جدل علمي حول الحاجة إلى جرعات معززة من لقاحات «كورونا»

تباين في الآراء وقلة في البيانات

مركز تلقيح في سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك (إ.ب.أ)
مركز تلقيح في سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك (إ.ب.أ)
TT

جدل علمي حول الحاجة إلى جرعات معززة من لقاحات «كورونا»

مركز تلقيح في سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك (إ.ب.أ)
مركز تلقيح في سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك (إ.ب.أ)

مع ظهور متحور «أوميكرون» والحديث المتفائل من الشركات المصنعة حول الحاجة إلى المزيد من جرعات اللقاح لمواجهته، أصبح السؤال الذي يشغل بال الكثيرين حاليا هو هل ستكون الجرعات «المعززة» عنصرا أساسياً دائماً في مستقبلنا في ظل وضع ينبئ بمتحورات لا تنتهي من الفيروس؟ الحقيقة البسيطة هي أنه «في هذه المرحلة، لا توجد إجابة محددة»؛ لكن علماء الفيروسات والمناعة واللقاحات الذين سألهم الموقع الأميركي الشهير المعني بشؤون الصحة «ذا ستيت» هذا السؤال، في تقرير تم نشره 15 ديسمبر (كانون الأول) الجاري، لديهم آراء متباينة ترتكز على فهم كيفية عمل الجهاز المناعي وتحليل البيانات الناشئة حول كيفية تفاعل المناعة مع الجرعات التي أعطيت من لقاحات «كوفيد - 19».
ويقول البعض إنهم يعتقدون أن «ثلاث جرعات من اللقاح قد تحمي العديد من الأشخاص لبعض الوقت من أسوأ الأضرار المحتملة لكوفيد - 19». فيما اعتقد كثيرون أن «فائدة الجرعة الثالثة، التي تعطى بعد فترة ستة أشهر، ستشجع الاستجابات المناعية». ومن المثير للاهتمام، أن عدداً منهم قالوا إنهم «يعتقدون أنه حتى لو انتهى بنا الأمر إلى المزيد من المعززات، فإن لقاحات الرنا مرسال (لقاحا فايزر وموديرنا)، التي كانت حجر الزاوية حتى الآن في جهود مكافحة الوباء في بعض الدول، قد لا تكون اللقاحات التي نستخدمها من أجل ذلك الهدف، وقد تكون هناك حاجة للقاحات تسبب آثارا جانبية أقل إذا أرادت سلطات الصحة العامة إقناع الناس بالحصول على معززات منتظمة أو حتى متفرقة».
الجرعتان الأوليان
علي اليبيدي، أستاذ مشارك في علم الأمراض والمناعة في كلية الطب بجامعة واشنطن، الذي يدرس ما يحدث في الغدد الليمفاوية ونخاع العظام للأشخاص الذين تم تطعيمهم ضد «كوفيد - 19»، قال «لقد اندهشت من المدة التي تؤثر فيها الجرعتان الأوليان من لقاحات الرنا المرسال على جهاز المناعة، فبعد نصف عام من الجرعة الثانية، لا تزال الاستجابة في مرحلة النضج، وهو أمر لم يكن متوقعا». ويضيف «هناك رد فعل مستمر في الغدد الليمفاوية لدينا يستمر لمدة ستة أشهر، وهذا التفاعل، الذي نظهره، هو في الواقع يعزز فعالية الأجسام المضادة، حتى قبل الجرعة الثالثة». ويشير إلى أن نضج الاستجابة المناعية، التي يمكن تسريعها بجرعة ثالثة، بعد فترة أطول، يجلب فوائد كبيرة، حيث تتحسن جودة الأجسام المضادة التي نصنعها، ويصبحون أكثر قدرة على التعرف على هدفهم الفيروسي، حتى لو أجرى هذا الهدف تغييرات على مظهره، بالطريقة التي فعلت بها المتغيرات.
هذه القناعة بأهمية الجرعة الثالثة لم تكن لدى فلوريان كرامر، أستاذ التطعيم في كلية الطب بمستشفى ماونت سيناي في نيويورك، والذي تردد في الحصول على جرعة معززة، وأعتقد أنه يتمتع بحماية قوية من جرعتين من لقاح شركة فايزر تلقاهما في وقت سابق من هذا العام، وكان يعتقد أنه من الأفضل تخصيص جرعات للبلدان منخفضة الدخل التي لديها وصول محدود إلى اللقاح حتى الآن.
ولكن ظهور متغير «أوميكرون» عالي التحور أدى إلى تغيير تفكيره بشأن أهمية إعطاء جرعات معززة، ولكن كرامر غير متأكد من التأثير طويل المدى للجرعة الثالثة. ويقول «نرى أنك تحصل على الجرعة المعززة الخاصة بك وتحصل على ما يصل إلى مرتين إلى ثلاثة أضعاف مستوى الجسم المضاد الذي حصلت عليه بعد الجرعة الثانية، لكن السؤال هو: إلى متى تستمر؟». ويضيف: «أعتقد أنه حتى مع الجرعات المنشطة، قد تكون هناك إصابات خارقة في مرحلة ما، وأعتقد أن الهدف الحقيقي هو الحصول على قدر كبير من المناعة لدى السكان بحيث يكون الفيروس مزعجاً، ولكنه ليس مشكلة».
جودة الجرعة الثالثة
وعلى عكس الرأي السابق، لطالما اعتقد بارني جراهام النائب السابق لمدير مركز أبحاث اللقاحات التابع للمعاهد الوطنية للصحة، أن «جرعة ثالثة ستكون ضرورية لإكمال سلسلة اللقاحات». وقال إن «الأجسام المضادة التي تحدثها الجرعات الثالثة المتأخرة ستكون ذات جودة أعلى، مما يولد استجابة مناعية أوسع يمكن أن تتعرف بشكل أكثر موثوقية على الفيروسات المتحولة، مثل المتغيرات الجديدة»، موضحاً أنه «بمجرد أن تمنح الخلايا البائية المنتجة للأجسام المضادة فرصة لتنضج ثم تعززها لاحقاً، يميل هذا النوع من الاستجابة إلى جعل المناعة عبر كل هذه المتغيرات المختلفة أكثر تشابهاً».
ويعتقد جراهام أيضاً أنه بينما نمضي قدما، قد يتم تعزيز مناعتنا ضد الفيروس بشكل طبيعي من خلال التعرض العرضي للفيروس، وهو ما يسمى التعزيز غير الملائم، ومن المحتمل أن تنخفض الأجسام المضادة المحايدة بعد الجرعة الثالثة، كما حدث بعد الجرعة الثانية، لذلك قد نصاب بالفيروس من وقت لآخر، لكن الجوانب الأخرى للاستجابة المناعية ستعمل لمنع الفيروس من النزول إلى الرئتين، حيث يمكن أن يتسبب في أضرار جسيمة.
ويقول «لذلك أعتقد أن السؤال برمته حول متانة المناعة سيتعين تحديده بعد ثلاث سنوات من الآن، هل ما زال الناس يمرضون أم أنهم يتمتعون بحماية جيدة نسبياً من الأمراض الشديدة، بغض النظر عن مستوى الأجسام المضادة في مصل الدم، لأن هذا قد يتضاءل، ولكن لا يزال لديك الكثير من خلايا الذاكرة البائية التي يمكنها الاستجابة بسرعة». واتفق أنتوني فوسي، رئيس جراهام السابق، مع رأيه، رغم أنه لم يستبعد إمكانية جرعات معززة أخرى في المستقبل. ويقول فوسي مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية «ما أعتقد أنه يمكن أن يحدث في النهاية هو أنه من خلال جرعة أولى وثانية ثم جرعة ثالثة ومن يدري، ربما جرعة رابعة، يمكن الحصول على مستوى من الحماية من شأنه جعل العدوى بدون أعراض أو أعراض معتدلة».
تكرار الجرعة المعززة
من جانبها تتوقع ماريون بيبر من جامعة واشنطن، أن تمنح التعزيزات «نافذة مهمة من الحماية المعززة»، لكنها لا تعتقد أن هناك فائدة غير محدودة من التعزيز مراراً وتكراراً، باستخدام نفس سلالة اللقاح. وترى بيبر وفريقها البحثي أن «الأشخاص الذين أصيبوا بالعدوى وتم تطعيمهم ثم تم تعزيزهم لم يحصلوا على فائدة إضافية كبيرة من الجرعة الثالثة من نفس اللقاح». وتقول: «أعتقد أن هناك فكرة خاطئة مفادها أن جهاز المناعة يمكن رفعه باستمرار بشكل متكرر بحيث لا يمكنك العودة إلى نفس نقطة البداية، وفي بعض الناس، ربما إذا لم يكن لديهم استجابة مناعية أولية جيدة، فسوف تعزز أعداد خلاياهم، ولكن بالنسبة للغالبية العظمى، ينتهي بك الأمر إلى الوصول إلى نقطة محددة من الذاكرة لا تستمر في الزيادة في كل مرة تحصل فيها على نفس التعزيز».
وتقترح بيير التطعيم بلقاح يستند تركيبه على سلالة أخرى من الفيروس وتقول «شيء مثل نسخة أوميكرون، على سبيل المثال، فقد يجذب ذلك خلايا مناعية جديدة إلى المعركة ويوسع نطاق الحماية التي يوفرها اللقاح».



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

في خضم ما يحصل من حروب وأزمات، تتلبّد غيوم التخوّف من الأسوأ، خصوصاً أن لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.