مجلة فرنسية: 80 دعوى في دول أوروبية بحق مجرمي حرب سوريين

فريق من الأمم المتحدة يزور مصابين في معضمية الشام عام 2013 (أرشيف - رويترز)
فريق من الأمم المتحدة يزور مصابين في معضمية الشام عام 2013 (أرشيف - رويترز)
TT

مجلة فرنسية: 80 دعوى في دول أوروبية بحق مجرمي حرب سوريين

فريق من الأمم المتحدة يزور مصابين في معضمية الشام عام 2013 (أرشيف - رويترز)
فريق من الأمم المتحدة يزور مصابين في معضمية الشام عام 2013 (أرشيف - رويترز)

في تحقيق مطول نشرته مجلة «لوبوان» الفرنسية، رصد شبه كامل للمساعي الجارية لملاحقة مجرمي الحرب في سوريا الموجودين على الأراضي الأوروبية الذين يقدر المحامي السوري أنور البني اللاجئ في ألمانيا عددهم بألف.
ويفيد التقرير بأن ما لا يقل عن 80 دعوى أقيمت حتى اليوم في العديد من الدول الأوروبية بينها 11 محاكمة جارية حاليا، منها 4 في فرنسا و3 في ألمانيا وواحدة في كل من السويد والنمسا وهولندا والنرويج. ويضيف البني ان هولندا وإسبانيا تبحثان في الأمر. وما تحقق حتى اليوم هو ثمرة جهود مبذولة منذ سنوات عدة منها ما قام به «المركز السوري للإعلام وحرية التعبير» الذي يديره في باريس المعارض مازن درويش. و«الأرشيف السوري» المتخصص بتوثيق جرائم الحرب الذي أسسه المنشق هادي الخطيب في برلين بمساعدة ناشطين سوريين. ويقول الخطيب عن هذا المركز إن هدفه الأساسي هو «المحافظة على الأدلة التي توثق جرائم الحرب وتشكيل الذاكرة الرقمية للأحداث» التي جرت في سوريا منذ العام 2011.
وبعد أن بدأ الخطيب عمله منفردا، تكثف العمل وتوسع وتحولت الخلية الى بنية سميت «منيمونيك» Mnemonic والتي يساهم في عملها عشرون شخصا. ومما قامت به جمع ما لا يقل عن ألف تسجيل فيديو تم تحليلها والتأكد من صحتها لمراكمة الأدلة على جرائم النظام والأطراف الأخرى الضالعة فيها. ويؤكد الخطيب للمجلة الفرنسية أن ما يسعى إليه هو تحقيق العدالة و«التأكد أن أيا من المجرمين لن يفلت من العقاب». وما يسهل مساعي ملاحقة مجرمي الحرب أن عددا من البلدان الأوروبية تتبنى ما يسمى «العدالة العالمية» التي تتيح محاكمة شخص ما وإن لم يرتكب جريمته على أراضي الدولة المعنية. ويضاف الى ما سبق إنشاء لجان متخصصة مثلا حول الجرائم التي ارتكبت ضد الإيزيديين...
يعد الصحافيان اللذان أعدا التقرير أن محاكمة العقيد في الجيش السوري أنور رسلان فتحت كوة للأمل في أن تجد العدالة طريقها لمحاكمة المسؤولين في النظام السوري عن الجرائم التي ارتكبها. ذلك أن العقيد المذكور كان ضابط استخبارات ومسؤولا عن الوحدة 251 لأمن الدولة ما بين العامين 2011 و2012، وهو متهم بتعذيب أكثر من 4000 معتقل بينهم 58 توفوا في السجن. ورسلان هرب من سوريا الى برلين في سبتمبر (أيلول) 2012. إلا أنه تم التعرف إليه في العاصمة الألمانية من قبل ضحاياه وأُلقي القبض عليه في العام 2019 بالتعاون بين ألمانيا وفرنسا. وتقدم 17 مدعيا بشكاوى بحقه ما فتح الباب لمحاكمته ومحاكمة أحد أعوانه المدعو فيصل الغريب في مدينة كوبلانس الواقعة غرب ألمانيا. وينتظر أن يصدر الحكم بحقه في 13 يناير (كانون الثاني) علماً أن الادعاء طلب السجن مدى الحياة للمتهم.
يقول المحامي أنور البني الذي كان وراء الدعاوى ويؤكد أنه من تعرف على أنور رسلان في أحد محلات العاصمة الألمانية لأنه كان من ضحاياه، إن «هذه المحاكمة هي للتاريخ. ولأن المحكمة تتحدث عن جرائم ضد الإنسانية ولأنها جاءت على اسم (بشار) الأسد خمس مرات لن يكون مجال للمجرمين أن يفلتوا من العدالة ».
ويورد تقرير المجلة الفرنسية أن البني هرب من سوريا عبر لبنان في العام 2014 واستقر في برلين حيث بدأ عملية تجميع الوثائق عن الوحدات 215، 227، 235، 251 وغيرها من الوحدات الضالعة في عمليات القمع والتعذيب.
وتبدو ألمانيا الأكثر تقدما في المحاكمات التي تشمل النظام والتنظيمات المتطرفة. ففي 30 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أصدرت محكمة فرنكفورت العليا حكما صارما بحق العراقي طه الجملي البالغ من العمر 29 عاما لارتكابه «جريمة إبادة وجريمة ضد الإنسانية أدت الى الوفاة، وجريمة حرب». وجريمة هذا الرجل أنه «اشترى» فتاة إيزيدية عمرها خمس سنوات ثم تركها تموت لاحقا من العطش. والجملي تم توقيفه في اليونان ومنها استردته ألمانيا التي تلجأ الى «الأهلية العالمية» التي تتيح لها محاكمة أي شخص في العالم متهم بارتكاب جرائم.
بيد أن الملف الرئيسي الذي يراهن عليه المعارضون السوريون لتجريم النظام السوري هو استخدامه السلاح الكيماوي في العام 2013 ضد الغوطة الواقعة جنوب دمشق وضد خان شيخون في العام 2017. وفي العام 2021 قدمت منظمات سورية للدفاع عن حقوق الإنسان ثلاث شكاوى ضد النظام السوري في ألمانيا والسويد وفرنسا. ويؤكد هادي الخطيب أنه شارك في التحقيق الذي حصل في ألمانيا، فيما يعد المركز السوري للإعلام وحرية التعبير الدافع الرئيسي لتقديم الدعاوى، وقال مديره مازن درويش لمجلة «لوبوان» إن العمل على الملف الكيماوي جرى لأربع سنوات وتم جمع 491 دليلا إضافة الى صور وتسجيلات فيديو وشهادات عديدة. ولأن فرنسا لا تعتمد مبدأ الأهلية العالمية للعدالة، فقد نجحنا في العثور على عائلة مزدوجة الجنسية (فرنسية ــ سورية) أصلها من مدينة دوما وقد أصابها الهجوم الكيماوي عام 2013، وننتظر أن يتقدم التحقيق وقد أُجريت أولى عمليات الإستماع». ويضيف درويش: «بالطبع، لا نتوقع أن تفضي المحاكمة الى إرسال بشار الأسد وأخيه ماهر، - وهما متهمان باستخدام غاز السارين في الغوطة - الى السجن. لكننا نأمل أن يصدر حكم يدين النظام، إذ من من الضروري مواجهة الرواية الكاذبة التي تتهم الاستخبارات المركزية الأميركية أو الموساد الإسرائيلي أو القبعات البيضاء بأنها هي من دبر ذلك».
يؤكد تقرير «لوبوان» أن ثلثي الدعاوى المقامة في أوروبا تستهدف النظام والثلث الآخير داعش» والمعارضة السورية والمقاتلين الأكراد. ويؤكد البني أن جل ما هو مطلوب «تحقيق العدالة بغض النظر عن الأتنية أو الدين أو التوجه السياسي إذ المطلوب معاقبة كل المجرمين من دون استثناء». ويروي التقرير قصة السوري المدعو مجدي نيما الذي كان الناطق السابق باسم مجموعة «جيش الإسلام» وهو متهم بارتكاب جرائم حرب والمشاركة في عمليات إعدام وتعذيب. والأمر المحير أن هذا الشخص الذي نجح في الإنتساب الى مجموعة علمية في إسطنبول، وصل الى مدينة مرسيليا المتوسطية بفضل دعوة من جامعة إيكس أو بروفانس في جنوب فرنسا. إلا أن سوريين تعرفوا عليه مما أدى الى توقيفه وما زال محتجزا حتى اليوم بانتظار محاكمته.
بيد أن الأمور لم تنتهِ عند هذا الحد، إذ الساعين لجر النظام السوري وأركانه أمام المحاكم الأوروبية لم يتوقفوا عند ما أشير إليه سابقا.
فالتعاون بين الأطراف الناشطة في فرنسا وألمانيا وبلجيكا أفضى الى تقديم دعاوى بحق ضباط كبار من الجيش السوري أو الاستخبارات أو قوى الأمن. وأبرز هؤلاء علي المملوك. إلا أن التقرير يستبعد أن تحصل هذه المحاكمات بسبب التردد الأوروبي وبسبب حسابات سياسية ملمحا ألى أن الإتهامات المساقة بحق هؤلاء الضباط تستخدم بشكل رئيسي لمنع قدومهم الى أوروبا.



العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي
TT

العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي

نفت وزارة الداخلية العراقية، الجمعة، الأنباء التي ترددت حول وقوع حادث إطلاق نار من الجانب الكويتي استهدف إحدى النقاط الحدودية في محافظة البصرة (550 كم جنوب بغداد)، وفق ما نشرت «وكالة الأنباء الألمانية».

وأكدت الوزارة، في بيان، أن ما تداولته بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بهذا الشأن «عارٍ من الصحة تماماً».

وشددت على أنه لم يتم تسجيل أي حادث من هذا النوع، وأن الأوضاع على الشريط الحدودي بين البلدين تسير بصورة طبيعية ومستقرة.

ودعت «الداخلية العراقية» وسائل الإعلام إلى ضرورة توخي الدقة في نقل الأخبار واعتماد المصادر الرسمية فقط، محذرة من الانجرار وراء الشائعات التي قد تثير البلبلة، وتؤثر في طبيعة العلاقات الأخوية التي تربط العراق والكويت.

كما أشارت الوزارة في بيانها إلى أنها تحتفظ بحقها القانوني في اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد مروجي الأخبار الكاذبة التي تستهدف المساس بالأمن والاستقرار في البلاد.


ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
TT

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)

يواجه المزارعون بمناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن مخاطر فقدان مصادر دخلهم، وتتزايد معاناتهم بفعل جملة من الممارسات والإجراءات التي تؤثر بشكل مباشر على بنية الإنتاج الزراعي، كاستهداف مصادر الطاقة البديلة، وإغراق الأسواق بمدخلات زراعية فاسدة، وفرض قيود على التصدير، واحتكار عمليات التسويق.

ويخشى المزارعون من أن تؤدي الممارسات الحوثية إلى الإضرار التام بالعملية الزراعية والإخلال بالعلاقة بينهم وبين الأسواق المحلية والخارجية، وأن تدفع الكثير منهم إلى هجر هذه المهنة، في وقت تواصل فيه الجماعة الترويج لمزاعم دعم التنمية الزراعية بهدف الوصول إلى الاكتفاء الذاتي.

مصادر محلية في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) تقول إن حصار الجماعة قرية الأغوال في مديرية الحدا، منذ قرابة أسبوعين، تسبب بتلف المحاصيل الزراعية نتيجة الصقيع والجفاف، بعد منع المزارعين من الوصول إلى مزارعهم لحمايتها من البرد وريها بالماء.

إلى جانب ذلك، أقدم مسلحو الجماعة، وبأوامر مباشرة من القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً للمحافظة في التنظيم الحوثي، على اقتلاع الألواح الشمسية وقطع أسلاك منظومات الطاقة، وكسر أقفال الآبار، في إجراء يرى المزارعون أنه يهدف إلى إلزامهم بالعودة لاستخدام الوقود المرتبط بتجارة واقتصاد الجماعة.

مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

وفي الجوف (شمال شرق صنعاء)، أدى توزيع الجماعة بذوراً فاسدة إلى ظهور نباتات علفية دخيلة عند الحصاد، أتلفت كميات كبيرة من محاصيل الحبوب، وخفّضت الإنتاج إلى أقل من الثلث، وفقاً للمزارعين الذين أبدوا حسرتهم على ضياع موسم زراعي، وانتهى بمحصول ضئيل وخسائر كبيرة، بعد أن لجأ العديد منهم إلى الاقتراض لإنجاح موسمه.

ونقلت مصادر زراعية عن المزارعين أن المحصول الضئيل نفسه لا يصلح للاستهلاك الآدمي.

وشهدت مديرية الحميدات، غرب المحافظة، الخسائر الأكبر، حيث لم يتجاوز محصول غالبية الحقول 30 كيساً من الحبوب، بعد أن كانت تنتج أكثر من 100 كيس خلال المواسم الماضية. ويصف المزارعون المحصول بأنه شبيه بالقمح ولا يصلح إلا كعلف للحيوانات.

إفساد المحاصيل

يتهم مزارعو البطاطس في محافظة ذمار الجماعة الحوثية بإغراق الأسواق ببذور مستوردة فاسدة وملوثة، والتسبب في كارثة زراعية بتدمير محاصيل استراتيجية وتعميق أزمة الأمن الغذائي.

ونفذ هؤلاء وقفة احتجاجية في العاصمة المختطفة صنعاء، أمام مبنى وزارة الزراعة في حكومة الجماعة التي لا يعترف بها أحد، مطالبين بوقف استيراد وتوزيع البذور غير المطابقة للمعايير، وبتعويضهم بعد الخسائر التي تكبدوها بسبب تلك الأصناف واستخدام مبيدات محظورة، وغياب الفحوصات المخبرية والرقابة الفعالة على الشحنات.

جانب من احتجاج مزارعي البطاطس أمام مبنى تابع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

وشهدت الوقفة اصطفاف عشرات الشاحنات المحملة بالمحصول المتضرر، ورفع المحتجون لافتات تدعو إلى وقف استيراد وتوزيع بذور غير مطابقة للمعايير، متهمين الجهات التابعة للجماعة بالتساهل في إدخال أصناف مصابة تسببت في انتشار أمراض نباتية خطيرة خلال المواسم الماضية، إلى جانب استخدام مبيدات محظورة.

وواصلت الجماعة الحوثية ادعاءاتها بدعم التنمية الزراعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي إلى الترويج لنجاح زراعة محاصيل استراتيجية مثل القمح والأرز، وهم ما يعدّ تحدياً معقداً، حيث تصنف اليمن من البلدان محدود الموارد المائية.

ويلفت خبير زراعي يمني، يعمل في قطاع الزراعة الذي يسيطر عليه الحوثيون، إلى أن مزاعم الحوثيين بنجاح زراعة القمح تسقط في الفجوة الكبيرة بين الاستهلاك المحلي والإنتاج الممكن، حيث يستهلك اليمنيون ما يقارب 4 ملايين طن من القمح، والتي تحتاج إلى مساحات شاسعة لإنتاجها.

قادة حوثيون وسط مزرعة في الجوف حيث يشكو المزارعين من خسائر فادحة (إعلام حوثي)

ولا تتجاوز المساحات المزروعة في اليمن عشرات الآلاف من الهكتارات، بإنتاج أقصى يقدَّر بعشرات الآلاف من الأطنان، بحسب حديث الخبير الزراعي الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته حفاظاً على سلامته.

تضليل بمسمى الاكتفاء

أما زراعة الأرز، والحديث لنفس الخبير الزراعي، فهي خيار غير منطقي في ظل الاستنزاف الحاد للموارد المائية وتراجع منسوب المياه الجوفية، فضلاً عن غياب شبكات ري حديثة قادرة على دعم مثل هذا التوجه.

ويشير خبير آخر، تتحفظ «الشرق الأوسط» على بياناته أيضاً، إلى أن الجماعة الحوثية نفسها منعت مزارعي سهل تهامة، غربي البلاد، خلال السنوات الأخيرة، من التوسع في زراعة الموز بحجة الحفاظ على مخزون المياه الجوفية، في الوقت ذاته الذي تروّج لمزاعم زراعة الأرز الذي لا يمكن إنتاجه إلا في بيئة تتوفر فيها مياه جارية طوال العام.

ويشهد الموسم الحالي تكدساً وكساداً كبيرين للبرتقال واليوسفي، خصوصاً في محافظة الجوف (شمال شرق صنعاء) تحت تأثير الإجراءات التي تفرضها الجماعة الحوثية على المزارعين في المحافظة.

فتى يمني يعمل في حقل على أطراف صنعاء حيث يتراجع الإنتاج الزراعي جراء ممارسات الحوثيين (إ.ب.أ)

ومنذ قرابة شهرين يواجه مزارعو البرتقال واليوسفي صعوبات كبيرة في التصدير، بعد احتكار شركة حوثية تحمل اسم «سوق الارتقاء» تصدير المنتجات الزراعية إلى دول الجوار.

وتنقل مصادر زراعية عن هؤلاء المزارعين اتهامات للجماعة الحوثية بممارسة التضليل لنهب محاصيلهم، وذلك بادعاء أن استيراد دول الخليج هذين المنتجين من سوريا ومصر، تسبب في تراجع الطلب على الإنتاج اليمني منها، ووصفوا نشاط شركة «الارتقاء» الحوثية بـ«النهبوي» الذي لا يقتصر على هذين المنتجين فحسب.

وتلفت المصادر إلى أن جميع مزارعي الفواكه والمحاصيل القابلة للتصدير باتوا تحت رحمة هذه الشركة التي تتحكم بالأسعار والكميات، وتتسبب في تلف المنتجات الزراعية وإلحاق خسائر كبيرة بالمزارعين الذين يضطر غالبيتهم إلى البيع بأسعار زهيدة إلى الأسواق المحلية التي تشهد وفرة كبيرة وقدرة شرائية متدنية.


الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
TT

الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)

مع حلول شهر رمضان، الذي اعتاد اليمنيون استقباله بأجواء من التكافل والتراحم، تبدَّلت ملامح الحياة في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث تحوَّلت الشوارع والأسواق وأبواب المساجد إلى مشاهد يومية للفقر والعوز.

ورصدت «الشرق الأوسط» امتلاء أرصفة الشوارع بأعداد متزايدة من النساء والأطفال وكبار السن الذين اضطروا إلى التسول؛ بحثاً عن لقمة تسد رمق أسرهم، في مؤشر واضح على تعمق الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

وباتت ظاهرة التسول، وفق سكان وناشطين، جزءاً ثابتاً من المشهد اليومي، بعد أن كانت حالات محدودة قبل انقلاب الحوثيين، إذ دفعت ظروف المعيشة القاسية آلاف الأسر إلى خيارات لم تكن واردة في حياتها من قبل.

ويعزو مراقبون هذا التحول إلى استمرار انقطاع الرواتب، وتراجع فرص العمل، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، إضافة إلى غياب أي معالجات اقتصادية حقيقية تخفف من معاناة السكان.

الفقر يدفع أشخاصاً في صنعاء للتسول لسد الرمق (الشرق الأوسط)

وخلال جولة ميدانية في عدد من شوارع صنعاء، رصدت «الشرق الأوسط» انتشار النساء والأطفال الذين يفترشون الأرصفة في محاولة لاستدرار المساعدة. ويروي كثير منهم قصصاً متشابهة عن فقدان المعيل أو توقف مصادر الدخل، بينما اضطر آخرون إلى ترك أعمالهم أو دراستهم؛ بسبب الظروف الاقتصادية المتدهورة.

ويؤكد سكان أن الظاهرة لم تعد محصورة في أحياء فقيرة بعينها، بل امتدت إلى معظم مديريات صنعاء ومدن أخرى، ما يعكس اتساع رقعة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى.

ويحمّل عاملون إغاثيون الجماعة الحوثية مسؤولية تفاقم الأزمة، متهمين إياها بالانشغال بفرض الجبايات والإتاوات بدلاً من تبني سياسات اقتصادية واجتماعية تحد من الانهيار المعيشي.

وتقول أم أحمد، وهي أم لعد من الأطفال، تجلس قرب أحد المساجد، إن زوجها فقد عمله منذ عامين، ولم تعد الأسرة قادرةً على دفع إيجار المنزل أو تأمين الغذاء والدواء. وتضيف بحزن: «لم أتخيل يوماً أن أطلب المساعدة من الناس، لكن أطفالي بحاجة للطعام، ورمضان هذا العام هو الأصعب علينا».

طابور نساء أمام أحد المطاعم بصنعاء أملاً في الحصول على الطعام (الشرق الأوسط)

وفي شارع الزبيري، يقف الطفل سالم (12 عاماً) حاملاً علبة صغيرة لجمع التبرعات، بعدما اضطر لترك المدرسة إثر مرض والده. ويقول إنه كان يحلم بإكمال تعليمه، لكنه بات يخرج يومياً قبل الإفطار لمحاولة جمع ما يساعد أسرته على البقاء.

أما عبد الله، وهو موظف حكومي، فيؤكد أنه لم يتقاضَ راتبه منذ سنوات، ما دفعه للاعتماد على المساعدات. ويقول: «خدمت الدولة عقوداً طويلة، واليوم أجد نفسي مضطراً لطلب العون. لم نصل إلى هذه الحال إلا بسبب غياب الحلول».

طوابير طويلة

بالتوازي مع اتساع ظاهرة التسول، تشهد صنعاء ومحافظتا إب وذمار مشاهد إنسانية قاسية، تتمثل في طوابير طويلة لنساء وفتيات ينتظرن لساعات للحصول على وجبات مجانية تقدمها مبادرات خيرية محدودة الإمكانات. وتحمل النساء أكياساً فارغة على أمل العودة بما يسد جوع أطفالهن.

ويؤكد عاملون في المجال الإغاثي أن أعداد الأسر الباحثة عن وجبات الإفطار المجانية تزداد يومياً بشكل غير مسبوق، ما يعكس حجم التدهور المعيشي. ففي أحد أحياء مديرية معين بصنعاء، يصطف العشرات يومياً للحصول على وجبة بسيطة مكونة من الخبز وعلبة زبادي.

محتاجات يتجمعن للحصول على وجبة مجانية من مطبخ خيري في ذمار (فيسبوك)

وتقول أم عبد الله، وهي نازحة وأم لـ5 أطفال، إن هذه الوجبة قد تكون الطعام الوحيد المتاح لعائلتها خلال اليوم. وتوضح أنها تخرج بعد صلاة الفجر لتضمن موقعاً في الطابور، مضيفة: «أحياناً ننتظر 3 ساعات، لكنها تبقى فرصة كي لا ينام أطفالي جائعين».

وفي محافظة إب، أثارت مشاهد تجمع مئات النساء أمام مطبخ خيري غضباً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عدّ ناشطون تلك الصور دليلاً على وصول الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتقول ابتسام، وهي أم لـ3 أطفال، إنها تقطع مسافة طويلة سيراً على الأقدام يومياً، لكنها كثيراً ما تعود خالية اليدين بعد انتهاء التوزيع.

أما في ذمار، فتتكرر المشاهد ذاتها، حيث تنتظر نساء لساعات طويلة تحت الشمس للحصول على وجبة ساخنة. وتقول سمية، التي يعاني زوجها المرض ولا تملك مصدر دخل: «أشعر بالألم وأنا أقف في الطابور، لكن حاجتي من أجل أطفالي أكبر من أي شعور».

أزمة عميقة

تشير بيانات أممية إلى تصاعد مقلق في مؤشرات الفقر في اليمن خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية من نحو 21.6 مليون شخص عام 2023 إلى أكثر من 22 مليوناً في 2026، مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد.

كما ارتفعت نسبة الأسر اليمنية التي اضطرت إلى التسول لتأمين احتياجاتها الغذائية من نحو 5 إلى 6 في المائة قبل 3 سنوات إلى نحو 10 في المائة حالياً، مع تقديرات بوصولها إلى 12 في المائة في بعض المناطق.

ويعني ذلك أن أسرة واحدة من كل 10 أسر يمنية أصبحت تعتمد على التسول مصدر دخل مباشر، وهو تحوُّل خطير يعكس انتقال الظاهرة من حالات فردية إلى نمط معيشة اضطراري.

يمني يحمل أسطوانة غاز فارغة في أحد المساجد طالباً مساعدته لتعبئتها (فيسبوك)

ويرى مختصون اجتماعيون أن هذه المؤشرات تعكس فساد الجماعة الحوثية التي فاقمت الفقر والبطالة وانهيار الخدمات، محذرين من أن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى تفكك اجتماعي أوسع وارتفاع معدلات الجريمة والهجرة الداخلية.

وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات أممية من تدهور أوضاع النساء والفتيات بشكل خاص، في ظل نقص التمويل الإنساني واستمرار الصراع لأكثر من 11 عاماً. وأفاد صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن ملايين النساء يعانين من الجوع الحاد، بينما تفتقر ملايين أخريات لخدمات الصحة الإنجابية الأساسية.

وتشير التقديرات إلى وفاة 3 نساء يومياً؛ بسبب مضاعفات الحمل والولادة، في حين تحتاج أكثر من 6 ملايين امرأة وفتاة إلى خدمات الحماية من العنف. ويرى مختصون أن الضغوط الاقتصادية دفعت النساء إلى تحمل العبء الأكبر في تأمين الغذاء لأسرهن، ما جعلهن الأكثر تأثراً بالأزمة.