شاشة الناقد

فيلم الرعب الفرنسي «تيتان»
فيلم الرعب الفرنسي «تيتان»
TT

شاشة الناقد

فيلم الرعب الفرنسي «تيتان»
فيلم الرعب الفرنسي «تيتان»

2 طلعت حرب
> إخراج: مجدي أحمد علي
> مصر (2021)
> دراما اجتماعية | عرض خاص
(جيد)
‫ يميل المخرج مجدي أحمد علي في كافة أفلامه إلى بناء كلاسيكي المقام يمنحه ثبوت الإيقاع وطرح المضامين بسرد لن يتسابق مع الزمن أو يقفز بين ألوان من المعالجات الجديدة. هذا البناء الكلاسيكي يمنح أعماله تميّزاً عن سواه (أو معظم سواه) من الأعمال السينمائية كما يوفر للمشاهد نمطاً من سرد الحكاية بتتابع رصين وثابت.‬‬‬
«2 طلعت حرب» لا يختلف في هذا الإطار لكنه يختلف عن أعماله السابقة في قليل من اتجاهاته. هو عبارة عن أربع حكايات متتابعة في إطار فيلم واحد وعلى خلفية زمنية طويلة. الغاية سرد الحكايات المتصلة بعضها ببعض بشخصياتها وبمكانها (عمارة رقم 2 شارع طلعت حرب) لتحكي ما هو خاص، في المقدّمة، وما هو عام في الخلفية.
تقع الحكاية الأولى في عهد الرئيس جمال عبد الناصر ونلتقي فيها بابن البوّاب شعبان كولد صغير. وهي تبدأ بمشاهد وثائقية لخطب الرئيس ولعناوين الصحف ولبعض المشاهد العامة قبل أن تأخذ أحداث الحكاية دورتها. إنه جزء مصوّر بالأبيض والأسود وفيه نتعرف على الولد شعبان، ابن بوّاب البناية، الذي يساعد الطبّاخ لتحضير صحون العشاء لمجموعة من الضيوف في منزل تقطنه امرأة واقعة في حب طبيب نفسي. تبدو المجموعة في سلوكها وما تتبادله من حوارات كما لو كانت آتية من فيلم «المذنبون» أو «الكرنك» من حيث موقع هذه الشخصيات البعيد عن نبض الأحداث حولها.
صاحبة المنزل لطيفة وسعيدة لولا أنها ترتاب في تصرّفات من تحب. تراه يغادر الحفل عند منتصف الليل معتقدة أنه على علاقة بامرأة أخرى. لكن ما نراه نحن، ويغيب عنها، هو معالجته لرجل يحتل مكانة مهمّة تجعل عناصر المخابرات ترتاب في انتمائه. عندما يتم جلب الطبيب بالقوّة لتوقيع شهادة وفاة مزوّرة يأبى ذلك وتنتهي الحكاية لتنقتل إلى الفترة الساداتية.
هذه تبدأ كما بداية الحكاية الأولى: وثائقيات ومشاهد للرئيس محمد أنور السادات والخطوة التي قام بها عندما زار الكنيست الإسرائيلي ووقع معاهدة السلام. يستخدم المخرج هنا الألوان ليسرد حكاية شاب لبناني اسمه نديم يصل إلى منزل صديقه المصري الذي يملك دكان أقمشة. يرحب به الصديق ويسكنه في منزله. لكن الشاب المصري والشاب اللبناني يختلفان. الأول منفتح على العلاقات الجنسية مع أي فتاة يلتقي بها ولو أن قلبه يفوح حباً ببائعة لديها «كيوسك» في مقابل دكانه. حين يتعرّف اللبناني عليها يقعان في الحب، مما يغيظ صديقه المصري.
اللبناني الآن يريد العودة إلى لبنان التي تعاني من الحرب الأهلية في مطلع الثمانينات. إذ يفعل ذلك تنتهي الحكاية برسالة تصل بعض أشهر إلى الصديق من والد نديم يعلمه فيها بمقتل ابنه في تلك الأحداث.
هاتان الحكايتان هما الأقدر على ترجمة مكوّنات الفترة السياسية والاجتماعية مقارنة بالحكايتين الثالثة، التي تدور في سنة 2004 (فترة الرئيس حسني مبارك)، والرابعة التي تقع في فترة الرئيس الحالي (تبدأ في سنة 2012).
على هذا النحو، الفيلم هو بانوراما لتاريخ ولشخصية شعبان الذي ينطلق ولداً ويصبح شاباً ثم رجلاً وينتهي عجوزاً. ما لا يعمل بنفس الكفاءة أو حسب ما هو منشود حقيقة أن الفيلم لا يستطيع أن يكون من وجهة نظر الشخصية المحورية، وبذلك يفقد قدراً من ترابطه الدرامي المفترض.
مشكلة ثانية لا تقل أهمية، هي أن الحكايات المختارة ليست متساوية الأهمية، ولا تبعث على اهتمام متساوٍ يسودها جميعاً. الحكاية الأولى تمر سريعاً. الثانية هي الأكثر نبضاً واقعياً والأفضل في الدلالات المستوحاة. الثالثة تهبط في ركن منخفض من الأهمية، والرابعة تختم الحكايات بتقديم صاحب العمارة للمرّة الأولى (سمير صبري) الذي يجمع في منزله المشرف على المظاهرات فرق التصوير التلفزيونية ويتعرّف على فتاة شابّة تعتقد أن من تحب هو بين المتظاهرين لكن الحقيقة التي لا يستطيع كشفها لها أنه قُتل في المواجهات.
لكن الفيلم، وسط تفاوت مستويات الدراما، يحافظ على أسلوب عمل متقن في التفاصيل الشخصية وطموح لكي يعكس الفترات المتعاقبة من حياة مصر الحديثة عبر مراحلها ورؤساء جمهورياتها من الستينات وإلى مطلع حكم الرئيس الحالي، عبد الفتاح السيسي.
أمر آخر أهم هو نجاح المخرج في إيصال نهاية كل حكاية إلى مفاد يعكس أحلاماً مجهضة. هي عاطفية في الحكايات الأولى والثانية والرابعة لكنها تعبّر جميعاً عن طموحات لبناء اجتماعي لا يجد المخرج أنه وقع على النحو المأمول. نهاية الحكاية الرابعة هي وحدها التي تحمل الأمل في قدرة مصر على تجاوز إحباطات المراحل السابقة.

Titane
> إخراج: جوليا دوكورناو
> فرنسا (2021)
> رعب | عروض: «كان» وتجارية
(وسط)
نتعرّف على أليكسيا في مطلع هذا الفيلم وهي تجلس في المقعد الخلفي من سيارة يقودها والدها. تصدر أصواتاً تزعجه. يطلب منها خفض الصوت لكنها تأبى وحين تنصاع بعد قليل تبدأ برفس المقعد الذي أمامها، يصرخ فيها والدها منشغلاً عن القيادة وسريعاً ما تستدير السيارة حول نفسها وتصطدم بجدار. المشهد التالي لها في المستشفى وقد تم زرع قطعة معدنية في رأسها الصغير الذي تعرض للعطب.
بالحكم على الفيلم عبر أحداثه اللاحقة يطرح الفيلم ذلك السؤال الذي لم تكترث المخرجة جوليا دوكورناو للإجابة عليه: هل نقرأ في طيات العمل نقداً موجهاً ضد العلم بمعنى أن ما يحدث لأليكسيا بعدما بلغت سنوات الأنوثة الكاملة هو بسبب تلك القطعة المزروعة في الدماغ؟ لا يمكن الوثوق بذلك لكن لا يمكن أيضاً التأكيد حتى مع وجود تشوّه فوق الأذن اليمنى يذكرنا دوماً بمشهد زرع القطعة في الرأس.
ما هو مؤكد أن الأحداث التي تسردها المخرجة جوليا دوكورنيو لا تحوي السبب الصحيح لتصرفات بطلتها بعدما بلغت أنوثة جاذبة تستخدمها لقتل ضحاياها من رجال ونساء. إنها قاتلة متسلسلة بلا رادع ولا واعز ولا سبب فعلي كذلك. الفيلم لا يحتوي على دوافع من أي نوع. لا دوافع اجتماعية ولا دوافع نفسية ولا عائلية. يقدّم الحالة ويعمل على تزويدها بحكاية تنتقل من مشهد عنيف إلى آخر.
تعمل أليكسيا (أغاثا روسيل) في نادٍ ليلي راقصة وتخرج منه لترتكب جريمتها الأولى، ويستمر منحاها على هذا النحو إلى أن تضطر لإخفاء هويتها فتدخل حماماً وتلف نفسها بقماشات لاصقة لإخفاء مكامن أنوثتها. لكنها حبلى في الوقت ذاته ولا نعلم (ولا هي تعلم) مِن مَن.
هنا تلفت اهتمام رجل متوسط العمر اسمه فنسان (فنسنت ليندون) يفتقد ابنه ويعتقد - لحين - أن أليكسيا هو إياه، أو يستطيع أن يحل مكانه. هذا لوحده غريب ويستمر على هذا النحو حتى من بعد أن عرف فنسان حقيقتها. هو الآن حريص على وهمه وسيساعدها على إخفاء هويتها. هذا السبب غير المقنع في تفاصيله ليس أغرب من كيف صاغت المخرجة علاقة أليكسيا بالسيارات. فحوى تلك العلاقة هو أنها تجد في السيارة عشقاً لا يُقاوم. السيارة هي الشيء الوحيد الذي تحب ولا تؤذي. الإيحاء أن الكائن الذين في بطنها هو نتيجة علاقة بينها وبين سيارة كلاسيكية كانت أوت إليها.
يذكّر فيلم دوكورنيو بأفلام لاري كووَن وديفيد كروننبيرغ. كووَن داوم أفلام الرعب البيولوجية (تلك التي تعتمد على خصائص جسدية متوحشة) وكروننبيرغ عمد إليها إلى حين قبل عزوفه عنها. لكن دوكورنيو ليست في مجال التقليد، بل تبتكر حالة ضوضاء وفوضى بصرية وأسلوبية تعمد من خلالها إلى تطويع المؤثرات البصرية المباشرة لخدمة مشاهد دموية فادحة.
تدفع المخرجة الفيلم ليكون متميّزاً بحكايته، خصوصاً عندما تربط مصير بطلتها بمصير رجل الإطفاء فنسان الذي يريد أن يتوهم بأن الفتاة هي ابنه أدريان ويقدّمه لرجال الإطفاء على هذا النحو. هناك ما يشي بأن فنسان مثلي (وهناك من رجال الإطفاء من يهمس لزميل له بذلك) لكن هذا المشوار من الأحداث شائك وغير مريح ليس بسبب الموقف الحاصل بالضرورة، بل أساساً في أن لا شيء ناضج يأتي من تلك العلاقة ولا هي منسابة أو موحى بها بطريقة فنية صحيحة.
حين نتحدّث عن الفن فإن الفيلم في نهاية مطافه عبارة عن فيلم رعب ينتمي إلى النوع (The Genres) أكثر من انتمائه إلى أي شيء آخر. وكلما حاولت المخرجة تمييزه فشلت بعد مشهد لاحق أو سواه في المحافظة على هذا التميّز، وفي النهاية تستولي شروط «الجنر» على شروط التميّز لتخلق فيلماً ناشزاً بالقصد وبالنتيجة.
هذا ما يجعله فيلماً بلا خريطة وصول إلى جمهور ما. في الواقع من المبهم ما جال في بال دوكورنيو وهي تكتب الفيلم وتحققه. يبدو الفيلم عالقاً بين الرعب الناتج عن التعذيب والألم والدموية (لا تخفي أليكسيا ساديّتها قبل قتل واحدة من ضحاياها) وبين الرغبة في تسجيل موقف تبقى صفحته داكنة بحيث لا يمكن قراءة كلماتها كونها داكنة أيضاً.



وفاة الممثل روبرت دوفال نجم فيلم «العراب» عن 95 عاماً

الممثل ​الأميركي ‌روبرت ⁠دوفال (أ.ب)
الممثل ​الأميركي ‌روبرت ⁠دوفال (أ.ب)
TT

وفاة الممثل روبرت دوفال نجم فيلم «العراب» عن 95 عاماً

الممثل ​الأميركي ‌روبرت ⁠دوفال (أ.ب)
الممثل ​الأميركي ‌روبرت ⁠دوفال (أ.ب)

​قالت مجلة «فارايتي» الأميركية، اليوم (الاثنين)، ‌إن ‌الممثل ​الأميركي ‌روبرت ⁠دوفال ​الذي اشتهر ⁠بأدواره في أفلام مثل (⁠جاد ‌فاذر) ‌أو «​العراب» ‌و(أبوكاليبس ‌ناو) أو «القيامة الآن» ‌توفي عن عمر ⁠ناهز 95 عاماً.

ووفقاً لبيان صادر عن عائلته، فقد رحل الممثل الشهير بسلام في منزله بمدينة ميدلبيرغ بولاية فرجينيا، محاطاً بعائلته.

لم يرغب دوفال في إقامة مراسم تأبين رسمية؛ لذا شجعت عائلته محبيه على تكريم ذكراه من خلال «مشاهدة فيلم رائع، أو سرد قصة شيقة مع الأصدقاء، أو القيام بنزهة في الريف للاستمتاع بجمال الطبيعة».

في مسيرة فنية حافلة في هوليوود امتدت لما يقارب ستة عقود، تنقل دوفال ببراعة بين الأدوار الرئيسية والثانوية، مقدماً أداءً يجمع بين الغضب المكبوت والوقار الهادئ.

تقمص كل شخصية ببراعة.

رُشِّح لسبع جوائز أوسكار وسبع جوائز غولدن غلوب. وفاز بجائزة الأوسكار لأفضل ممثل عام 1984 عن دوره في فيلم «Tender Mercies» للمخرج بروس بيريسفورد، حيث جسّد شخصية مغني الريف مدمن الكحول ماك سليدج.

وُلِدَ روبرت سيلدون دوفال في 5 يناير (كانون الثاني) 1931 في سان دييغو، لأمّه ميلدريد هارت، ووالده ويليام دوفال، وهو أميرال في البحرية الأميركية. نشأ في قواعد بحرية متفرقة في أنحاء البلاد، بما في ذلك الأكاديمية البحرية الأميركية في أنابوليس، ميريلاند، وتخرج من كلية برينسيبيا في إلسا، إلينوي، عام 1953.

خدم عامين في الجيش الأميركي خلال الحرب الكورية. بعد عودته إلى الولايات المتحدة، درس دوفال التمثيل على يد الأستاذ المرموق سانفورد مايسنر في مسرح نيبرهود بلاي هاوس في نيويورك، حيث كان من بين زملائه داستن هوفمان، وجين هاكمان، وجيمس كان.

في تلك السنوات، كسب دوفال رزقه من خلال العمل في وظائف متفرقة في نيويورك، وكان يسكن مع هوفمان وهاكمان. شارك في العديد من مسرحيات برودواي وخارجها، بما في ذلك مسرحيتا آرثر ميلر «البوتقة» و«نظرة من الجسر»، كما ظهر ضيف شرف في برامج تلفزيونية شهيرة مثل «منطقة الشفق».

لم يظهر لأول مرة في السينما إلا في سن الحادية والثلاثين، حيث لعب دوراً صغيراً لكنه محوري في فيلم «أن تقتل طائراً بريئاً» (1962) المقتبس عن رواية هاربر لي. وواصل بناء سمعته طوال الستينيات، مقدماً أداءً لا يُنسى في فيلم جون واين «الشجاعة الحقيقية» (1969) وفي فيلم فرانسيس فورد كوبولا «أهل المطر» (1969).

في السبعينيات، برز دوفال بوصفه إحدى الشخصيات الرئيسية في حركة «هوليوود الجديدة». تعاون بشكل متكرر مع مخرجين ذوي رؤية ثاقبة، وساهم في إعادة تشكيل ملامح النجومية في السينما الأميركية إلى جانب نجوم آخرين غير تقليديين، من بينهم آل باتشينو وروبرت دي نيرو وزميليه السابقين في السكن هوفمان وهاكمان.

كان عضواً بارزاً في طاقم الممثلين الضخم للمخرج روبرت ألتمان في فيلم «ماش» (1970)، وهو فيلم ساخر مناهض للحرب، حيث جسّد شخصية الرائد فرانك بيرنز، المتغطرس بشكلٍ كوميدي. كما لعب دور البطولة في فيلم «تي إتش إكس 1138» (1971)، وهو أول فيلم روائي طويل للمخرج جورج لوكاس، وهو فيلم خيال علمي وإثارة تدور أحداثه في عالم بائس، صدر قبل ست سنوات من فيلم «حرب النجوم» الأصلي.

بلغ دوفال ذروة شهرته بأدائه المميز لشخصية توم هاجن، محامي عائلة كورليوني الهادئ والحسابي، في فيلم «العراب» (1972) للمخرج كوبولا، الذي رشّحه لأول مرة لجائزة الأوسكار، وفي الجزء الثاني من الفيلم (1974)، الذي شهد توسيع دوره.

«دائماً ما يعود الأمر إلى فيلم (العراب). فالجزآن الأولان من أفضل الأفلام التي صُنعت على الإطلاق. وعندما قطعنا ربع الطريق تقريباً، أدركنا أننا أمام عمل مميز»، هكذا صرّح دوفال لصحيفة «سان فرانسيسكو كرونيكل» عام 2010.

لم يظهر في الجزء الثالث من سلسلة «العراب»، الذي صدر عام 1990 وحظي بتقييمات متباينة، ويُقال إن السبب هو عدم التوصل إلى اتفاق مع شركة «باراماونت بيكتشرز» بشأن أجره.

واصل دوفال، الذي وصفته مجلة «بيبول» ذات مرة بأنه «نجم هوليوود الأول والثاني»، تألقه في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات. ونال استحساناً كبيراً عن دوره في شخصية المقدم بول ميتشوم القاسية في فيلم «سانتيني العظيم» (1979)، المقتبس عن رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب بات كونروي. في العام نفسه، جسّد دوفال شخصية المقدم كيلغور، المتحمس للرياضات المائية، في فيلم كوبولا الملحمي «القيامة الآن» الذي يتناول حرب فيتنام، حيث ألقى عبارة شهيرة من تحت حافة قبعة ستيتسون سوداء: «أحب رائحة النابالم في الصباح».

وقال دوفال لصحيفة «ديلي تلغراف» عام 2003: «لا أعرف كم من الناس اقتربوا مني على مر السنين ورددوا لي، كما لو كانوا يهمسون سراً، (أحب رائحة النابالم في الصباح). يتصرفون وكأننا وحدنا من نعرف هذه العبارة».

وأضاف: «لكن المضحك أنهم غالباً ما يحرفونها، فيستبدلون كلمة (بنزين) بكلمة (نابالم)، أو أي كلمة أخرى تخطر ببالهم... عقولهم».

بعد أربع سنوات من فيلم «نهاية العالم»، لعب دوفال دور البطولة في فيلم «رحمة رقيقة»، وهي قصة مؤثرة عن الإيمان والخلاص. غنى دوفال بنفسه في الفيلم، وحصل عن هذا الدور على أول جائزة أوسكار له.

ومن بين أدواره البارزة الأخرى في ثمانينيات القرن الماضي، دور كاتب رياضي في فيلم «الموهوب» (1984) للمخرج روبرت ريدفورد، وهو فيلم درامي عن البيسبول، ودور شرطي مخضرم في شرطة لوس أنجليس في فيلم «ألوان» (1988)، الذي شارك في بطولته شون بن. كما نال بعضاً من أروع الإشادات في مسيرته الفنية عن دوره كحارس سابق في شرطة تكساس في المسلسل القصير «لونسم دوف» (1989) المكون من أربعة أجزاء.

واصل دوفال العمل بثبات طوال التسعينيات، فظهر في مشاريع تجارية بارزة مثل «أيام الرعد» (1990)، و«الورقة» (1993)، و«السقوط» (1994)، و«الظاهرة» (1995)، و«التأثير العميق» (1998). وحصل على ترشيحه السادس لجائزة الأوسكار عن دوره كمحامٍ في فيلم «دعوى مدنية» (1998) من بطولة جون ترافولتا.

وفي العقد نفسه، حقق دوفال أحد مشاريعه الشغوفة: «الرسول»، وهو فيلم درامي متعدد الطبقات أخرجه وكتبه وموّله بخمسة ملايين دولار من ماله الخاص. وقد لعب فيه دور واعظ متحمس يسعى للخلاص الروحي في مستنقعات لويزيانا.

وقال دوفال لوكالة «أسوشييتد برس» عام 1997، واصفاً دوريه المزدوجين في موقع التصوير: «ظننت أنني سأضطر إلى وضع مرآة بطول كامل لأصرخ في وجه المخرج، لكنني لم أضطر إلى ذلك. لقد انتهينا من التصوير قبل الموعد المحدد بيوم. إنه فيلم أفتخر به».

في السنوات الأخيرة، حصد دوفال المزيد من الأدوار، وجسّد شخصيات رجال شرطة أفظاظ، ومرشدين حكماء، وشخصيات آباء رصينين.

أخرج دوفال أربعة أفلام روائية طويلة: «أنجيلو حبيبي» (1983)، و«الرسول»، و«تانغو الاغتيال» (2002)، و«الخيول الجامحة» (2015).

تُوفي دوفال تاركاً وراءه زوجته، الممثلة والمخرجة الأرجنتينية لوسيانا دوفال. وكان متزوجاً سابقاً من باربرا بنجامين ماركوس، وجيل يونغز، وشارون بروفي.


«مهرجان برلين» في دورته الـ76... هل يستعيد عصره الذهبي؟

المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)
المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)
TT

«مهرجان برلين» في دورته الـ76... هل يستعيد عصره الذهبي؟

المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)
المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)

انطلق مهرجان «برلين السينمائي» في دورته الـ76 ليل الأربعاء، وسط تمنيات بأن تتفوَّق هذه الدورة على سابقاتها. ومع عرض مجموعة جديدة من الأفلام واستقبال ضيوفه من المخرجين والممثلين والمنتجين، يبرز حضورٌ ملحوظ للأفلام العربية.

خلال السنوات العشرين الأخيرة على وجه التحديد، تزايد ظهور الأفلام التي يحققها سينمائيون عرب في المهرجانات الدولية. بعض تلك المهرجانات صغير لم يسمع به كثيرون، لكن هناك أيضاً عدداً من مهرجانات الصَّفين الأول والثاني مثل «لوكارنو»، و«كارلوڤي ڤاري»، و«ڤينيسيا»، و«كان»، و«صندانس»، و«تورنتو»، وبالطبع «برلين»، الذي انطلق قبل يومين بدورة نشطة تستمر حتى 22 من الشهر الحالي.

على عكس المهرجان الفرنسي، لم يعكس مهرجان «برلين» اهتماماً كبيراً بالسينما العربية كافّة. نعم، عرض ليوسف شاهين فيلمه «باب الحديد» سنة 1958، وفي عام 1977 عرض للمخرج المغربي سهيل بن بركة فيلم «عرس الدم»، إلى جانب مختارات متباعدة. لكن في العقدين الأخيرين ارتفعت نسبة عروضه من الأفلام العربية أكثر مما كانت عليه سابقاً. شهدنا على سبيل المثال «نحبك هادي» للتونسي محمد بن عطية (2016)، و«بركة يقابل بركة» للسعودي محمود صبّاغ (2016)، و«تحقيق في الجنة» للجزائري - الفرنسي مرزاق علواش (2017).

العام الحالي، هناك ما يقارب 10 أفلام عربية تتوزع بين المسابقة (فيلم واحد) والأقسام والبرامج الرسمية الأخرى. من بين هذه الأفلام ما ينتمي إلى 4 سينمائيين بـ4 تجارب مختلفة تستحق التعليق، وهم ليلى بوزيد (تونس)، ومحمد حمَّاد (مصر)، ودانيال عربيد (لبنان)، وعبد الله الخطيب (فلسطين).

1- ليلى بوزيد

ليلى بوزيد هي ابنة المخرج التونسي نوري بوزيد، وتختلف عنه في أنها توجّهت في معظم أفلامها إلى الموضوعات العاطفية، في حين أن والدها كان أكثر اهتماماً بالقضايا الشائكة، شخصية كانت (مثل «ريح السد»، 1985) أو اجتماعية عامة (مثل «آخر فيلم»، 2006).

فيلمها الجديد «بصوت منخفض» (À voix basse)، يدور حول الفتاة الشابة (آية بوترعة) التي كانت تعيش حياتها الباريسية كما تريد، لكن مع عودتها إلى تونس لحضور جنازة عمها تجد نفسها محاطة بالتقاليد وبكثير من الأسئلة عن حياتها في العاصمة الفرنسية. بطلات أفلام بوزيد عادة ما يطلبن لأنفسهن ما لا ترضاه لهن التقاليد. هذا هو منوال «على حلّة عيني» (2015) و«مجنون فرح» (2021)، وهذا ما سنشاهده في هذا الفيلم.

2- محمد حمّاد

قبل 10 أعوام تعرَّفنا على المخرج المصري محمد حمّاد عبر فيلمه الممتاز «أخضر يابس» (Withered Green). حكاية شقيقتين تعيشان معاً. اختار المخرج الحديث أساساً عن الشقيقة الكبرى: امرأة فاتها سنّ الشباب وما زالت عزباء، تعمل في محل حلويات. يعبر المخرج عن وحدتها في مشاهد حانية وحزينة، سواء في القطار أو وهي تمشي وحدها فوق الجسر صوب الحي حيث تسكن. تدرك أنها لن تجد لنفسها مستقبلاً آخر، لكن ذلك لا يمنعها من محاولة تأمين زفاف شقيقتها الصغيرة ممن تحب. المشكلة أنهما وحيدتان، ولا يوجد سوى عمّين يمكن أن يمثلا «أهل العروس» إذا وافقا أو استطاعا ذلك.

من «خروج آمن» لمحمد حمّاد (نوماديس إيماجز)

بعد تلك السنوات العشر يُقدّم حمّاد فيلمه الثاني «خروج آمن» (Safe Exit). الموضوع مختلف، إذ يدور حول جريمة قتل وظروفها، ويتشعّب التحقيق إلى نقاط تجمع بين الشأنين الخاص والعام، حيث يحاول البطل معرفة السبب الذي دعا القاتل إلى فعلته، وما إذا كانت الدوافع اجتماعية أم دينية.

4 سينمائيين عرب و4 تجارب مختلفة تستحق التعليق

3- دانيال عربيد

إحدى الممثلات المشاركات في دور رئيس في فيلم «بصوت منخفض» لليلى بوزيد هي الفلسطينية هيام عباس، التي سنراها أيضاً في فيلم دانيال عربيد المعروض في قسم «بانوراما» بعنوان «لمن يجرؤ» (Only Rebels Win)، يعرض جديد المخرجة اللبنانية حكاية حب بين أرملة وحيدة (هيام عباس) وشاب سوداني (محمد أمين بن رشيد). تجد في الشاب، الذي يبحث عن عمل ويعيش في لبنان بلا إقامة شرعية، إشباعاً عاطفياً، في حين يجد هو في علاقتهما نوعاً من الاحتواء والملجأ من الفقر والخوف.

هيام عبَّاس في «بصوت منخفض» (أبوت بردكشنز)

اختارت دانيال منذ فيلمها الأول «معارك حب» (In the Battlefields) (2004)، موضوعات الهوية والعلاقات العاطفية المأزومة نفسياً. بطلاتها، عادة، بين علاقتين وهويّتين وبحثين في الحياة، كما نرى ذلك في «بيزوت أويل» (2011) و«باريسية» (2015) من بين أفلام أخرى. كما نرى ذلك في «بيروت أوتيل» (2011)، و«باريسية» (2015)، من بين أفلام أخرى.

4- عبد الله الخطيب

يأتي هذا الفيلم الفلسطيني في الوقت المناسب كونه يتحدث عن القضية الفلسطينية خلال حرب غزة، وبذلك يشكّل إضافة إلى أفلام حققتها مواهب عربية مثل كوثر بن هنية («صوت هند رجب»)، آن ماري جاسر («فلسطين 36»)، وعرب وطرزان ناصر («حدث ذات مرة في غزة»).

يتحدث فيلم الخطيب، وعنوانه «وقائع زمن الحصار»، عن شخصيات تعيش الوضع السائد في غزة عندما كانت الطائرات تدكّ المواطنين الآمنين بوحشية، وما يرافق ذلك من مخاوف وتحديات.

العنوان لافت، إذ إن المخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب كان قد أخرج سنة 2021 فيلماً تسجيلياً بعنوان مشابه هو «فلسطين الصغرى: يوميات حصار» عن مخيم اليرموك في دمشق والعزلة المفروضة عليه أيام الرئيس السابق بشار الأسد. لم يكن الفيلم جيداً، إذ اكتفى بالعرض مع نفحات من الدعاية الذاتية لشخص المخرج وما يستطيع أن يكشفه لمشاهديه. ليس لأن الموضوع لم يكن مهماً، بل لأن المعالجة بدت استغلالاً لغايات أخرى.


شاشة الناقد: فيلمان… ورؤيتان متناقضتان للإنسان والنجاح

«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬
«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬
TT

شاشة الناقد: فيلمان… ورؤيتان متناقضتان للإنسان والنجاح

«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬
«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬

THE LAST ‪RESORT‬ ★★★

• إخراج:‫ ماريا سودال‬

• الدنمارك | نال ذهبية مهرجان غوتنبيرغ الأخير

تطرح المخرجة سودال في فيلمها الثاني تساؤلاً حول ما إذا كان التواصل ممكناً بين الأوروبيين الذين يعيشون حياة رغيدة ويتمتعون بالمكتسبات الثقافية والاجتماعية، والمهاجرين القادمين من مناطق تعاني الفقر والحروب، وكيف يمكن لهذا التواصل أن يتحقق.

تصل عائلة مكوّنة من 4 أفراد (زوجان وابنتاهما) إلى جزيرة غران كناريا الإسبانية لقضاء عطلة، لا أكثر. لكن عندما يصدم الزوج بسيارته، في ليلة مظلمة، رجلاً أفغانياً، تقع المواجهة الأولى بين من يملك ومن لا يملك شيئاً، وكذلك بين ثقافتين يصعب أن تلتقيا. دنماركيون يعيشون، كسائر الإسكندنافيين، كما يُقدِّمهم الفيلم، في رخاء وابتعاد عن المشكلات الإنسانية، في مقابل فقراء يحاولون البقاء على قيد الحياة وسط ظروف صعبة.

مايكل زوج طيب ومتسامح، ينقل الجريح إلى المستشفى، ويكتشف لاحقاً أن المستشفى اكتفى بتنظيف جروحه ظاهرياً ثم تركه دون معالجة الالتهاب. يدافع عن الأفغاني في وجه موظفي الفندق الذين لا يريدون رجلاً فقيراً غير أبيض البشرة الدخول إلى الفندق. تنمو صداقة محدودة بين مايكل وأحمد، لكنها لا تستمر طويلاً؛ إذ يبدأ الأخير بإزعاج مايكل وعائلته بطلباته المادية. تقع مشاجرة، ثم نهاية مأساوية، وسؤال كبير: هل أخطأ مايكل حين تعاطف مع أحمد بوصفه إنساناً يحتاج إلى رعاية، أم أن أحمد استغل سذاجته وطمع في ماله؟

الأزمة هنا مزدوجة: واحدة بين العائلة وأحمد، وأخرى بين الزوجين. لكن الفيلم لا يتعامل مع هذا الطرح بشكل تقليدي أو نمطي، ومخرجته تدير الأحداث جيداً، باستثناء أنه لا يجيب عن السؤال الأهم الذي يطرحه ضمنياً. وفي النهاية يُلقي باللوم على الإسبان، مقابل تصوير الدنماركيين بوصفهم أكثر تفهّماً للحاجات الإنسانية.

MARTY SUPREME ★

• إخراج:‫ جوش صفدي

• الولايات المتحدة | أحد الأفلام المتنافسة على الأوسكار

«مارتي سوبريم» هو أسوأ فيلم بين كل ما يُعرض في مسابقات الأوسكار. يتناول قصة لاعب بينغ بونغ يُدعى مارتي (يؤدي دوره تيموثي شالاميه) يحقق انتصارات متتالية في هذه الرياضة، وكلَّما فاز ببطولة تضخَّمت نرجسيته وازداد غروره.

كان يمكن للفيلم أن يكون شيئاً مختلفاً. المشكلة ليست في تقنية التنفيذ من مشهد إلى آخر، بل في المفهوم الذي يحمله ويسعى إلى فرضه على المشاهد. المخرج جوش صفدي يقدِّم فيلماً أقرب إلى الاستعراض الذاتي، ومعالجته للحكاية تقوم على مبدأ: «انظروا إليَّ. أنا مخرج بارع».

«مارتي سوبريم» (A24)

في الوقت نفسه يُطبِّق المفهوم نفسه في رسم شخصية بطله: لاعب بينغ بونغ خارق المهارة يؤدي ضربات استعراضية غير منطقية، فيضرب الكرة بقدمه أو من أوضاع غريبة. لم يكن ينقصه سوى أن يضربها برأسه، أو وهو يقرأ كتاباً بعنوان: «كيف تكون نرجسياً لا يحبك أحد وتنجح».

المبدأ نفسه حاضر هنا؛ إذ لا يريد صفدي الاكتفاء بالتباهي بقدراته التي لا تدخل في قاموس الفن (ولا ننسى الإشادات التي أطلقها عليه معظم النقاد)، بل يعالج شخصيته الرئيسية على أساس أنها شخصية فظّة وأنانية، تعمل لمصلحتها وحدها، وتعامل الآخرين كما لو كانوا حشرات. هنا يكمن نصف المشكلة. أمّا النصف الآخر فيتمثل في أنه يطلب من المشاهدين أن يحبّوا هذه الشخصية رغم مساوئها، بل وبسببها أحياناً.

يبدأ الفيلم بمارتي صغيراً يملك صفات مميّزة عن أقرانه، ثم ينتقل من عام 1952 إلى السنوات اللاحقة. يعمل في متجر أحذية، ويقيم علاقة عاطفية مع صديقته في غرفة الأحذية داخل المتجر. لاحقاً يسافر إلى لندن ويرفض الإقامة في فندق صغير، مطالباً بالنزول في فندق «ريتز». يتحقق طلبه لأن السيناريو يريد ذلك، لفتح خط درامي بينه وبين ممثلة خفت بريقها (غوينيث بالترو). ترفض في البداية، ثم تلين عندما تراه يستخدم حذاءه في اللعب. ومن هنا يتوزع الفيلم بين نجاحه في كسبها ونجاحه في المباريات التي لا بد أن يفوز بها، لأنه «مختلف» عن الجميع.

شقيق جوش صفدي هو المخرج بيني صفدي الذي قدّم فيلماً أفضل بعنوان «الآلة الساحقة» (The Smashing Machine)، يؤدي فيه دواين جونسون دور مصارع لا يُشق له غبار. كلا الفيلمين مبني على شخصيات حقيقية، لكن فيلم بيني صفدي يخلو من الإفراط في تمجيد شخصية مغرورة، ويركّز على انحدار بطله، بينما يقدّم فيلم جوش شخصية سيئة، ويطلب من الجمهور التعاطف معها.

الفيلم مستوحى من شخصية حقيقية تُدعى مارتي رايزمان، لكنه يكتفي بحدٍّ أدنى من سرد سيرته؛ لذلك لا يقدّم سيرة ذاتية متكاملة، بل يكتفي باستعارتها وتوظيفها ضمن أحداث خيالية. وهذا مقبول من حيث المبدأ، لأن الفيلم لا يدّعي الالتزام بسيرة شخص بعينه، لكن المعالجة المعتمدة هنا لا تطمح إلا إلى تقديم حكاية ذات غايات دخيلة.

وبما أن الفترة التي تجري فيها الأحداث (الخمسينات) قريبة زمنياً من حقبة زُجّ فيها اليهود في المعسكرات ثم أُرسلوا إلى الأفران، كان يمكن، مثلاً، بناء معالجة تلامس تجربة بعض الناجين وهم يروون ما مرّوا به. وبما أن مارتي يهودي، فلم لا نحشد له كل مقوّمات الفرادة رغم تحميله الصفات الأنانية كلها؟!

في المحصلة، كلما حاول المخرج تلميع شخصيته الرئيسية، زاد نفور المشاهد منها، وكلما سعى إلى صنع فيلم أخلاقي ظاهرياً، قدّم صورة كاريكاتيرية لشخص ربما كانت حياته الحقيقية أكثر قيمة مما ظهر على الشاشة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز