الانتخابات السودانية.. صراع الشعبية المفقودة

الفوز بالمقعد الرئاسي أو البرلماني ليس مهمًا.. لكن المهم كان إقناع الناخبين بالتوجه الى صناديق الاقتراع

الانتخابات السودانية.. صراع الشعبية المفقودة
TT

الانتخابات السودانية.. صراع الشعبية المفقودة

الانتخابات السودانية.. صراع الشعبية المفقودة

لعلها الأغرب بين الانتخابات السودانية منذ الاستقلال، ولعلها في العالم كذلك، فالانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحلية التي بدأت في السودان الاثنين الماضي، ويتوقع أن تعلن نتائجها الأولية في السابع والعشرين من الشهر الحالي، تحمل صفة «انتخابات غريبة» بكل ما تعنيه المفردة من دلالات.
ومصدر الغرابة ـــ وربما الدهشة - أن الفائز بمنصب الرئيس ليس مهمًا، والفوز بمقعد برلماني أو محلي ليس مهمًا أيضًا، المهم في هذه المباراة بين الحزب الحاكم والأحزاب المعارضة له هو المنافسة على جلب الناخبين إلى صناديق الاقتراع، ونسبة المشاركة من جملة عدد الذين يحق لهم الاقتراع.

يحرص الحزب الحاكم على بذل جهوده كافة لجلب المقترعين، فيما تبذل أحزاب المعارضة مجتمعة جهدها لتحريضهم على المقاطعة، وكلا طرفي النقيض يحاول تحويلها إلى «استفتاء» على شعبية حكم الرئيس البشير، رغم يقين كلا الطرفين بأن نتائجها محسومة سلفا. تقاطعها المعارضة بكل أحزابها وتنظيماتها المدنية والمسلحة، ومنظمات مجتمع مدني، وترى فيها مجرد إهدار للمال والوقت، وتضييع لفرصة «تاريخية» أتيحت للسودانيين للاتفاق سلميا على «كيفية حكم السودان»، وبديلا عن المشاركة تتبنى «حملة ارحل»، التي تدعو إلى المقاطعة التي تعتبرها دفعة قوية للعمل المناوئ للنظام الحاكم باتجاه إسقاطه بثورة شعبية. فيما يعتبرها الحزب الحاكم «استحقاقا دستوريا» غير قابل للإرجاء، وينظر شذرا لمناوئيه وابتسامة «صفراء» تلوح في وجهوه مؤيديه، كأنها تقول «هذه لعبة قديمة العبوا غيرها»، بيد أنه ينظر بذات القدر إلى مراكز الاقتراع بحذر شديد خشية من العزوف الشعبي بين جمهور المقترعين. فالحزب الحاكم رغم أنه يضمن «النتيجة في جيبه»، وأن مرشحه أو مرشحيه فائزون مهما كانت نسبة المشاركة، فهو يخشى أن «يكسره نفسيا» الإحساس بضعف شعبيته وتراجعها، بما يؤذن بنهاية حكمه الذي امتد منذ يونيو (حزيران) 1989.
سجلت نسب الاقتراع في اليوم الأول ضعفا لافتا، وكذا يومه الثاني، ولم يقبل الناخبون على مراكز الاقتراع بالحجم الذي يرغبه الحزب الحاكم، أو حتى يقاربه، رغم العطلة التي منحتها حكومته بمناسبة الانتخابات، وحاول مسؤولون بارزون فيه الحشد، بل إن أجهزة الإعلام والصحف الموالية له أو المسيطر عليها أمنيا خرجت للناس لتطالبهم بتصديق عكس ما رأته عيونهم، وما لمسوه بأيديهم.
فرحت المعارضة بتلكؤ جمهور المقترعين في الطريق إلى مراكز الاقتراع في اليوم الأول، واعتبرته نجاحًا أوليًا لحملتها «ارحل»، بيد أن محللين محايدين يرجعون ضعف الإقبال إلى حالة «اليأس العميم» التي يعيشها السودانيون بسبب الضيق الذي يعانونه، والحروب المتطاولة، والظلم الذي يتعرضون له، والكبت الذي يواجهون، وكونهم في الوقت ذاته لا يرون ضوءًا في آخر نفق المعارضة.
ولا تكمن غرابة هذه الانتخابات فقط في كون نتيجتها محسومة سلفًا، وغير مهم فيها الفائز، بل في طريقتها، وفي القوى المشاركة والمقاطعة لها، وإقبال الناخبين عليها أيضًا.
وكان رئيس المفوضية القومية - وهي الجهة الفنية المنوط بها تنظيم الانتخابات وإجراؤها - مختار الأصم، قبل ثلاثة أيام من إعلان الصمت الانتخابي، قد ذكر في مؤتمر صحافي أن مفوضيته قررت تعطيل الانتخابات في 7 دوائر انتخابية في ولاية جنوب كردفان التي تشهد حربًا بين متمردي الجبهة الثورية والجيش الحكومي منذ 2011، لأسباب أمنية، على أن تجري فيها الانتخابات في وقت لاحق، بيد أنه قلل من الأمر بقوله: «هذا أقل عدد من الدوائر يتم تأجيل الانتخابات فيه منذ أول انتخابات أجريت في البلاد».
ويتنافس 16 مرشحًا رئاسيًا على منصب رئيس الجمهورية، و1072 مرشحًا على مقاعد البرلمان الوطني البالغة 425 مقعدًا، وأكثر من 7 آلاف مرشح على المجالس التشريعية للولايات البالغ عدد مقاعدها 2235 مقعدًا، ويبلغ عدد الناخبين المسجلين في السجل الدائم للانتخابات 13.3 مليون ناخب.
وتجري عملية الاقتراع وفق طريقة معقدة خاصة في مجتمع به نسبة عالية من الأمية، إذ يؤشر الناخب الواحد على سبع بطاقات انتخابية، الأولى منها لانتخابات رئيس الجمهورية، وثلاث للبرلمان، واحدة حسب الدوائر الجغرافية والدوائر الحزبية التي يتم فيها اختيار حزب، ثم دائرة المرأة التي منحت وفقا للقانون حصة قدرها 30 في المائة من جملة أعداد البرلمانيين.
ولا يعد الإقبال على المشاركة مهمًا في حد ذاته لأن قانون الانتخابات لا يحدد «نصابًا» معينًا تكون الانتخابات شرعية بموجبه. وقال الأصم إن المعدل العالمي للمشاركة في الانتخابات يتراوح بين 15 و45 في المائة، بل إن من يحصل على «50 في المائة + 1» من أصوات الذين اقترعوا سيكون هو الفائز بالرئاسة، فيما يكون الحزب أو النائب الحاصل على أعلى الأصوات هو الفائز بالمقعد النيابي.
وتقول المفوضية إنها ستعلن النتيجة الأولية في 27 من أبريل (نيسان) الحالي تكشف فيها عن اسم المرشح الرئاسي الفائز، والفائزين بالمقاعد النيابية، ولا يحدد يوم أو مكان للفرز، بل يبدأ الفرز في اللجنة الانتخابية فور نهاية أيام الاقتراع. وحسب الجداول المعلنة فإنه سيبدأ بعد إغلاق صناديق الاقتراع عشية اليوم الأربعاء 15 الحالي.
وتقاطع قوى المعارضة الرئيسة الانتخابات، وتنشط في دعوة المواطنين لمقاطعتها تحت لافتة حملة «ارحل» التي تطالب برحيل الرئيس الحالي عمر البشير، بعد أن طالبت مرارا بتأجيلها من أجل الحوار الوطني وتكوين حكومة انتقالية تعد لانتخابات حرة ونزيهة، بيد أن حزب الرئيس البشير يصر على عقدها في مواعيدها باعتبارها استحقاقًا دستوريًا.
وتعتبر أحزاب المعارضة والحركات المسلحة المنضوية تحت لواء «الجبهة الثورية»، إجراء الانتخابات مجرد «إلهاء» للمواطنين والمعارضة والمجتمع الدولي، ليكسب من خلالها حزب المؤتمر الوطني الحاكم دورة رئاسية جديدة عمرها 5 سنوات لن يحصل عليها حال إجراء انتخابات حرة ونزيهة.
ولم تعلن منظمات مجتمع مدني دولية ذات موثوقية وخبر - مثل مركز كارتر - عن رغبتها في مراقبة الانتخابات السودانية، مثلما فعلت في انتخابات عام 2010، بيد أن رئيس المفوضية قلل من الأمر بقوله: «القول إن الرقابة الخارجية هي التي تؤكد نزاهة الانتخابات استغلال لعقل الشعب، وما حدث من رقابة في الانتخابات الماضية حدث نادر، أطلقته ظروف العالم، والجهات التي تريد شيئًا في جنوب السودان، فأتت 23 دولة لتراقب تلك الانتخابات». وأضاف «روج البعض أن مركز كارتر قاطع الانتخابات، في الوقت الذي أعلن فيه المركز عن إفلاسه المادي، لكن لدينا أكثر من جهة أبدت رغبتها في مراقبة الانتخابات، لكن عليها أن تعلم أن المفوضية لن تدفع لها فلسًا واحدًا، لكن لن تمنعها عن المراقبة».
وبينما عبرت دول الاتحاد الأوروبي وكندا وأميركا عن رفضها المسبق لنتيجة هذه الانتخابات، ورفضت تمويلها ومراقبتها، سجل ممثلون عن جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي والصين وروسيا حضورا باعتبارهم مراقبين للانتخابات، بجانب 37 منظمة مجتمع مدني محلية.
ولا تعتبر المعارضة هذه الرقابة جدية، وترى أن وجود الاتحاد الأفريقي أو جامعة الدول العربية ليس كافيا للرقابة، وأن منظمات المجتمع المدني المحلية منظمات موالية للحكومة وحزبها الحاكم، وتوضح أن منظمات المجتمع المدني المستقلة تم حلها ومنعها عن العمل بقرارات من جهاز الأمن.
ويتنافس 16 مرشحا على الرئاسة ينتمي بعضهم لأحزاب صغيرة أو حديثة أو مستقلين، ويرى المراقبون أن حظوظهم في الفوز بمقعد الرئاسة ضعيفة ما عدا مرشح حزب المؤتمر الوطني الحاكم الرئيس الحالي عمر البشير، الذي نظم حملات انتخابية في معظم مدن وأنحاء البلاد، في الوقت الذي فشل فيه منافسوه في تنظيم حملات انتخابية بسبب التمويل.
كما يتنافس 44 حزبا على مقاعد البرلمان والمجالس التشريعية، ومقاعد المرأة ومقاعد التمثيل النسبي الحزبية، ويتوقع أن يكتسحها الحزب الحاكم عدا الدوائر الانتخابية التي تنازل عنها طواعية لبعض مشاركيه في الانتخابات.
ويعد حزب المؤتمر الوطني، وهو حزب الحركة الإسلامية - التسمية السودانية لـ«الإخوان المسلمين» - الذي وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري نفذه موالون له في الجيش ومدنيون على رأسهم عمر البشير في 1989، الحزب صاحب الحظ الأوفر في الفوز، لأنه يسيطر على الدولة والمال، وتعتقد المعارضة أنه يسخر إمكانيات الدولة لصالحه، في ظل الإضعاف المتعمد والتفتيت الذي مارسته سلطة الإنقاذ الوطني على الأحزاب المعارضة.
ولا يكتفي الحزب الحاكم – حسب وجهة نظر المعارضة – بالاتهامات التي تُوجه له، فهو يستعين بحلفاء من أحزاب منشقة عن أحزاب معارضة، أو انشقاقات لأحزاب مشاركة، وأبرز هؤلاء الحلفاء «الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل»، وهو من أكبر الأحزاب السودانية، ونال ثاني أكبر كتلة برلمانية في انتخابات 1986، بيد أنه يعاني من انشقاقات تفاقمت بعد رفض رئيسه محمد عثمان الميرغني المشاركة بالحكومة منذ نهاية 2011، الأمر الذي ترفضه معظم قيادات الحزب وقواعده.
ويستند الميرغني إلى «الطريقة الختمية»، وهو مرشدها الروحي، وهي إحدى أكبر الطرق الصوفية في البلاد، والحزب عبارة عن تحالف تكون منذ استقلال البلاد بين مؤيدي الطائفة ومجموعات مؤيدين ومثقفين ورجال أعمال. وهناك حزب آخر يحمل الاسم ذاته «الحزب الاتحادي الديمقراطي»، ويقوده مساعد الرئيس البشير جلال الدقير الحالي، وهو منشق عن حزب الميرغني - حتى حلفاؤه تعرضوا للتفتيت - إضافة إلى تشكيلة من أحزاب الأمة: «الأمة الوطني» ويقوده عبد الله مسار، و«الأمة الفيدرالي» برئاسة بابكر نهار، و«الأمة - القيادة الجماعية»، برئاسة الصادق الهادي، وهي أحزاب منشقة عن أكبر أحزاب المعارضة «حزب الأمة القومي» برئاسة الصادق المهدي. وإلى جانب هذه الأحزاب تجلس مجموعة أحزاب صغيرة وحديثة منها «الحقيقة الفيدرالي»، ويقوده المرشح الرئاسي فضل السيد شعيب، و«الاتحاد الاشتراكي» وهو حزب الرئيس الأسبق جعفر النميري وتترأسه المرأة الوحيدة المرشحة للرئاسة من 16 مرشحا رئاسيا د.فاطمة عبد المحمود.
ويتنافس حلفاء الحزب الحاكم على عضوية البرلمان والمجالس المحلية، لكنهم يساندون الرئيس البشير، ويدعمون ترشيحه للفوز بدورة رئاسية جديدة، تطيل سنين حكمه إلى 31 عاما.
وعلى مستوى الرئاسة ينافس الرئيس البشير كل من فضل السيد شعيب، وفاطمة عبد المحمود، وعبد المحمود عبد الجبار رحمة الله «حزب اتحاد قوى الأمة»، ومحمد الحسن محمد الحسن «حزب الإصلاح الوطني»، وياسر يحيى صالح عبد القادر «حزب العدالة»، و10 مرشحين مستقلين، بيد أنهم جميعا لا يعدون منافسين جديين للرئيس البشير، لأنهم إما شخصيات غير معروفة ومغمورة، أو ينتمون لأحزاب حديثة النشأة أو منشقة عن أحزاب قائمة، مما يجعل المعارضة تصفهم بأنهم «مجرد ديكور» يرقص على البشير رقصة الفوز.
وتقع على الجانب الآخر من اللعبة الانتخابية - المقاطعة - كل من «حزب الأمة القومي» برئاسة الصادق المهدي آخر رئيس وزراء منتخب أطاح به الرئيس البشير في انقلاب 1989.
وحزب الأمة مثله مثل الاتحادي الديمقراطي يعد واجهة سياسية لـ«طائفة الأنصار» أكبر الطوائف الدينية، والتي تأسست أيام الثورة المهدية، كما أن هناك الحزب الشيوعي الذي يعد أحد أعرق الأحزاب الشيوعية في الإقليم، وحزب البعث العربي الاشتراكي وحزب المؤتمر السوداني، وهي التي يطلق عليها مجموعة الأحزاب اليسارية الديمقراطية والتي تحظى بتأييد معقول بين الطبقة الوسطى والطلاب والشباب والمهنيين والعمال. كما تقاطع الانتخابات حركات التمرد المسلحة، وهي 4 حركات تخوض حربًا منذ عام 2003 ضد الحكومة في 8 ولايات من بين ولايات البلاد البالغة 18 ولاية، ثلاث من هذه الحركات دارفورية، وهي «حركة العدل والمساواة، حركة تحرير السودان - مناوي، حركة تحرير السودان - عبد الواحد»، ورابعتها هي الحركة الشعبية لتحرير السودان - الشمال بقيادة مالك عقار، وتنضوي جميعها في تحالف سياسي وعسكري أطلقت عليه اسم «الجبهة الثورية».
وطالبت القوى المقاطعة المدنية والمسلحة بتأجيل الانتخابات كشرط لمشاركتها في الحوار الوطني، وإلغاء القوانين المقيدة للحريات، وتكوين حكومة انتقالية تشرف على إعداد دستور دائم وإجراء انتخابات نزيهة.
ورفض حزب الرئيس البشير تأجيل الانتخابات باعتبارها «استحقاقا دستوريا» لا يقبل التأجيل، ويرى في مطالب المعارضة تعبيرا عن عدم امتلاكها لسند شعبي يمكنها من المنافسة في الانتخابات، ولهذا مضى قدمًا وهو يضمن الفوز الميكانيكي، لكنه يخشى السقوط في استفتاء الشعبية.
وبمواجهة هذا الرفض من قبل الرئيس البشير وحزبه، وقعت أحزاب المعارضة المدنية والمسلحة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، اتفاقا أطلقت عليه «نداء السودان»، للإطاحة بنظامه عبر انتفاضة شعبية. وفي تطور لاحق، أعلنت هذه الأحزاب مجتمعة عن حملة «ارحل»، وتدعو من خلالها لمقاطعة الانتخابات للتشكيك في شعبية النظام وجماهيريته في المدن والمناطق التي تشهد عزوفا، فيما قطعت الحركات المسلحة على نفسها عهدًا بمنع قيام الانتخابات في المناطق التي تقاتل فيها.
كما يقاطع كل من حزبي المؤتمر الشعبي ويتزعمه عراب الإسلاميين حسن الترابي، وحركة الإصلاح الآن بقيادة الإسلامي المنشق غازي صلاح الدين العتباني، على الرغم من مشاركتها في الحوار الوطني الداخلي الذي دعا له النظام ضمن آلية الحوار الوطني، ولجنتها المعروفة بـ«7+7». ويتبنى كل من الرجلين اللذين خرجا من حزب البشير مقاطعته الخاصة للانتخابات.
ولقيت الدعوة للحوار الوطني والحل السلمي التفاوضي للأزمة السودانية قبولا دوليا وإقليميا واسعا، بيد أنها تعثرت، مما استدعى تدخل لجنة وساطة تابعة للاتحاد الأفريقي بقيادة الرئيس الجنوب أفريقي السابق ثابو مبيكي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن جهود مبيكي فشلت في إجلاس الطرفين إلى مقعد التفاوض في بداية الشهر الحالي وقبل الانتخابات، وهو الأمر الذي عده الغربيون حرصًا على الحوار من قبل المعارضين، واعتبرته الخرطوم دعمًا معنويًا للتمرد والإرهاب.
وبإجراء الانتخابات تكون عملية الحوار الوطني قد دخلت في نفق مسدود، على الرغم من إعلان حزب الرئيس البشير أنه سيستمر فيه بعد الانتخابات. لكن أستاذ العلوم السياسية بجامعة بحري الدكتور حمد عمر حاوي يقول: «لا يوجد شخص عاقل يمكن أن يتصور أن تقود هذه الانتخابات إلى تغيير حقيقي». ويؤكد الدكتور حاوي في إفادته للصحيفة أن الانتخابات أصلا عملية لإثبات الشرعية، وأن من يكسب شرعية انتخابية لا يمكنه أن يتحدث عن شرعية أخرى، وإلا فإن ذلك يعد «خيانة للشعب».
ويوضح الدكتور حاوي أن نتيجة الانتخابات ستفرز تعقيدات جديدة، تتمثل في الترضيات المطلوبة وتقاسم «كعكة السلطة» بين 44 حزبًا، ويضيف «ستكون سلطة موازنات بيد حزب مهيمن، مما يزيد من أزمة الموارد والصرف على جهاز الدولة». ويؤكد حاوي أن الخياران المتاحان هما الانتخابات أو الحوار، فاختارت الحكومة الانتخابات، وأن من يحصل على شرعية انتخابية لا يملك الحق عن التراجع عنها، باعتبارها تفويضًا شعبيًا وفق برامج محددة، ولا يمكن التنازل عنه، وأن التنازل في مثل هذه الظروف يعد خيانة للناخبين الذين ذهبوا لصناديق الاقتراع. ويضيف: «أما الزعم بأن الحوار سيبدأ بعد الانتخابات فهذا تناقض، فلو كانت الحكومة تريد الحوار ما كان عليها أن تحاول كسب شرعية انتخابية، أما بعد اختيارها لشرعية الانتخابات فليس بمقدورها الدخول في حوار، وهذا التناقض لا يحدث إلا في السودان بلد المتناقضات».
وفي تحليله للانتخابات وفقا لما أنجز منها، يرى الدكتور حاوي أن الآليات المحركة لها «آليات قبلية ومناطقية» في الأرياف، ولا يحركها برنامج أو حزب، مما يخلق شكلاً من أشكال الإقبال في الولايات، أما في المدن ومناطق الوعي فيقل فيها الإقبال على الاقتراع.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.