«حواديت المآذن»... ارتبطت بطموح الحكام وشهدت معاركهم ومؤامراتهم

إيهاب الحضري يكتب عن مساجد مصر والأسرار المخفية بين حجارتها

«حواديت المآذن»... ارتبطت بطموح الحكام وشهدت معاركهم ومؤامراتهم
TT

«حواديت المآذن»... ارتبطت بطموح الحكام وشهدت معاركهم ومؤامراتهم

«حواديت المآذن»... ارتبطت بطموح الحكام وشهدت معاركهم ومؤامراتهم

يرصد كتاب «حواديت المآذن – التاريخ السري للحجارة» الصادر عن دار «الفؤاد» بالقاهرة، للكاتب الصحافي إيهاب الحضري، الأدوار المهمة التي لعبتها مساجد مصر في تاريخها السياسي والاجتماعي، لافتاً إلى أنها تعد ثروة معمارية وأثرية، تُخفي بين حجارتها الكثير من الحكايات والمعارك التي ارتبطت بالطموح والمجد الشخصي للحكام في شتى العصور، وشهدت معاركهم ومؤامراتهم تحت عباءة الدين.
يبدأ الحضري رحلته بجامع «ابن طولون» لافتاً إلى أن ملايين المصريين لا يعرفون موقعه لكنهم يتداولون صورته يومياً دون أن ينتبهوا، فهي تتصدر العملة المالية من فئة خمسة جنيهات. على قمة جبل «يشكر» بنى أحمد بن طولون مسجده الفريد بعد أن وضع شرطاً بالغ الصعوبة وهو أن يصمد المبنى في مواجهة تقلبات الزمن. كان يريد بناء جامع «إذا احترقت مصر بقي وإن غرقت نجا» ربما لهذا السبب اختار الجبل الذي كان الناس في ذلك العصر يعتقدون أن سفينة نوح استقرت عليه بعد انتهاء الطوفان فارتفاعه يحمي المسجد من خطر الفيضان، كما أن الطوب الأحمر الذي استُخدم في بنائه يزداد صلابة إذا شب حريق في البناء! وبالفعل بقي المسجد صامداً بينما اختفت كل منشآت «القطائع»، عاصمة الدولة الطولونية التي توسطها لسنوات طويلة ليصبح أقدم المساجد القائمة على وضعها الأصلي منذ تشييدها، حيث يزيد عمره على عمر القاهرة بنحو قرن كامل، فقد تم تشييده في سبعينات القرن التاسع الميلادي. السلالم الخارجية لا تنقل الزائر إلى أعلى فقط بل تمنحه شعوراً بالسمو ينساب بداخله تدريجياً، وبعد خطوات قليلة من عبور بابه الضخم يشعر بأنه انتقل بين عالمين خصوصاً مع مساحة المسجد التي تصل لستة أفدنة ونصف. على الصحن المتسع تُطل مئذنته الملتوية الفريدة من أعلى لتمنح المكان خصوصية لا تتكرر في بقية مساجد مصر، فقد تم تشييده على غرار مئذنة سامراء تلك المدينة العراقية التي نشأ فيها ابن طولون فظلت حاضرة في وجدانه وقرر بناء عاصمة حكمه على طرازها.

مفارقات ابن طولون

يرتبط مسجد ابن طولون بحكايات حافلة بالدلالات، فإحدى القصص ترجّح أن المهندس الذي بناه مسيحي هو سعيد بن كاتب الفرغاني، مما يدل على مرحلة ذهبية كان النسيج فيها واحداً رفع شعار «الدين لله والوطن للجميع» قبل قرون طويلة من إطلاقه في العصر الحديث. والغريب أنه عند التفكير في بناء المسجد كان الفرغاني في السجن بدلاً من مكافأته على تشييد منشأة أخرى، فقد ذهب ابن طولون ليعاين المنشأة لكنّ قدم حصانه غاصت بموضع به جير لا يزال رطباً وتعثرت الفرس، واعتقد الأمير أن الفرغاني تعمَّد ذلك فأمر بجلده خمسمائة جلدة وسجنه. مرت فترة عَلِم بعدها السجين برغبة الحاكم في بناء المسجد وكتب له مبدياً استعداده لتشييده بنظام فريد لا يعتمد على أعمدة سوى عمودي القبلة ثم رسم له تخطيطاً للجامع وافق عليه ابن طولون وخصص لتشييده مائة ألف دينار قابلة للزيادة، وشرع المهندس في بنائه على جبل يشكر. وبعد انتهاء العمل زاره ابن طولون ففر المهندس إلى أعلى المئذنة خوفاً من مصير مشابه لما سبق أن ناله، لكن النهاية كانت مختلفة هذه المرة فقد حصل على مكافأة سخية قدرها عشرة آلاف دينار.

مفارقات «الحاكم بأمر الله»

السكينة التي تسيطر على هذا الجامع لا تتناسب إطلاقاً مع حجم الإثارة التي شهدها عصر تشييده، فهو ذو طراز إسلامي تقليدي لكن رائحة العتاقة التي تنبعث منه والفخامة التي يبدو عليها تخبئ معاناة سنوات طويلة رفع خلالها المسجد شعار «ارحموا عزيز قوم ذل». وللمفارقة العجيبة، فإن من بدأ تشييده كان العزيز بالله، الخليفة الفاطمي الذي اختفى اسمه من على مسجده ليحمل اسم ابنه الذي استكمل بناءه وأصبح ثاني أكبر مساجد القاهرة بعد «ابن طولون»، وعبر رحلة عمرها نحو ألف عام عانى كثيراً حتى تحول قبل إعادة إعماره إلى مخزن عشوائي للبصل!
بخطوات قليلة ينتقل الزائر من شارع المعز إلى صحن الجامع، وإذا كان من عشاق التاريخ فعليه أن يرتفع ببصره سريعاً لينتقل من أحجار الجدران الحديثة إلى المئذنتين اللتين تحتفظان في ذاكرتهما بتفاصيل قديمة جعلت من «الحاكم بأمر الله» واحداً من أكثر الشخصيات المثيرة للجدل في التاريخ المصري. بدأ الخليفة الأب بتأسيسه عام 990م ثم توفي بعدها بستة أعوام ليتولى ابنه مقاليد الحكم وعمره لم يناهز 12 عاماً، فأمره الأوصياء عليه باستكمال العمل الذي انتهى عام 1002م، لكن الحاكم قرر زيادة فخامة الجامع وانتهى ذلك بعد عشر سنوات وكانت أول صلاة به في الجمعة الأولى من رمضان عام 1013م.
تعرض المسجد لتحولات كثيرة أدت لترميمه وبدءاً من القرن الخامس عشر لاقى إهمالاً شديداً وأصبح أطلالاً حتى إن جنود الحملة الفرنسية استخدموا مئذنتيه في القرن الثامن عشر كبرجَي مراقبة، ثم تحول مكانه إلى مصنع قبل تشييد مبنى بداخله أصبح بذرة لأول متحف للتراث الإسلامي. في الليل يبدو الجامع أكثر جاذبية بإضاءته التي تمنحه قدرة إضافية على الإبهار.
توسع الجامع وظلت جدرانه ترتفع على مدار مراحل البناء وتزايد معها عمر الخليفة الطفل، الذي تشرَّب لعبة السياسة وأتقنها فأطاح بوزراء كبار حاولوا التلاعب به وتحويله إلى مجرد واجهة وفرض أنفسهم كحكام من الظل وكان مصيرهم القتل الذي أنهى جبروتهم ومن بينهم وزيره القوي برجوان صاحب الحارة الشهيرة بشارع المعز. لقد ضاق الخليفة بسيطرة الوزير عليه فأرسل مَن قتله خلال وجوده بالحمام وقام بمصادرة أمواله وممتلكاته وكان مما تضمنته مقتنياته المنقولة مائتا مليون دينار ذهب وخمسين إردباً من الدراهم الفضية، والإردب وحدة من الأوزان تعادل نحو 150 كيلوغراماً أو أكثر. وللدلالة على ضخامة مقتنياته قيل إنه تم نقلها من بيته بالحارة الشهيرة إلى قصر الخليفة على مراحل فكان يتم نقل دفعتين منها يومياً على مائتي جمل واستمر ذلك أربعين يوماً، بخلاف ما يملكه من منازل وضِياع وعبيد وجوارٍ وبهائم.

جامع «السلطان حسن»

بدأ السلطان حسن في تشييد مدرسته 1356م، وكان عمره 22 عاماً. تبدو السن صغيرة، لكنه كان في تلك الفترة في الثلث الأخير من عمره حيث سيتعرض للقتل بعدها بنحو خمس سنوات. حرص السلطان على أن تكون القبة بالغة الفخامة لكي تضم جثمانه بعد رحيله، فأبدع المهندس في تشييدها وزخرفتها بل إنه خرج عن العرف المتّبع فيما سبقه من المساجد فوضع القبة أمام محراب المنبر وفصل بينهما بجدار ضخم في الصحن فتتسع الرؤية. الأروقة الأربعة تنتصب شامخة ومن أعلى تُطل المئذنتان الباقيتان ربما تشعران بالحنين لزمن كان يحفظ للمآذن قدرها قبل أن تأتي مكبرات الصوت لتحيلها إلى التقاعد ولا يبقى منها سوى الجمال القديم الذي أصبح بعيداً عن اهتمام المارة في الشوارع المحيطة حيث شغلتهم هموم الحياة اليومية عن النظر لأعلى فخطوا مسرعين نحو أشغالهم التي لا تتيح لهم وقتاً للإحساس بالجمال.
عندما شرع السلطان حسن في البناء كان يخطط لتشييد أربع مآذن لكنه لم يبنِ سوى ثلاث، بعدها بسنوات سقطت تلك الواقفة على الباب فقتلت نحو ثلاثمائة شخص من بينهم أطفال كانوا في الطريق وكبار كانوا في القبو أو مرّوا صدفة في الطريق، واعتبر الناس أن الحادث نذير شؤم وتنبأوا بقرب زوال حكم السلطان حسن، وهو ما تحقق بعدها بفترة قصيرة.

مسجد «الملكة صفية»

يستحضر هذا المسجد ذكريات نزاع غريب بين ملكة عثمانية لم تزر القاهرة إطلاقاً ومملوك لها بدأ تشييد الجامع ثم مات قبل أن يكتمل وكان يمكن أن يحتفظ المسجد باسمه حتى الآن لو جاء الحكم لصالحه. في أحد أيام عام 1594 نظرت هيئة المحكمة بإسطنبول الدعوى غير التقليدية. وكان عثمان آغا قد بدأ تشييد المسجد وخصص له أوقافاً كثيرة شملت 400 فدان في منوف وعقارات بحي بولاق منها 17 شونة و32 دكاناً و15 رَبعاً و5 آبار. خلال التشييد مات عثمان آغا، ولأنه من مماليكها رفعت الملكة صفية، زوجة السلطان العثماني مراد الثالث، الدعوى وأوكلت عنها عبد الرازق آغا الذي أكد أن عثمان عبد لها وبالتالي لا يحق له بناء الجامع ولا تخصيص أوقاف له، وقدم فتوى دينية بأن من حق السيدة أن تستحوذ على كل ممتلكات مملوكها. لكن الطرف الثاني في الدعوى أقسم أن الملكة أعتقت عثمان قبل إنشاء المسجد ثم طلب سماع شهادتها بشكل مباشر فوافق القاضي على طلبه وأرسل مندوبين إلى القصر أقسمت أمامهما الملكة صفية أنها لم تحرر عبدها قبل وفاته، وبهذا صدر الحكم لصالحها وتم إلغاء الوقفية واستُكمل بناء المسجد وصار باسمها، ليصبح ثالث جامع أُقيم على الطراز العثماني بمصر بعد «سليمان باشا» بالقلعة و«سنان باشا» في بولاق.
لجأ إيهاب الحضري إلى أسلوب أدبي يعتمد التشويق وسلاسة السرد جعل الكتاب (220) صفحة من القطع المتوسط، لينجو من فخ الكتابات التاريخية الجافة ويأخذ شكل الفصول الأدبية المثيرة، لكن يؤخذ عليه الاستطراد في التعليقات التي جاءت أحياناً خارج سياق الحدث.


مقالات ذات صلة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

تتخذ مجموعة «المسافة صفر»، للقاص والروائي المصري محمد رفيع من آثار الحروب موضوعاً لها، ليس فقط الحرب الأخيرة في غزة، رغم حضورها بقوة بدءاً من عنوان المجموعة...

عمر شهريار
ثقافة وفنون الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين

يكشف كتاب «سلطة الكلمة - مسالك لدراسة أدب طه حسين وفكره»، الذي يضم عدداً من الدراسات القيمة لثلاثة من النقاد والباحثين التونسيين هم منجي الشملي و...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب ستيفانوس جيرولانوس

هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ»

ثمة افتتان غريب اجتاح السنوات الأخيرة بتلك الكتب التي تَعِدُ بتفسير «كل شيء» عن الإنسان عبر ارتياد أغوار أصوله السحيقة.

ندى حطيط

هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ»

ستيفانوس جيرولانوس
ستيفانوس جيرولانوس
TT

هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ»

ستيفانوس جيرولانوس
ستيفانوس جيرولانوس

ثمة افتتان غريب اجتاح السنوات الأخيرة بتلك الكتب التي تَعِدُ بتفسير «كل شيء» عن الإنسان عبر ارتياد أغوار أصوله السحيقة. يهرع القرّاء في أنحاء المعمورة إلى اقتناء مؤلفات كتّاب أمثال ستيفن بينكر ويوفال نوح هراري، باحثين في دهاليز عصور الصيد والجمع السحيقة عن إجابات لأسئلة الحاضر المقلقة. لكن المؤرخ البارز ستيفانوس جيرولانوس، أستاذ التاريخ بجامعة نيويورك ومدير معهد ريمارك، يقتحم هذا المشهد بكتابه المثير للجدل: «اختراع ما قبل التاريخ: الإمبراطورية، والعنف، وهوسنا بأصول البشر»*، مجادلاً بأن ما نسميه «ما قبل التاريخ» ليس مجرد حقبة زمنية غابرة نكتشفها بالمعاول، بقدر ما هو اختراع فكري وُلد في قلب عصر التنوير الأوروبي، وظل يُستخدم منذ ذلك الحين أداةً آيديولوجية لتمرير سياسات الاستعمار، وتبرير العنصرية، بل حتى الإبادة الجماعية. وخلاصة قوله إن كل ما نظنه عن الإنسان الأول يعكس مخاوفنا وطموحاتنا الآنيّة أكثر مما ينبئ عن حقيقة الماضي البعيد، فكأنما حوَّلنا العلم إلى مرآة نرجسية نحدق فيها فلا نرى إلا ما نريد.

غلاف الكتاب

تبدأ رحلة الكتاب الاستقصائية من منتصف القرن الثامن عشر، على حافة تلك اللحظة الحرجة التي بدأ فيها العقل الأوروبي فك ارتباطه بالسردية الدينية للخلق الأول. فقبل ذلك الزمن، كان الكتاب المقدس يوفر تسلسلاً زمنياً قصيراً وواضحاً للوجود البشري. ومع تمدد الرقعة الاستعمارية، وجد الأوروبيون أنفسهم وجهاً لوجه أمام شعوب في الأميركتين وأفريقيا لم يرد لهم ذكر في النص المقدس، فانبثقت أسئلة وجودية شائكة: من أين أتى هؤلاء؟ عندئذ وُلدت فكرة «حالة الطبيعة». ويشرح جيرولانوس كيف أن فلاسفة مثل توماس هوبز، وجون لوك، وجان جاك روسو إنما صاغوا تصورات خيالية عن الإنسان الأول بهدف تدعيم نظرياتهم السياسية فحسب. ففي تصور هوبز، كان الإنسان الأول غارقاً في صراع دائم، «حرب الكل ضد الكل»، مما شرعن الحاجة إلى سلطة استبدادية تحمي البشر من غرائزهم. أما روسو فقد ابتدع أسطورة «الهمجي النبيل» الذي أفسدته الحضارة، وقيدت فطرتَه الملكيةُ الخاصة.

ولم تلبث هذه التصورات أن تجاوزت كونها جدالات نظرية في صالونات باريس ولندن، لتتحول إلى ما يشبه بياناً استعمارياً. فقد صُنفت الشعوب الأصلية على أنهم «بشر يعيشون في حالة الطبيعة»، بمعنى أنهم يجسدون طفولة الجنس البشري التي تسبق التاريخ المدون. وقد منح هذا التصنيف الرجل الأبيض صفة الإنسان «البالغ» العقلاني، وجعل من السطو على أراضي الغير «مهمة حضارية» راقية تهدف إلى تهذيب هؤلاء «الأطفال» أو إزاحتهم إذا هم أبوا الانصياع لقوانين التقدم.

ومع بزوغ القرن التاسع عشر، انتقل الهوس بما قبل التاريخ من حقل الفلسفة إلى مجالات الجيولوجيا وعلم الأحياء. وقد أدى اكتشاف الطبقات الأرضية والحفريات، ثم طرح نظرية التطور الداروينية، إلى تكريس مفهوم «الزمن العميق». وهكذا، تمدد عمر البشرية من آلاف السنين الضيقة وفق الرواية التوراتية إلى ملايين السنين المترامية. غير أن هذا الكشف العلمي الهائل سرعان ما سقط في شرك التراتبية العرقية. ويصف جيرولانوس كيف تضافرت جهود الأنثروبولوجيا مع علوم الحفريات لتكريس فكرة أن البشرية تمر بمراحل حتمية للتطور: من «الهمجية» في العصر الحجري، إلى «البربرية» في العصر البرونزي، ووصولاً إلى «الحضارة» في العصر الحديدي وما تلاه، ويرى أن هذا التقسيم الثلاثي الشهير تجاوز مجرد توصيف الأدوات ليصبح حكماً قيمياً على الأمم، حيث صُوِّر السكان الأصليون في المستعمرات بوصفهم حفريات حية، أو بقايا بشرية تجمدت في الزمن.

لقد استُخدم شعار «البقاء للأصلح» لتبرير العنف الإمبراطوري. فإذا كان مسار التطور خطاً صاعداً حثيثاً نحو الكمال الأوروبي، فإن اندثار «الأعراق الدنيا» تحت سنابك التكنولوجيا الغربية ليس سوى قانون طبيعي لا مرد له. ويقتبس جيرولانوس عبارات صادمة من قادة عسكريين ومنظّرين رأوا في إبادة شعوب بأكملها مجرد عملية بيولوجية محضة، لا تختلف عن انقراض أنواع حيوانية لصالح أنواع أكثر كفاءة وقدرة على التكيف.

ولعل من أمتع فصول الكتاب ذلك الذي يتناول إنسان «النياندرتال»، حيث يتتبع جيرولانوس تغيرات صورته عبر العقود لتلبية أجندات سياسية راهنة. في البدء، صور إنسان نياندرتال كوحش غبي ومنحني الظهر لتأكيد تفوق الإنسان العاقل (الهوموسابين). أما اليوم، فنشهد إعادة رسم لملامحه بمواصفات أوروبية، شقراء وزرقاء العينين، حتى لقد باتت بعض جماعات اليمين المتطرف في الغرب تتخذه رمزاً لـ«العرق الأبيض الأصلي» المهدَّد في بقائه بفعل الهجرة. كما يسلط الكتاب الضوء على مفهوم «قشرة الحضارة الرقيقة»، تلك الفكرة التي شاعت بعد الحرب العالمية الأولى، والتي تزعم أن الإنسان الحديث لا يزال يضمر في أعماقه ذلك «الهمجي» الذي تحكمه الغريزة والعنف. وقد استثمرت الدول هذه الفكرة لتبرير وحشيتها في الحروب؛ فما دام أن «الإنسان عدواني بطبعه» منذ عصور ما قبل التاريخ، فإن ممارسة العنف ما هي إلا عودة حتمية إلى «الحقيقة» البشرية المدفونة، فيغدو مفهوم ما قبل التاريخ شماعة نعلق عليها كوارثنا السياسية المصنوعة بأيدينا.

لا يكتفي جيرولانوس بالغوص في الماضي، بل يوجه سهام نقده اللاذع إلى المشهد الثقافي المعاصر، مهاجماً بحدة ظاهرة «التاريخ الكبير» التي يمثلها يوفال نوح هراري في كتابه «الإنسان العاقل: تاريخ مختصر للجنس البشري». يرى جيرولانوس أن هؤلاء الكتاب يمارسون نوعاً من «الحكواتية العلمية»؛ إذ ينتقون حقائق منتزعة من سياقاتها في علم الوراثة والآثار لبناء روايات شمولية تبدو مقنعة ظاهرياً، غير أنها تفتقر إلى العمق التاريخي المنهجي وتعيد إنتاج الخطيئة الفكرية ذاتها: إيهامنا بأن الطبيعة البشرية ثابتة ومحددة سلفاً منذ مئات آلاف السنين. وهذا الضرب من التفكير، وفقاً لجيرولانوس، يقتل الفعل السياسي في مهده، ويوظف «علوم الأصول» بوصفه أداة لشرعنة الأوضاع القائمة، وإجهاض أي رغبة في التغيير. فإذا كانت الرأسمالية أو العنف أو اللامساواة مسطورة في حمضنا النووي منذ العصر الحجري، فما جدوى أي محاولة لتغيير المجتمع الآن؟

إذا كان مسار التطور خطاً صاعداً حثيثاً نحو الكمال الأوروبي فإن اندثار «الأعراق الدنيا» تحت سنابك التكنولوجيا الغربية ليس سوى قانون طبيعي لا مرد له

يتوقف الكتاب أمام مفارقة تكنولوجية مذهلة. مع صعود الطيران الحربي، ذاع تهديد عسكري أميركي شهير على لسان الجنرال كورتيس ليماي، وتردد في صراعات لاحقة وصولاً إلى دونالد ترمب: «سنعيدهم إلى العصر الحجري ». ويتساءل جيرولانوس بمرارة: كيف لأحدث التكنولوجيات (الطائرات والقنابل) أن تُستخدم لإلغاء زمن الآخرين وإعادتهم إلى نقطة الصفر الوجودي؟ إن هذا التفكير يفترض ضمناً أن ثمة شعوباً تقبع بالفعل في «ما قبل التاريخ» أو على مشارفه، وأن العنف التكنولوجي هو اللغة الوحيدة الممكنة للتعامل معهم.

يختتم جيرولانوس كتابه بدعوة جذرية إلى التوقف عن التماس أنفسنا في مرايا الماضي السحيق، واعتناق نوع من التواضع الراديكالي إزاء غموض البدايات. إن شظايا العظام ورسوم الكهوف الصامتة لا تملك لغة بذاتها، ونحن من نمنحها ألسنة لتنطق بما نريد سماعه، ونصنع الماضي على مقاس حاضرنا لنبرر سطوتنا وهيمنتنا. إن «اختراع ما قبل التاريخ» مراجعة أخلاقية شاملة للمسار الفكري الغربي، ومرافعة نارية ضد سوء استخدام العلم، وحثٌّ صريح على أن نبني قيمنا ونصوغ مستقبلنا انطلاقاً من تطلعاتنا الإنسانية، لا من خرافاتٍ مختلَقة عمّا كان يفعله أسلافنا قبل مئات آلاف السنين. إنه ضروري لكل من يريد فهم كيف تُصنع الأفكار، وكيف تُستخدم الأسلحة النظريّة لتشكيل العالم الذي نعيش فيه.


المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل
TT

المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية موضوع جذّاب. إذ إن عدداً لا يستهان به من الكاتبات سجلن سيرهن أو أجزاء منها في رواياتهن، وكتّاباً رجالاً سجلوا تجاربهن مع مثقفات أحبوهن أو عايشوهن.

وفي كل الأحوال، المرأة المثقفة كانت من بين البطلات اللواتي كن خياراً محبباً، في الروايات العربية خاصة عند الكاتبات، لكن الظاهرة نادراً ما درست. الكاتبة اليمنية هدى العطّاس اختارت 11 رواية، 4 منها كتبها رجال، والباقي لكاتبات نساء لدراستها النقدية في سوسيولوجيا الأدب وتحليل الخطاب، ما يفسح فرصة لتلمس الفرق بين كتابة الجنسين عن تجارب لها ما يجمعها.

«المرأة المثقفة في الرواية العربية: انتحال الذكورة وتحرير الجسد» كتاب صادر، في بيروت عن «دار رياض الريّس»، وهو يتناول روايات من مصر، لبنان، سوريا، تونس، الجزائر، عمان، السعودية. ويغطي حقبة زمنية مليئة بالتحولات السياسية والاجتماعية، تمتد من خمسينات القرن الماضي حتى عام 2015.

الرجل يحمي المثقفة

من خلال النصوص المختارة، تعرض الكاتبة لنماذج مثقفات تناولتهن الروايات، انطلاقاً من اعتبار الأعمال الروائية منتجاً اجتماعياً - ثقافياً، وليس مجرد عمل فني. أمينة في «أنا حرّة» عند إحسان عبد القدوس تسعى لكسر قيود واقعها الاجتماعي، وهي التي غبنت منذ تخلى أهلها عنها في سنيها الأولى، ينتهي بها الأمر رغم طموحها لأن تتوارى خلف الرجل الذي أحبته. أما «طواحين بيروت» لتوفيق يوسف عواد فتصوّر الفتاة المنحدرة من قرية في جنوب لبنان في ستينات القرن الماضي، مهجوسة بالمدينة (بيروت) التي هي بالنسبة لها صنو الانعتاق. لكن تحقق الحلم يتحول إلى اضطراب ومحن وضياع. أما زينب عبد الجبار في «تماس» للتونسية عروسية الناتولي فتمرّ بمخاضات طويلة، ولا تجد خلاصها، سوى في الكتابة كبدل عن ضائع. علوية صبح في «اسمه الغرام» تقدم أكثر من نموذج نسائي، فهناك الشاعرة، والأكاديمية، ومدرسة الرياضة. ورغم أن نهلا الأديبة والشاعرة تقفز فوق التابوهات، وتثأر للمقولات الجاهزة والتقاليد المكبلة، فإن علوية صبح لا تكافئ شجاعة بطلاتها، بل تعاقبهن، كما هي حال آخرين من الروائيين والروائيات.

سمات مشتركة للبطلات

بطلات الروايات يعشن مواجهات قاسية لإثبات وجودهن أو تحقيق طموحاتهن. مجابهات مع البيئة والموروثات، والخطاب الذكوري، حتى حين يعشن في دائرة الرجال المثقفين أنفسهم.

تشرح الكاتبة العطاس أن اختيارها وقع على نماذج روائية تتميز بحمولتها الاجتماعية في زمن محدد، كي تكون المقارنات منصفة. هي روايات نشرت على مدى 65 عاماً، كتبت في جغرافيات مختلفة، وعاشت بطلاتها في بيئات متباينة، من طبقات اجتماعية متفاوتة. أما الأحداث فغالباً ما تدور في المدينة. هؤلاء المثقفات، جامعيات، بينهن السنية والشيعية والمسيحية والدرزية، ميولهن السياسية إما يسارية، أو في الغالب بلا انتماء سياسي أو آيديولوجي. أربع فقط من النساء في الروايات المختارة انخرطن في العمل السياسي، وانتمين إلى أحزاب، أما الأخريات فلا يحفلن بالسياسة وشؤونها، وتبقى امرأة واحدة مجهولة الانتماء السياسي.العمل صنو الاستقلاليةلكن بعض الكاتبات، مثل رضوى عاشور في «فرج»، وإيمان حميدان في «خمسون غراماً من الجنة»، اعتبرن الرواية منصة لكشف الغطاء عن ممارسات السجون والمعتقلات وأجهزة المخابرات، وفضح زيف المنظومة السياسية بآيديولوجياتها وأحزابها، من يمينية أم يسارية.

مقابل ضعف الانخراط السياسي، فإن المثقفات في الروايات أظهرن حرصاً على مواصلة تعليمهن وتحصيل درجة جامعية. تقول المؤلفة: «في غمرة التحولات، وما أشاعته من تطلعات، صار التعليم الجسر الذي عبرت عليه فئات من النساء، لتغيير مصائرهن بالخروج من المجتمع التقليدي، واكتساب علم وثقافة عصريين وسلوك حديث».

نساء منشغلات بهاجس الاستقلال المادي، معظمهن، يردن الوصول إلى امتلاك خياراتهن، وحريتهن بالتخلص من الهيمنة الذكورية داخل العائلة، والمجتمع المحيط بهن.

الروائيون يعنفون بطلاتهم

تلاحظ المؤلفة أن الحضور النسائي يطغى على أعمال الروائيين الذكور، وحضور المرأة إما يكون قدسياً أو مشيطناً من خلال السرد، والنصوص نادراً ما تقدم شخصيات متوازنة، تتبنى وعياً نسوياً أو إدراكاً عميقاً لحقوقها. روايات تعكس أحكاماً، ووجهات نظر البيئة الاجتماعية والواقع الذي يتشكل فيه النص. أحياناً يحمّل الروائي الشخصية هواجسه، وعقده الذكورية، ورؤيته، ويعتبر الرواية منبراً للتعبير عما يدور في خاطره. حتى إنه من الصعب الفصل بين انحيازات الرجل الذكورية عن انحيازاته في الرواية التي يكتبها. مثلاً، عند الروائيين الرجال، تتعرض البطلات لمحاولات اغتصاب، أو تحرش جسدي، بينما هنّ يناضلن، ويكافحن، للفكاك من الواقع الذي ينتهك إنسانيتهن. تقول الباحثة العطاس: «لأن الجسد الأنثوي يحتل موقعاً قدسياً في الثقافة المجتمعية العربية، فإن انتهاكه يعتبر الرمز الأعلى لتحطيم الأنوثة المتمردة، وإعادتها إلى حظيرة مصيرها التقليدي. فأي من بطلات الروائيين لم تنفك من هذا المصير».

واجهت هذا المصير بطلة صنع الله إبراهيم، في روايته «وردة» من أقرب رفاقها الحزبيين المؤدلجين، في بيئة ماركسية يفترض أنها تدّعي تبني المساواة الإنسانية والعدالة. موقف مشابه تتعرض له أمينة بطلة إحسان عبد القدوس في «أنا حرّة» التي استطاعت أن تهرب ممن حاول اغتصابها بعد أن عضته وشجّت رأسه بإناء زجاجي. وفي لبنان، توفيق يوسف عواد يعرض بطلته تيمية في «طواحين بيروت» للتحرش والاغتصاب. واللافت أن البطلات يتعرضن لهذه التجاوزات في بيئات مختلفة وأعمار متفاوتة. فبطلة عواد مثلاً تعرضت للاغتصاب، وهي طفلة في الريف في قريتها النائية من الوصي عليها.

وتعلق الباحثة: «كأنما صفة المثقف هي منجز ذكوري صرف في خطاب الروائي الرجل. وعليه، حينما تقتحم المرأة مساحات يظن أن الرجل قد مهدها وأنجزها، فإنها بالضرورة لن تقتحمها إلا مكسورة ناقصة».

وراء كل امرأة مثقفة رجل

في هذه الروايات الرجل هو الذي يأخذ بيد المرأة كي تتمكن من العبور، يرشدها برؤيته وخبرته لأنه سابق عليها. هكذا يفعل عبّاس بطل إحسان عبد القدوس في «أنا حرة»، إذ يقنع أمينة بأن غاية طموحها أن تكون حرّة، وعلى يديه تتلقى أول دروسها. والرجل هو أيضاً المنقذ للذاكرة الأنثوية. فهو الراعي الذي يوجه مصائر النساء. هذا ما نراه عند إبراهيم نصر الله وواسيني الأعرج. فقد جعل صنع الله بطله رشدي أميناً على ذاكرة وردة، وهي المعادل الموضوعي لمبادئه النضالية. أما الأعرج في روايته «سيدة المقام» فجعل من مريم معادلاً موضوعياً للجزائر، المدينة التي داسها المتطرفون على حين غرّة، ولغّموا شوارعها وطرقاتها بالقتل والإرهاب. فالراوي عند الأعرج مثقف، روائي وموسيقي، أخذ بيد مريم وشجعها على رقص الباليه، وأصبح أستاذها.

الروائيات ينهلن من عذاباتهن في الكتابة

الروائيات لهن الغلبة في عدد الروايات المدروسة في الكتاب، بسبب قلة الحضور الواضح للمرأة المثقفة في نصوص الروائيين الرجال.

فعند الروائيات، نجد النساء البطلات يبحثن عن ذواتهن المنعكسة في المرآة الاجتماعية، كأنهن ينتزعنها من ذلك الهشيم المتناثر. بحسب الباحثة، فإن «الروائية ربما تتقصد سلفاً أن تضع خريطة لمسيرتها في حقل تعبيري، هو الرواية، حيث تعلم مسبقاً الشراك والألغام المطمورة في داخلها. وهي معنية بتفجيرها غير هيابة بمخاطرها، ترفع الحجب لتعري المسكوت عنه، وتقتحم المحرمات الاجتماعية».

تعتبر الكاتبة أن الروائيات يصورن بطلات «تعشن تشظياً في الهوية وتمزقاً بين الخيارات الاجتماعية». إنهن نساء يعانين من اغتراب داخل المؤسسة الزوجية لأنها تجعلهن أسيرات التقاليد والعادات والقيم الجاهزة. لذلك، نجدهن ناقمات على هزال هذه المؤسسة وهشاشتها وتشوهها وزيفها. المرأة في المنطقة العربية هاجس للعار الاجتماعي، وهو ما يؤرق ذويها. لهذا، فإن ليلى في الرواية السعودية «امرأتان»، كما نازك السورية في «امرأة من طابقين»، وباني الجزائرية في «سيدة المقام»، يواجهن المصائر ذاتها. ليلى تساق إلى زواج من ابن عمها، بما يشبه ما ستعيشه نازك وباني.

نساء بمصائر متشابهة

عند الروائيات، النساء المثقفات يعشن اغتراباً، هذا نجده في رواية رضوى عاشور، وعند بيطار، كما لدى الروائية السعودية هناء حجازي، على تباين الظروف الاجتماعية في البيئات الثلاث. فليلى ومرام بطلتا رواية «امرأتان» تعيشان اغتراباً عميقاً، وتقاومان صنوفاً من الانتهاكات والعنف الممارس عليهما، وينتهي بهما الأمر إلى وضع حدّ لحياتهما.

علاقة حميمة تربط الروائيات بنساء رواياتهن. وغالباً ما تتداخل تجارب الروائيات بملامح البطلات، ويشتركن أيضاً في الكشف عن المسكوت عنه، والبوح. ومن بين المشتركات بين نساء الروايات المختارة، هو تعرضهن للعنف، وإن كان بأشكال مختلفة. فإن لم يكن عنفاً جسدياً، فهو عنف وقمع معنويان. فكما زُوّجت «ليلى» السعودية قسراً لابن عمها، حتى لا تتسبب بفضيحة لأهلها، في رواية «امرأتان» لهناء حجازي، وفي رواية علوية صبح «اسمه الغرام» استعان الأهل بخطّابة لتدبير زواج تقليدي لـ«نهلا» اللبنانية المسلمة، لمنعها من الزواج من حبيبها المسيحي. وهو أيضاً ما فعلته أسرة «نازك» السورية المسيحية في رواية «امرأة من طابقين» حين رفض أهلها حبيبها المسلم الذي تقدم لخطبتها، ودفعوها إلى الزواج بشاب من دينها وطائفتها.

العائلة شرارة العنف الأول

تظهر الروايات أن العائلة هي الحاضن الأول للعنف، الذي غالباً ما تواجه به المرأة المثقفة، ذات التطلعات الطموحة. وإن حظيت المرأة المتعلمة ببعض أشكال الدعم الأسري، يظل ضئيلاً. هكذا، ومع تنوع البيئات تبقى المرأة كائناً ناقصاً يخضع للمراقبة والتقويم. أما التعليم والثقافة اللذان تناضل النساء في سبيلهما، فغالباً ما يضاعفان ممارسة القهر والعنف عليها. روائيون وروائيات هموم رؤى مشتركة ثمة ما يجمع الكتّاب من الجنسين، فهم يكتبون غير منقطعين عن عوالمهم الداخلية، وتجاربهم الشخصية، ومحمولاتهم الثقافية. كما أن الروايات جميعها تُبقي التعليم مدماكاً أساسياً لإخراج المرأة من شرنقتها، وجعلها قادرة على تجاوز المظالم وكسر حلقة التعنيف التي تحيط بها. كذلك تتكرر تيمة العمل كوسيلة للوصول إلى الاستقلالية المادية وتعزيز إمكانية اتخاذ قرارات شخصية ومسؤولة. ومن المواضيع التي يشترك بها الجنسان مسألة الوعي الأنثوي للذات والكفاح من أجل الانتقال إلى مكان أفضل، وإن بدت الإخفاقات كثيرة، في أغلب الروايات.


الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.