«سيّد اللعبة» يكشف أصعب اللحظات في دبلوماسية كيسنجر

مارتن إنديك يرصد في كتابه كيف تعامل وزير الخارجية الأميركي السابق مع الصراع في الشرق الأوسط

الملك فيصل بن عبد العزيز مستقبلاً كيسنجر عام 1973 في الرياض (غيتي)
الملك فيصل بن عبد العزيز مستقبلاً كيسنجر عام 1973 في الرياض (غيتي)
TT

«سيّد اللعبة» يكشف أصعب اللحظات في دبلوماسية كيسنجر

الملك فيصل بن عبد العزيز مستقبلاً كيسنجر عام 1973 في الرياض (غيتي)
الملك فيصل بن عبد العزيز مستقبلاً كيسنجر عام 1973 في الرياض (غيتي)

حينما ترد كلمة «عرّاب السياسة» العالمي في العصر الحديث، تتبادر إلى أذهان الكثيرين أسماء متعددة من الشرق إلى الغرب، إلا أن الغالبية تكاد تجمع على أنه هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأميركي الأسبق. ربما تعد هذه النظرة من صيغ المبالغة، فلا يجمع الكل على حبه، ولا على كرهه أيضاً، إلا أن الجميع يحفظ له حقوق «ملكية الفكرية الدبلوماسية»، في التعامل مع أحلك وأصعب الأحداث السياسية في العالم العربي، وكذلك التعامل مع أصعب «المنعطفات» في العالم الغربي.
ويحق للقارئ التساؤل، لماذا هذه «الهالة» التي تحيط بالوزير كيسنجر ولا يزال يتردد صداها إلى يومنا هذا؟ ولماذا لم تنتهِ في حقبة السبعينات من القرن الماضي؟ للإجابة عن هذه «التساؤلات المشروعة»، كتب مارتن إنديك السفير الأميركي السابق في إسرائيل، ومساعد وزير الخارجية للرئيس بيل كلينتون لشؤون الشرق الأدنى، ومبعوث الرئيس باراك أوباما للمفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية، كتاباً بعنوان: «سيد اللعبة، هنري كيسنجر وفن دبلوماسية الشرق الأوسط»، يسرد في كتابه قصصاً عن مشاركة الدكتور هنري كيسنجر في دبلوماسية السلام في الشرق الأوسط، بصفته مستشاراً للأمن القومي للرئيس ريتشارد نيكسون، ووزيراً للخارجية أيضاً، والذي ظل في منصبه كذلك في عهد الرئيس جيرالد فورد كوزير خارجيته.
كان لأستاذ العلوم السياسية الألماني المولد، واليهودي بجامعة هارفارد كيسنجر تأثير كبير على علاقات إسرائيل مع جيرانها العرب، وهدف المؤلف إنديك سرد الكثير من القصص حول تعامل كيسنجر مع العرب والإسرائيليين، إذ يصور إنديك كيف تعامل كيسنجر مع العديد من الشخصيات بوضع الأساس لمحادثات السلام في الشرق الأوسط، متتبعاً فترة ولاية هنري كيسنجر من يناير (كانون الثاني) 1969 حتى ترك البيت الأبيض بعد ثماني سنوات حتى 1977. ويقر المؤلف باهتمامه بعملية السلام في الشرق الأوسط باعتباره يهودياً وُلد في أستراليا، وعاش أيضاً في إسرائيل خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973.
ولم يخفِ إنديك الذي يتشارك مع كيسنجر الديانة اليهودية، والاهتمام بالمنطقة العربية، ميوله وإعجابه بالوزير الأسبق، بل كشف أن زوجته كانت تعمل سكرتيرة شخصية لكيسنجر، وتتعامل مع الكثير من الأمور الشخصية والعملية، وكذلك الإدارية أيضاً.
استخدم الكاتب أسلوباً في كتابة الكتاب يتحدث فيه عن مهمة دبلوماسية لكيسنجر في الشرق الأوسط، تليها حلقة أخيرة في المفاوضات المعاصرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ثم يقارن بين هذين الحدثين في تاريخ العلاقات الخارجية للولايات المتحدة في الصراع العربي الإسرائيلي، مقسماً الكتاب إلى خمسة أقسام ولكل قسم عدة فصول يبلغ مجموعها 17 فصلاً، و672 صفحة، نشر برعاية مجلس العلاقات الخارجية ومقره نيويورك، ودار النشر «ألفريد أ. كنوبف»، في خريف عام 2021.
- كيسنجر استطاع إدارة الصراع في الشرق الأوسط كما تعامل مع معاداة نيكسون للسامية
بدأ الكتاب بأداء كيسنجر اليمين الدستورية كوزير خارجية للولايات المتحدة في سبتمبر (أيلول) 1973. وكيف أجرى مكالمات هاتفية عاجلة ومبكرة يوم السبت 6 أكتوبر 1973، إلى السفير السوفياتي في واشنطن أناتولي دوبرينين، ووزيري خارجية مصر وإسرائيل الذين أكدوا جميعاً أن المصريين والسوريين يهاجمون إسرائيل، وأن هناك حملة عسكرية لعبور قناة السويس، إذ أرسل على الفور رسالة إلى الرئيس نيكسون يخبره فيها أن أميركا ستشهد اليوم حرباً في الشرق الأوسط.
وسلط الكاتب الضوء على بعض الصعوبات التي واجهها كيسنجر في التعامل مع الرئيس نيكسون، كاشفاً أن حقيقة كون كيسنجر يهودياً أعاقت رغبته رئيس للولايات المتحدة في تحسين علاقات أميركا مع الدول العربية، إذ يشير إنديك أيضاً إلى معاداة نيكسون للسامية وكيف أنه غالباً ما كان يضايق كيسنجر بشأن يهوديته في محادثاتهما الخاصة، ومع ذلك، فقد شارك الاثنان في رغبة قوية في الحفاظ على مواجهة الاتحاد السوفياتي، باعتباره توجهاً أساسياً في العلاقات الخارجية لأميركا، وفي الوقت نفسه لاستبعاد السوفيات من الشرق الأوسط قبل وبعد حرب أكتوبر رمضان عام 1973.
- العلاقة بين كيسنجر ومائير لم تكن سهلة لكنه انتزع منها تعهداً حول البرنامج النووي الإسرائيلي
يروي المؤلف كيف أن العلاقة بين هنري كيسنجر ورئيس الوزراء الإسرائيلي غولدا مائير لم تكن سهلة أيضاً، أولاً، في ربيع عام 1969 انتزع كيسنجر من مائير تعهداً بعدم الكشف علناً عن مدى تقدم البرنامج النووي الإسرائيلي، ورفض خيار حكومة الولايات المتحدة بعدم إرسال «طائرات فانتوم» العسكرية لإسرائيل، مقابل الاحتفاظ بمعلومات سرية حول أنشطتها النووية. وذلك لأن نيكسون وكيسنجر خشيا من أن السوفيات سيساعدون العرب في الحصول على قدرات نووية، وذلك لو أصدرت إسرائيل مثل هذا الإعلان. ثانياً، كرهت غولدا مائير توصيف كيسنجر لضحايا حرب إسرائيل في عام 1973، على أنه شيء مشابه لخسارة الأميركيين في الأرواح في حرب فيتنام، إذ شعرت أن ذلك كان محبطاً لإسرائيل. وأخيراً، كانت رئيس الوزراء الإسرائيلية قلقة للغاية من رغبة كيسنجر في إطالة أمد الحرب في أكتوبر 1973، لأن هذا قد يعني دخول السوفيات إلى الحرب جنباً إلى جنب مع السوريين والمصريين.
وربما يلاحظ القارئ للكتاب، كيف أن مارتن إنديك أسهب في تقدير كيسنجر لدور مصر في الحرب والسلام في الشرق الأوسط، ففي فبراير (شباط) 1973، التقى كيسنجر مع مستشار الأمن القومي المصري حافظ إسماعيل في نيويورك، وساهم الاجتماع في فهم كيسنجر لرغبة مصر القوية في استعادة سيادتها على شبه جزيرة سيناء، إلى جانب ذلك كانت أفكار كيسنجر حول كيفية منح إسرائيل عدة إجراءات أمنية لضمان أمنها في سيناء محل فهم وإدراك للمصريين أيضاً.
يحدد المؤلف نقطة الانطلاق لسلام كيسنجر في الشرق الأوسط عندما ذهب للتفاوض على وقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل في أواخر أكتوبر وأوائل نوفمبر (تشرين الثاني) 1973، حيث اضطر كيسنجر لزيارة موسكو والتحدث في الكرملين مع الأمين العام للحزب الشيوعي السوفياتي، ليونيد بريجنيف، وكانت الأولوية القصوى والملحة لكيسنجر هي التعاون مع السوفيات لفرض عدم استمرار النزاع المسلح، أو الاتفاق على هدنة بين المصريين والسوريين والإسرائيليين، وكيف أن ذلك ساهم في مقاربة وزير الخارجية الأميركية بإقامة علاقة ودية مع الرئيس المصري محمد أنور السادات لاحقاً.
ويجادل الكاتب، بأن المقاربة بين كيسنجر والسادات أدت إلى قيام كيسنجر بالتفاوض على اتفاق فك الارتباط بين القاهرة وتل أبيب في يناير 1974. وسبتمبر 1975 على التوالي، ومع ذلك، فإن العلاقة بين كيسنجر والرئيس السوري حافظ الأسد لم تكن وثيقة وناجحة كما هي الحال مع السادات، وكانت جهود كيسنجر متواضعة فيما يتعلق بالمسألة السورية كما يتضح من توقيع اتفاقية فك الارتباط السورية - الإسرائيلية في مايو (أيار) 1974.
- «أوبك» تفشل مساعي كيسنجر
ومع ذلك، فإن أصعب جوانب دبلوماسية كيسنجر للسلام في الشرق الأوسط كانت محاولاته لإنهاء منظمة «أوبك» لسياسة تسعير النفط المرتفعة أثناء وبعد اندلاع حرب أكتوبر، والمراسلات بين الملك فيصل بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية ووزير النفط السابق الدكتور أحمد زكي اليماني. ويشرح المؤلف كيف كان كيسنجر يتصارع مع الفلسطينيين، حيث رفض كيسنجر الدفاع عن حقوق الفلسطينيين بشكل مباشر. وبدلاً من ذلك، فوّض هذه المهمة إلى هارولد سوندرز، مساعده لشؤون الشرق الأوسط، لمعالجة مواضيع الاستحقاقات الأساسية للفلسطينيين في عملية السلام، كما أشار إنديك إلى كيفية تعامل كيسنجر مع الملك حسين ملك الأردن، ووصف كيسنجر بأنه متردد في تأييد دور أكثر حزماً للأردن في الضفة الغربية.
لكن كيسنجر كان أيضاً داعماً للملك حسين، ولم يكن يريد للولايات المتحدة أن تتدخل عسكرياً في الأردن في سبتمبر (أيلول) 1970 أثناء مواجهة العاهل الأردني مع الفدائيين الفلسطينيين، وفي الواقع، لم يمانع كيسنجر من أن تقف إسرائيل إلى جانب الملك حسين لدحر التمرد ضده، والجزء الأكثر روعة في الكتاب هو شهادة الجالية اليهودية الأميركية على مشاركة كيسنجر في ترتيب مفاوضات، بشكل مباشر أو غير مباشر، بين الدول العربية وإسرائيل.
كان هناك خوف واضح ومتزايد بين العديد من اليهود الأميركيين من أن كيسنجر كان يقدم الكثير من التنازلات للعرب، وكان رئيسه الجديد الرئيس جيرالد فورد، مستاءً للغاية من مثل هذا الضغط اليهودي المتصاعد حول كيفية صياغة إدارته لدبلوماسية السلام في الشرق الأوسط، التي كان العقل المدبر لها هنري كيسنجر، ويشير مارتن إنديك إلى أن اللوبي اليهودي في أميركا نجح في تجنب صراع مفتوح مع إدارة الرئيس جيرالد فورد، من خلال الحفاظ على القنوات القوية التي كانت لديه مع العديد من المكاتب في حكومة الولايات المتحدة، ومن خلال الثقة في أن فورد وكيسنجر يحافظان على الاتصالات مع إسرائيل والدول العربية، وأنها لن تكون متحيزة ضد إسرائيل أو اليهود.
- ملك المغرب أوصى السادات بالتعامل مع كيسنجر وأنه «يمكن الوثوق به»
وبشكل عام، يُظهر إنديك أن كيسنجر كان ناجحاً في كسب ثقة العرب، وهو ما يفتقره العديد من وزراء الخارجية الذين جاءوا من بعده وتعاملهم مع هيكلة عملية السلام في الشرق الأوسط، والتي يعززها دور ناشط للولايات المتحدة، وحاز هذا الانفتاح الشامل على ثقة الملك الحسن الثاني ملك المغرب، كما كتب المؤلف، قائلاً: «كان الحسن الثاني قادماً. لقد قبل حجة كيسنجر بأنه ليس من المنطقي إضاعة رأس المال الدبلوماسي الثمين في تحديد خط 22 أكتوبر وأنه من الحكمة الانتقال مباشرة إلى فك الاشتباك الأوسع للقوات».
كما بعث الملك المغربي برسالة إلى الرئيس أنور السادات مفادها: «انطباعنا الرئيسي، هو إذا التزم كيسنجر بالتزام فسوف يحترمه... يمكنك أن تضع ثقتك فيه»، ويجسد الكتاب كيف جسّد كيسنجر البحث الأميركي عن السلام بين مصر وإسرائيل، وإصراره على دعوة السوفيات إلى مؤتمر السلام في جنيف، وهذا من شأنه أن يثبت التزامهم بالسلام في الشرق الأوسط من حيث المبدأ. وبعد ذلك، سيعزز وزير الخارجية الأميركية دوره في لعب دور الوسيط بين مصر وإسرائيل، وجاء في الكتاب، «سعى كيسنجر بشكل غير مباشر إلى تقديم فكرة أنه سيكون الشخص الذي يدير هذه المفاوضات مع السادات ومجلس الوزراء الإسرائيلي».
- فشل كيسنجر بنقل نظام الأسد إلى المعسكر الأميركي
كان هذا انتصاراً دبلوماسياً آخر لكيسنجر، لأن مصر وإسرائيل وافقتا على دبلوماسية الوساطة الخاصة به، وتعاونتا معه للعمل أكثر نحو السلام بين الاثنين. وحاول كيسنجر أيضاً تحييد سوريا، كما كتب مارتن إنديك، قائلاً: «بدأ كيسنجر المفاوضات مع الأسد على أمل أن تنتهي في لحظة شبيهة بلحظة السادات عندما ينقلب ضد الاتحاد السوفياتي وينتقل بالكامل إلى المعسكر الأميركي. لكنه لم يعمل حقاً لتحقيق هذه النتيجة، أو يعتقد أنها ضرورية. كان كافياً لنظامه الجديد في الشرق الأوسط أن يحسب الأسد من الآن فصاعداً أنه من مصلحة سوريا تجنب الصراع مع إسرائيل».
ومع ذلك، يلخص الكتاب حدود ما يمكن أن يحققه كيسنجر، ونقلاً عن المؤلف، «كان كيسنجر ملتزماً جداً باستراتيجية التدرج هذه، ومع ذلك، فقد فشل في إدراك أنه بحلول عام 1975 وصل السادات إلى نقطة الإنهاك. وسيكون عملاً دراماتيكياً أحادياً من جانب السادات في هذه الحالة، وقراره بالذهاب إلى القدس بعد عامين لإثبات استعداده للسلام. بحلول ذلك الوقت، كيسنجر كان خارج المكتب. ومع ذلك، فإن رحلة السادات إلى القدس أثبتت صحة نهج كيسنجر».
وذكر الكاتب أن كيسنجر كان رائداً في استراتيجية الدبلوماسية المكوكية التي تلبي الاحتياجات الملحة للمصريين والسوريين والإسرائيليين لإنهاء حالة الحرب فيما بينهم. رغم ذلك، فشل في تضييق فجوة كبيرة بين إسرائيل وفلسطين كانت تتسع يوماً بعد يوم، كما فشل أيضاً كاتب الكتاب مارتن إنديك في عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين خلال فترة الرئيس باراك أوباما، الذي عمل عن كثب مع قادة البلدين والدول العربية في المنطقة.
- السعودية تسببت بخلق «أصعب لحظات» في حياة كيسنجر
وتطرق مارتن إلى تعاملات كيسنجر مع السعودية، مشيراً إلى الدور الحاسم الذي لعبته الرياض قبل وبعد حرب أكتوبر عام 1973، وذكر أن كيسنجر اتبع تقليد «الواقعية في السياسة الخارجية»، ومن ثم، اعتبر السعودية قوة أساسية لموازنة نفوذ جمال عبد الناصر في العالم العربي، ولاحظ لاحقاً أن الرئيس أنور السادات كان يتخذ خطوات منسقة للتخطيط للحرب مع سوريا، وللحصول على الدعم المالي من الملك فيصل بن عبد العزيز لتمويل المجهود الحربي الوشيك في وقت واحد.
في 14 أكتوبر 1973، كتب كيسنجر رسالة إلى الملك فيصل يخبره فيها أن قرار الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون بإنشاء قناة جوية تزود إسرائيل بالأسلحة، كان رداً على تسليح السوفيات للقوات العسكرية لمصر وسوريا، وقال وزير الداخلية آنذاك الأمير فهد بن عبد العزيز، لكيسنجر إن الملك فيصل بن عبد العزيز لم يعجب من مراسلات كيسنجر، لأنه صوّر السعودية وكأنها تقف مع دعم أميركا لإسرائيل خلال الحرب، على افتراض أن واشنطن والرياض كانا في تحالف مناهض للشيوعية، وبالطبع، لم يكن هذا هو الحال.
- كيسنجر على خلاف نيكسون لم يكن يتوقع أن الملك فيصل سيستخدم سلاح النفط
بالمقابل قلل كيسنجر من شأن إمكانات السعودية، ولم يتوقع استخدام النفط كسلاح في حرب أكتوبر، حيث كان على خلاف بشأن هذه المسألة مع نائب وزير الخارجية كينيث راش، كما كتب إنديك، مستطرداً: «كان نيكسون مثل شليزنجر وراش قلقاً بشأن النفط. ومع ذلك، كان كيسنجر غير متوقع بشأن احتمالية فرض حظر نفطي عربي، ليس لأنه كان متجاهلاً للقلق، بل لأنه كان يعتقد أن جهوده لاستخدام الأزمة للتوصل إلى تسوية سياسية ستبقى في أيدي منتجي النفط».
وحصل ما لم يتوقعه كيسنجر، لتصدر مجلس وزراء النفط العرب قراراً بوقف تصدير النفط إلى الولايات المتحدة في 19 أكتوبر 1973، وخلال الأشهر الستة التالية، تضاعفت أسعار النفط أربع مرات، وظلت الأسعار عند مستويات أعلى حتى بعد انتهاء الحظر في مارس (آذار) 1974، إلا أنه خلال الحظر، ارتفعت أسعار النفط المعدلة حسب التضخم من 25.97 دولار للبرميل في عام 1973 إلى 46.35 دولار للبرميل في عام 1974.
- «حظر النفط» غيّر المعادلة السياسية خلال «حرب أكتوبر» وأربك الأسواق
نتيجة لذلك، بدأت أصعب المواقف الدبلوماسية في حياة المخضرم هنري كيسنجر، وصناعة السلام في الشرق الأوسط مما دفعه إلى البدء في محاولات لإنهاء تكتل «منظمة أوبك»، والسياسة التي اتبعتها في تسعير النفط المرتفع أثناء وبعد اندلاع حرب أكتوبر، وقال إنديك إن الكثير من المراسلات جرت خلال تلك الفترة بين الملك فيصل بن عبد العزيز ووزير النفط السابق الدكتور أحمد زكي يماني من جهة، وهنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي من جهة أخرى.
وأفاد في كتابه، بأن دائماً ما كان كيسنجر يناشد الاثنين لإنهاء مقاطعة النفط التي تضر بالاقتصاديات الصناعية للولايات المتحدة، والغرب إلى حد كبير، إلا أنه كانت هناك شروط قاسية على كيسنجر، ولم تجدِ محاولاته بحث منظمة أوبك على إنهاء حظرها النفطي، وفي البداية، كان حل وضع القدس أحد المطالب التي قدمتها «أوبك» لإعادة مستوى إنتاجها إلى ما قبل الحرب، كما كانت هناك مطالب بمنح الفلسطينيين حقوقهم وإجبار إسرائيل على منح الأراضي التي احتلتها.
وفي تطور الأحداث، لا يمكن أن تتحقق الأشياء الثلاثة التي هي الأبرز بالنسبة لـ«أوبك»، وكما هو متوقع، تغيرت السياسة النفطية الجديدة لـ«أوبك» بعد أن أدرك أعضاؤها حدوث درجة من التقدم في العلاقة بين مصر وإسرائيل، لأن مثل هذا التطور الجديد يعني أن أميركا أصبحت أقل انحيازاً لإسرائيل، على الأقل في علاقة ذلك البلد بمصر، وفي مواضع أخرى، وصف مارتن كيف أخبر كيسنجر أن الرئيس السوري حافظ الأسد على استعداد للقائه، حيث كرر مراراً لكيسنجر أنه «إذا انسحبت إسرائيل من الأراضي العربية، فإن جاذبية الشيوعية في المنطقة سوف تتضاءل».
- الملك فيصل شديد الحذر والدهاء لكنه منفتح في علاقته مع كيسنجر
ونقل إنديك، عن لقاء الملك فيصل مع كيسنجر بينما كان الحظر النفطي ساري المفعول، حيث وُصف الملك فيصل بأنه شديد الحذر في كلماته مع كيسنجر، وفي مرة من المرات قال لوزير الخارجية الأميركي إن «إبرام اتفاق فك الارتباط بين مصر وإسرائيل، سيجعل الصنابير تفتح مرة أخرى»، أي خطوط إنتاج النفط، وفي الواقع، كان هناك انقضاء شهرين عندما تم توقيع اتفاقية فك الارتباط الأولى، وعندما استأنف إنتاج النفط حصصه السابقة، كانت السعودية أكثر صرامة مع كيسنجر، مما كان يعتقد في السابق.
ورأى الكاتب، أن هذا كان له علاقة بإقامة الملك فيصل للربط بين اتفاقية فك الارتباط بين سوريا وإسرائيل، قبل إلغاء ارتفاع أسعار النفط، ففي يوم السبت الموافق 2 مارس (آذار) 1974، ذهب كيسنجر إلى السعودية والتقى بالملك فيصل مرة أخرى، وقال له إن الوزير عمر السقاف (وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية) اجتمع بشكل جيد مع الرئيس نيكسون، واتفقا على إنهاء الحظر النفطي، وبحسب الكاتب، «فاجأه الملك فيصل بقوله إن فصل القوات في الجولان يجب أن يأتي أولاً»، ووصف الملك فيصل هذه الخطوة بأنها «العقبة الأخيرة».
ويصور إنديك الملك فيصل على أنه منفتح وممتعض لكيسنجر، ففي مرة من المرات، «اصطحبه (الملك فيصل) إلى الباب بينما كان يغادر الاجتماع، في لفتة لطيفة منه، وتحدث معه عدة مرات باللغة الإنجليزية، وأخبره بينما كان يودعه، بأنه كان يدعو الله أن يبارك في كيسنجر ويساعده على تحقيق النجاح في دبلوماسيته المكوكية».
وبمزيد من التفاصيل، وبينما كانت أميركا لا تزال تمنح إسرائيل أسلحة بحرية، بينما كان الحظر النفطي لا يزال سارياً، صرّح مارتن إنديك أن «الملك فيصل أحبط محاولة كيسنجر في ربط إنهاء الجسر الجوي بتخفيف الحظر النفطي، وبدلاً من ذلك، أشاد بدهاء الملك فيصل»، ويوضح الكاتب أن كيسنجر أدرك إذا لم يرض الملك فيصل، «فيمكنه دائماً العودة إلى فرض حظر النفط مرة أخرى»، إلا أن ردود الملك فيصل على كيسنجر كانت دائماَ تشير إلى أن «الحظر هو قرار عربي مشترك»، والهدف من ذلك، أن الملك فيصل أراد من كيسنجر أن يفعل المزيد قبل رفع الحظر النفطي.
- استشهاد الملك فيصل نزل بشعور من الكآبة على البيت الأبيض
ويكرر الكاتب ما كتب من قبل في وسائل الإعلام الأميركية، من أن اغتيال الملك فيصل نزل بشعور من الكآبة داخل البيت الأبيض اجتاح الجميع بمن فيهم كيسنجر، وادّعى الكاتب، أن يهودية كيسنجر لم يكن لها قبول كبير في أوساط الدبلوماسية العربية آنذاك، ولكن كيسنجر حصل أيضاً على العديد من الامتيازات المماثلة لمكانته كرجل دولة أميركي بارز، ومسؤول حكومي كبير جداً، وبالتالي، كانت حكمة الدبلوماسية السعودية هي معرفة الأرضية المشتركة التي يمكن العثور عليها في الأصول الدبلوماسية مع كيسنجر. وكان هذا في تناقض مباشر مع معارضة كيسنجر المبكرة لمخاوفه من أن يتم رفضه في السعودية، لكونه يهودياً من خلال العقيدة الدينية.


مقالات ذات صلة

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

ثقافة وفنون الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

تزامناً مع الاحتفاء بيوم «التأسيس» السعودي، دشنّ الدكتور إبراهيم المطرف كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
ثقافة وفنون دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين

تصدر قريباً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان» رواية «الكهل الذي نسي» للروائي الجزائري سمير قسيمي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

صدر حديثاً عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» كتاب «شينجيانغ... رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار» للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)

فضل الاستشراق على العرب

جاك بيرك
جاك بيرك
TT

فضل الاستشراق على العرب

جاك بيرك
جاك بيرك

يمكن القول إنه بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت عدة شخصيات استشراقية كبرى. وهي التي ألقت أضواء ساطعة على تراثنا العربي الإسلامي فجددته ونورته بشكل لم يسبق له مثيل من قبل. نذكر من بينها لويس ماسينيون، ومونتغمري واط، وريجيس بلاشير، وهنري كوربان، وهنري لاوست، وجاك بيرك، وكلود كاهين، وروجيه أرنالديز، وجورج مقدسي، ومكسيم رودنسون، وبرنارد لويس، وتيلمان ناجيل، وجوزيف فان آيس، وأندريه ميكل، وجاكلين شابي، وعشرات غيرهم. ويمكن القول إن إضاءات الاستشراق نفذت إلى عمق أعمق التراث. ولكن من يتجرأ على ترجمة كتبه الأمهات؟ لم تخلقه أمه بعد. هنا يوجد كشف الكشوف، فتح الفتوح. إضاءات تتلوها إضاءات عن تراث العرب والإسلام. حفر أركيولوجي في الأعماق، أعماق تراثنا العربي الإسلامي. نزول إلى الطبقات السفلية التحتية، إلى أسفل طبقة، إلى أعمق طبقة... هذا هو العلم الذي ينير الأبصار. هذا هو العلم الذي يشق دياجير الظلام. ثم يشتمون الاستشراق بعد كل ذلك؟ منذ أربعين سنة وأنا أحلم بتأليف كتاب جديد بعنوان: «الحفر الأركيولوجي في الأعماق وتحرير التراث من التراث أو تحرير الروح من الروح». وعجزت عنه. ولكن عبقرية الاستشراق توصلت إليه. شكراً لهم وألف شكر. ماذا أريد أكثر من ذلك؟ لأول مرة أشعر بأني أولد من جديد. لأول مرة أشعر بأني أتحرر من حالي وتراكماتي وانسدادات آفاقي. لأول مرة أشعر بأن روحي أصبحت حرة طليقة في عالم عربي مقيد بالأصفاد. ولكن إلى حين...

إدوارد سعيد

هذا، وقد حققت الدراسات الاستشراقية إنجازات ضخمة طيلة الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية. ويعود الفضل في ذلك إلى تجدد مناهجها قياساً إلى أجيال المستشرقين السابقين في القرن التاسع عشر حتى منتصف العشرين. فالعلم تغير بطبيعة الحال، وكذلك المنهج والمصطلح. هذا لا يعني إنكار أهمية الإنجازات التي حققها المستشرقون الطليعيون الأوائل. فهي أكثر من ضرورية. ولها فضل السبق. ومن أهم المشاريع الجماعية الكبرى في هذه الفترة نذكر أولاً «الموسوعة الإسلامية» في طبعتها الثانية. وهي أفضل من الأولى وأكثر اتساعاً وشمولاً. إنها تمثل العلم الاستشراقي بالمعنى الرصين والدقيق للكلمة. وقد ساهم فيها باحثون عرب ومسلمون، وليس غربيون فقط. ولكن كلهم «مستشرقون» بالمعنى العلمي والإيجابي للكلمة: أي يحسنون تطبيق المنهج التاريخي الحديث على تراثنا العربي الإسلامي ويسيطرون على المنهج والمصطلح. والموسوعة الإسلامية كنز لا ينضب من المعلومات والتحليلات عن هذا التراث الضخم والعريق. ولا يمكن أن يستغني عنها أي طالب منخرط في الدراسات العليا عن الإسلام، لا في جامعة السوربون، ولا جامعة القاهرة، ولا جامعة الرياض، ولا جامعة أبوظبي، ولا كل جامعات العالم. ثم ظهرت بعدها في السنوات الأخيرة موسوعة جديدة مهمة، هي «الموسوعة القرآنية». وقد أشرفت عليها باحثة أميركية كبيرة. وشارك فيها أيضاً باحثون مسلمون وغير مسلمين من أمثال نصر حامد أبو زيد، ووداد القاضي، ومحمد أركون، وعشرات غيرهم. وصدرت في خمسة أجزاء، ثم أضيف إليها جزء سادس كفهرس شامل للمشروع. وهي تعكس النظرة التاريخية الحديثة للقرآن الكريم. وبالتالي يمكن للقارئ أن يقارنها بالنظرة التبجيلية التقليدية السائدة منذ قرون. فرق كبير وتحرير أكبر... ونحن نعتقد أن النظرة العلمية والتاريخية والفلسفية توسع الإيمان وتجعله مستنيراً ناضجاً ولا تنقضه إطلاقاً. إنها تنقض فقط الإيمان المتعصب الانغلاقي الكاره للآخرين والمكفر لهم بشكل مسبق. فهناك الإيمان الذي يحيي وينعش، وهناك الإيمان الذي يعمي ويقتل. وشتان ما بينهما. شتان ما بين عقلية القرون الوسطى وعقلية القرون الحديثة.

ولا ننسى «القاموس الموسوعي للقرآن الكريم» من تأليف الباحث الجزائري الراحل مالك شبل. وينبغي أن نضيف إلى كل ذلك «قاموس القرآن الكريم» الذي صدر في باريس وشارك في إنجازه ما لا يقل عن ثمانية وعشرين باحثاً أكاديمياً مسلماً وغير مسلم. هكذا نلاحظ أن الاستشراق بالمعنى العلمي الأكاديمي للكلمة لم يعد محصوراً بالباحثين الأجانب، وإنما أصبح يشمل أيضاً الباحثين العرب والمسلمين. وأقصد بهم أولئك الذين يشتغلون في جامعات الغرب ويتقنون مناهج البحث العلمي ويحسنون تطبيقها على تراثهم الإسلامي كما يحسن فلاسفة الغرب تطبيقها على تراثهم المسيحي. وهذا قد يخفف من حدة العداء للاستشراق والمستشرقين في الأوساط العربية والإسلامية المحافظة أو المؤدلجة أكثر من اللزوم. فالتعاون الفكري بين الباحثين العرب والباحثين الأجانب يساهم مساهمة فعّالة ليس في إنارة التراث وتخليصه من براثن الظلاميين فقط، وإنما يساهم أيضاً في تدشين حوار الثقافات والحضارات.

ينبغي العلم أن أقطاب الكنيسة الكاثوليكية هاجموا سابقاً تطبيق المناهج الحديثة على التراث المسيحي بذات العنف الذي يهاجم به الشيوخ التقليديون حالياً الاستشراق لأنه طبق ذات المنهجية على تراثنا العربي الإسلامي. العقلية الأصولية واحدة مهما اختلفت الأديان والمذاهب. التعصب هو التعصب والانغلاق هو الانغلاق. وهذا يعني أن المعركة ضد الأصولية الانغلاقية التكفيرية سوف تحصل في الجهة العربية الإسلامية كما كانت قد حصلت في الجهة المسيحية الأوروبية.

إنها لمصيبة كبرى أننا ابتلينا بهذه الآيديولوجيا الديماغوجية الغوغائية التي تحارب تطبيق المناهج العلمية الحديثة على تراثنا بحجة حمايته من عدوان الاستشراق والمستشرقين! وقد سقط في هذا الفخ باحثون كبار مبدعون كإدوارد سعيد. ناهيك عن أنور عبد الملك وآخرين. وهكذا قدموا للأصوليين محاجات حداثية أو قل ضمانات حداثية كانت تنقصهم بشكل موجع. لقد قدموا لهم سلاحاً فعالاً لكي يجلدوننا به. شيء مؤسف جداً ولكن هذا ما حصل. أحياناً يلعب المثقف الحداثي دور «الأبله المفيد» لقضية غير قضيته، بل معاكسة لقضيته. ولله في خلقه شؤون. على أي حال، فقد تراجع إدوارد سعيد عن ذلك في الطبعة الثانية لكتابه الشهير، بعد أن أدرك حجم الحماقة التي ارتكبها. أقصد بعد أن أدرك كيف يستغل الأصوليون بكل لهفة أبحاثه لخدمة قضيتهم الظلامية المضادة لقضيته التنويرية. عندئذ أحسّ بهول ما ارتكب. فكيف يمكن أن نخرج من مستنقع التخلف الذي سقطنا فيه؟ إذ أقول: ذلك لا يعني أني أعتبر الأبحاث الاستشراقية بمثابة المعصومة. لا، أبداً. لا عصمة في العلم. ولكن على الأقل لنطلع على أبحاثهم قبل أن ننتقدها إذا كنا نستطيع أن نرتفع إلى مستواها طبعاً. كيف يمكن أن نهاجمهم وندينهم قبل أن نطلع على ما فعلوه وأنجزوه. ينبغي العلم أن الصورة التي نمتلكها عن تراثنا هي صورة تبجيلية أو أصولية تقليدية، عفى عليها الزمن. وبالتالي فالاستشراق هو وحده الذي كشف لنا عن الصورة التاريخية والواقعية الحقيقية. فهل نرفضه؟ إننا عندئذ نضرّ أنفسنا كثيراً. لماذا؟ لأننا نؤخر تحررنا الفكري بكل بساطة، ونظل مقطوعين عن ركب العلم والحضارة إلى ما لا نهاية. وعلى أي حال، فإن المثقفين العرب لا يستطيعون القيام بما فعله الاستشراق من عمل فكري تحريري لسببين: أولاً لأنهم غير مسيطرين على المنهج والمصطلح. وبالتالي غير قادرين على تطبيق المناهج الحديثة على التراث. وثانياً لأنهم على فرض أنهم يمتلكون ذلك فإنهم لا يتجرأون على الاقتحام الفكري إلا إذا غادروا بلدانهم العربية وأقاموا في بلدان الغرب لحماية أنفسهم من غضب الشارع وزمجرات الأصوليين. في كلتا الحالتين لم يبقَ لنا إلا الاستشراق الذي قدّم لنا أكبر خدمة مجاناً. لقد حرر تراثنا من خلفيات العصور الوسطى وظلماتها نيابة عنا. ولم يكن دافعه إلى ذلك السيطرة ولا الهيمنة، وإنما حبّ الفضول المعرفي ومتعة الكشف العلمي التي لا تعادلها متعة. ولو كنت صاحب قرار في العالم العربي لأمرت فوراً بفتح مركز كبير للترجمة في المشرق أو المغرب متخصص بنقل أمهات الكتب الاستشراقية فقط إلى لغتنا العربية. هذه هي الطريقة الوحيدة لكي نتحرر من رواسب الماضي والانغلاقات الطائفية والمذهبية التي تنغص عيشنا وتسمم وجودنا وتمزق شعوبنا ومكوناتنا الاجتماعية. ليس بالعقلية التكفيرية القديمة سوف نبني وحدتنا الوطنية ونهضتنا الإشعاعية والحضارية المقبلة.

ومؤخراً صدر في باريس كتابان موسوعيان أساسيان بعنوان «قرآن التاريخ»، و«محمد التاريخ». آلاف الصفحات لكل واحد. أي القرآن الكريم مدروساً من وجهة نظر تاريخية وفلسفية محضة. وكذلك النبي الأكرم مفهوماً على ضوء أحدث المناهج والكشوفات بصفته أحد أعظم الشخصيات التي أثرت على التاريخ البشري. والسؤال المطروح الآن: متى سينقل العرب كل هذه الكنوز المعرفية إلى لغة الضاد؟ متى سيدخل العرب التاريخ من جديد؟


الذكاء الاصطناعي يكشف عن نصوص مجهولة من ملحمة جلجامش

جلجامش وأنكيدو
جلجامش وأنكيدو
TT

الذكاء الاصطناعي يكشف عن نصوص مجهولة من ملحمة جلجامش

جلجامش وأنكيدو
جلجامش وأنكيدو

تحت أقبية المتحف البريطاني في لندن، حيث تتجاور العتمة مع الضوء، وحيث يتحوّل الصمت إلى مادة قابلة للإصغاء، ترقد آلاف الشظايا الطينية كأنها أرشيفٌ للإنسان قبل أن يتعلّم الأرشفة. قطعٌ صغيرة، متشققة الأطراف، تحمل في نقوشها المسمارية توتّر البدايات: خوف الكائن من انطفائه، وشغفه بأن يترك أثراً أثقل من جسده وأطول عمراً من أنفاسه. هنا، على طينٍ جفّ فوق ضفاف دجلة، والفرات، كُتبت «ملحمة جلجامش» بوصفها سيرةَ سؤالٍ أكثر منها حكايةَ بطل: سؤال الخلود حين يقترب الموت من القلب.

الطين في هذه الألواح ليس مجرد وسيط كتابة، بل فلسفةٌ كاملة: فكرةٌ تهبط من التجريد إلى الكتلة، تتحوّل إلى جسمٍ يمكن لمسه، وكأن الذاكرة تحتاج وزناً كي تقاوم الريح. الكتبة العراقيون القدماء ضغطوا بمساميرهم على طينٍ طري، فتركوا أثر اليد داخل أثر الحرف، وصنعوا جسراً بين الحضور، والغياب. ثم جاءت النار التي التهمت قصور نينوى، فشوَت الألواح وزادتها صلابة، فصار الخراب شريكاً في البقاء، والكارثة ختمَ حفظٍ غير مقصود على مخطوطات الأرض.

عند تأمل «اللوح الحادي عشر» (لوح الطوفان) الذي اكتشفه جورج سميث عام 1872، نرى الحروف المسمارية وقد برزت متحديةً عوامل التعرية. وقف سميث حينها مذهولاً أمام تطابق النص مع روايات الطوفان الأخرى في الأديان عبر العالم، مدركاً أنه يمسك بأقدم وثيقة أدبية مكتوبة.

تمتلك المكتبات، والمتاحف، والجامعات أكثر من نصف مليون لوح طيني عراقي منقوشة بخط مسماري مثل «اللوح الحادي عشر». لكن العدد الهائل من النصوص، والعدد القليل من قراء الأكادية -وهي لغة لم يتحدث بها أو يكتبها أحد منذ 2000 عام- يعني أن جزءاً صغيراً فقط من هذه الألواح قد ترجم.

على أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً جذرياً في طريقة قراءة هذه النصوص. فبينما كان العلماء يعتمدون على العين المجردة، والذاكرة البصرية لمحاولة مطابقة آلاف الكسر المتناثرة من قبل عدد محدود من الخبراء الذين يتقنون قراءة اللغات المندثرة، دخل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه لاعب محوري في هذه العملية. مشروع «فراغمنتاريوم» بقيادة إنريكي خيمينيز يمثل ثورة حقيقية في هذا المجال. الخوارزميات الآن تمسح صور الكسور الطينية وتعالجها رياضياً لتجد الروابط بين قطعة موجودة في لندن، وأخرى في بغداد، أو ييل.

هذه التقنية وفرت تسريعاً هائلاً لعملية تجميع واستعادة النصوص ومطابقتها. لقد نجحت الأجهزة الذكية في ضم مئات القطع المتناثرة، مضيفة سطوراً جديدة بالكامل للملحمة. الآلة هنا تعمل عيناً ثالثة، ترى الأنماط التي تغيب عن العين البشرية، وتعيد بناء اللغز المعقد الذي تركه الزمن. وبفضلها، بتنا نقرأ تفاصيل دقيقة كانت غائبة لقرون، ونسمع أصواتاً ظلت صامتة تحت ركام التاريخ.

كشفت النصوص التي جُمعت حديثاً عن فصول مجهولة لم تقرأ من قبل في رحلة جلجامش وصديقه إنكيدو. فتخبرنا عن زيارة البطلين إلى مدينة نيبور، المركز الديني للعراق القديم، في محاولة لاسترضاء الإله «إنليل» بعد قتلهما للوحش «خمبابا». هذا التفصيل يضيف بعداً سياسياً ودينياً لرحلتهما؛ فهما لم يكونا مجرد مغامرين، بل كانا يدركان ثقل الخطيئة، وضرورة التكفير عنها أمام سادة المصير.

كذلك، ظهرت نصوص تصف صلاة «ننسون»، والدة جلجامش، وهي تتوجه إلى إله الشمس «شماش» طالبةً منه رعاية إنكيدو ليكون دليلاً لابنها في غابة الأرز. هذه السطور تعمق البعد العاطفي للأمومة، والقلق في الملحمة، وتظهر إنكيدو بوصفه شخصية محورية تستحق الحماية الإلهية بفضل دعوات الأم الملكية.

ومن أكثر الإضافات إثارةً للدهشة تلك المتعلقة بشخصية «أوتنابشتم» (الناجي من الطوفان العظيم). تُظهر الأجزاء الجديدة شعوره بالذنب تجاه العمال الذين بنوا له السفينة. يذكر النص أنه «أغدق» عليهم الشراب، والولائم، بينما كان يعلم في قرارة نفسه أن مصيرهم الغرق المحتوم. كلمة «أغدق» أو «سقى بإسراف» تكشف عن صراع نفسي عميق لدى الناجي، وتجعل منه شخصية تراجيدية تحمل عبء المعرفة وحدها.

تبقى العلاقة بين جلجامش وإنكيدو المحرك الأساسي للملحمة. النصوص الطينية تصف بدقة مشاعر الفقد، والألم. حين مات إنكيدو، رفض جلجامش تسليم جثته للقبر، وظل يراقب صديقه بانتظار عودته للحياة، حتى سقطت دودة من أنفه. هذا المشهد، الذي تصوره الألواح بواقعية فجة، يجسد «الصدمة» الأولى التي تدفع الإنسان للبحث عن الخلود.

صرخة جلجامش: «هل سأكون مثله وأرقد فلا أقوم أبد الآبدين؟» تتردد في أروقة المتحف. إنها صرخة الكائن البشري الذي يعي فناءه. الألواح الجديدة تزيد من وضوح حوارات إنكيدو وهو يحاول ثني جلجامش عن بعض المخاطر، ما يبرز دوره باعتبار أنه صوت للحكمة، والحذر، مقابل اندفاع جلجامش الجامح.

في رحلته اليائسة، يلتقي جلجامش بصاحبة الحانة «سيدوري». النص المسماري يقدم نصيحتها باعتبارها واحدة من أقدم الفلسفات الوجودية التي تدعو لاغتنام اللحظة. تقول له: «اجعل بطنك ممتلئة، افرح ليل نهار... انظر للطفل الذي يمسك بيدك، ولتسر زوجتك في أحضانك». هذه الدعوة للحياة البسيطة، والاستمتاع بالحاضر تقف نقيضاً لسعي جلجامش المستحيل وراء الخلود الجسدي.

تكتسب هذه الكلمات عمقاً أكبر عند قراءتها من على سطح لوح طيني متشقق. إنها تذكير بأن الانشغال بالغد قد يضيّع منا جمال اللحظة الآنية. ورغم تجاهل جلجامش لنصيحتها في البداية، وإصراره على المضي قدماً، فإن الملحمة تنتهي بعودته إلى «أوروك» وتأمله لأسوارها العظيمة، في إشارة لقبوله بأن الخلود يكمن في العمل، والإنجاز البشري الذي يبقى بعد رحيل الجسد.

تطرح الاكتشافات الحديثة ألغازاً جديدة تحفز العقل. أحد السطور التي كشفها الذكاء الاصطناعي يأتي على لسان «أوتنابشتم» موجهاً حديثه لجلجامش: «هل بنوا يوماً قصراً لأحمق؟». هذا التساؤل الغامض يفتح باب التأويلات. هل يقصد أن الخلود والمكانة الرفيعة يتطلبان حكمة لا يملكها المتهورون؟ أم يسخر من سعي جلجامش العبثي؟ يبقى هذا السطر دليلاً على أن النص لا يزال يخفي أسراراً تنتظر الفهم، وأن كل كشف جديد يولد أسئلة إضافية.

إن عملية تجميع الملحمة عملية مستمرة، وحيّة. الآلاف من الكسر الطينية في مخازن المتاحف العالمية تنتظر دورها لتدخل تحت ماسحات الذكاء الاصطناعي. ومع كل قطعة تضاف، تزداد الصورة وضوحاً، وتكتسب الشخصيات عمقاً إنسانياً جديداً. العلماء اليوم، مثل ناثان واسرمان، وأندرو جورج، يؤكدون أن التكنولوجيا تعزز القدرة البشرية، ولا تلغيها؛ فهي تقدم الاحتمالات، وتبقي للعقل البشري مهمة الفهم، والتأويل، واستشعار الجمال الأدبي.

إن إعادة قراءة ملحمة جلجامش عبر نقوش المتحف البريطاني وبمساعدة أحدث معطيات التكنولوجيا الحديثة تجربة فريدة للغاية تفتح الباب أمام حوار حضارات حقيقي، فنحن نستخدم أحدث ما أنتجه العقل البشري من خوارزميات لفهم أقدم ما كتبه العقل البشري من قصص. الطين والسيليكون يلتقيان ليخبرا قصة واحدة: قصة الإنسان الذي يبحث عن معنى، ويواجه الفناء بالبناء، والكتابة.

تظل الملحمة العراقية القديمة نصاً مفتوحاً على الاحتمالات، كتاباً يكتب نفسه باستمرار مع كل شظية تخرج من الظل لتأخذ مكانها في جدارية الخلود. جلجامش، الذي رأى كل شيء، ما زال لديه الكثير ليقوله لنا.


حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.