6 تقنيات للمستقبل يطورها العلماء

نحل آلي ووقود بحري للسفن ومياه شرب نظيفة في 20 دقيقة

TT

6 تقنيات للمستقبل يطورها العلماء

«كريسبر»، و«كوانتوم» و«غرافين»، والغبار الذكي والـ«ميتافيرس»... تقنيات لا بدّ أنكم سمعتم بها. ولكنّ التقنية تتغيّر باستمرار ولا بدّ من إدارة وتحديث المعارف القيّمة بانتظام. وإليكم هذه اللائحة التي وضعها خبراء أميركيون، تضمّ تقنيات - اخترنا منها 6 - ستحدث خضّات كبيرة في المستقبل مع أنّها لم تكتسب شعبيّة بين النّاس بعد.

1- نحل آلي لتلقيح المحاصيل
يتسبب التغيّر المناخي في قتل النحل الذي نحتاجه لتلقيح 35 في المائة من المحاصيل الضرورية لتلبية الحاجات الغذائية التي تضمن استمرارنا.
لهذا السبب، يسعى العلماء لتطوير نحلٍ آلي لتلقيح النباتات كما تفعل النحلة الحقيقية وتتولّى فكرة التطوير هذه سلسلة متاجر «وول مارت» الأميركية.
لا تزال المعلومات حول هذا المشروع شحيحة ولكنّ معظم الباحثين يقدّرون أنّ تطوير النحل ممكن عبر وصل شعرة حصان مغطاة بجلّ (مادة هلامية) مصنوع من سائل أيوني، بطائرة درون صغيرة، لكي تلتقط هذه الشعرة حبّة اللقاح من زهرة وتنقلها إلى أخرى. وتجدر الإشارة إلى أنّ باحثي هارفرد يعملون منذ وقتٍ بعيد على تطوير ما يعرف بـ«روبو بيز» باستخدام تقنيات كهذه، وفقاً لصحيفة «وول ستريت جورنال».

2- وقود للسفن من ماء البحر
عندما يتعلّق الأمر بالطاقة، يُعدّ البحر مصدراً هائلاً وغير مستغلّ لها، لا سيّما أنّه لن ينضب في وقت قريب في ظلّ ذوبان جليد القطب الشمالي. يشير العلماء إلى أنّ مياه البحر يمكن استخدامها بشكلٍ فعّال لتزويد السفن بالوقود.
تستخدم هذه التقنية محفّز الموليبدنوم الكربيد المعزّز بالبوتاسيوم لاستخراج ثاني أكسيد الكربون من مياه البحر وتحويله إلى أحادي أكسيد الكربون ثم يصار إلى تحويل أحادي أكسيد الكربون إلى هيدروكربونات سائلة بواسطة عملية فيشر - تروبش. تستطيع السفن استخدام هذه الهيدروكربونات بدل الوقود المحمول على متنها والمعروف بمخاطره الكبيرة.
يتسبب الوقود المستخدم اليوم لتشغيل آلاف السفن التي تعبر البحار والمحيطات بتلوّث هائل. ولكنّ تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى مواد كيميائية وأنواع وقود ذات قيمة مضافة من شأنه أن يقلّل انبعاثات غازات الدفيئة التي تنتجها السفن بشكلٍ ملحوظ على المدى الطويل.
في المقابل، توجد الكثير من المسائل التي تتطلّب حلّها قبل الدخول في وسائل بحرية أكثر صداقة للبيئة. أولاً، يبلغ تركيز ثاني أكسيد الكربون في مياه البحر نحو 100 ملغم في اللتر الواحد، ولكنّه متواضعٌ جداً. ولهذا يحتاج مشروع التحويل المذكور إلى معالجة نحو 45 مليون متر مكعّب من المياه لتشغيل سفينة سياحية لنحو أسبوع، وفقاً لدورية «إنيرجي أند أنفايرونمنتال ساينس).

3- ليزر لتسريع الطباعة التجسيمية
لا تزال الطابعات الثلاثية الأبعاد باهظة الثمن للنّاس العاديين. ومن جهة أخرى فإنها لا تزال غير متطوّرة وسريعة بالمستوى المطلوب لأعمال الشركات الصناعية الكبرى. ولكنّ هذا الأمر قد يتغيّر في السنوات القليلة المقبلة بعد أن طوّر العلماء وسيلة تستخدم الليزر لإسقاط ملايين النقاط في نفس الوقت على مادّة للطباعة الثلاثية الأبعاد بدل استخدام نقطة واحدة في كلّ مرّة. ولأنّهم ليسوا بارعين في التسويق، أسموه وفقاً لمجلة «ساينس»، باسم «إسقاط الفيمتوثانية للطباعة الحجرية الثنائية الفوتونFemtosecond Projection Two - Photon Lithography.
لفهم هذا النوع من الطباعة، تخيّلوا ببساطة استخدام مليون إبرة محمّاة ساخنة لإذابة كتلة شمعية بدل استخدام إبرة واحدة... هذا يعني أنّ طباعة هياكل متناهية الصغر بالأبعاد الثلاثية بات ممكناً باستخدام بسرعة أكبر بكثير (ألف مرّة) مع ضمان تقديم نوعية بناء جيّدة.

4- «لاي - فاي» لنقل البيانات بسرعات أعلى
يعبّر اسم هذه التقنية عنها: صُممت لاي - فاي LiFi لاستخدام الضوء لنقل المعلومات من النقطة «أ» إلى النقطة «ب»، وتعمل من خلال تشفير البيانات الرقمية وتشغيل وإطفاء مصابيح «ليد» بسرعة أكبر من أن يستطيع البشر ملاحظتها. بعدها، يسافر الضوء إلى متلقٍ ضوئي يفكّ تشفير البيانات ويحوّلها إلى تردّدات راديو تقليدية حالية (واي - فاي، 4G، 5G...).
تنطوي هذه الطريقة في نقل البيانات على فوائد كثيرة، لا سيّما أنّ استخدام الضوء يضمن نقلها بسرعة فائقة تصل إلى 100 غيغابايت، أي نظرياً أسرع من اتصال 5G بخمس مرّات. علاوة على ذلك، يساعد العدد المهول لمصابيح «ليد» المستخدمة حولنا في تأمين نقاط وصول رخيصة في المستقبل تضمن الحصول على البيانات في أي مكان. وأخيراً، إنّ الموجات الضوئية المستخدمة كأساس لاتصال لاي - فاي لا تخترق الجدران (ولكنّها قابلة للانعكاس عبرها)، مما يعني أنّ خطر التعرّض للقرصنة الإلكترونية عبرها أقلّ بكثير منه في اتصال الواي - فاي رغم أنّ هذا الأمر يحدّ من استخدامها في الأماكن المقفلة.
من ناحية أخرى، تتطلّب اللاي - فاي من المستخدم أن يكون قريباً من مصدر الضوء الفعّال، لأن نطاقها محدودٌ جداً وقابل للتداخل مع مصادر ضوء أخرى كأشعّة الشمس الطبيعية، وفقا لموقع «ديجيتال ترندز».

5- مياه للشرب في 20 دقيقة
ليس من الضروري أن تكون التقنية دائماً مكلّفة مالياً، إذ غالباً ما نجد حلولاً تقنية أنيقة وبسيطة للمشاكل المعقّدة، ومياه العشرين دقيقة هي أحد هذه الحلول، وتعد بتأمين مياه شربٍ نظيفة للشعوب. كلّ ما يحتاجه الفرد لهذه العملية هو نقع قطنة (عالية التوصيل) لعشرين دقيقة في محلولٍ غير مكلف يحتوي على أنابيب كربون مجهرية وأسلاك فصية مجهرية، ثمّ يصلها بسلكين كهربائيين لتمرير تيّار صغير عبرها. يكفي استخدام فرق جهد كهربائي بقيمة 20 فولتاً لكهربة البكتيريا بشكلٍ آني والسماح بتمرير المياه النظيفة والصالحة للشرب عبر المرشح دون الحاجة للمضخّات التي تستهلك الكثير من الطاقة الكهربائية المستخدمة حالياً في الدول المتطوّرة. بعدها، تعمل الفضّة على عزل أي شيء لم يمت بالتيار الكهربائي.

6- طباعة رباعية الأبعاد
قد يتسبب اسم هذه التقنية ببعض الحيرة ولكنّنا لسنا في صدد الإشارة إلى أنّ البشرية ستستطيع ابتكار بعدٍ آخر وبلوغه. تتلخّص هذه التقنية ببساطة كالتالي: المنتج المطبوع بالأبعاد الرباعية هو نفسه المطبوع بالأبعاد الثلاثية مع إمكانية تغيير خصائصه بعد تطبيق محفّز معيّن (الغمر بالمياه، والتسخين، والهزّ، وعدم التحريك...)... بمعنى آخر، الطباعة الرباعية الأبعاد هي الوقت، أي الوقت الذي يحتاجه المحفّز ليصبح ذا صلة. يحول دون تنفيذ هذه التقنية عائقٌ واضحٌ هو العثور على هذه «المادّة الذكية» ذات الصلة لجميع أنواع الاستخدامات (كالهيدروجل أو بوليمر بشكلٍ معيّن). يعمل بعض العلماء في هذا المجال حالياً ولكنّهم لم يقتربوا حتّى من تقديم منتج جاهز للاستهلاك لأنّهم لم يحدّدوا بعد التغييرات القابلة للتحوّل في بعض المواد.
أمّا تطبيقات هذه التقنية فلا تزال قيد النقاش، ولكنّها قد تدخل في صناعات واعدة كالعناية الصحية (للحبوب الدوائية التي تعمل عندما يبلغ الجسم درجة حرارة معيّنة)، والموضة (الملابس التي تصبح أضيق في الأجواء الباردة)، وهندسة المنازل (الأثاث الذي يصبح صلباً تحت تأثير محفّز معيّن).


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تراجع مهارات التفكير النقدي في النظم الذكية سيعزز البحث عن «عقول إبداعية»

تراجع مهارات التفكير النقدي في النظم الذكية سيعزز البحث عن «عقول إبداعية»
TT

تراجع مهارات التفكير النقدي في النظم الذكية سيعزز البحث عن «عقول إبداعية»

تراجع مهارات التفكير النقدي في النظم الذكية سيعزز البحث عن «عقول إبداعية»

إليكم ما يتوقعه بعض الخبراء في جوانب التطويرات في الذكاء الاصطناعي في عام 2026.

لم يظهر الذكاء الاصطناعي لأول مرة في عام 2025، ولكنه كان العام الذي بدأ فيه بالانتشار على نطاق واسع. في بداية العام، كان لدى «تشات جي بي تي» ما بين 300 و400 مليون مستخدم أسبوعياً. وبحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تضاعف هذا العدد. وفي الوقت نفسه، شهد استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي الأخرى، بما في ذلك «بيربليكسيتي»، و«جيمناي» من «غوغل» قفزات مماثلة.

والآن، وفي عام 2026، يتساءل الناس عما يخبئه المستقبل. وقد تحدثت مجلة «فاست كومباني» مع عدد من المحللين وخبراء الصناعة لمعرفة توقعاتهم لما يمكن توقعه مع استمرار انتشار تأثير الذكاء الاصطناعي في عام 2026.

«الفقاعة لن تنفجر»

بينما يواصل المتشائمون في «وول ستريت» الحديث بصوت عالٍ عن فقاعة الذكاء الاصطناعي، يقول دان آيفز من شركة «ويدبوش» Wedbush (شركة خدمات مالية - المحرر) إن هذه المخاوف مبالغ فيها، وإن سوق الذكاء الاصطناعي ستنمو بالفعل في عام 2026. ويضيف أن ثورة الذكاء الاصطناعي الموجهة للمستهلكين لم تبدأ فعلياً بعد، وأن الصعود المتوقع للروبوتات في السنوات المقبلة، بالإضافة إلى الفرص الواعدة لاستخدامها في الشركات وتوسعها العالمي، سيدفع سوق التكنولوجيا نحو مزيد من النمو.

وكتب آيفز: «ثورة الذكاء الاصطناعي هذه بدأت للتو، ونعتقد أنه ينبغي شراء أسهم شركات التكنولوجيا والشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، نظراً لرؤيتنا بأن هذا هو العام الثالث من دورة تمتد لعشر سنوات من تطور هذه الثورة». وأضاف: «نتوقع أن ترتفع أسهم شركات التكنولوجيا بنسبة 20 في المائة أخرى في عام 2026 مع وصول المرحلة التالية من ثورة الذكاء الاصطناعي إلى ذروتها».

قفزة في «التفكير الكسول»

ليست كل التوقعات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في عام 2026 متفائلة إلى هذا الحد. فقد حذرت شركة «غارتنر» لأبحاث السوق، من ازدياد اعتماد الناس على روبوتات الدردشة وقبولهم التلقائي لكل ما تُنتجه هذه الأجهزة. وتتوقع الشركة التحليلية أنه بحلول عام 2026، سيحدث «تراجع في مهارات التفكير النقدي نتيجة استخدام الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي». وتقول إن ذلك سيدفع نصف المؤسسات العالمية إلى اشتراط وضع تقييمات لمهارات «خالية من الذكاء الاصطناعي».

وتكتب «غارتنر»: «مع تسارع وتيرة الأتمتة، ستصبح القدرة على التفكير باستقلالية وإبداع نادرة بشكل كبير، ولكنها في الوقت نفسه ذات قيمة كبيرة».

الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي سينتشر في محركات البحث

تُعدّ روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي التوليدي الوسيلة التي يتفاعل بها كثير من الناس مع الذكاء الاصطناعي. فهي لا تتطلب أي معرفة تقنية (مع أن معرفة كيفية صياغة الرسائل تجعلها أكثر كفاءة)، وهي مجانية.

أما بالنسبة لأدوات مثل«تشات جي بي تي» و«بيربليكسيتي» ، فعادةً ما يتطلب الوصول إليها زيارة موقع ويب مستقل. مع ذلك، تتوقع شركة «ديلويت» أنه في عام 2026 وما بعده، سيزداد استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي المدمج في التطبيقات الحالية، مثل محركات البحث، بشكل ملحوظ. وتوضح الشركة الاستشارية: «في الاستخدام اليومي سيكون الوصول إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي داخل محرك البحث (عندما ينتج عن البحث توليفة من النتائج) أكثر شيوعاً بنسبة 300 في المائة من استخدام أي أداة مستقلة للذكاء الاصطناعي التوليدي».

صعود الروبوتات

على الرغم من أن الروبوتات الشبيهة بالبشر في عام 2026 قد لا تصل إلى المستويات التي يتوقعها إيلون ماسك، فمن المرجح أن نشهد زيادة كبيرة في الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وفقاً لشركة «ديلويت». ومن المتوقع أن يصل عدد الروبوتات الصناعية إلى 5.5 مليون روبوت.

هذه بداية موجة جديدة، قد تشهد زيادة في الشحنات السنوية حتى تصل إلى مليون روبوت سنوياً بحلول عام 2030. وتعزو الشركة هذه الزيادة إلى نقص العمالة و«التطورات الهائلة في القدرة الحاسوبية».

«تسونامي» من الدعاوى القانونية

تواجه شركات الذكاء الاصطناعي بالفعل عدداً من الدعاوى القضائية، أبرزها قضايا يدّعي فيها المدّعون أن الذكاء الاصطناعي دفع أشخاصاً إلى الانتحار. وقد سلّط ذلك الضوء على غياب الضوابط التي تحكم هذا القطاع. لكن حتى الآن، لم تُبدِ الإدارة الاميركية اهتماماً يُذكر بوضع معايير صارمة لشركات الذكاء الاصطناعي، رغم أن بعض الولايات تحاول القيام بذلك.

تتوقع شركة «غارتنر» أنه بحلول نهاية عام 2026، سيتجاوز عدد الدعاوى القضائية المتعلقة بـ«الوفاة بسبب الذكاء الاصطناعي» 2000 دعوى. وتضيف الشركة أن الجانب الإيجابي لهذه المأساة هو أنها قد تدفع الجهات التنظيمية أخيراً إلى التركيز على قضايا السلامة.

وتكتب «غارتنر»: «يمكن أن تفشل أنظمة الصندوق الأسود - نماذج الذكاء الاصطناعي التي تتسم عمليات اتخاذ القرار فيها بالغموض أو صعوبة التفسير - لا سيما في القطاعات الحساسة مثل الرعاية الصحية والتمويل والسلامة العامة. وستصبح قابلية التفسير والتصميم الأخلاقي والبيانات النظيفة أموراً لا تقبل المساومة».

*مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا»


هل يعود شبح «السلاح الجيني» مع تطور الذكاء الاصطناعي؟

الخوف من تدمير الإنسان... بالعلم
الخوف من تدمير الإنسان... بالعلم
TT

هل يعود شبح «السلاح الجيني» مع تطور الذكاء الاصطناعي؟

الخوف من تدمير الإنسان... بالعلم
الخوف من تدمير الإنسان... بالعلم

في مطلع عام 2026، أعادت وسائل الإعلام البريطانية فتح ملف بالغ الحساسية، محذّرة من احتمال أن تُسهم تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في خفض «العتبة المعرفية اللازمة» لتطوير أسلحة بيولوجية، بل وذهبت بعض التحليلات إلى سيناريوهات قصوى تتحدث عن «عوامل مُمرِضة» قد تُصمَّم نظرياً لاستهداف خصائص بشرية، مثل العِرق، أو الجنس.

حين تعود الأسئلة القديمة بلغة جديدة

هذا الطرح أعاد إلى الذاكرة مخاوف أُثيرت قبل سنوات في الأوساط الطبية الغربية، من بينها تحذيرات عبّرت عنها الجمعية الطبية البريطانية (British Medical Association) في تقارير، ونقاشات أخلاقية تعود إلى مطلع الألفية، حين حذّرت من أن التقدّم السريع في علم الجينوم قد يفتح، في حال غياب الضوابط الأخلاقية، والتشريعية، الباب أمام سوء استخدام المعرفة الوراثية لأغراض تمييزية، أو عدائية. وقد أكدت الجمعية في حينه أن الخطر لا يكمن في العلم ذاته، بل في إمكانية توظيفه خارج الإطار الطبي، والإنساني، مشددة على ضرورة الرقابة الصارمة، ومنع أي انحراف قد يحوّل أدوات التشخيص والعلاج إلى وسائل إقصاء، أو أذى جماعي، لكن السؤال الجوهري اليوم ليس: هل يمكن تخيّل ذلك؟ بل: هل تسمح العلوم الحديثة فعلاً بحدوثه؟

الخوف من البيولوجيا في عصر الذكاء الاصطناعي

جذور الخوف: فكرة «السلاح الجيني»

انبثقت فكرة «السلاح الجيني» من تصوّرٍ مبسّط يرى أن البشر يمكن تقسيمهم وراثياً إلى أعراق متمايزة بحدود واضحة. غير أن هذا التصور اصطدم، مع تقدّم علم الوراثة، بحقائق علمية صارمة. إذ أثبتت الدراسات الجينومية واسعة النطاق أن البشر يتشاركون أكثر من 99.9 في المائة من مادّتهم الوراثية، وأن الفروق الجينية داخل المجموعة الواحدة غالباً ما تفوق الفروق بين المجموعات المختلفة.

وبعبارة علمية دقيقة: العرق مفهوم اجتماعي–ثقافي أكثر من كونه تصنيفاً وراثياً صالحاً للاستهداف البيولوجي.

الذكاء الاصطناعي: لتسريع للعلم لا كسر قوانينه

لا شك أن الذكاء الاصطناعي أحدث تحوّلاً عميقاً في الطب الحيوي، من خلال تسريع تحليل الجينوم، وتحسين اكتشاف الأدوية، ودعم ما يُعرف بالطب الدقيق، والعلاج الموجّه.

غير أن هذا التقدّم، كما تؤكد أحدث المراجعات العلمية، لا يمنح سيطرة مطلقة على البيولوجيا. ففي مراجعات منهجية نُشرت بين عامي 2024 و2025 في مجلات مرجعية، مثل «مراجعات نيتشر في علم الوراثة» (Nature Reviews Genetics) و«لانسيت للصحة الرقمية» (The Lancet Digital Health)، خلص الباحثون إلى نتيجة حاسمة:

لا توجد حالياً، ولا في المستقبل القريب المنظور، قدرة علمية واقعية على تصميم عامل بيولوجي يستهدف عِرقاً بشرياً محدداً بدقة يمكن ضبطها.

لماذا يفشل «السلاح الجيني» علمياً؟

تُجمع الأبحاث الحديثة على ثلاث حقائق رئيسة تقف عائقاً أمام هذا السيناريو:

* أولاً: التداخل الجيني الشديد بين البشر، وغياب أي «بصمة وراثية نقية» لأي مجموعة.

* ثانياً: تعقيد الشبكات البيولوجية، حيث تعمل الجينات ضمن منظومات تتأثر بالمناعة، والبيئة، ونمط الحياة.

* ثالثاً: الطبيعة المتحوّلة للعوامل المُمرِضة التي تجعل التحكم بسلوكها وانتشارها أمراً غير قابل للضبط.

لهذا وصفت مراجعة علمية حديثة فكرة الأسلحة الجينية الموجّهة بأنها (امتداد لخيال علمي قديم بلباس تقني جديد).

القلق الحقيقي: المعرفة لا السلاح

التحذيرات المعاصرة –ومنها ما ورد في تقرير لصحيفة «آي»– لا تتعلق باختراع «سلاح خارق»، بل بإمكانية سوء استخدام المعرفة، أو تسهيل بعض المراحل الثانوية، مثل البحث، أو التخطيط. وحتى منظمة الصحة العالمية أكدت في تحديثها للأمن البيولوجي لعام 2025 أن الخطر الأكبر على البشرية لا يزال يتمثل في الأوبئة الطبيعية، وأن تقوية أنظمة الرصد الصحي، والاستجابة السريعة هي خط الدفاع الأول، سواء في مواجهة تهديدات طبيعية، أو متعمّدة.

بين الخوف والحكمة

في هذا السياق، تبدو مقولة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل (Winston Churchill) بالغة الدلالة: «الخوفُ ردّ فعل، أمّا الشجاعة فقرار». فالخوف من التكنولوجيا مفهوم، لكن تحويل هذا الخوف إلى ذعر قد يكون أخطر من التكنولوجيا نفسها. أما القرار الحكيم، فيكمن في الحوكمة، لا في الهلع.

الجين والذكاء... طبّ ينقذ الحياة

من الذعر إلى الحوكمة

ان العلم الحديث لا يدعو إلى الطمأنينة الساذجة، ولا إلى تضخيم المخاطر، بل إلى مقاربة متوازنة تقوم على:

-حوكمة أخلاقية واضحة للذكاء الاصطناعي.

-تشريعات علمية دقيقة.

-تعاون دولي عابر للحدود.

-أنظمة صحية قادرة على الاحتواء والاستجابة.

وكما جاء في أحد تقارير الأكاديميات الوطنية الأميركية للعلوم (National Academies of Sciences)، فإن «أفضل حماية من أي تهديد بيولوجي ليست في عسكرة العلم، بل في تقوية الصحة العامة».

الخلاصة: العلم لا يُرعب... سوء استخدامه يفعل

يعيد الذكاء الاصطناعي طرح أسئلة قديمة بلغة جديدة، لكنه لا يغيّر قوانين البيولوجيا.

أما «السلاح الجيني» الذي يستهدف الأعراق، فيبقى –وفق المعطيات العلمية الحديثة– فرضية إعلامية مثيرة، ولا يمثل خطراً علمياً وشيكاً. والتحدي الحقيقي ليس في الخوارزميات، بل في كيفية إدارتها أخلاقياً.

وحين يُدار العلم بالمسؤولية، يظل –كما كان دائماً– أداةً لحماية الإنسان... لا لإفنائه.


اكتشاف جينين يساهمان في كبح انتشار سرطان القولون والمستقيم

اكتشاف جينين يساهمان في كبح انتشار سرطان القولون والمستقيم
TT

اكتشاف جينين يساهمان في كبح انتشار سرطان القولون والمستقيم

اكتشاف جينين يساهمان في كبح انتشار سرطان القولون والمستقيم

في ظل استمرار المعركة العالمية ضد سرطان القولون والمستقيم، ثاني أكثر أسباب الوفاة المرتبطة بالسرطان حول العالم، كشفت بحوث حديثة عن مسارات جزيئية جديدة قد تُحدث نقلة نوعية في فهم تطور المرض وسبل إيقاف انتشاره. وعلى الرغم من أن فرص الشفاء تكون مرتفعة عند تشخيص المرض في مراحله المبكرة، فإنها تنخفض بشكل حاد عند حدوث «النقائل»؛ حيث تقل نسبة البقاء على قيد الحياة لخمس سنوات إلى أقل من 10 في المائة.

دراستان علميتان

ويشير مصطلح «النقائل» (metastases) إلى انتشار الخلايا السرطانية من الموقع الأصلي (الأولي) إلى أجزاء بعيدة من الجسم، ما يؤدي إلى الإصابة بالسرطان النقيلي الذي غالباً ما يصنَّف على أنه سرطان المرحلة الرابعة.

وتسلط دراستان علميتان حديثتان من الولايات المتحدة الأميركية الضوء على آليات مختلفة؛ لكنها متكاملة، لاستهداف تطور السرطان من خلال تحديد بروتينات وجينات تلعب دوراً محورياً في تقوية الورم في مراحله الأولى، أو في تمكينه من الانتشار إلى أعضاء أخرى.

منع الورم من اكتساب القوة مبكراً

يركز فريق بحثي بقيادة الدكتورة نان غاو، من قسم علم الأدوية وعلم وظائف الأعضاء وعلم الأعصاب، بكلية «روتجرز هيلث- نيوجيرسي» الطبية، في دراسة نُشرت نتائجها في مجلة «American Cancer Society» في 4 ديسمبر (كانون الأول) 2025، على بروتين يُعرف باسم «Cdc42-v2» يعمل كـ«مفتاح جزيئي» يتحكم في نمو الخلايا. وفي الظروف الطبيعية يوجد هذا البروتين بشكل رئيسي في الدماغ؛ لكن الباحثين وجدوا أنه يظهر بشكل غير طبيعي في خلايا سرطان القولون داخل الأمعاء.

وعندما يتم «تشغيل» هذا البروتين عن طريق الخطأ، فإنه يساعد الخلايا السرطانية على النمو واكتساب طفرات متعددة تجعل الورم أكثر عدوانية. وأظهرت التجارب على الفئران أن الخلايا الجذعية السرطانية في الأمعاء تعتمد على البروتين للبقاء والتكاثر. وعندما قام الباحثون بتعطيل هذا البروتين أو إزالته، توقف نمو الورم بالكامل.

وتشير هذه النتائج إلى إمكانية تطوير علاجات تستهدف بروتين «Cdc42-v2» مباشرة، ما قد يسمح بإيقاف سرطان القولون في مراحله المبكرة، قبل أن يصبح أكثر خطورة أو يبدأ في الانتشار.

جينات تمنع الانتشار

وفي دراسة أخرى نُشرت في مجلة «Proceedings of the National Academy of Sciences» في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، استخدم باحثون بقيادة كريستوفر لينغنر، وأندريس بلانكو، من قسم العلوم الطبية الحيوية في كلية الطب البيطري بجامعة بنسلفانيا، تقنيات متقدمة لتحرير الجينات باستخدام نظام «كريسبر» إلى جانب نماذج مخبرية تحاكي أورام القولون البشرية. وكان هدف الفريق تحديد الجينات التي تمنع السرطان من الانتشار، من خلال تعطيل جينات معينة، ومراقبة ما إذا كان ذلك يؤدي إلى حدوث نقائل.

وأسفرت هذه الدراسة المنهجية عن تحديد جينين رئيسيين يعملان كحاجز أمام الانتشار السرطاني، هما «Ctnna1» و«Bcl2l13».

ويلعب الجين «Ctnna1» المعروف باسم «ألفا-كاتينين» دوراً في الحفاظ على تماسك الخلايا معاً، ما يمنعها من الانفصال والهجرة إلى الأنسجة المجاورة. وعندما يتعطل هذا الجين تصبح الخلايا أكثر قدرة على الحركة والغزو، وهي خطوة أساسية في عملية النقائل.

أما الجين «Bcl2l13» فيعمل بطريقة مختلفة؛ إذ يحفِّز نوعاً خاصاً من موت الخلايا، يحدث عندما تنفصل الخلايا الظهارية عن طبقتها الطبيعية. وهذا يمنع الخلايا التي غادرت الورم الأصلي من البقاء في أماكن غير مناسبة. وتشير النتائج إلى أن الخلايا السرطانية المنتشرة قد تقوم بتثبيط هذا الجين، لتفادي الموت، واستمرار النمو في أعضاء أخرى.

آفاق علاجية واعدة

وقد اعتمد الباحثون في هذه الدراسة على إنشاء أورام قولونية مصغَّرة في المختبر، ثم اختبار قدرتها على الانتشار داخل نماذج حية، ما أتاح مقارنة دقيقة مع سلوك سرطان القولون لدى البشر. وأكدت النتائج أن الفحص الجيني واسع النطاق يمكن أن يكشف عن منظِّمين أساسيين لعملية الانتشار السرطاني.

ويرى العلماء أن الخطوة التالية تتمثل في تحديد الجينات التي تعزز النقائل بشكل مباشر؛ إذ تمثل هذه الجينات أهدافاً مثالية لتطوير علاجات جديدة أكثر دقة وفعالية.

وتؤكد هذه الاكتشافات مجتمعة أن فهم المسارات الجزيئية الدقيقة للسرطان لا يفتح الباب أمام علاجات أفضل فقط؛ بل قد يغير مستقبل التعامل مع المرض، من علاج متأخر للنقائل إلى تدخل مبكر يمنع السرطان من التقدم منذ بدايته.