حكايات حول جديد ستيفن سبيلبرغ «وست سايد ستوري»

عمد إلى فيلم كلاسيكي وغيره

«وست سايد ستوري» نسخة 2021
«وست سايد ستوري» نسخة 2021
TT

حكايات حول جديد ستيفن سبيلبرغ «وست سايد ستوري»

«وست سايد ستوري» نسخة 2021
«وست سايد ستوري» نسخة 2021

اختيارات ستيفن سبيلبرغ من المشاريع التي يقفز لتحقيقها، في السنوات العشرين الأخيرة، تبدو غريبة بعض الشيء. غريبة حسب عرفي الإجادة والتنويع. مستوياتها العليا تتقابل مع إخفاقات فنية وتجارية.
أسئلة واختيارات
ما بين 2001 و2002 كان له فيلمان جيدان بارزان هما «ذكاء اصطناعي» و«تقرير الأقلية» وكلاهما كان من نوع الخيال العلمي. أتبعهما سبيلبرغ بفيلمين خفيفين (وإن كانا على درجة من الحذق) هما «أقبض علي لو استطعت» و«ذَا ترمينال». ثم عاد إلى نوع الخيال العلمي، سنة 2005، بفيلم «حرب العوالم» (War of the World) الذي حمل هنات رغم حسنات عدة. في العام ذاته انتقل من الترفيه إلى الموضوع الجاد في «ميونيخ» الذي واجه انتقادات فنية وسياسية.
لكن «ميونيخ» كان أفضل بمرات عدة من «إنديانا جونز ومملكة الجمجمة الكريستال» (Indiana Jones and the Kingdom of the Crystal Skull) سنة 2008 «مغامرات تنتن» (The Adventures of Tintin) سنة 2011 «حصان الحرب» (2011) ماثل «مغامرات تنتن» في مستواه و«لينكولن» (2012) جاء متوسط القيمة. الأفضل منه «جسر الجواسيس« (2015) وهذا كان أفضل من فيلمه اللاحق BFG سنة 2016.
في العام 2018 قدم فيلماً جيداً (وإن لم يكن من أفضل أعماله) وهو «ذَ بوست» تبعه بفيلم ميكانيكي الصنعة بعنوان Ready Player One لم يشهد نجاحاً جماهيرياً يُذكر كحال أكثر من فيلم ورد في هذه الفترة.
انتقاله الدائم ما بين الفيلم الجاد «ذكاء اصطناعي» و«ميونيخ»، و«جسر الجواسيس»، وبين أفلام ترفيهية على شاكلة «مغامرات تنتن» و«إنديانا جونز…» و«ريدي بلاير وَن») هو أحد جانبين مثيرين للاهتمام في خياراته. الجانب الثاني هو صعود وهبوط مستوى أعماله كما لو أن العاطفة تحتل المقدمة التي كان من المفترض بها أن تقود. لذلك يأتي اختياره تحقيق إعادة صنع لفيلم روبرت وايز وجيروم روبنز «وست سايد ستوري» مثيراً للتساؤل. هل كان هدفه إحياء عمل كلاسيكي وإضافة مستلزمات التنفيذ الحديثة عليه؟ هل أراد إلقاء تحية على المسرحية التي تم اقتباس فيلم 1961 عنها؟ أو هو أراد إنجاز فيلم ميوزيكال يضعه بجانب أفلام الخيال العلمي وأفلام المغامرات والسير الذاتية والتاريخية التي قام بها؟
ما هو مؤكد أن المخرج يلوح بيده للأوسكار لعله يحظى به عن هذا الفيلم كما كان حظي به عندما أخرج «شيندلر ليست» سنة 1993.
وهناك تقسيم آخر يمكن اللجوء إليه حين النظر إلى سينما سبيلبرغ. هو مدى علاقته الشخصية بالمواضيع المثارة وحبه لدخول مناطق تشكل تحدياً. هذا حدث مع أفلام سابقة له مثل «ذا كولور بيربل» (1985) وفي «أميستاد» (1997) وفيهما عاين مواضيع تخص الأفرو - أميركيين. وكان سبق له أن حقق عملاً رائعاً من بطولة كريستيان بايل حين كان هذا الممثل ولداً في نحو الرابعة عشر عاما هو «إمبراطورية الشمس» (1987).
هذا يكشف عن مخرج يريد - ولو من حين لآخر - معالجة قضايا جادة، ولو أنه يقع في المشكلة الدائمة وهي تناوله العاطفي الواضح لتلك القضايا. هو مخرج لا يفصل بين مشاعره العميقة وبين مادته المؤفلمة في مثل هذه الأفلام ولا في تلك الترفيهية كحال سلسلة «إنديانا جونز» على سبيل المثال.

ما بين فيلمين
هي الحكاية الشكسبيرية العاطفية «روميو وجولييت»، التي تم نشرها أول مرة سنة 1562 بعدما تم نقل العداوة ما بين عائلات فيرونا في إيطاليا إلى عصابات شوارع أحد أحياء مدينة نيويورك. وفي حين أن تراجيديا روميو وجولييت تقع في رحى عائلتين أرستقراطيين، فإن نسخة 1961 المتحورة من تلك التراجيديا توفر أحداثاً تقع بين عصابتين واحدة لاتينية (بيورتو ريكان) والأخرى بيضاء (كلاهما ينتسبان إلى الطبقة الأدنى) تتقاسمان طرفي الحي ويرتفع سقف التنافس عندما تقع ماريا اللاتينية في حب توني الأبيض. في مسرحية شكسبير (التي تم اقتباسها مباشرة في العديد من المرات سابقاً وإلى اليوم) ينتهي الصراع بموت العاشقين على عكس ما يحدث في نسخة روبرت وايز وجيروم روبنز حيث يُقتل توني وتبقى ماريا حية. لكن كما المسرحية يؤدي القتل إلى تراجع العداوة بين العائلتين / العصابتين وإحلال السلام.
خلف الستائر المسدلة حين بدأ التصوير، هناك حقيقة أن «وست سايد ستوري» الأول ينتمي إلى روبرت وايز أكثر مما ينتمي إلى جيرومي روبينز الذي ما زالت الكثير من المواقع والمراجع تريد زج اسمه. الذي حدث أن وايز، كونه سينمائيا محترفا لم يستطع قبول روبينز المسرحي المحترف وأوعز لشركة يونايتد آرتستس بذلك. هذا ما أدى بروبنز إلى ترك المشروع ما يجعل من الطبيعي إسناد الفيلم إلى وايز أساساً. أول ما يطالعنا في الفيلم الجديد أن نسخة سبيلبرغ الحالية تختلف في المنهج والأسلوب عن تلك الكلاسيكية. معظم النقاد الأميركيين بارك هذا الاختلاف على أساس أنه تحديث معاصر. في واقعه هو تحديث معاصر بالفعل لكن المشكلة هي أن الفيلم يبدو آلياً في تنفيذه من دون التمتع بروح ذاتية.
على سبيل المثال، يأتي تصوير يانوش كامينسكي غريباً في انتقائه اللون البني المتدرج كخامة توفر نعومة في الصورة إنما من دون ما تفرزه الألوان الأخرى من تنويع تنفع في محاكاة المضمون الصدامي المفترض بين العصبتين.
إلى ذلك، فإن هذا التحديث لا يجاوره شعور ذاتي بالنص. ما يقوم التصوير عليه هو حركة كاميرا دؤوبة قد تصلح لفيلم تسجيلي من تلك التي قام بتحقيقها مارتن سكورسيزي لحفلات رولينغ ستونز الموسيقية وليس لفيلم عليه أن يتمتع برفع مستوى المضمون مع تنفيذ يوازي الحبكة في مداراتها ولا يتعارض.

قوميات
هذا لا يعني أن الفيلم الجديد خال من الجهد في عموم عناصره (من الكتابة إلى الإخراج وتصميم المناظر والتوليف حتى لناحية التصوير) لكنه الجهد الذي يؤدي إلى فيلم غير الذي ورد في النسخة السابقة مع رقصاتها واستعراضاتها التي التهمتها الكاميرا من دون وثوب ولهاث وبتصاميم رقص بديعة لا تسرق الضوء من الحكاية في الوقت ذاته.
يحرص السيناريست توني كوشنر، ثالث عمل بينه وبين سبيلبرغ بعد «ميونيخ» و«لينكولن»، على مراعاة شعور البيض واللاتينيين وما جاورهما. هناك حذر من التفضيل أو تقديم شخص أو أشخاص بمنظور مسيء.
هناك تلميحات (مثل القول بأن على البيض أن يقتنصوا الفرصة للتخلي عن حياة العصابات) وهناك التحري العنصري (هو أحد اثنين، الثاني لا يكن بغضاء لأحد) لكن المفاد هو أن الفيلم يحاول (لا ينجح دائماً) في ممارسة توازن صحيح.
ما ينجح أكثر من سواه إدارة سبيلبرغ ومعاونيه للرقصات من حيث تصاميمها وحركاتها وبالطبع في غنائها. هذه تغطي على بعض المشاكل في الإداء خصوصاً حين البحث عن الكيمياء شبه المفقودة بين بطلي الفيلم. كذلك من حسنات العمل تصميم المناظر (ما يُعرف بتصاميم الإنتاج) التي تشارك عملياً في إحياء الشعور بالانتماء إلى البيئة التي تقع فيها الأحداث.
لكن في حين أن الفيلم هو كناية عن قوميات متعددة (في مقدمتها البيض واللاتينيين لكنها تحتوي على بولنديي الأصل وعلى شخصية شاب مصري تقع حكايته في «الباك ستوري» لشخصية توني، إلا أن التمدد تجاه الموضع الجنسي لذلك «الرجل في ثوب امرأة» كما يقول «أنيبودي» واصفاً نفسه، يوصم التجربة بأسرها بأن سبيلبرغ وكاتبه كوشنر أرادا التبرع بإرضاء كل الفئات وتوزيع الشخصيات تبعاً لذلك.
هناك عشرة أفلام أخرى، على الأقل، تقدم شخصيات بطولية مثلية أو توحي، بقوة، بمثليتها توالى عرضها هذا العام من بينها «كرويللا» و«بنديتا» و«قوة الكلب». آخرها «ذا فلاش» الذي وُصف بأنه أول سوبرهيرو مثلي.
وجود شخصيات من هذا النوع في أفلام معينة ينقل واقعاً أو يوفر تنوعاً، لكن الترويج لها هو ما يجب على المجتمعات أن تحذره...


مقالات ذات صلة

فيلم «العقل والعاطفة»... معالجة جديدة أكثر واقعية وقسوة

يوميات الشرق ديزي إدغار-جونز وإسمي كريد-مايلز في المعالجة الجديدة لفيلم «العقل والعاطفة» (imdb)

فيلم «العقل والعاطفة»... معالجة جديدة أكثر واقعية وقسوة

نشأت المخرجة جورجيا أوكلي وهي تشاهد النسخة السينمائية لرواية جين أوستن «العقل والعاطفة» (1995)، وهو عمل نال المحبة بفضل السيناريو الممتع الذي كتبته إيما تومسون.

سارة باهر (نيويورك)
يوميات الشرق مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)

بعد مرور 20 عاماً: فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا يعود إلى «قصر فرساي»

تعود كوبولا لاستكشاف فيلم «ماري أنطوانيت» سينمائياً مرة أخرى؛ فبينما كانت تعمل على الفيلم قبل 20 عاماً، كانت هناك عين تراقب من كثب: والدتها إليانور.

لورا كابيل (باريس)
يوميات الشرق صورة مركبة للفنانة نادية لطفي و«سيدة الشاشة» فاتن حمامة والنجمة تحية كاريوكا

بالثوب الأبيض والقلب النابض... فنانات مصريات بمستشفيات حرب أكتوبر

«حرب الكرامة بالأبيض والأسود»... عندما قادت فاتن حمامة ونادية لطفي وتحية كاريوكا وهالة فاخر كتائب «الهلال الأحمر» بالمعادي.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق الفيلم السعودي «مسألة حياة أو موت» في منافسات «الأوسكار» (الشرق الأوسط)

9 أفلام عربية في سباق «الأوسكار» وسط منافسة دولية شرسة

من المقرّر إعلان القائمة القصيرة، التي تضمّ 15 فيلماً، في 15 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق الصلح يُعقد... والجرح يبقى (الجهة الإعلامية)

«البارح العين ما نامت»: حكاية زواج قسري من البقاع إلى المهرجانات العالمية

تدور الأحداث على الحدود بين لبنان وسوريا، حيث يشعل إحراق شاحنة خلافاً داخل مجتمع بدوي متماسك.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)
TT

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)

أول ما يسترعي الاهتمام حتى من قبل أن يبدأ فيلم «ديغر» في استعراض خطابه السياسي، ذلك القدر الكبير من الخيال الكامن في كتابته ثم ما يوازي ذلك الخيال حجماً من تنفيذ فني وإنتاجي. وهو في هذا يشترك مع عدد من أبرز أفلام السنوات الأخيرة، مثل «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا و«فرانكنشتاين» لغييرمو دل تورو و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن و«الأوديسا» لكريستوفر نولان.

إنها هذه الأفلام ومثيلاتها التي توعز بأن هوليوود لا تكتفي بتحقيق أفلام سهلة القبول لدى الجمهور السائد، بل، وبفضل مخرجين لهم الكلمة الأخيرة، تدفع باتجاه سينما ذات فن وكلمة.

توم كروز وريز أحمد في «ديغر» (وورنر برذرز)

جبل من الجليد

يلتقي فيلم «ديغر» لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو مع «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا في تصوّره عالماً غارقاً في اللهو والانشغال بذاته، إلى حد إهمال الأسئلة الجوهرية المتعلقة بسبب وجوده ومسار مستقبله.

لكن «ديغر» لا يتحدّث عن مستقبل بعيد، بل يضع ذلك المستقبل في قلب الحاضر، وكأنه واقع قائم بالفعل. بطله ديغر روكويل (توم كروز) أحد أكبر أصحاب القرار والنفوذ في العالم. ورث إمبراطورية النفط والغاز عن آبائه وأجداده، ثم وسّعها واستثمرها حتى بات يمتلك من السلطة والتأثير ما يجعل رئيس الولايات المتحدة (جون غودمان) يعقد اجتماعاته مع الوزراء والمستشارين في منزل ديغر، لا في البيت الأبيض.

يطير الرئيس إلى مقر ديغر ليبحث مستقبل الأرض بعدما تسبب الاحتباس الحراري في انفصال كتلة جليدية من القطب الشمالي، أخذت في الانجراف باتجاه أوروبا مهددة أجزاء واسعة منها. خلال اللقاء يتبادل الرجلان الاتهامات: الرئيس غاضب ولا يعرف كيف يتصرّف، وديغر يذكّره بأنه هو من وافق سابقاً على مشاريعه الاستثمارية. في هذه الأثناء كانت موجات التسوماني التي أحدثها انهيار جبل الجليد ابتلعت غرينلاند وهولندا وتواصلت في مسارها المدمر صوب ولاية ألاسكا وما بعدها.

يرسم إيناريتو صورة ساخرة وحقيقية محذّراً مما يفترض وقوعه إذا ما استمر العبث بالبيئة. إنه ليس افتراضاً بعيد الاحتمال، والسيناريو الذي كتبه المخرج بنفسه يروي حكاية مستندة إلى الواقع أكثر مما هي خيالية. الخيال والواقع هنا مدمجان بسهولة مثل ورقة ذات وجهين لا يمكن فصلهما.

ديغر أمام المجلس (وورنر برذرز)

معجزة في البال

يبدو ديغر، في مستهل الفيلم، شخصية لا تُطاق. لا يكترث بالآخرين ويكره آراءهم. معتد بنفسه ولا يقبل أن يقترح عليه أحد ما عليه فعله لأنه لا يطيق وجهة نظر مخالفة لما يراه.

عندما تقع الكارثة ويجتاح البحر أجزاء واسعة من أوروبا، يجد ديغر نفسه في مواجهة مجلس حاشد من الغاضبين المطالبين بمحاكمته. وكان مستشاره لشؤون البيئة، الدكتور غانش (ريز أحمد في أحد الأدوار الرئيسية)، قد واجهه منذ البداية بالحقيقة متهماً إياه بالمسؤولية المباشرة عما آلت إليه الأمور. غانش يدرك حجم الكارثة ولا يتردد في المجاهرة بها، حتى حين يرفض ديغر الاستماع إليه.

بعد معارضة يعترف ديغر أمام المجلس بمسؤوليته عن جزء مما حدث، لكنه يقلب الطاولة على الحاضرين، مذكّراً إياهم بأن الذنب ليس ذنبه وحده. فالقادة الذين منحوا التراخيص، ورجال الأعمال الذين سعوا وراء الأرباح، وحتى المستهلكون العاديون الذين طالبوا بالمزيد من الطاقة وما توفره من رفاهية وتقنيات حديثة، جميعهم شركاء في المسؤولية. وبذلك يحوّل إيناريتو الاتهام من فرد واحد إلى مجتمع بأسره، جعل من الاستهلاك المتزايد شرطاً للحياة المعاصرة، ثم فوجئ بالثمن البيئي الذي ترتب على ذلك.

يبدأ الفيلم بستارة مرسومة ترتفع كما لو أننا على وشك مشاهدة عرض مسرحي، وينتهي بتحويل العالم كله إلى خشبة مسرح. ففي المشهد الختامي، يقف الجمهور في الصالة مصفقاً لما شاهده من أحداث، أي للأحداث نفسها التي تابعناها نحن طوال الفيلم، وذلك بعد أن يلقي ديغر بنفسه في البحر.

وقبيل هذه النهاية، يقدّم الفيلم أحد أكثر مشاهده دلالة. فديغر، الذي بات يعيش على متن باخرة بعد الكارثة، يواجه مع مرافقيه أزمة نفاد الطعام. عندها يلجأ إلى الصلاة معتقداً أن معجزة ستنقذهم. يأمر الجميع بالركوع، ثم يقف ويرفع رأسه مبتسماً: لقد تحققت المعجزة وها هي الغرفة مليئة بالطعام. لكن هذا في خياله الجانح وحده. الباقون يدركون أن المعجزة لم تتحقق.

صوب الأوسكار

البداية بستارة مسرحية والنهاية المماثلة تعيداننا إلى فيلم إيناريتو «بيردمان‪:‬ الفضيلة غير المتوقعة للجهل» (Birdman or the Unexpected Virtue of Ignorance) الذي أخرجه سنة 2014 والذي دارت أحداثه داخل المسرح (ما عدا مشاهد قليلة). لكن هذا ليس اللقاء الوحيد بين الفيلمين. هناك أيضاً إدارة الكاميرا في مشاهد يتحرك فيها الممثل والكاميرا في ممرات ضيّقة بين الغرف. المصوّر في كلا الفيلمين واحد هو إيمانويل لوبيزكي.

ما هو مختلف هنا هو قيام المخرج بالاتفاق مع مدير التصوير باعتماد إضاءة باهتة خصوصاً في الساعة الأولى من الفيلم الممتد لنحو ساعتين وعشر دقائق. الضوء يفتقد الحدة والصفاء، إذ تغشاه مسحة باهتة تبدو جزءاً من رؤية الفيلم لعالم ديغر؛ عالم أقرب إلى حلم مضطرب أو كابوس مغبّش تذوب فيه الحدود بين الواقع والوهم. في مشاهد أخرى يميل الاختيار للون البنّي المشابه، حسب الفيلم، للعقلية التقليدية التي يتبناها ديغر والمسؤولين السياسيين والعسكريين.

لا يشبه أداء كروز في هذا الفيلم أي أداء سابق له. خطابه أمام المجلس يشبه خطاب ند بيتي في فيلم سيدني لومت «نتوورك» (1976) وروبرت دوڤال في «الحواريّ» (The Apostle) في 1997. يبدو كروز كما لو أنه أعاد اختراع نفسه وقد وصل إلى سن تسمح له بذلك.

السياسة في «ديغر» هي رداء يرتديه الفيلم بكامله. الرئيس الأميركي قُصد به أن يكون كاريكاتورياً، كذلك المحيطون به. مشكلته أنه آخر من يعلم في كل شيء. لا يستطيع أن يجد حلاً لشيء (ويعترف بذلك) لذا فإن القرار السهل هو لوم الصين وروسيا وشن حرب نووية عليهما، أي مواجهة كارثة بأخرى.

لكن الفيلم يقع في فخ صعب، إذ يطرح الأزمة بقوة ثم يعمد لتمييعها. كما في مشهد المحاكمة التي يخرج ديغر منها منتصراً بعدما وزع المسؤولية على الآخرين.

وفي النهاية يقرر إيناريتو إحالة كل ما سبق إلى عرض مسرحي داخل الفيلم. كان مارتن سكورسيزي خسر قضيّته في «قتلة فلاور مون» (2023) عندما حوّل الفيلم في نهايته إلى برنامج إذاعي. إيناريتو يكرر هذا النوع من النهايات الذي يكاد يُلغي المضامين السابقة ومفاداتها المهمّة.

لن يقف هذا المأخذ حائلاً دون نجاح الفيلم على صعيد الجوائز. فـ«ديغر» يمتلك كل المقومات التي تدفعه بقوة نحو موسم الأوسكار من ناحية الإخراج والتمثيل. إنه من تلك الأفلام التي تخاطب المزاج السائد في المرحلة الراهنة، حيث يتصاعد النقد الموجه إلى أصحاب القرار السياسي والاقتصادي، وإلى السياسات القصيرة النظر التي تهدد مستقبل العالم.


شاشة الناقد: فيلمان جديدان من بطولة براد بت وإيزابل أوبير

إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
TT

شاشة الناقد: فيلمان جديدان من بطولة براد بت وإيزابل أوبير

إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).

THE BLOOD COUNTESS

★★* إخراج: أولريك أوتنغر

* ألمانيا (2026)/ عروض تجارية.

حرصت المخرجة الألمانية أوتنغر على تقديم فيلم عن مصاصي الدماء يختلف عن كل ما سبقه في هذا الحقل؛ ولذلك سخّرت معظم عناصر العمل لتحقيق هذا التميّز.

مصاص الدماء هنا هو امرأة ذات اسم لا يمكن حفظه هو «بلوتغرافن إرزابت باثوري» (إيزابل أوبير). تصل ليلاً إلى ڤيينا بعد غياب سنوات، ولا تمضي دقائق حتى تنقضّ على رقبة الضحية الأولى. الآخرون حولها يتمتعون أيضاً بأسماء غريبة مثل «بروتوس فون باثور زو كلينغنفلز» و«رودي بوبي فون سترودي» و«غيهايمرات لايشنبيتر». من حسن الحظ أن هذه الأسماء ليست الوحيدة التي تدفع نحو الاختلاف، بل هناك جهد بصري مبذول بعناية فائقة لتأمين ذلك الهدف.

عندما تكتشف «بلوتغرافن» أن هناك من يبحث عن كتاب يستطيع به إبادة الفامبايرز، فإنها تنبري للحصول على ذلك الكتاب لحماية نفسها وأمثالها، وذلك بمساعدة خادمتها «هرمين» (بريجت مينيشماير). هناك تمثيل متوازٍ في حسناته بين أوبير ومينيشماير، لكن باقي الشخصيات لا تترك الأثر نفسه، خصوصاً أن إدارة المخرجة لها قائمة على مبدأ العناية ببطلة الفيلم ومساعدتها أولاً.

بصرياً «ذَ بلود كاونتَس» أخّاذ في جوانب كثيرة. التصاميم الفنية؛ كذلك تصاميم الملابس، والديكورات الداخلية. تستخدم المخرجة ومدير تصويرها إضاءة كافية لإبعاد شبح أفلام الرعب الداكنة. في الواقع تُثري المخرجة الفيلم بتعدد الألوان بدل أن تقّلد الأفلام الأخرى. لكنها عناية تنقلب على نفسها حال يتبدّى أن الفيلم إنما يستند في معظم أحداثه على قصّة بسيطة المفارقات. بذلك تبدو بصريات الفيلم وتصاميمه وألوانه مثل غلاف لمحتوى محدود الفاعلية.

HEART OF THE BEAST

★★1/2

* إخراج: ديڤيد آير (Ayer)

* الولايات المتحدة (2026)/ عروض تجارية.

«جيمس » (براد بت) محاربٌ سابق يستقل وكلبُه «أودين» طائرة برمائية في رحلة مفتوحة التوقعات. الطائرة تسقط في بعض مجاهل ألاسكا (تم التصوير في آيسلندا)، ومن هنا فصاعداً تتوالى فصول الحكاية التي تعتمد على مشاهد الخطر المتوالية. يحشد الفيلم للكثير من هذه المشاهد؛ من السقوط من علٍ في نهر جارف، إلى مواجهة دب ضخم، ومن نوبة قلبية تصيب «جيمس»، إلى هجوم ذئاب جائعة عليه وعلى كلبه. هذا إلى جانب صعوبة الرحلة قبل وبعد إصابات يتعرّضان لها. كلاهما يشرف على الغرق. كلاهما يُصاب، وكلاهما ملتحم مع الآخر في مصير واحد.

براد بت في «قلب الوحش» (باراماونت).

وسط كل هذا، هناك تلك العلاقة الوطيدة بين الكلب وصاحبه. هي علاقة حب يوظّفها الفيلم لمنح مشاهديه مشاعر تطفو فوق الواقع وتحتفي بالعاطفة. يعتمد الفيلم كثيراً على تلك العلاقة وكيف أنها لا تخبو أو تتوقف. تمر بامتحانات كثيرة، وتتجاوزها دائماً. إنه فيلم عن رجل وكلبه كما كانت رواية إرنست همنغواي «العجوز والبحر»؛ الكلب ملاذ «جيمس» بينما البحر ملاذ «العجوز». الفارق أن القيمة الأدبية تنتمي إلى رواية همنغواي على تواضع الفيلم الذي استُخلص منها.

في «قلب الوحش» مشاهد فلاشباك سريعة لـ«جيمس» في رحى الحرب العراقية حيث خدم سابقاً. لا ينوي الفيلم استخدام تلك المشاهد تعليقاً. ربما كان من الممكن منح الفيلم بعض العمق الذي يحتاجه لو فعل، لكن من ناحية ثانية سيكون التعليق إضافة لا لزوم لها في سياق وطبيعة الفيلم.

أداء براد بت توظيفي بدوره. الانفعالات لا تتجاوز ما هو مطلوب على الورق، وأداؤه في المشاهد التي لا تتطلب جهداً بدنياً رتيب. رغم ذلك؛ فإن الفيلم يُثير حب المتابعة بسبب ذلك الرجل وكلبه؛ لأن كليهما يحتاج الآخر.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.