حكايات حول جديد ستيفن سبيلبرغ «وست سايد ستوري»

عمد إلى فيلم كلاسيكي وغيره

«وست سايد ستوري» نسخة 2021
«وست سايد ستوري» نسخة 2021
TT

حكايات حول جديد ستيفن سبيلبرغ «وست سايد ستوري»

«وست سايد ستوري» نسخة 2021
«وست سايد ستوري» نسخة 2021

اختيارات ستيفن سبيلبرغ من المشاريع التي يقفز لتحقيقها، في السنوات العشرين الأخيرة، تبدو غريبة بعض الشيء. غريبة حسب عرفي الإجادة والتنويع. مستوياتها العليا تتقابل مع إخفاقات فنية وتجارية.
أسئلة واختيارات
ما بين 2001 و2002 كان له فيلمان جيدان بارزان هما «ذكاء اصطناعي» و«تقرير الأقلية» وكلاهما كان من نوع الخيال العلمي. أتبعهما سبيلبرغ بفيلمين خفيفين (وإن كانا على درجة من الحذق) هما «أقبض علي لو استطعت» و«ذَا ترمينال». ثم عاد إلى نوع الخيال العلمي، سنة 2005، بفيلم «حرب العوالم» (War of the World) الذي حمل هنات رغم حسنات عدة. في العام ذاته انتقل من الترفيه إلى الموضوع الجاد في «ميونيخ» الذي واجه انتقادات فنية وسياسية.
لكن «ميونيخ» كان أفضل بمرات عدة من «إنديانا جونز ومملكة الجمجمة الكريستال» (Indiana Jones and the Kingdom of the Crystal Skull) سنة 2008 «مغامرات تنتن» (The Adventures of Tintin) سنة 2011 «حصان الحرب» (2011) ماثل «مغامرات تنتن» في مستواه و«لينكولن» (2012) جاء متوسط القيمة. الأفضل منه «جسر الجواسيس« (2015) وهذا كان أفضل من فيلمه اللاحق BFG سنة 2016.
في العام 2018 قدم فيلماً جيداً (وإن لم يكن من أفضل أعماله) وهو «ذَ بوست» تبعه بفيلم ميكانيكي الصنعة بعنوان Ready Player One لم يشهد نجاحاً جماهيرياً يُذكر كحال أكثر من فيلم ورد في هذه الفترة.
انتقاله الدائم ما بين الفيلم الجاد «ذكاء اصطناعي» و«ميونيخ»، و«جسر الجواسيس»، وبين أفلام ترفيهية على شاكلة «مغامرات تنتن» و«إنديانا جونز…» و«ريدي بلاير وَن») هو أحد جانبين مثيرين للاهتمام في خياراته. الجانب الثاني هو صعود وهبوط مستوى أعماله كما لو أن العاطفة تحتل المقدمة التي كان من المفترض بها أن تقود. لذلك يأتي اختياره تحقيق إعادة صنع لفيلم روبرت وايز وجيروم روبنز «وست سايد ستوري» مثيراً للتساؤل. هل كان هدفه إحياء عمل كلاسيكي وإضافة مستلزمات التنفيذ الحديثة عليه؟ هل أراد إلقاء تحية على المسرحية التي تم اقتباس فيلم 1961 عنها؟ أو هو أراد إنجاز فيلم ميوزيكال يضعه بجانب أفلام الخيال العلمي وأفلام المغامرات والسير الذاتية والتاريخية التي قام بها؟
ما هو مؤكد أن المخرج يلوح بيده للأوسكار لعله يحظى به عن هذا الفيلم كما كان حظي به عندما أخرج «شيندلر ليست» سنة 1993.
وهناك تقسيم آخر يمكن اللجوء إليه حين النظر إلى سينما سبيلبرغ. هو مدى علاقته الشخصية بالمواضيع المثارة وحبه لدخول مناطق تشكل تحدياً. هذا حدث مع أفلام سابقة له مثل «ذا كولور بيربل» (1985) وفي «أميستاد» (1997) وفيهما عاين مواضيع تخص الأفرو - أميركيين. وكان سبق له أن حقق عملاً رائعاً من بطولة كريستيان بايل حين كان هذا الممثل ولداً في نحو الرابعة عشر عاما هو «إمبراطورية الشمس» (1987).
هذا يكشف عن مخرج يريد - ولو من حين لآخر - معالجة قضايا جادة، ولو أنه يقع في المشكلة الدائمة وهي تناوله العاطفي الواضح لتلك القضايا. هو مخرج لا يفصل بين مشاعره العميقة وبين مادته المؤفلمة في مثل هذه الأفلام ولا في تلك الترفيهية كحال سلسلة «إنديانا جونز» على سبيل المثال.

ما بين فيلمين
هي الحكاية الشكسبيرية العاطفية «روميو وجولييت»، التي تم نشرها أول مرة سنة 1562 بعدما تم نقل العداوة ما بين عائلات فيرونا في إيطاليا إلى عصابات شوارع أحد أحياء مدينة نيويورك. وفي حين أن تراجيديا روميو وجولييت تقع في رحى عائلتين أرستقراطيين، فإن نسخة 1961 المتحورة من تلك التراجيديا توفر أحداثاً تقع بين عصابتين واحدة لاتينية (بيورتو ريكان) والأخرى بيضاء (كلاهما ينتسبان إلى الطبقة الأدنى) تتقاسمان طرفي الحي ويرتفع سقف التنافس عندما تقع ماريا اللاتينية في حب توني الأبيض. في مسرحية شكسبير (التي تم اقتباسها مباشرة في العديد من المرات سابقاً وإلى اليوم) ينتهي الصراع بموت العاشقين على عكس ما يحدث في نسخة روبرت وايز وجيروم روبنز حيث يُقتل توني وتبقى ماريا حية. لكن كما المسرحية يؤدي القتل إلى تراجع العداوة بين العائلتين / العصابتين وإحلال السلام.
خلف الستائر المسدلة حين بدأ التصوير، هناك حقيقة أن «وست سايد ستوري» الأول ينتمي إلى روبرت وايز أكثر مما ينتمي إلى جيرومي روبينز الذي ما زالت الكثير من المواقع والمراجع تريد زج اسمه. الذي حدث أن وايز، كونه سينمائيا محترفا لم يستطع قبول روبينز المسرحي المحترف وأوعز لشركة يونايتد آرتستس بذلك. هذا ما أدى بروبنز إلى ترك المشروع ما يجعل من الطبيعي إسناد الفيلم إلى وايز أساساً. أول ما يطالعنا في الفيلم الجديد أن نسخة سبيلبرغ الحالية تختلف في المنهج والأسلوب عن تلك الكلاسيكية. معظم النقاد الأميركيين بارك هذا الاختلاف على أساس أنه تحديث معاصر. في واقعه هو تحديث معاصر بالفعل لكن المشكلة هي أن الفيلم يبدو آلياً في تنفيذه من دون التمتع بروح ذاتية.
على سبيل المثال، يأتي تصوير يانوش كامينسكي غريباً في انتقائه اللون البني المتدرج كخامة توفر نعومة في الصورة إنما من دون ما تفرزه الألوان الأخرى من تنويع تنفع في محاكاة المضمون الصدامي المفترض بين العصبتين.
إلى ذلك، فإن هذا التحديث لا يجاوره شعور ذاتي بالنص. ما يقوم التصوير عليه هو حركة كاميرا دؤوبة قد تصلح لفيلم تسجيلي من تلك التي قام بتحقيقها مارتن سكورسيزي لحفلات رولينغ ستونز الموسيقية وليس لفيلم عليه أن يتمتع برفع مستوى المضمون مع تنفيذ يوازي الحبكة في مداراتها ولا يتعارض.

قوميات
هذا لا يعني أن الفيلم الجديد خال من الجهد في عموم عناصره (من الكتابة إلى الإخراج وتصميم المناظر والتوليف حتى لناحية التصوير) لكنه الجهد الذي يؤدي إلى فيلم غير الذي ورد في النسخة السابقة مع رقصاتها واستعراضاتها التي التهمتها الكاميرا من دون وثوب ولهاث وبتصاميم رقص بديعة لا تسرق الضوء من الحكاية في الوقت ذاته.
يحرص السيناريست توني كوشنر، ثالث عمل بينه وبين سبيلبرغ بعد «ميونيخ» و«لينكولن»، على مراعاة شعور البيض واللاتينيين وما جاورهما. هناك حذر من التفضيل أو تقديم شخص أو أشخاص بمنظور مسيء.
هناك تلميحات (مثل القول بأن على البيض أن يقتنصوا الفرصة للتخلي عن حياة العصابات) وهناك التحري العنصري (هو أحد اثنين، الثاني لا يكن بغضاء لأحد) لكن المفاد هو أن الفيلم يحاول (لا ينجح دائماً) في ممارسة توازن صحيح.
ما ينجح أكثر من سواه إدارة سبيلبرغ ومعاونيه للرقصات من حيث تصاميمها وحركاتها وبالطبع في غنائها. هذه تغطي على بعض المشاكل في الإداء خصوصاً حين البحث عن الكيمياء شبه المفقودة بين بطلي الفيلم. كذلك من حسنات العمل تصميم المناظر (ما يُعرف بتصاميم الإنتاج) التي تشارك عملياً في إحياء الشعور بالانتماء إلى البيئة التي تقع فيها الأحداث.
لكن في حين أن الفيلم هو كناية عن قوميات متعددة (في مقدمتها البيض واللاتينيين لكنها تحتوي على بولنديي الأصل وعلى شخصية شاب مصري تقع حكايته في «الباك ستوري» لشخصية توني، إلا أن التمدد تجاه الموضع الجنسي لذلك «الرجل في ثوب امرأة» كما يقول «أنيبودي» واصفاً نفسه، يوصم التجربة بأسرها بأن سبيلبرغ وكاتبه كوشنر أرادا التبرع بإرضاء كل الفئات وتوزيع الشخصيات تبعاً لذلك.
هناك عشرة أفلام أخرى، على الأقل، تقدم شخصيات بطولية مثلية أو توحي، بقوة، بمثليتها توالى عرضها هذا العام من بينها «كرويللا» و«بنديتا» و«قوة الكلب». آخرها «ذا فلاش» الذي وُصف بأنه أول سوبرهيرو مثلي.
وجود شخصيات من هذا النوع في أفلام معينة ينقل واقعاً أو يوفر تنوعاً، لكن الترويج لها هو ما يجب على المجتمعات أن تحذره...


مقالات ذات صلة

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز