في النصف الأول من السنة، لكن الأمور تحسّنت تدريجياً من مطلع فصل الصيف عندما سجّل «Jungle Cruise» لخوام كوليت – سيرا، نحو 117 مليون دولار.
باعتماد الأفلام العشرة الأولى التي شهدت أعلى نجاح تجاري نجد اليوم أن «سبايدر- مان: نو واي هوم» يتبوأ القمّة بعدما غزا 4336 صالة أميركية وكندية وسجل فيها حتى الآن 297 مليون دولار (من دون حساب الإيرادات العالمية).
في المركز الثاني «شانغ- تشي وأسطورة الخواتم العشر» (225 مليون دولار) وهو أكشن آخر بدوره، ثم فيلم الرعب «فينوم: ليكن هناك غضب» (212 مليوناً)، وفي الرابع عودة لسينما الكوميكس في «بلاك ويدو» (184 مليوناً).
ليس من بين كل هذه الأفلام ما يُثير إعجاب النقاد وهذا ليس غريباً، كذلك ليس من بين الخمسة التالية ما هو مميّز فنياً باستثناء «مكان هادئ 2» الكامن في المركز الثامن (160 مليوناً و72 ألف دولار) هذا بعد فيلم جيمس بوند الجديد «لا وقت للموت» (160 مليوناً و772 ألف دولار).
بطبيعة الحال، كان النقاد على الطرف الآخر بعيداً عن «شبابيك» المصارف وآلات إحصاء النقود. هذا الفريق الذي يواكب السينما وأفلامها أكثر من أي جمهور آخر (وفي كثير من الأحيان أكثر من معظم السينمائيين كذلك) خرج بقائمة مختلفة تماماً. حسب إحصاء قام به موقع «ميتاكريتيك» شمل نقاد الصحف وأهم المواقع الأميركية والبريطانية جاء الفيلم الأسترالي- الأميركي «قوّة الكلب» لجين كامبيون في المركز الأول بـ144 صوتاً، و«سُقْ سيارتي» للياباني ريوسوكي هاماغوتشي في المركز الثاني بـ123 صوتاً.
تشمل الأفلام الثمانية التالية الفيلم الأميركي «بيتزا بعرق السوس» لبول توماس أندرسن (المرتبة 3)، و«ديون» لدنيس فلنييف (5)، والفيلم التسجيلي «Summer Soul» (7)، «وست سايد ستوري» لستيفن سبيلبرغ الذي لم يلقَ نجاحاً بين الجمهور السائد فحط في المركز السادس لدى النقاد.

وحدة أسلوب

على نحو متوقع، شهدت السينما الأميركية الحجم ذاته من الأفلام المقتبسة عن شخصيات الكوميكس ولو بنجاحات متفاوتة تبعاً لما كانت عليه حال الوباء في الفترة التي تم فيها عرض كل فيلم. من بين هذه «Ant‪- ‬Man and the Wasp quantunmaia» لبيتون ريد، و«Aquaman and the Lost Kingdom» لجيمس وان، و«Black Widow» لكيت شورتلاند، ثم «Eternals» لكليو زاو، و«Shang‪- ‬Chi and the Legend of the Ten Rings» لدستن دانال كريتن، وحالياً «Spider Man‪:‬ No Way Home» لجون واتس.
ما يُثير في هذا الشأن ليس النجاح الكبير الذي تحظى به هذه الأعمال (أو هل نقول النجاح الكبير الذي ما زالت تحظى به؟) بل إنها، كمثيلاتها في الأعوام الماضية، تحتوي على أسلوب عمل واحدة ورؤية فنية وإنتاجية مشتركة بحيث لا يمكن التفريق بين فيلم لجيمس وان أو لبيتون ريد أو أي آخر إلا حين قراءة اسم أحدهم. الطابع المنفرد تم محوه لا بالنسبة لهذه الأفلام فقط، بل لما يتم إنتاجه حول العالم من أفلام تلبّي حاجة الجمهور السائد.
هذا بالطبع على عكس سنوات الأمس عندما كان المشاهد يستطيع التفرقة بين فيلم من إخراج سيدني بولاك وآخر من إخراج ستانلي كوبريك، من مطلع الفيلم. هيتشكوك وكوبولا وسكورسيزي وهال أشبي وآخرون من أساتذة العمل السينمائي لم يحققوا ما أنجزوه من مكانة إلا لأن لكل واحد فنّه الخاص ورؤيته التي لا يشاركه بها أحد آخر.


مقالات ذات صلة

إليزابيث راسموسن: نشأتي قرب الدائرة القطبية جعلت السماء جزءاً من هويتي

يوميات الشرق عرض الفيلم في النسخة الماضية من «مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية» (الشركة المنتجة)

إليزابيث راسموسن: نشأتي قرب الدائرة القطبية جعلت السماء جزءاً من هويتي

قالت المخرجة النرويجية، إليزابيث راسموسن، إن الشرارة الأولى للفيلم الوثائقي «نحن غبار النجوم» جاءت من قصة بدت لها في البداية أقرب إلى الحكايات الخيالية.

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما «أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية»

محمد رُضا (لندن)
سينما «ذباب» (مهرجان برلين)

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق أحمد السعدني ومايان السيد في مشهد من فيلم افتتاح المهرجان (الشركة المنتجة)

«هوليوود للفيلم العربي» لإطلاق دورته الخامسة بإضافات جديدة

يستعد مهرجان «هوليوود للفيلم العربي» لإطلاق دورته الخامسة المقررة خلال الفترة من 17 إلى 20 أبريل الجاري في مدينة لوس أنجليس الأميركية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق خالد الحربي وخالد يسلم في مشهد من الفيلم (الشرق الأوسط)

«هجير»... بيتهوفن سعودي من جدة القديمة

«هجير» يسرد رحلة داخلية تعيد تعريف حاسة السمع، لا بوصفها قدرة حسية فحسب، بل كوسيلة لصياغة الموسيقى والإبداع.

إيمان الخطاف (الدمام)

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).


شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)

FLIES

★★★1‪/‬2

إخراج: فرناندو أيمبك | المكسيك (2026)

دراما عن امرأة جميلة الصورة ومحدودة التأثير

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال. تستيقظ، في مطلع هذا الفيلم الذي عُرض عالمياً للمرة الأولى في مهرجان «برلين» الأخير، على طنين ذبابة. تفتح النافذة لتخرجها ثم تغلقها، لكن ذبابة أخرى تظهر في الغرفة. ترشها بالمبيد، فيتسبب لها بالسعال، فتعود إلى فتح النافذة طلباً للهواء.

يمكن قراءة هذه البداية بوصفها استعارة مجازية لحياة امرأة اعتادت أن تعزل نفسها عن العالم، تغلق عينيها وأذنيها عمَّا حولها. ومع اختيار المخرج التصوير بالأبيض والأسود، يغدو هذا العالم أقل بهجة.

لاحقاً، تضطر أولغا إلى تأجير غرفة إضافية في منزلها لتغطية نفقات المعيشة. المستأجر رجل يُدعى توليو (أوغو راميريز)، ترقد زوجته في المستشفى، فتوافق على استضافته بشروط صارمة (ألا يستخدم المطبخ، وألا يطيل البقاء في الحمّام). غير أنه يُخفي وجود ابنه الصغير كريستيان (بستيان إسكوبار)، إلى أن تكتشفه أولغا. تمنحهما أسبوعاً للمغادرة، لكن هذا الأسبوع يكفي لبدء تحوّل داخلي في نظرتها إلى الحياة، بفعل حضور ذلك الصبي.

التحولات العاطفية لا تأتي مقنعة تماماً، لكنها تخدم غاية الفيلم في استكشاف المشاعر المكبوتة التي تبدأ أولغا في استعادتها تدريجياً. الحوار مبتسر، والإخراج يعتمد على قوة الصورة ودلالاتها، ضمن معالجة هادئة وفعالة لموضوع بسيط.

THE GARDEN WE DREAMT

★★★

إخراج: خواكين دل باسو

المكسيك (2026)

عائلة مهاجرة تبحث عن ذلك الحلم الجميل

لفيلمه الثالث «الحديقة التي حلمنا بها»، اختار المخرج دل باسو مدير التصوير التركي غوخان تيرياكي لمنح فيلمه الجمال المستوحى من طبيعة المكان. ترياكي هو مدير التصوير الذي عمل أكثر من مرة مع مواطنه المخرج نوري بيلج جيلان، وإذا كان لا بد من المقارنة بين رسم الكاميرا لأماكن التصوير التركية وبين تلك التي تتبدى في هذا الفيلم، فإنه لزاماً الإشارة إلى أن البون شاسع، رغم أن القيمة الفنية لشغل مدير التصوير بديعة كالعادة. لكن المختلف بتميُّز مثير هو أن تصوير الغابات الداكنة والرغبة في متابعة الشخصيات من كثب (عوض تلك المشاهد البعيدة والمتوسطة في أفلام بيلج) مثيران للاهتمام والتقدير.

«الحديقة التي حلمنا بها» (مهرجان برلين)

يبدأ الفيلم بمشهد عند الفجر: غابة شاسعة ما زالت في الظلام، وأصوات الطيور تنتشر فوقها، قبل أن يعلو صوت شاحنتين تتقدمان صوب الكاميرا، مهاجمتين وداعة الغابة وجمالها وحتى وحشتها.

تتمحور الحكاية حول عائلة من 3 أفراد كانت قد نزحت من تاهيتي إلى المكسيك بحثاً عن حياة أفضل. المكان الذي وجد فيه رب العائلة عملاً، والكوخ الذي يأويهم، يؤكدان للعائلة صعوبة العيش في المحيط الاجتماعي الجديد لها، ليس فقط في ذلك الكوخ، بل أيضاً من حيث العيش مع عمال مكسيكيين يعانون من مشاق الحياة بدورهم. كون العائلة غريبة يفرض عليها عزلة أكبر.

إنه فيلم جيد آخر عن الهجرة، جديدةٌ تلك الغابة التي تعكس عالماً ضخماً وغامضاً، عصيّاً على الاستيطان.

FOREST UP IN THE MOUNTAIN

★★★

إخراج: صوفيا بوردناييڤ

الأرجنتين (2026)

تسجيلي عن العنف في الزمن الغابر واليوم

صوفيا بوردناييڤ ربما هي أول محامية تمارس مهنة الإخراج. أرجنتينية حققت فيلمها الأول سنة 2021، وذلك بعد نحو 30 عاماً من الاهتمام بحقوق الإنسان في مجال عملها الأول. ليست هناك طريقة متاحة لمشاهدة ذلك الفيلم، لكن فيلمها الجديد يبدو نابعاً من تلك الاهتمامات الإنسانية، وعرضه في مهرجان «برلين» هو خطوتها الأولى صوب حضور دولي كبير.

«غابة في أعلى الجبل» (ماليزا برودكشن).‬

يجمع الفيلم بين زمانين: حاضر قريب، وأمس بعيد، لكن ما يوحِّد بينهما هو العنف الممارس على البيئة الطبيعية المحيطة بقرية ڤيللا ماسكاردي، التي تنتمي إلى مقاطعة «ريو نيغرو» («النهر الأسود»)، والتي عاشت في جبالها وربوعها قبيلة مابوتشي. ينطلق الفيلم من حادثة ذهب ضحيتها شاب من القبيلة عندما فتح البوليس النار عليه. تهتم المخرجة بالقضية، لكنها تحفر في الزمن لتعرض أن هذه القبيلة كانت دوماً عرضة لأطماع الوافدين البيض. تمضي بعيداً صوب القرن الـ19 لتسرد أحداثاً أخرى مماثلة وتاريخاً مليئاً بالعنف والأطماع.

بوصلة اهتمام المخرجة موجهة صوب نبش الحقائق التي دائماً ما تمحورت حول ارتكاب البيض جرائم قتل للمواطنين. ليس لديها فيلم تستعين به لتناول مقتل الشاب رفائيل في العام 2017، لكنها تنتج فيلماً ناقداً للموضوع، استنتجت حيثياته من المحكمة التي نظرت في تلك القضية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً