تداعيات «عاصفة الحزم» تربك النظام الإيراني

تلاسن بين قادة طهران.. واحتجاجات أمام البرلمان

يمنيون من الحراك الجنوبي خلال مواجهات مع الحوثيين في مدينة عدن أمس (أ.ف.ب)
يمنيون من الحراك الجنوبي خلال مواجهات مع الحوثيين في مدينة عدن أمس (أ.ف.ب)
TT

تداعيات «عاصفة الحزم» تربك النظام الإيراني

يمنيون من الحراك الجنوبي خلال مواجهات مع الحوثيين في مدينة عدن أمس (أ.ف.ب)
يمنيون من الحراك الجنوبي خلال مواجهات مع الحوثيين في مدينة عدن أمس (أ.ف.ب)

يواجه النظام الإيراني ضغوطا متزايدة من الداخل قد تعرقل مساعيه لملء الفراغ الذي تعاني منه المنطقة العربية المضطربة. وأفادت مصادر المعارضة بوقوع تلاسن بين قادة طهران بالتزامن مع احتجاجات أمام البرلمان تتعلق بالأزمة الاقتصادية التي تتعرض لها البلاد، إضافة لخلافات حول خطة لزيادة تصدير النفط، من أجل مواجهة «الأزمة المالية الطاحنة».
ووفقا لمصادر إيرانية وعربية وأميركية، أدت تداعيات «عاصفة الحزم» التي يقوم بها تحالف إقليمي بقيادة المملكة العربية السعودية ضد المتمردين الحوثيين في اليمن، إلى تململ داخل النظام الداعم للحوثيين، بعد أن فوجئت إيران بتصميم التحالف على بسط الأمن والاستقرار في اليمن.
وقالت مصادر من المعارضة الإيرانية لـ«الشرق الأوسط» إنه جرى رصد «تلاسن» بين قادة عسكريين وقادة لميليشيات شبه عسكرية على خلفية توقيف عناصر من قوات الحرس الثوري الإيراني في عدة بلدان عربية على رأسها اليمن، وتعرض قادة آخرين للقتل في سوريا، إلى جانب إنفاق مليارات الدولارات على الميليشيات الشيعية الموالية لإيران، التي تعمل لمؤازرة نظم الحكم في العراق وسوريا والمتمردين في اليمن.
وشدد العقيد ويسلي مارتين، القائد العسكري الأميركي السابق بالعراق، في رده على أسئلة «الشرق الأوسط» على أنه أصبح يوجد أمل في التغيير في إيران، مشيرا إلى أن جمهور الإيرانيين ينظر للنظام باعتباره «بؤرة التطرف» ولا يمثل الشعب، وقال إن «عاصفة الحزم» كانت «مباغتة» لحكام طهران وكانوا يتصورون أن مهمتهم في اليمن ستكون سهلة.
مصادر المعارضة تحدثت عن تزايد متسارع في الأزمة الاقتصادية، وقالت إن إيران أنفقت على نظام بشار الأسد الخاضع للعقوبات الدولية أيضا، أكثر من خمسة مليارات دولار أميركي في شق واحد فقط يتعلق باستيراد منتجات بترولية، في الشهور الأخيرة، بينما يظل الدعم المالي للعمليات العسكرية في هذا البلد الذي يشهد ما يشبه الحرب الأهلية، غير معروفة، مشيرة إلى أن رغبة بعض القادة في طهران زيادة كمية الصادرات من النفط تعكس وجود مشكلة في تمويل آلة الحرب الخارجية بالمنطقة.
إيران البالغ عدد سكانها نحو 75 مليون نسمة، تحاول منذ نحو عشر سنوات التغلب على العقوبات الاقتصادية الدولية التي أسهمت في تزايد البطالة والركود وتراجع معدلات النمو وارتفاع سعر الدولار، رغم الرفع الجزئي للعقوبات على بعض الأنشطة الاقتصادية خلال الأعوام الأخيرة.
من جانبها أضافت مصادر المعارضة على هامش لقاء عقد الليلة قبل الماضية بين مجموعة منتقاة، عبر الإنترنت، أنه أصبح هناك اعتقاد يسود في الأوساط الشعبية الإيرانية عن أن انخراط بلادهم في حروب العراق وسوريا واليمن إضافة إلى الخلافات مع المجتمع الدولي، يزيد من الضائقة الاقتصادية التي تمر بها إيران، وأن «مجاميع من العمال والمعلمين تظاهرت في عدة مواقع في طهران وبلدات أخرى احتجاجا على تأخر صرف الرواتب طوال الشهور الأخيرة، منها مظاهرتان على الأقل أمام مبنى مجلس الشورى (البرلمان) الإيراني».
وكشف أحد قادة المعارضة عن معلومات تتعلق باستقبال المرشد الإيراني علي خامنئي لعدد من كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين في طهران ثلاث مرات على الأقل خلال الـ24 ساعة الماضية، وأنه بدا عليه «الشعور بخيبة الأمل والإحباط بسبب ما تحرزه عاصفة الحزم من تقدم»، مشيرا إلى أن هذه اللقاءات نتج عنها عدة تكليفات للقادة الإيرانيين، من بينهم وزير الخارجية، جواد ظريف، بتكثيف الاتصالات مع «أصدقاء إيران في الدول العربية والإسلامية»، وذلك في محاولة لمواجهة تداعيات «عاصفة الحزم».
ويكثف معارضون إيرانيون من اتصالاتهم في الداخل والخارج، للتنسيق حول التحرك ضد نظام الحكم الذي يسيطر عليه رجال الدين وقادة الميليشيات التي تحارب خارج حدود الدولة الإيرانية، إلى جانب اتصالات مع رموز من التجمعات السنية التي تنتشر في شرق البلاد، للوقوف ضد ممارسات نظام طهران في العراق وسوريا واليمن، و«توعية الجماهير الإيرانية بأن الأزمة الاقتصادية التي تتعرض لها البلاد، تأتي نتيجة طبيعية لسياسات إيران وتمويل حروبها بالمنطقة».
وتلقى أحد قادة المعارضة رسالة من تجمع عمالي إيراني كبير يحمل اسم «تحالف موظفي الفولاذ» سرد فيها المصاعب الاقتصادية التي تواجه ألوف العمال وأسفرت خلال أيام فقط عن فصل أكثر من 600 عامل. وجاء في الرسالة تفاصيل عن تأخر الرواتب وذكر فيها وفقا للمصادر: «هذه حالنا. من أين نطعم أطفالنا؟ وماذا نفعل؟». وتأخرت الرواتب أيضا، منذ ثلاثة أشهر، عن عشرات الألوف من العمال الصناعيين الآخرين، بينهم موظفون في الشركة الإيرانية المعروفة باسم «ماي وان».
وقال أحد رموز المعارضة إن اتصالات بين شخصيات معروفة بخصومتها التاريخية مع نظام طهران أسفرت من حيث المبدأ على الموافقة على تنشيط فعاليات احتجاجية في الداخل رغم القبضة الحديدية للحكم، وعقد مؤتمر للمعارضة في الخارج، خلال الفترة المقبلة، بالتزامن مع «الحراك الجماهيري المتوقع أن يتصاعد في الداخل.. الغضب من تردي الأحوال الاقتصادية قابل للانفجار».
وأضاف: لقد تمكن قائد عمالي من شركة «زنجان» الصناعية من رفع صوته عاليا أمام أحد أبواب مجلس الشورى، وأبلغ النواب رسالة عن تدهور أحوال معيشة العمال وأن «الوضع لم يعد يطاق». بينما كان باب آخر من أبواب مجلس الشورى يشهد مظاهرة احتجاجية لمجموعات من معلمي المدارس، بسبب تأخر الرواتب أيضا.
ووفقا لأحد مصادر المعارضة، وأمام تكرار المظاهرات الاحتجاجية حول مبنى البرلمان، اضطر رئيس مجلس الشورى، علي لاريجاني، لعقد اجتماعات مع موظفي المجلس النيابي قبل يومين «في محاولة لتصوير الأمر وكأن إيران وثورة الخميني، تتعرض لمؤامرة خارجية.. هذا الخطاب هو عادة ما يقدمه قادة إيران للشعب في وقت الأزمات»، مشيرا إلى أن لاريجاني تحدث أيضا عن أن «الدول الكبرى تعمل على إثارة الفتن، وأن الشعب اليمني المظلوم يتعرض لمشاكل، ودعا الشعب للصبر».
وأوضحت المصادر أن من بين الشخصيات التي ترددت على مقر المرشد خامنئي، بخلاف وزير الخارجية ظريف، أحد كبار المقربين من النظام، وهو رضا بوردستان، الذي يشغل موقع قائد القوات البرية في الجيش. وأضافت أن بوردستان تحدث مع خامنئي عن مجمل العمليات التي يقوم بها «الحرس الثوري الإيراني»، في العراق وسوريا واليمن، وتطرق إلى «تأثير الكلفة المالية لهذا النشاط على ميزانية الدولة والجيش والقوات البرية»، وقدم رؤيته لـ«التطورات المحتملة لعملية عاصفة الحزم، وما يمكن أن تقوم به إيران من خيارات في حال أصبح هناك تدخل بري عربي في اليمن».
يأتي هذا في وقت كشفت فيه مصادر أميركية وعربية عن مشاكل عدة أصبحت تواجه إيران وهي تسعى بشكل محموم، ما بين العراق وسوريا واليمن، للهيمنة على المنطقة، على رأسها المشاكل الاقتصادية والعزلة الإقليمية والشكوك الدولية. وبحسب المصادر يتعرض النظام الإيراني لضغوط أخرى من جانب بعض الدول الغربية على خلفية «التدخلات السافرة»، و«ما تمثله من إثارة المزيد من الفوضى.. هذه تصرفات تثير القلق».
وقال القائد الأميركي، العقيد مارتين، الذي عمل لسنوات في مهام عسكرية عدة بالعراق منها مكافحة الإرهاب، في رده على أسئلة «الشرق الأوسط» إن إيران تحاول «ملء الفراغ في الشرق الأوسط، عقب تراجع الولايات المتحدة الأميركية عن دورها في المنطقة»، بينما أوضح الدكتور باراك بارفي، من مؤسسة أميركا الجديدة البحثية، لـ«الشرق الأوسط»، بعد أن زار اليمن عدة مرات إن «فتور همة الرئيس باراك أوباما تجاه قضايا منطقة الشرق الأوسط فتح الباب لزيادة تأثير طهران في العالم العربي، وهذا أمر يمثل خطرا على المستقبل».
ولا يوجد في حديث المصادر الأميركية والعربية تفاؤل يذكر بقدرة طهران الاقتصادية في تحقيق نجاحات في سياسة الهيمنة التي تسعى وراءها. دربت إيران الحوثيين لكنها زادت من وتيرة هذا التدريب والمساعدات في الشهور الأخيرة مستغلة عملية التحول السلمي للسلطة للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي وحكومته. وكلفها هذا أموالا طائلة إلى جانب ما تنفقه على النظام السوري وفي حروب العراق الطائفية.
ويعتمد الاقتصاد الإيراني على تصدير النفط والغاز إلى حد كبير، لكن أي تعديل بالزيادة في خطط التصدير ستتطلب عدة سنوات، كما يقول الخبير الاقتصادي المصري، الدكتور محمود عبد الله، بينما هي في حاجة في الوقت الراهن لمزيد من الأموال للإنفاق على «أصدقائها». ومن جانبه قال الأميركي بارفي: «نعم.. ما لدينا من معلومات أن دعم طهران للحوثيين، بالأموال والتدريب والأسلحة، ارتفع بشكل كبير في الفترة الأخيرة».
وأضاف العقيد مارتن، على الصعيد نفسه، أن الميليشيات الشيعية التابعة لقوات الحرس الثوري وقوة القدس في العراق تقوم بسفك الدماء وأن الوضع هناك «لن يتحسن ما لم تخرج قوات الحرس الثوري التابعة للنظام الإيراني بشكل عام، وقائدها قاسم سليماني على وجه التحديد، من العراق»، قائلا إن «سليماني هو قائد العمليات الإرهابية التي تجرى في كل من العراق وسوريا واليمن، وأن المواطنين هناك هم مَن يدفعون ثمن تداعيات هذه العمليات».
وفي مصر التي تشارك في «عاصفة الحزم» ارتفعت وتيرة الانتقادات للنظام الإيراني، وأنشطته التوسعية في العالم العربي، مع احتمال «ظهور أمراض اقتصادية في إيران أكبر من تلك التي ظلت تعاني منها في السابق بسبب العقوبات الدولية»، وفقا للخبير الاقتصادي عبد الله، بينما قال الدكتور فتحي المراغي، الأستاذ في جامعة عين شمس، والمتخصص في الشؤون الإيرانية، إن طهران تعمل بكل الوسائل لتفتيت الوطن العربي، وإنها يمكن أن تفعل كل ما تتخيله لتحقيق هذا الغرض.
لكن هل تستطيع؟ هذا أمر مشكوك فيه اقتصاديا على الأقل. فإيران تلعب لعبة خطرة، كما أوضح تقرير بعنوان «الاتجاهات الحاكمة لمستقبل النظام العربي في ظل إقليم مضطرب»، أعده المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه.
قال التقرير إن إيران يمكن أن تكون قادرة على مجابهة الضغوط الدولية التي وضعت نفسها فيها «بمقدار وقوف روسيا والصين إلى جانبها»، مشيرا إلى أن أهم المخاطر التي تمر بها المنطقة العربية «تزايد أدوار الفاعلين من غير الدول التي بدأت تسيطر على مناطق أو أجزاء واسعة من عدة بلدان مثل العراق وسوريا وليبيا واليمن، والسعي لتكوين إمارات إسلامية بما يؤدي إلى تزايد قوى عدم الاستقرار داخل النظام العربي».
العميد عادل العمدة المستشار بأكاديمية ناصر العسكرية العليا بمصر، أضاف أن إيران تصدر تهديدات للمنطقة العربية.. الكل أصبح يدرك هذا.. هذا له كلفة وثمن. لقد تسببت في تدمير الجيش العراقي والجيش السوري ثم توجهت لليمن، ضمن مخطط لتدمير الأمة العربية لصالح «الدولة الفارسية».. الكلفة كبيرة ليس على الصعيد السياسي فقط، ولكن، كذلك، على وضع الاقتصاد الإيراني.
وأوضح الدكتور عبد الله، أن الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى، إلى جانب تدخلها في الدول العربية، يجعل الإيرانيين يشعرون بالمهانة «فبعد سنوات من التقشف الاقتصادي، بسبب القعقعة حول برنامجها النووي، أصبحت تبحث عن انتصار بديل أمام الرأي العام الداخلي، ولهذا اتجهت لفتح حرب في اليمن، لكن لا أعتقد أن هذا سينطلي على الشعب الذي يعاني أصلا من جراء العقوبات الاقتصادية ونزيف الأموال في حروب بالوكالة».
ونظم معارضون إيرانيون، الليلة قبل الماضية، مؤتمرا صحافيا للعقيد مارتن، عبر الإنترنت أيضا، وطرحت عليه «الشرق الأوسط» عدة أسئلة. وأعرب مارتن عن القلق من سياسات طهران، وأوضح قائلا إن الميليشيات الشيعية التي تتلقى توجيهاتها من قوة «فيلق القدس» و«فيلق بدر»، حولت الأوضاع في العراق لحرب أهلية.
هل لديها القدرة في الاستمرار على فعل هذا. هل سيمكنها التغلب على المصاعب الاقتصادية وحل مشاكلها مع العالم بخصوص برنامجها النووي. بل هل توجد قدرة على تحقيق طموحها في استغلال التراجع الأميركي بالمنطقة للدخول كلاعب رئيسي بدلا منه والاستمرار في تمويل الميليشيات والمتمردين، بينما هي تعاني من ارتفاع نسبة التضخم إلى درجة تقترب من 50 في المائة.
وعلى نفس طريقة الدكتور بارفي، عاب العقيد مارتن على سياسة أوباما وتراجعها في منطقة الشرق الأوسط، قائلا إنه ليست هناك سياسة للولايات المتحدة وأن النظام الإيراني هو الذي يحاول ملء الفراغ بالمنطقة في الوقت الحالي، مشيرا إلى أن واشنطن «لم تغلق عينيها عما تقوم به إيران في العراق فحسب، بل نفذت طلعات جوية في هجماتها دعما لقوات فيلق القدس (الإيراني) في العراق»، وقال إن النظام الإيراني «مصدر للإرهاب في العالم، ولا يمكن الوثوق به».
وأضاف العقيد مارتن أنه يتفق مع تقييم الجنرال ديفيد بترايوس (القائد السابق للقوات الأميركية في العراق) بأنه، على المدى الطويل، تعد إيران الخطر الأكبر على العراق من تنظيم داعش، مشيرا إلى أن «الجنرال بترايوس فاز بالحرب في العراق.. أما أوباما فإنه خسر السلام في هذا البلد».
وعلق مارتن على مساعي المعارضة الإيرانية للتحرك خلال الفترة المقبلة، بقوله إن جمهور الإيرانيين ينظرون إلى نظام الحكم الحالي في طهران باعتباره «بؤرة التطرف الإسلامي» وأنه «لا يمثل الشعب الإيراني»، مشددا على أنه «يوجد أمل في التغيير في إيران». وقال: «لا يمكننا أن نبقى صامتين في الوقت الذي نرى فيه قوى الشر (إيران وداعش) تقوم بتدمير الشرق الأوسط».
ووجه انتقادات شديدة اللهجة لـ«عدوانية النظام الإيراني بالمنطقة»، ووصف عملية «عاصفة الحزم» بأنها «كانت مباغتة بالنسبة لحكام طهران الذين كانوا يتصورون أن مهمتهم في اليمن ستكون سهلة».



السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.


حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.