عقبات قانونية وخلافات سياسية تهدد الانتخابات الليبية

وسط مخاوف من الانزلاق مجدداً إلى حافة حرب أهلية

عقبات قانونية وخلافات سياسية تهدد الانتخابات الليبية
TT

عقبات قانونية وخلافات سياسية تهدد الانتخابات الليبية

عقبات قانونية وخلافات سياسية تهدد الانتخابات الليبية

يعترض الغموض بمستقبل العملية السياسية في ليبيا، على الرغم من اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المقرر أن تُجرى يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) الحالي. إذ بينما يعلّق الشعب الليبي آماله على صناديق الاقتراع؛ رغبة في أن تخرج البلاد من نفق الفوضى الأمنية والسياسية الذي تعيش فيه منذ أكثر من عشر سنوات، تبدو الصورة على الأرض قليلة الوضوح في ظل انقسامات وخلافات سياسية حول المرشحين، وطعون قانونية التي قد تمنع بعض المرشحين من المنافسة. ويتزامن هذا الحال مع أوضاع أمنية غير مستقرة تنذر بمزيد من الفوضى، وتلقي بظلال مقلقة على العملية السياسية ككل، وتهدد بتأجيل الانتخابات؛ ما يهدّد بزج ليبيا مرة أخرى في مستنقع الحرب الأهلية.
تشير التقارير اليومية الواردة من المفوضية العليا للانتخابات في ليبيا إلى جاهزية ليبيا للانتخابات من الناحية النظرية؛ إذ اعتمدت المفوضية القائمة الأولية للمرشحين للانتخابات الرئاسية، التي تضمنت 73 مرشحاً، بينما بلغ إجمالي عدد المُرشحين لانتخابات مجلس النواب في كل الدوائر الانتخابية 3173 مُرشحاً ومُرشحة، وفقاً لإحصائية الثلاثاء 30 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. ولقد وزعت المفوضية بطاقات الاقتراع على الناخبين، وباشرت تلقي وفحص الطعون الانتخابية، وسط تأكيدات بأن «البلاد مستعدة لإجراء الانتخابات في موعدها».
لكن على الأرض تبدو الصورة مختلفة وغامضة؛ ما دفع ويرفع كثرة من المراقبين إلى توقع تأجيل الانتخابات، من منطلق أن الأوضاع السياسية والأمنية غير مواتية لإتمام العملية السياسية بالصورة المرجوة. كذلك يرى بعض هؤلاء، أن ليبيا «تسير في حقل ألغام قد ينفجر في أي لحظة»، وبذا تعود البلاد إلى المربع صفر في ظل انقسامات سياسية حادة حول المرشحين للانتخابات الرئاسية، وتوترات أمنية وعراقيل قانونية.
- مخاوف مُبرّرة
وحقاً، يبدو أن لهذه المخاوف ما يبرّرها، وأن ثمة من يؤيدها في مستويات عليا داخل أروقة المؤسسات الدولية؛ ذلك أنه قبل شهر من إجراء الانتخابات المرتقبة استقال مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا يان كوبيش، من منصبه بشكل مفاجئ، وقُبلت استقالته ليسري مفعولها رسمياً من 10 ديسمبر الحالي.
وبالتزامن مع الاستقالة، قال كوبيش – وهو سياسي ودبلوماسي سلوفاكي – في إحاطته أمام مجلس الأمن في الرابع والعشرين من نوفمبر الماضي، إن «المناخ السياسي في ليبيا حول الانتخابات لا يزال شديد الاستقطاب»، ومن ثم حذّر من أن «يؤدي تأخير الانتخابات عن موعدها إلى مزيد من الانقسام والصراع داخل ليبيا».
هذه الاستقالة وصفها مراقبون بأنها «مفاجئة»، ونقلت مجلة «فورين بوليسي» الأميركية عن توماس هيل، الخبير في شؤون شمال أفريقيا بـ«المعهد الأميركي للسلام» قوله، إن «المجتمع الدولي يدفع بكل قوته لإجراء الانتخابات الليبية في موعدها. إلا أن استقالة كوبيش الآن تشير إلى أن الأمور لا تسير كما هو مأمول، وأن هناك مشاكل في الكواليس».
ثم أنه، حسب مراقبين متابعين، فإن الانتخابات التي طال انتظارها تواجه جملة تحديات، أبرزها الخلافات حول قانون الانتخابات نفسه، والنزاعات المتكرّرة بين الفصائل والجماعات المسلحة، والشقاق الكبير بين الشرق والغرب، إضافة إلى انتشار الجنود المرتزقة والسلاح في البلاد.
- عقبات قانونية وطعون انتخابية
واقع الأمر، أن الانتخابات المزمعة في ليبيا تواجه معارضة داخلية من بعض الفئات على أسس قانونية، تشكك في شرعية القوانين الانتخابية الصادرة عن مجلس النواب؛ وهو ما يهدد برفض قبول نتائج الانتخابات بعد إعلانها. ويأتي ذلك وسط خلافات واضحة وطعون ضد بعض المرشحين الأساسيين، على رأسهم رئيس الحكومة الليبية عبد الحميد الدبيبة، الذي سحب اسمه من قائمة المرشحين الأولية بناءً على طعن من منافسه في منطقة الغرب الليبي فتحي باشاغا؛ بحجة أن رئيس الحكومة لم يقدّم ما يفيد بتوقّفه عن العمل قبل 3 أشهر من تاريخ الانتخابات، كما تنصّ المادة 12 من قانون الانتخابات. إلا أن محكمة الاستئناف في العاصمة الليبية طرابلس أعادت الدبيبة إلى السباق. ومن جهة ثانية، منع مسلحون محكمة سبها – كبرى مدن الجنوب – من الانعقاد أكثر من مرة لنظر الطعن المقدّم من سيف الإسلام القذافي، ضد استبعاده من الترشح. ثم إنه جرى استبعاد خليفة حفتر قائد «الجيش الوطني الليبي» من قائمة المرشحين.
العقبات القانونية التي تواجه العملية الانتخابية ليست جديدة، فهي وفق مراقبين يتابعونها ويُلمّون بخلفياتها ظهرت منذ بداية الإعداد للعملية السياسية في ليبيا. وهنا يقول عبد الهادي ربيع، الباحث المتخصّص في الشأن الليبي، في تصريح أدلى به لـ«الشرق الأوسط»، إن «العملية الانتخابية واجهت منذ بدايتها العديد من العراقيل وتنازع الاختصاصات، خاصة في مسألة القاعدة التشريعية والقانونية للانتخابات. حيث يدّعي كل طرف لا شرعية القاعدة القانونية للانتخابات، ويهدد باستخدام السلاح للانقلاب على الانتخابات حال فوز مرشح من خارج تياره السياسي». ثم يضيف قائلاً «مع أن القوانين الانتخابية المنظمة للعملية الانتخابية كانت الحل الوحيد للوصول إلى الانتخابات في موعدها المحدد، إلا أنها جاءت مليئة بالثغرات القانونية وبأخطاء فادحة في الصياغة؛ ما زاد من حدة الاحتقان والصراعات عوضاً عن حلها. فهي فعلياً فتحت باب الطعون في العملية الانتخابية بكاملها، وهو ما يهدّد بتكرار تجربة انقلاب فجر ليبيا عام 2014 على الانتخابات النيابية، وإعادة النظر في العملية الانتخابية برُمّتها».
وهنا تجدر الإشارة إلى أن قانون الانتخابات يثير خلافات داخل المجتمع الليبي؛ فهو وفق المراقبين «لا يحظى بدعم الجميع»؛ إذ ينصّ على إدارة البلاد وفقاً لنظام رئاسي يعتبر كثيرون أنه يمنح الرئيس سلطة كاملة في حين يبقى البرلمان ضعيفاً.
- شبح الحرب الأهلية
هذا، وبينما قد يوحي زيادة عدد المرشحين في الانتخابات الليبية، وإقبال المواطنين على الحصول على بطاقات الاقتراع، إلى تطلع الشعب الليبي لإجراء الانتخابات، فإن الأوضاع الأمنية السيئة تُعد أحد التهديدات الرئيسة التي تواجه العملية الانتخابية. إذ يخشى كثيرون من تحوّل الخلافات السياسية إلى نزاعات مسلحة. وللعلم، يقول كوبيش نفسه، إنه «مع اقتراب الانتخابات، ثمة مخاوف من أن تتحوّل الانقسامات السياسية والمؤسساتية الراسخة إلى مواجهة تغذيها المواقف المتشددة والخطاب التحريضي».
ومن جانبهم، يعترف السياسيون في ليبيا بأن الظروف الأمنية غير مواتية لإجراء الانتخابات، وإن كانوا في الوقت نفسه يشدّدون على ضرورة إجرائها في موعدها باعتبارها «القنطرة الوحيدة للعبور من حالة الفوضى إلى حالة الاستقرار»، كما قال الدكتور محمد عامر العباني، عضو مجلس النواب الليبي، لـ«الشرق الأوسط». وتابع العباني، أن «ليبيا نجحت من قبل عام 2014 في إجراء انتخابات نيابية في ظروف أمنية أكثر سوءاً»، مشدداً على أنها «الآن مستعدة لإجراء الانتخابات في موعدها».
ولكن في المقابل، المخاوف من سقوط البلاد مرة أخرى في دائرة الحرب الأهلية ليست بعيدة عن توقعات المراقبين للأوضاع على الأرض، وهو ما يؤكده الباحث السابق في «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» بين فيشمان، في مقاله المنشور نهاية الشهر الماضي، تحت عنوان «انتخابات ديسمبر في ليبيا تطرح خطر العودة إلى الحرب الأهلية».
فيشمان يرى، أن على «ليبيا التي قطعت شوطاً طويلاً منذ إنهاء حربها الأهلية الثالثة في منتصف عام 2020 ألا تخاطر باستئناف العنف أو تقسيم البلاد من خلال إجراء انتخابات مستعجلة. ونظراً للجو المشحون بالانقسامات وإلى احتمال اندلاع أعمال عنف كبيرة، من الحكمة إرجاء الانتخابات لفترة محددة إلى حين حلّ العديد من القضايا المهمة». وحقاً، دفعت الأوضاع الأمنية «الهشة» في ليبيا وزير الداخلية خالد مازن، إلى التلميح بإمكانية تأجيل الانتخابات، عندما قال، إن «اتساع الانتهاكات الأمنية في الأيام الأخيرة، بات يعرقل عملية تأمين ويهدد سلامة واستمرار العملية الانتخابية في البلاد».
- تأجيل الانتخابات
الراغبون في تأجيل الانتخابات يستندون في مطالبهم إلى «غياب» المرشح التوافقي، مقابل وجود أسماء على قائمة المرشحين قد تؤدي إلى انقسامات حادة داخل ليبيا، منهم سيف الإسلام القذافي، نجل الرئيس معمر القذافي، الذي ثار الشعب ضده في عام 2011. ويعتقد مراقبون، أن «قبول ترشح القذافي قد يدفع البعض لمقاطعة الانتخابات، كما أن رفض ترشحيه قد يدفع مؤيديه إلى حمل السلاح». يضاف إلى ذلك، وجود لاعبين بارزين على الساحة السياسية الليبية بين المرشحين، مثل خليفة حفتر وعبد الحميد الدبيبة، وهو ما يراه البعض «نذير خطر قد يؤدي إلى اندلاع أعمال عنف في البلاد».
وهنا يقول ريتشارد سبنسر، في مقال نشرته صحيفة «التايمز» البريطانية، إن «نوعية المرشحين» واحدة من العوامل المنذرة بالخطر. إذ كتب في نوفمبر الماضي تحت عنوان «الانتخابات الرئاسية الليبية: اختيار بائس لمرشحين يدعمون الفوضى»، قائلاً «مساعي مجموعة يُتهم أفرادها بالفاسدين والمجرمين الباحثين عن السلطة، قد تدفع ليبيا التي مزّقتها الحرب إلى منعطف درامي في مسيرتها نحو تحقيق الاستقرار والسلام».
أيضاً، يرى المطالبون بتأجيل الانتخابات ضرورة الاتفاق على أساسيات العملية السياسية، وتسلسلها، وقواعد الترشح قبل الشروع في تنفيذها... وأن تكون هذه القواعد نابعة من الشعب الليبي نفسه وليست مفروضة عليه من الخارج. وهنا يعلّق عبد الهادي ربيع بأن «المسار السياسي الحالي لم يكن خيار الليبيين، بل كان خيار الأمم المتحدة والمجتمع الدولي الذي أقرّ ذلك في مخرجات مؤتمر برلين بشأن ليبيا، ولم يكن السياسيين الليبيين ليقبلوا بهذا المسار ما لم يجبرهم عليه المجتمع الدولي». ثم يتابع، أن «هذا المسار يبدو أنه الأنجح ظاهرياً، حيث أمكن توحيد الكثير من المؤسسات، وجرى حل مسألة تنازع الشرعية بشكل كبير، إلا أن إغفال ملفات دقيقة وحساسة كإخراج المرتزقة والقوات الأجنبية وحل الميليشيات ونزع سلاحها زاد من تأجّج الجمر تحت الرماد؛ إذ يهدد انتشار السلاح في البلاد بنسف أي تقدم سياسي في ليبيا، والعودة إلى مربع الصراعات».
وفعلاً، تعد قضية المرتزقة من أهم التحديات التي تواجه ليبيا، حيث اجتمعت اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) في جنيف بسويسرا يوم 8 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ووضعت خطة عمل لانسحاب المرتزقة والمقاتلين الأجانب بشكل متوازن ومرحلي وتدريجي، ونُشرت أول مجموعة من مراقبي وقف إطلاق النار التابعين الأمم المتحدة في 10 أكتوبر الماضي، ومع ذلك «ما زالت هذه القضية مثيرة للقلق داخل ليبيا وخارجها». وفي إحاطته أمام مجلس الأمن، شدد الطاهر السني، مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة، على «ضرورة الاستجابة لمطلب الشعب الليبي السيادي، والمتمثل في إنهاء أي نوع من أنواع الوجود الأجنبي على الأراضي الليبية». وعلى الجانب الآخر، يرفض أنصار الانتخابات تأجيلها، ويؤكدون، أن «مخاطر التأجيل أكبر بكثير من مخاطر الاستمرار في العملية السياسية». وتبعاً للعباني، فإن «الانتخابات عرس يتمناه الليبيون، وتأجيلها ليس بالأمر السهل؛ كون المجتمع الدولي يضغط لإجرائها في موعدها... تنفيذ الاستحقاقات الانتخابية تم بروية وتأنٍ، ودعوات التأجيل لن يكون لها محل على أرض الواقع».
- دعم المجتمع الدولي
الانتخابات المقررة في نهاية الشهر الحالي تأتي نتيجة للتسوية السياسية التي قادتها الأمم المتحدة في فبراير (شباط) الماضي، وتضمنت وقف إطلاق النار، كما وضعت برنامجاً زمنياً للعملية السياسية الضامنة إجراء انتخابات. لكن «الاتفاق لم يتطرق إلى التفاصيل المتعلقة بصلاحيات المرشحين وأهليتهم، وشروط ترشحهم»، وهنا يقول سبنسر، إن «إلغاء الانتخابات، قد يؤدي إلى عودة العنف، بيد أن رفض المرشحين قبول النتيجة، وهو أمر غير مستبعد بالنظر إلى جيوشهم الخاصة ودعم المرتزقة الأجانب المتنافسين، يمكن أن يؤدي إلى سيناريو أسوأ». وهو ما يوافق رأي كوبيش بأن «الإحجام عن إجراء الانتخابات قد يؤدي إلى تدهور خطير للوضع في البلاد، كما يمكن أن يفضي إلى مزيد من الانقسام والصراع».
ربيع من جهته يتوقع أن «يدفع المجتمع الدولي لإجراء العملية الانتخابية في موعدها، لكن أطرافاً عديدة ستنقلب على النتيجة». ولذا؛ يرى أن «الأهم من إجراء الانتخابات في موعدها هو إجبار الجميع على القبول بنتيجتها. ولكن أحداً لا يملك ذلك، خاصة مع بوادر الانقسام والصراعات التي بدت بين أجهزة وزارة الداخلية في العديد من المناطق والصراع مع القوات المسلحة أو الاجتماعية في هذه المناطق». وبالفعل بدأ المجتمع الدولي يحذر من التداعيات الأمنية والسياسية على الانتخابات الليبية. وقال السفير الأميركي لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند، في تغريدة على «تويتر»، إن واشنطن تشارك الليبيين والمجتمع الدولي مخاوفهم، مطالباً «بالعمل على تهدئة الأوضاع واحترام العملية الانتخابية والقانونية في ليبيا، ورفض السماح للجماعات المسلحة بتهديد الانتخابات».
وبالتزامن مع الكلام الأميركي، بحثت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا مع سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا خوسيه ساباديل، والمبعوث الأممي إلى ليبيا يان كوبيتش، سبل دعم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة... وجرى التأكيد على استمرار الدعم الدولي لإجراء الانتخابات في موعدها، وحماية نزاهتها.
أخيراً، يترقب المجتمع الدولي ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، بينما يتابع العديد من المحللين المهتمين بالشأن الليبي الأوضاع في صمت. ويعتبر هؤلاء، أنه يستحيل التنبؤ بما ستسفر عنه الأيام المقبلة، وما إذا كانت ليبيا ستنجح في إتمام العملية السياسية والتقدم نحو مستقبل أكثر استقراراً عبر انتخابات يتوافق على نتيجتها الشعب الليبي، أم أن الانقسامات السياسية والتوترات الأمنية ستؤدي إلى تأجيل الانتخابات. كذلك، إزاء ما سيعنيه رفض تقبّل النتائج، وما إذا كان سيخلق حالة من الفوضى الأمنية والاضطراب السياسي.
- الطريق المُتعِبة إلى الانتخابات المتعثرة
> تُعدّ العملية السياسية الحالية التي ستكلل بانتخابات رئاسية وبرلمانية محاولة لإعادة صياغة البنية السياسية والمؤسساتية لليبيا، وإنهاء نزاعاتها المتعددة، والتي تفاقمت خلال السنوات الماضية مع اندلاع الصراع الجهوي بين منطقتي الشرق (برقة) والغرب (طرابلس)، والذي جاءت التسوية السياسية الحالية لوضع حد له، ولرسم المخطط الزمني للعملية السياسية الحالية لا بد أن نعود سنوات للوراء لندرك خلفياتها.
وكما هو معروف، أجج تشكيل حكومة «الوفاق الوطني» في ديسمبر (كانون الأول) 2015 الصراع بين الشرق بقيادة فايز السراج، والغرب بقيادة خليفة حفتر، وبخاصة أن برلمان الشرق لم يعترف بحكومة السراج. وعلى مدار عامي 2017 و2018، تواصلت اجتماعات باريس في العاصمة الفرنسية للوصول إلى تسوية سياسية بين الشرق والغرب، لكنها لم تنجح في وضع حد لهذا الصراع الدموي.
الاختراق المأمول حدث في الخامس من فبراير (شباط) 2021، وتمت الموافقة على تشكيل مجلس رئاسي وحكومة موحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة. وفي الشهر التالي، حصلت حكومة الدبيبة على ثقة البرلمان من أجل قيادة ليبيا في مرحلة انتقالية حتى إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية. وفي يونيو (حزيران) 2021 عقد «مؤتمر برلين 2» للتحضير للانتخابات واستكمال العملية السياسية. وبعد شهر، اجتمع مجلس الأمن لبحث الأزمة الليبية والمساعدة في الوصول إلى حل بشأن القضايا الخلافية التي تعرقل استكمال المسار السياسي. ثم في أكتوبر (تشرين الأول) صادق مجلس النواب الليبي على قانون الانتخابات التشريعية. وخلال 21 من الشهر الفائت استضافت باريس مؤتمراً لتقديم الدعم للانتخابات الليبية، مع العلم أن موعد الانتخابات الرئاسية هو 24 ديسمبر الحالي، والانتخابات التشريعية في يناير (كانون الثاني) المقبل.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.