شاشة الناقد

شاشة الناقد

الجمعة - 20 جمادى الأولى 1443 هـ - 24 ديسمبر 2021 مـ رقم العدد [ 15732]
ديلان بن بين مروج الربيع في «يوم العَلَم»

Flag Day - يوم العَلَم
شون بن - Sean Penn
الولايات المتحدة (2021)
ألوان: 109 د
دراما اجتماعية - برميير: Cannes
****
2 طلعت حرب ***
> إخراج: شون بن
> الولايات المتحدة
دراما اجتماعية - 2021
هناك مشهد للممثلة ديلان بن وسط حقل بُنِي بفستان أبيض يكشف جمالها. ينقلك المشهد مباشرةً إلى بطلات ترنس مالك في الوضع نفسه في أفلام مثل «Days of Heaven» و«The Tree of Life». هذا بدوره يجعلك -إذا ما شاهدت أفلام مالك- تنتبه إلى أن شون بن (الذي ظهر في فيلم «The Tree of Life») يستوحي قليلاً من المخرج المذكور دون التنازل عن أسلوبه الخاص ورؤيته المختلفة.
شون بن هو المخرج والممثل، وابنته ديلان هي بطلة الفيلم، والحكاية عن علاقة وجدانية، في المقام الأول، بين أب وابنته. في الوقت الذي يتعامل فيه شون مع ابنته كممثلة ويقدّمها في أفضل ما قد يُتاح لها من أدوار في المستقبل المنظور، هناك التعامل المشيّد داخل الفيلم كدراما عائلية حول أب ما زال يعيش فوضى أحلامه وابنته التي تحاول تصديق ادعاءاته مرّة تلو المرّة حتى إذا ما توقفت انهار كل شيء حولها.
تبدأ الحكاية (المقتبسة من أحداث حقيقية وضعتها جنيفر فوغل في كتاب سيرتها الخاصّة) بمشهد موجز يقع سنة 1992، سيناريو جز بتروورث وجون- هنري بتروورث، ومنه يعود إلى العام 1975 ليبدأ من جديد ثم ينتقل إلى صيف 1981 ثم إلى ربيع 1981. ينتقل إلى خريف 1985 ثم يصل إلى حيث بدأ سنة 1992. الانتقال سلس وغير متسارع يسرد حكاية الزوج جون فوغل (شون بن) المتزوّج من باتي (كاثرين وينيك) ولديه منها ولدان صغيران. بوادر المتاعب تنبع من تلك الفترة. جون رجل غير واقعي بمشكلات واقعية. غير صادق حين يتحدّث عن نفسه وأعماله لكنه يحب عائلته. حين يقع الطلاق، وقد باتت ابنته جنيفر شابّة، تؤمّ زوجته الشرب لكي تنسى وسريعاً ما تدمن عليه. ترتكب بدورها أخطاء قاتلة (تحرق البيت في ساعة يأس) ويتجه ولداها للحياة مع أبيهما السعيد بهما.
جنيفر وشقيقها نِك (هوبر بن، ابن شون) ينتقلان حيناً لبيت الأم وحيناً لبيت الأب. العائلة متصدّعة وجون يرفض الاعتراف بهزيمته في عالم لا يكترث لأمثاله. هو رجل يسعى لتكوين أي ثروة بأي طريقة ويفشل دوماً. ديونه تزداد وفي يوم يائس يسرق مصرفاً ويُلقى القبض عليه وسجنه. ابنته في هذا الوقت كانت قد غرفت، كذلك، من ضياع الاتجاهات وانتقلت من مشكلة إلى أخرى كما هو متوقع من فتاة خسرت العائلة والبيت والألفة المفترضة. حين تعود، في عام 1985، إلى رشدها وتكتب مقالات صحافية تُرضي رئيس تحرير إحدى الصحف تكون قد بدأت خطواتها الأولى صوب حياة جديدة. الوحيد الذي ما زال غير قادر على فهم نفسه وما يدور حولها من إحباطات والوحيد الذي يداوم الكذب على ابنته لتلميع صورته هو والدها السجين ثم بعد أن يُطلق سراحه.
في آخر مشادّة بينهما يحاول مجدداً استرضاءها. يدّعي أنه اشترى لها سيارة جاكوار (وربما فعل) وحين ترفض هذه الهدية يدّعي اتصاله بالبائع لإلغاء الصفقة، لكن جنيفر تكتشف أن والدها يتحدث مع نفسه بصوت عالٍ. ها هو خط الهاتف في يدها مقتلعاً من مكانه وهو لا يزال يمْثل أمامها.
هناك قطيعة قادمة وجنيفر لم تعد تستحمل أباً لا يعرف كيف يتحمّل المسؤولية. يحاول لبعض الوقت ويفشل. ها هو الآن ينطلق بسيارته ووراءه سيارات البوليس وطائرة مروحية تحوم فوقه. تنقلب السيارة به. يخرج باكياً ومدمياً و...
يجسّد شون بن دوره بطلاقة. كسينمائي هو خارج البوتقة المعتادة من النجوم. هو فنان يرمي لتحقيق أفلام جيّدة يخرجها بنفسه في إطار مستقل الهوية. يحتل، حين يمثّل للغير، حضوراً حيّاً صارماً. وحين يخرج أفلاماً يختار منها ما هو داكن اللكنة وجيد الإدانة لعالم لا تفاهم له معه. فيلم وراء آخر عكس فيه نظرته لمحيط الحياة من دون أن يرفع راية سياسية مباشرة، اللهم إلا في «سبتمبر 11»، الفيلم الذي شارك في تحقيقه أحد عشر مخرجاً خرج عن المألوف بالنسبة إلى الحكايات والمواضيع التي تطرّق إليها المخرجون العشرة الآخرون. أميركا ميّتة وعندما ينهار المبنى بفعل العملية الإرهابية تسطع الشمس كما لو أن الحقيقة كانت متوارية.
من «الراكض الهندي»، فيلمه الأول مخرجاً الذي تناول فيه وضعاً عائلياً معقداً كذلك (1991)، إلى «يوم العَلَم» (2021)، مروراً بـ«حارس المعبر» (1995)، و«العهد» (2001)، و«داخل البرية» (2007)، اهتمّ بتلك الشخصيات الخاسرة التي تعني خيراً لنفسها ولسواها لكنها تخفق في تطبيق ذلك. فقط فيلمه ما قبل الأخير «الوجه الأخير» (2016) حمل موضوعاً مختلفاً.
في «يوم العمل» يوفّر بن شخصية قابلة للتصديق. يعرفها تماماً ويؤديها كما يجب أن تكون. شخص يؤمن بأن ما يفعله هو الصحيح والمناسب وحين تأتي النتائج على غير ما يريد لا يمكن له أن يعترف بأنه أخطأ. يرسم بن المخرج صورة بطله جون بملامح سهلة التعرّف (التصرّفات الصغيرة، والحوار الذي يحوم بعيداً عن الواقع، والشعر ذي الصبغة، واللحية القصيرة التي لا يمكن لأحد أن يُعجب بها سواه).
يكفي أنه يعتقد أن «عيد العَلَم» مخصص له كونه وُلد في اليوم ذاته.
‫جون فوغل، للغرابة، لديه ذوق في الموسيقى الكلاسيكية (شوبان على الأخص). النار تشبّ في مطبخه وهو يروّح عن هلع الحضور بالموسيقى التي يحب. يتعجب من أن ولديه الصغيرين في السبعينات يهويان أغاني بوب سيغر وكات باور وفرقة «أميركا». يستخدمها بن - المخرج في أماكنها الدالّة، رابطاً بين معانيها الاجتماعية ومعاني الفترة الماثلة. وحتى الموسيقى التعبيرية التي وضعها جوزيف فيتاريللي تقع في المكان الصحيح، للوقت الصحيح وبالمعاني الصحيحة.‬
بن يمثّل دوره بالإجادة ذاتها الذي يُخرج فيه نفسه والآخرين. الفيلم لا يعرف التطويل، وعلى عكس بعض نقاد الصحف البريطانية والأميركية، ليس هناك من «سوب أوبرا» على الإطلاق. كلّما بدا أن «يوم العَلَم» سيلجأ لترطيب الجو وإعادة اللُّحمة المفقودة بين أفراد العائلة يوفّر الفيلم، نقلاً عن تلك المذكّرات، فصلاً جديداً حول العائلة الأميركية الفاشلة ودور جون فوغل في ذلك. ابنته تمثّل دورها أيضاً بإجادة رائعة. كلاهما فهم، قبل التصوير، ما يحتاج إليه لجعل محور الفيلم هو تلك العلاقة الصعبة بين الأب وابنته داخل الفيلم.
يمارس شون بن في إطار ذلك بعض المشاهد التي تخرج من السرد القصصي وحده لتوحي بمعاني منطلقة من تلك البيئة الصعبة. هنا، في مشاهد من كاميرا ذات زاوية ملتوية أو منحنية ومن سباحة في أفق بعيد، ذلك التذكير بسينما ترنس مالك لكنها مشاهد تم تطويعها ضمن خط سيره الخاص. وفي الوقت الذي يتبدّى فيه الفيلم كحكاية عائلية تعيش على هامش الحلم الأميركي المفقود، تحافظ على مواقعها الإنسانية العميقة بحيث لا يعني الكثير إذا ما أساء جون التصرّف في حياته أم لا. إذا لم يجد الواعز ليردع الخطأ ولا السلاح ليدافع عن نفسه حيال أوهامه وزيف واقعه. يبقى إنساناً تحبّه على الرغم من أخطائه تماماً كما تفعل ابنته في الفيلم محاولةً إيجاد مبررات وأعذاراً له حتى اللقطة الأخيرة.


سينما

اختيارات المحرر

فيديو