«سيّد اللعبة» يكشف أصعب اللحظات في دبلوماسية كيسنجر

مارتن إنديك يرصد في كتابه كيف تعامل وزير الخارجية الأميركي السابق مع الصراع في الشرق الأوسط

الملك فيصل بن عبد العزيز مستقبلاً كيسنجر عام 1973 في الرياض (غيتي)
الملك فيصل بن عبد العزيز مستقبلاً كيسنجر عام 1973 في الرياض (غيتي)
TT

«سيّد اللعبة» يكشف أصعب اللحظات في دبلوماسية كيسنجر

الملك فيصل بن عبد العزيز مستقبلاً كيسنجر عام 1973 في الرياض (غيتي)
الملك فيصل بن عبد العزيز مستقبلاً كيسنجر عام 1973 في الرياض (غيتي)

حينما ترد كلمة «عرّاب السياسة» العالمي في العصر الحديث، تتبادر إلى أذهان الكثيرين أسماء متعددة من الشرق إلى الغرب، إلا أن الغالبية تكاد تجمع على أنه هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأميركي الأسبق. ربما تعد هذه النظرة من صيغ المبالغة، فلا يجمع الكل على حبه، ولا على كرهه أيضاً، إلا أن الجميع يحفظ له حقوق «ملكية الفكرية الدبلوماسية»، في التعامل مع أحلك وأصعب الأحداث السياسية في العالم العربي، وكذلك التعامل مع أصعب «المنعطفات» في العالم الغربي.
ويحق للقارئ التساؤل، لماذا هذه «الهالة» التي تحيط بالوزير كيسنجر ولا يزال يتردد صداها إلى يومنا هذا؟ ولماذا لم تنتهِ في حقبة السبعينات من القرن الماضي؟ للإجابة عن هذه «التساؤلات المشروعة»، كتب مارتن إنديك السفير الأميركي السابق في إسرائيل، ومساعد وزير الخارجية للرئيس بيل كلينتون لشؤون الشرق الأدنى، ومبعوث الرئيس باراك أوباما للمفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية، كتاباً بعنوان: «سيد اللعبة، هنري كيسنجر وفن دبلوماسية الشرق الأوسط»، يسرد في كتابه قصصاً عن مشاركة الدكتور هنري كيسنجر في دبلوماسية السلام في الشرق الأوسط، بصفته مستشاراً للأمن القومي للرئيس ريتشارد نيكسون، ووزيراً للخارجية أيضاً، والذي ظل في منصبه كذلك في عهد الرئيس جيرالد فورد كوزير خارجيته.
كان لأستاذ العلوم السياسية الألماني المولد، واليهودي بجامعة هارفارد كيسنجر تأثير كبير على علاقات إسرائيل مع جيرانها العرب، وهدف المؤلف إنديك سرد الكثير من القصص حول تعامل كيسنجر مع العرب والإسرائيليين، إذ يصور إنديك كيف تعامل كيسنجر مع العديد من الشخصيات بوضع الأساس لمحادثات السلام في الشرق الأوسط، متتبعاً فترة ولاية هنري كيسنجر من يناير (كانون الثاني) 1969 حتى ترك البيت الأبيض بعد ثماني سنوات حتى 1977. ويقر المؤلف باهتمامه بعملية السلام في الشرق الأوسط باعتباره يهودياً وُلد في أستراليا، وعاش أيضاً في إسرائيل خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973.
ولم يخفِ إنديك الذي يتشارك مع كيسنجر الديانة اليهودية، والاهتمام بالمنطقة العربية، ميوله وإعجابه بالوزير الأسبق، بل كشف أن زوجته كانت تعمل سكرتيرة شخصية لكيسنجر، وتتعامل مع الكثير من الأمور الشخصية والعملية، وكذلك الإدارية أيضاً.
استخدم الكاتب أسلوباً في كتابة الكتاب يتحدث فيه عن مهمة دبلوماسية لكيسنجر في الشرق الأوسط، تليها حلقة أخيرة في المفاوضات المعاصرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ثم يقارن بين هذين الحدثين في تاريخ العلاقات الخارجية للولايات المتحدة في الصراع العربي الإسرائيلي، مقسماً الكتاب إلى خمسة أقسام ولكل قسم عدة فصول يبلغ مجموعها 17 فصلاً، و672 صفحة، نشر برعاية مجلس العلاقات الخارجية ومقره نيويورك، ودار النشر «ألفريد أ. كنوبف»، في خريف عام 2021.
- كيسنجر استطاع إدارة الصراع في الشرق الأوسط كما تعامل مع معاداة نيكسون للسامية
بدأ الكتاب بأداء كيسنجر اليمين الدستورية كوزير خارجية للولايات المتحدة في سبتمبر (أيلول) 1973. وكيف أجرى مكالمات هاتفية عاجلة ومبكرة يوم السبت 6 أكتوبر 1973، إلى السفير السوفياتي في واشنطن أناتولي دوبرينين، ووزيري خارجية مصر وإسرائيل الذين أكدوا جميعاً أن المصريين والسوريين يهاجمون إسرائيل، وأن هناك حملة عسكرية لعبور قناة السويس، إذ أرسل على الفور رسالة إلى الرئيس نيكسون يخبره فيها أن أميركا ستشهد اليوم حرباً في الشرق الأوسط.
وسلط الكاتب الضوء على بعض الصعوبات التي واجهها كيسنجر في التعامل مع الرئيس نيكسون، كاشفاً أن حقيقة كون كيسنجر يهودياً أعاقت رغبته رئيس للولايات المتحدة في تحسين علاقات أميركا مع الدول العربية، إذ يشير إنديك أيضاً إلى معاداة نيكسون للسامية وكيف أنه غالباً ما كان يضايق كيسنجر بشأن يهوديته في محادثاتهما الخاصة، ومع ذلك، فقد شارك الاثنان في رغبة قوية في الحفاظ على مواجهة الاتحاد السوفياتي، باعتباره توجهاً أساسياً في العلاقات الخارجية لأميركا، وفي الوقت نفسه لاستبعاد السوفيات من الشرق الأوسط قبل وبعد حرب أكتوبر رمضان عام 1973.
- العلاقة بين كيسنجر ومائير لم تكن سهلة لكنه انتزع منها تعهداً حول البرنامج النووي الإسرائيلي
يروي المؤلف كيف أن العلاقة بين هنري كيسنجر ورئيس الوزراء الإسرائيلي غولدا مائير لم تكن سهلة أيضاً، أولاً، في ربيع عام 1969 انتزع كيسنجر من مائير تعهداً بعدم الكشف علناً عن مدى تقدم البرنامج النووي الإسرائيلي، ورفض خيار حكومة الولايات المتحدة بعدم إرسال «طائرات فانتوم» العسكرية لإسرائيل، مقابل الاحتفاظ بمعلومات سرية حول أنشطتها النووية. وذلك لأن نيكسون وكيسنجر خشيا من أن السوفيات سيساعدون العرب في الحصول على قدرات نووية، وذلك لو أصدرت إسرائيل مثل هذا الإعلان. ثانياً، كرهت غولدا مائير توصيف كيسنجر لضحايا حرب إسرائيل في عام 1973، على أنه شيء مشابه لخسارة الأميركيين في الأرواح في حرب فيتنام، إذ شعرت أن ذلك كان محبطاً لإسرائيل. وأخيراً، كانت رئيس الوزراء الإسرائيلية قلقة للغاية من رغبة كيسنجر في إطالة أمد الحرب في أكتوبر 1973، لأن هذا قد يعني دخول السوفيات إلى الحرب جنباً إلى جنب مع السوريين والمصريين.
وربما يلاحظ القارئ للكتاب، كيف أن مارتن إنديك أسهب في تقدير كيسنجر لدور مصر في الحرب والسلام في الشرق الأوسط، ففي فبراير (شباط) 1973، التقى كيسنجر مع مستشار الأمن القومي المصري حافظ إسماعيل في نيويورك، وساهم الاجتماع في فهم كيسنجر لرغبة مصر القوية في استعادة سيادتها على شبه جزيرة سيناء، إلى جانب ذلك كانت أفكار كيسنجر حول كيفية منح إسرائيل عدة إجراءات أمنية لضمان أمنها في سيناء محل فهم وإدراك للمصريين أيضاً.
يحدد المؤلف نقطة الانطلاق لسلام كيسنجر في الشرق الأوسط عندما ذهب للتفاوض على وقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل في أواخر أكتوبر وأوائل نوفمبر (تشرين الثاني) 1973، حيث اضطر كيسنجر لزيارة موسكو والتحدث في الكرملين مع الأمين العام للحزب الشيوعي السوفياتي، ليونيد بريجنيف، وكانت الأولوية القصوى والملحة لكيسنجر هي التعاون مع السوفيات لفرض عدم استمرار النزاع المسلح، أو الاتفاق على هدنة بين المصريين والسوريين والإسرائيليين، وكيف أن ذلك ساهم في مقاربة وزير الخارجية الأميركية بإقامة علاقة ودية مع الرئيس المصري محمد أنور السادات لاحقاً.
ويجادل الكاتب، بأن المقاربة بين كيسنجر والسادات أدت إلى قيام كيسنجر بالتفاوض على اتفاق فك الارتباط بين القاهرة وتل أبيب في يناير 1974. وسبتمبر 1975 على التوالي، ومع ذلك، فإن العلاقة بين كيسنجر والرئيس السوري حافظ الأسد لم تكن وثيقة وناجحة كما هي الحال مع السادات، وكانت جهود كيسنجر متواضعة فيما يتعلق بالمسألة السورية كما يتضح من توقيع اتفاقية فك الارتباط السورية - الإسرائيلية في مايو (أيار) 1974.
- «أوبك» تفشل مساعي كيسنجر
ومع ذلك، فإن أصعب جوانب دبلوماسية كيسنجر للسلام في الشرق الأوسط كانت محاولاته لإنهاء منظمة «أوبك» لسياسة تسعير النفط المرتفعة أثناء وبعد اندلاع حرب أكتوبر، والمراسلات بين الملك فيصل بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية ووزير النفط السابق الدكتور أحمد زكي اليماني. ويشرح المؤلف كيف كان كيسنجر يتصارع مع الفلسطينيين، حيث رفض كيسنجر الدفاع عن حقوق الفلسطينيين بشكل مباشر. وبدلاً من ذلك، فوّض هذه المهمة إلى هارولد سوندرز، مساعده لشؤون الشرق الأوسط، لمعالجة مواضيع الاستحقاقات الأساسية للفلسطينيين في عملية السلام، كما أشار إنديك إلى كيفية تعامل كيسنجر مع الملك حسين ملك الأردن، ووصف كيسنجر بأنه متردد في تأييد دور أكثر حزماً للأردن في الضفة الغربية.
لكن كيسنجر كان أيضاً داعماً للملك حسين، ولم يكن يريد للولايات المتحدة أن تتدخل عسكرياً في الأردن في سبتمبر (أيلول) 1970 أثناء مواجهة العاهل الأردني مع الفدائيين الفلسطينيين، وفي الواقع، لم يمانع كيسنجر من أن تقف إسرائيل إلى جانب الملك حسين لدحر التمرد ضده، والجزء الأكثر روعة في الكتاب هو شهادة الجالية اليهودية الأميركية على مشاركة كيسنجر في ترتيب مفاوضات، بشكل مباشر أو غير مباشر، بين الدول العربية وإسرائيل.
كان هناك خوف واضح ومتزايد بين العديد من اليهود الأميركيين من أن كيسنجر كان يقدم الكثير من التنازلات للعرب، وكان رئيسه الجديد الرئيس جيرالد فورد، مستاءً للغاية من مثل هذا الضغط اليهودي المتصاعد حول كيفية صياغة إدارته لدبلوماسية السلام في الشرق الأوسط، التي كان العقل المدبر لها هنري كيسنجر، ويشير مارتن إنديك إلى أن اللوبي اليهودي في أميركا نجح في تجنب صراع مفتوح مع إدارة الرئيس جيرالد فورد، من خلال الحفاظ على القنوات القوية التي كانت لديه مع العديد من المكاتب في حكومة الولايات المتحدة، ومن خلال الثقة في أن فورد وكيسنجر يحافظان على الاتصالات مع إسرائيل والدول العربية، وأنها لن تكون متحيزة ضد إسرائيل أو اليهود.
- ملك المغرب أوصى السادات بالتعامل مع كيسنجر وأنه «يمكن الوثوق به»
وبشكل عام، يُظهر إنديك أن كيسنجر كان ناجحاً في كسب ثقة العرب، وهو ما يفتقره العديد من وزراء الخارجية الذين جاءوا من بعده وتعاملهم مع هيكلة عملية السلام في الشرق الأوسط، والتي يعززها دور ناشط للولايات المتحدة، وحاز هذا الانفتاح الشامل على ثقة الملك الحسن الثاني ملك المغرب، كما كتب المؤلف، قائلاً: «كان الحسن الثاني قادماً. لقد قبل حجة كيسنجر بأنه ليس من المنطقي إضاعة رأس المال الدبلوماسي الثمين في تحديد خط 22 أكتوبر وأنه من الحكمة الانتقال مباشرة إلى فك الاشتباك الأوسع للقوات».
كما بعث الملك المغربي برسالة إلى الرئيس أنور السادات مفادها: «انطباعنا الرئيسي، هو إذا التزم كيسنجر بالتزام فسوف يحترمه... يمكنك أن تضع ثقتك فيه»، ويجسد الكتاب كيف جسّد كيسنجر البحث الأميركي عن السلام بين مصر وإسرائيل، وإصراره على دعوة السوفيات إلى مؤتمر السلام في جنيف، وهذا من شأنه أن يثبت التزامهم بالسلام في الشرق الأوسط من حيث المبدأ. وبعد ذلك، سيعزز وزير الخارجية الأميركية دوره في لعب دور الوسيط بين مصر وإسرائيل، وجاء في الكتاب، «سعى كيسنجر بشكل غير مباشر إلى تقديم فكرة أنه سيكون الشخص الذي يدير هذه المفاوضات مع السادات ومجلس الوزراء الإسرائيلي».
- فشل كيسنجر بنقل نظام الأسد إلى المعسكر الأميركي
كان هذا انتصاراً دبلوماسياً آخر لكيسنجر، لأن مصر وإسرائيل وافقتا على دبلوماسية الوساطة الخاصة به، وتعاونتا معه للعمل أكثر نحو السلام بين الاثنين. وحاول كيسنجر أيضاً تحييد سوريا، كما كتب مارتن إنديك، قائلاً: «بدأ كيسنجر المفاوضات مع الأسد على أمل أن تنتهي في لحظة شبيهة بلحظة السادات عندما ينقلب ضد الاتحاد السوفياتي وينتقل بالكامل إلى المعسكر الأميركي. لكنه لم يعمل حقاً لتحقيق هذه النتيجة، أو يعتقد أنها ضرورية. كان كافياً لنظامه الجديد في الشرق الأوسط أن يحسب الأسد من الآن فصاعداً أنه من مصلحة سوريا تجنب الصراع مع إسرائيل».
ومع ذلك، يلخص الكتاب حدود ما يمكن أن يحققه كيسنجر، ونقلاً عن المؤلف، «كان كيسنجر ملتزماً جداً باستراتيجية التدرج هذه، ومع ذلك، فقد فشل في إدراك أنه بحلول عام 1975 وصل السادات إلى نقطة الإنهاك. وسيكون عملاً دراماتيكياً أحادياً من جانب السادات في هذه الحالة، وقراره بالذهاب إلى القدس بعد عامين لإثبات استعداده للسلام. بحلول ذلك الوقت، كيسنجر كان خارج المكتب. ومع ذلك، فإن رحلة السادات إلى القدس أثبتت صحة نهج كيسنجر».
وذكر الكاتب أن كيسنجر كان رائداً في استراتيجية الدبلوماسية المكوكية التي تلبي الاحتياجات الملحة للمصريين والسوريين والإسرائيليين لإنهاء حالة الحرب فيما بينهم. رغم ذلك، فشل في تضييق فجوة كبيرة بين إسرائيل وفلسطين كانت تتسع يوماً بعد يوم، كما فشل أيضاً كاتب الكتاب مارتن إنديك في عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين خلال فترة الرئيس باراك أوباما، الذي عمل عن كثب مع قادة البلدين والدول العربية في المنطقة.
- السعودية تسببت بخلق «أصعب لحظات» في حياة كيسنجر
وتطرق مارتن إلى تعاملات كيسنجر مع السعودية، مشيراً إلى الدور الحاسم الذي لعبته الرياض قبل وبعد حرب أكتوبر عام 1973، وذكر أن كيسنجر اتبع تقليد «الواقعية في السياسة الخارجية»، ومن ثم، اعتبر السعودية قوة أساسية لموازنة نفوذ جمال عبد الناصر في العالم العربي، ولاحظ لاحقاً أن الرئيس أنور السادات كان يتخذ خطوات منسقة للتخطيط للحرب مع سوريا، وللحصول على الدعم المالي من الملك فيصل بن عبد العزيز لتمويل المجهود الحربي الوشيك في وقت واحد.
في 14 أكتوبر 1973، كتب كيسنجر رسالة إلى الملك فيصل يخبره فيها أن قرار الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون بإنشاء قناة جوية تزود إسرائيل بالأسلحة، كان رداً على تسليح السوفيات للقوات العسكرية لمصر وسوريا، وقال وزير الداخلية آنذاك الأمير فهد بن عبد العزيز، لكيسنجر إن الملك فيصل بن عبد العزيز لم يعجب من مراسلات كيسنجر، لأنه صوّر السعودية وكأنها تقف مع دعم أميركا لإسرائيل خلال الحرب، على افتراض أن واشنطن والرياض كانا في تحالف مناهض للشيوعية، وبالطبع، لم يكن هذا هو الحال.
- كيسنجر على خلاف نيكسون لم يكن يتوقع أن الملك فيصل سيستخدم سلاح النفط
بالمقابل قلل كيسنجر من شأن إمكانات السعودية، ولم يتوقع استخدام النفط كسلاح في حرب أكتوبر، حيث كان على خلاف بشأن هذه المسألة مع نائب وزير الخارجية كينيث راش، كما كتب إنديك، مستطرداً: «كان نيكسون مثل شليزنجر وراش قلقاً بشأن النفط. ومع ذلك، كان كيسنجر غير متوقع بشأن احتمالية فرض حظر نفطي عربي، ليس لأنه كان متجاهلاً للقلق، بل لأنه كان يعتقد أن جهوده لاستخدام الأزمة للتوصل إلى تسوية سياسية ستبقى في أيدي منتجي النفط».
وحصل ما لم يتوقعه كيسنجر، لتصدر مجلس وزراء النفط العرب قراراً بوقف تصدير النفط إلى الولايات المتحدة في 19 أكتوبر 1973، وخلال الأشهر الستة التالية، تضاعفت أسعار النفط أربع مرات، وظلت الأسعار عند مستويات أعلى حتى بعد انتهاء الحظر في مارس (آذار) 1974، إلا أنه خلال الحظر، ارتفعت أسعار النفط المعدلة حسب التضخم من 25.97 دولار للبرميل في عام 1973 إلى 46.35 دولار للبرميل في عام 1974.
- «حظر النفط» غيّر المعادلة السياسية خلال «حرب أكتوبر» وأربك الأسواق
نتيجة لذلك، بدأت أصعب المواقف الدبلوماسية في حياة المخضرم هنري كيسنجر، وصناعة السلام في الشرق الأوسط مما دفعه إلى البدء في محاولات لإنهاء تكتل «منظمة أوبك»، والسياسة التي اتبعتها في تسعير النفط المرتفع أثناء وبعد اندلاع حرب أكتوبر، وقال إنديك إن الكثير من المراسلات جرت خلال تلك الفترة بين الملك فيصل بن عبد العزيز ووزير النفط السابق الدكتور أحمد زكي يماني من جهة، وهنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي من جهة أخرى.
وأفاد في كتابه، بأن دائماً ما كان كيسنجر يناشد الاثنين لإنهاء مقاطعة النفط التي تضر بالاقتصاديات الصناعية للولايات المتحدة، والغرب إلى حد كبير، إلا أنه كانت هناك شروط قاسية على كيسنجر، ولم تجدِ محاولاته بحث منظمة أوبك على إنهاء حظرها النفطي، وفي البداية، كان حل وضع القدس أحد المطالب التي قدمتها «أوبك» لإعادة مستوى إنتاجها إلى ما قبل الحرب، كما كانت هناك مطالب بمنح الفلسطينيين حقوقهم وإجبار إسرائيل على منح الأراضي التي احتلتها.
وفي تطور الأحداث، لا يمكن أن تتحقق الأشياء الثلاثة التي هي الأبرز بالنسبة لـ«أوبك»، وكما هو متوقع، تغيرت السياسة النفطية الجديدة لـ«أوبك» بعد أن أدرك أعضاؤها حدوث درجة من التقدم في العلاقة بين مصر وإسرائيل، لأن مثل هذا التطور الجديد يعني أن أميركا أصبحت أقل انحيازاً لإسرائيل، على الأقل في علاقة ذلك البلد بمصر، وفي مواضع أخرى، وصف مارتن كيف أخبر كيسنجر أن الرئيس السوري حافظ الأسد على استعداد للقائه، حيث كرر مراراً لكيسنجر أنه «إذا انسحبت إسرائيل من الأراضي العربية، فإن جاذبية الشيوعية في المنطقة سوف تتضاءل».
- الملك فيصل شديد الحذر والدهاء لكنه منفتح في علاقته مع كيسنجر
ونقل إنديك، عن لقاء الملك فيصل مع كيسنجر بينما كان الحظر النفطي ساري المفعول، حيث وُصف الملك فيصل بأنه شديد الحذر في كلماته مع كيسنجر، وفي مرة من المرات قال لوزير الخارجية الأميركي إن «إبرام اتفاق فك الارتباط بين مصر وإسرائيل، سيجعل الصنابير تفتح مرة أخرى»، أي خطوط إنتاج النفط، وفي الواقع، كان هناك انقضاء شهرين عندما تم توقيع اتفاقية فك الارتباط الأولى، وعندما استأنف إنتاج النفط حصصه السابقة، كانت السعودية أكثر صرامة مع كيسنجر، مما كان يعتقد في السابق.
ورأى الكاتب، أن هذا كان له علاقة بإقامة الملك فيصل للربط بين اتفاقية فك الارتباط بين سوريا وإسرائيل، قبل إلغاء ارتفاع أسعار النفط، ففي يوم السبت الموافق 2 مارس (آذار) 1974، ذهب كيسنجر إلى السعودية والتقى بالملك فيصل مرة أخرى، وقال له إن الوزير عمر السقاف (وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية) اجتمع بشكل جيد مع الرئيس نيكسون، واتفقا على إنهاء الحظر النفطي، وبحسب الكاتب، «فاجأه الملك فيصل بقوله إن فصل القوات في الجولان يجب أن يأتي أولاً»، ووصف الملك فيصل هذه الخطوة بأنها «العقبة الأخيرة».
ويصور إنديك الملك فيصل على أنه منفتح وممتعض لكيسنجر، ففي مرة من المرات، «اصطحبه (الملك فيصل) إلى الباب بينما كان يغادر الاجتماع، في لفتة لطيفة منه، وتحدث معه عدة مرات باللغة الإنجليزية، وأخبره بينما كان يودعه، بأنه كان يدعو الله أن يبارك في كيسنجر ويساعده على تحقيق النجاح في دبلوماسيته المكوكية».
وبمزيد من التفاصيل، وبينما كانت أميركا لا تزال تمنح إسرائيل أسلحة بحرية، بينما كان الحظر النفطي لا يزال سارياً، صرّح مارتن إنديك أن «الملك فيصل أحبط محاولة كيسنجر في ربط إنهاء الجسر الجوي بتخفيف الحظر النفطي، وبدلاً من ذلك، أشاد بدهاء الملك فيصل»، ويوضح الكاتب أن كيسنجر أدرك إذا لم يرض الملك فيصل، «فيمكنه دائماً العودة إلى فرض حظر النفط مرة أخرى»، إلا أن ردود الملك فيصل على كيسنجر كانت دائماَ تشير إلى أن «الحظر هو قرار عربي مشترك»، والهدف من ذلك، أن الملك فيصل أراد من كيسنجر أن يفعل المزيد قبل رفع الحظر النفطي.
- استشهاد الملك فيصل نزل بشعور من الكآبة على البيت الأبيض
ويكرر الكاتب ما كتب من قبل في وسائل الإعلام الأميركية، من أن اغتيال الملك فيصل نزل بشعور من الكآبة داخل البيت الأبيض اجتاح الجميع بمن فيهم كيسنجر، وادّعى الكاتب، أن يهودية كيسنجر لم يكن لها قبول كبير في أوساط الدبلوماسية العربية آنذاك، ولكن كيسنجر حصل أيضاً على العديد من الامتيازات المماثلة لمكانته كرجل دولة أميركي بارز، ومسؤول حكومي كبير جداً، وبالتالي، كانت حكمة الدبلوماسية السعودية هي معرفة الأرضية المشتركة التي يمكن العثور عليها في الأصول الدبلوماسية مع كيسنجر. وكان هذا في تناقض مباشر مع معارضة كيسنجر المبكرة لمخاوفه من أن يتم رفضه في السعودية، لكونه يهودياً من خلال العقيدة الدينية.


مقالات ذات صلة

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

ثقافة وفنون «مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
ثقافة وفنون «ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

عشرة أيام ثقافية جامعة، يعيشها اللبنانيون بفضل «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته السابعة والستين، الذي ينظمه هذه السنة، «النادي الثقافي العربي».

سوسن الأبطح (بيروت)
كتب الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

لطالما كانت تجربة الأمومة والإنجاب، فضلاً عن علاقة المرأة بجسدها وبالعالم، محلاً لاشتغال الكثير من الباحثين في علوم النفس والطب والاجتماع.

شوقي بزيع

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

زوار خلال دورة سابقة لمعرض بيروت للكتاب (معهد باسل فليحان)
زوار خلال دورة سابقة لمعرض بيروت للكتاب (معهد باسل فليحان)
TT

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

زوار خلال دورة سابقة لمعرض بيروت للكتاب (معهد باسل فليحان)
زوار خلال دورة سابقة لمعرض بيروت للكتاب (معهد باسل فليحان)

عشرة أيام ثقافية جامعة، يعيشها اللبنانيون بفضل «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته السابعة والستين، الذي ينظمه هذه السنة، كما جرت العادة، «النادي الثقافي العربي». لكن هذه المرة، النادي وبعد سنوات من الانقسامات، يعود للتعاون مع «نقابة اتحاد الناشرين اللبنانيين»، وينضم إليهما «المعهد الفرنسي» ببرنامج وازن، وتشاركها «الجامعة الأميركية» في بيروت، التي كانت قد شهدت في حرمها انعقاد أول معرض لبناني في أبريل (نيسان) عام 1956، بل كان أول معرض عربي للكتاب، حقق نجاحات مشجعة. من يومها صارت المناسبة سنوية، وانطلقت في منطقتنا معارض الكتب. لهذا استحق لقب: «عميد معارض الكتب العربية».

بعد خلافات وسجالات طوال، ها هي بيروت تنعم بمعرض موحد للكتاب، يجتمع فيه المختلفون، على مشاربهم، بمبادرة من وزير الثقافة غسان سلامة. هؤلاء فرقتهم قضايا كثيرة لكن الكتاب جمعهم تحت سقف «سيسايد أرينا» على الواجهة البحرية للعاصمة، وذلك من التاسع حتى الثامن عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

يتضمن برنامج المعرض أكثر من 95 ندوة وجلسة حوارية بمشاركة 280 شخصية فكرية وأدبية، ويحتفي بشخصيات مثل كمال جنبلاط، وأحمد قعبور، وصبحي الصالح، وغسان تويني، وشوشو، وآخرين. تخصص مساحات للشباب، والرسم وفن الغرافيتي، والموسيقى التي تعود إلى رحابه. من بين أبرز المشاركين العرب في المعرض: الروائي واسيني الأعرج الذي يوقع «الريميتي... أناشيد الجمر والنار»، ورشيد الضعيف، ونجوى بركات توقّع «غيبة مي»، وتتحدث عن «كيف تكتب الرواية؟»، والحبيب السالمي يوقّع «أيتها القبرّة».

بالتزامن مع انعقاد المعرض فإن عشرات المؤلفات ابصرت النور، وستشهد الأجنحة حفلات توقيع بالجملة، في أجواء احتفالية جامعة، حيث تنشط كل دار، لتنظيم برنامجها الخاص، بالتوازي مع البرنامج العام للمعرض.

وتشهد هذه الدورة مشاركة واسعة تتجاوز مائة وثلاثة وستين دارَ نشرٍ، بينها ثلاث وعشرون داراً عربيةً. وهي المرة الأولى منذ عدة سنوات التي يجتمع فيها الكتاب الفرنسي مع العربي في معرض واحد.

الناشرة رشا الأمير صاحبة «دار الجديد» التي لا تزال تجد أن الاشتراك في معرض بيروت مكلف نسبةً إلى المبيع المحتمل، وجدت الحل الأنسب بالاشتراك مع مكتبة صديقة هي «الحلبي»، للتخفيف من الأعباء. وهي ليست الوحيدة التي لجأت إلى هذه الوسيلة.

وتقول الأمير إنها سعيدة بتأمين رعاة لهذا المعرض، وإن كل الجهات اتفقت أخيراً واجتمعت في معرض واحد. وتضيف: «نحن منذ زمن بعيد ندعو لمعرض يتحاور فيه المختلفون، وتتمثل فيه إلى جانب العربية، كل اللغات، الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والكردية، ولغات أخرى». بالنسبة لصاحبة «دار الجديد» حين يكون البلد متعدداً يجب أن يكون معرض الكتاب على مثاله. «كنا ذات يوم قد دعونا كل الأطراف المنظمة لمعارض الكتب إلى ما سميناه (المقرأ). وهو اجتماع طالبنا خلاله بمعرض مختلف عن كل المعارض الأخرى، لأن بيروت لديها إمكانات كبرى وتعددية في اللغات والنشر والطباعة والصحافة. هذا هو دور بيروت الفعلي، لأنها منفتحة على العالم وفيها حرية. ما يتحقق الآن، هو جزء مما حلمنا به».

وتختم: «جيد أن يكون هناك معرض واحد له صدى وتأثير، بدل معارض ضعيفة. وهناك ندوات وأغانٍ، وموسيقى. أما المشهد العام فهو (كوكتيل) مفتوح، يلتقي فيه الناس. هذا شيء مفيد بحد ذاته، وربما اشترى الرواد بهذه المناسبة كتباً يقرأونها أو لا، لسنا ندري».

برنامج المعرض حافل، فيه الموسيقى، حيث تغني في حفل الافتتاح ريما خشيش، يرافقها على البيانو خوان رودريغيز. وفي اليوم التالي تُعقد ندوة عن «الرؤيوي كمال جنبلاط» بمشاركة نخبة من الباحثين، إلى جانب ندوات عن «شغف» للموسيقار عابد عازرية بحوار مع الإعلامي زاهي وهبي، وعن كتاب «رئيس الجمهورية اللبنانية: الموقع والدور»، و«عن الكتابة الإبداعية وأدب الغد» مع الكاتب عبد الرحمن جاسم. ويضم اليوم كذلك لقاءً بالفرنسية حول كتاب عن غزة.

وضمن البرنامج جلسة حول «ثلاثية رشيد الضعيف الأخيرة وإعادة تشكيل الأسطورة»، وندوة عن «رؤية موريس الجميل وتنميته»، وجلسة مع الروائي واسيني الأعرج بعنوان «التاريخ والحكاية»، وأخرى عن مذكرات مروان حمادة «لبنان عسل ودم... رحلتي في الصحافة والسياسة». وثمة محاضرة للدكتور جورج حداد عنوانها «الطب يقرأ الفن: جولة طبيب في قاعات المتاحف»، وحوار مع الفنان عادل كرم. وتُطرح أسئلة عن الجوائز وأثرها في الأدب بمشاركة واسيني الأعرج وجلال برجس. وتُستحضر ذاكرة بيروت عبر «مقهى الهورس شو» في شارع الحمراء، وجلسة عن تاريخ «دار الآداب» تتحدث فيها رنا إدريس بوصفها ناشرة، بمناسبة مرور 70 سنة على تأسيسها. وضمن البرنامج أمسيات شعرية عديدة. وميزة البرنامج أنه متنوع؛ يطول الطب والموسيقى والسير والتاريخ والنشر، كما الرواية والسياسة والاقتصاد.

والجديد هذه السنة هو انضمام «المعهد الثقافي الفرنسي» إلى معرض الكتاب العربي واضعاً إمكانات كبيرة، من أجل إنجاح المناسبة. وتحل المكتبات بدل دور النشر الفرنسية التي لم تعد تحضر إلى بيروت، كما كان الحال سابقاً. إنما تحاول المكتبات أن تعرض أحدث الإنتاجات وأهمها.

وعمل «المعهد الفرنسي» على تنظيم برنامج ثري واستقدم أدباء وفنانين ضمن برنامجه الذي كان يحتفي فيه إما في معرض خاص أو بما سماه، منذ أربع سنوات بعد تغيير الصيغة، «بيروت كتب»، حيث يحاول أن يجعل أنشطته موزعة في مناطق عدة. وتذهب الكتب والأنشطة إلى القراء حيث هم، من خلال شبكة فروع المعهد الفرنسي في لبنان. وتنظم هذه السنة لقاءات وورش عمل في جونية ودير القمر وطرابلس وزحلة إضافةً إلى بيروت.

ويحتل الشباب مكانة أساسية على امتداد الأيام العشرة، من خلال ورش للكتابة والرسم، وقراءات تفاعلية، ولقاءات مع الكتّاب والرسامين، وأنشطة حول القصص المصوّرة، وألعاب ومواعيد صُمّمت خصيصاً للقرّاء. ويشكّل الجناح المشترك للمعهد الفرنسي في لبنان والمعهد الفرنسي للشرق الأدنى، مساحة نابضة باللقاءات والنقاشات وحفلات توقيع الكتب.

يتضمن برنامج المعرض أكثر من 95 ندوة وجلسة حوارية بمشاركة 280 شخصية فكرية وأدبية

يستضيف البرنامج الفرنسي أكثر من 40 كاتباً ورسّاماً وفناناً من تسعة بلدان، بينهم ريوكو سيكيغوشي وجمانة حداد ودومينيك إدّه وشارل بيربيريان، في لقاءات وطاولات مستديرة وحفلات توقيع وأمسيات شعرية وعروض موسيقية، بالفرنسية والعربية والإنجليزية. وتأتي الدورة بروح متوسطية، ضمن «موسم المتوسط» الذي تنظّمه فرنسا خلال عام 2026.

في الثامن من أكتوبر صباحاً، تُخصص «ربع ساعة وطنية للقراءة» في مختلف أنحاء لبنان بالشراكة مع وزارة التربية والتعليم العالي تمهيداً للمعرض. ويوم الافتتاح عرض بعنوان «الاسم الضائع» (موسيقى وشعر وسرد) مع ديالا لطيف، وفريد نيفشيه، في المكتبة الشرقية بجامعة القديس يوسف، ويقام النشاط نفسه في طرابلس في معرض رشيد كرامي الدولي في اليوم التالي. وهناك أمسية شعرية مفتوحة بعنوان «حالات النفس» في مقهى-مكتبة «كافيبرايري» في بيروت، بمشاركة ريما عبد المالك وريتا باسيل وغراسيا بجاني وباميلا شرابيه وجمانة حداد ومالينا قاضي وبلانديان رينكل ومحمود وهبة. وفي البرنامج، لقاء حول الترجمة الفرنسية لكتاب «أنا حرّيتي» لناصر أبو سرور، مع رنا إدريس وستيفاني دوجول، بالشراكة مع «المنظمة الدولية للفرنكوفونية» و«مكتبة ستيفان»، في جناح المعهد الفرنسي داخل المعرض. وكذلك يُعرض عمل تركيبي فوتوغرافي بعنوان «أطوي الأرض» للفنانة كاترين كاتاروتسا، يترافق مع قراءة لريوكو سيكيغوشي، في بيت بيروت، وسط العاصمة. «ماذا يستطيع الأدب؟»، عنوان أمسية أدبية وفنية في متحف سرسق، وهناك لقاء مع ألكسندر لينو، الفائز بجائزة القارات الخمس للفرنكوفونية 2026، في المعرض. أما حفل الختام، فموسيقي-تشكيلي بعنوان «وأنت، كيف حالك؟» مع شارل بيربيريان وميشيل ستاندجوفسكي وموسيقى شيفو كيفو، في مدرّج مونتين بالمعهد الفرنسي في بيروت.


الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية
TT

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية؛ إذ تجاوزت مبيعاته 160 ألف نسخة في ظرف 3 أسابيع، وفق أرقام نشرتها مصادر صحافية. غير أن نجاح كنّافو، مهما بدا لافتاً، لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه حالة منفردة. فخلال الأشهر الأخيرة، غزت واجهات المكتبات الفرنسية مجموعة من المؤلفات السياسية التي وقّعتها شخصيات تنتمي إلى اليمين المتطرف أو تتحرك في مداره الآيديولوجي، محققة أرقام مبيعات لا تُستهان بها في سوق الكتاب، التي تشهد تنافساً محتدماً.

ولفهم دلالة هذه الظاهرة، لا بد من استحضار المسار التاريخي للكتاب السياسي اليميني. فقد كان في نشأته الأولى أقرب إلى المنشور السياسي الموجه إلى النخبة، يُكتب بلغة رصينة، ويُطبع في نسخ محدودة، ويهدف إلى إقناع قارئ مثقف أو إلى تبرير موقف سياسي أمام دائرة ضيقة من المتلقين. لكن مع تحول المشهد الثقافي والإعلامي، وازدياد تأثير وسائل الاتصال الجماهيري، خضع الكتاب السياسي لتحولات عميقة، جعلته ينتقل من كونه أداة إقناع نخبوية إلى كونه منتجاً ثقافياً يُصمَّم بعناية، ويُسوَّق بمنهجية، ويُوزَّع عبر شبكات تجارية واسعة. ويرى باحثون أن هذه التحولات لم تعد تنتمي إلى الزمن الأدبي الطويل، بل إلى إيقاع صحافي سريع؛ فالكتاب السياسي أصبح «يُكتب ويُنشر ويُسوَّق في أسابيع قليلة»، ثم تتعاقب عليه العناوين الجديدة، فلا يبقى منه إلا أثر عابر في الذاكرة الثقافية. فرانسوا أنييك، المسؤول في الاتحاد المهني للناشرين والكتاب، ذهب إلى أبعد من ذلك، واصفاً إياه بأنه «كتاب ذو استهلاك سريع، غالباً ما يكتبه آخرون، ويختفي بعد 6 أشهر».

وفي صدارة هذه الشخصيات التي تسجل كتبها إقبالاً جماهيرياً يأتي جوردان بارديلا، رئيس التجمع الوطني، الذي حقق كتاباه نحو 320 ألف نسخة مجتمعين. فكتابه الأول «ما أبحث عنه» تجاوز 200 ألف نسخة، فيما اقترب كتابه الثاني «ما يريده الفرنسيون» من 100 ألف نسخة في أسابيع قليلة من صدوره. أما فيليب دو فيلييه، مؤسس حزب «الحركة من أجل فرنسا»، وأحد أبرز وجوه اليمين السيادي والمحافظ في فرنسا، فقد واصل ترسيخ حضوره في سوق الكتاب السياسي؛ إذ تجاوزت مبيعات كتابيه الأخيرين «إبادة الشعب» و«إبادة الذاكرة» 400 ألف نسخة مجتمعين، وفق تقديرات «منصة إدستات» لإحصاءات النشر. ولا يغيب إريك زيمور، الزعيم الحالي لحزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، عن هذه الصورة، فكتابه الأخير «القدّاس لم ينته بعد» حقّق نحو 70 ألف نسخة. وعلى الرغم من أن نيكولا ساركوزي لا ينتمي رسمياً إلى اليمين المتطرف، فإن مواقفه الأخيرة قاربته من خطاب اليمين المتشّدد. وكتابه «يوميات سجين»، الذي صدر في خريف 2025، حقق مبيعات تجاوزت 140 ألف نسخة.

ولعل أحد أسرار الإقبال على هذه الكتب يكمن في قدرتها على تحويل الحجّة السياسية إلى حكاية إنسانية قابلة للتداول. فالعناوين نفسها تؤدي وظيفة درامية واضحة: «نهب القرن»، «إبادة الشعب»، «إبادة الذاكرة»، «يوميات سجين». كلها عناوين لا تقدم فكرة بقدر ما تفتح مشهداً صراعياً، ففي هذه الكتب هناك ظالم وضحية، ومتهمون، ومحكمة، وشعب مهدد بالاختفاء. وفي حالة سارة كنّافو، لا يُقدّم الكتاب برنامجاً اقتصادياً تقنياً، بل تحقيقاً قضائياً في نهب الدولة للمواطن. فالراتب، والضرائب، والتقاعد، وأوروبا، تتحول جميعاً إلى عناصر في ملف اتهام. وتزداد فاعلية هذا الأسلوب حين تُترجم الأرقام المجردة إلى شخصية روائية، حيث نجد في فصول الكتاب شخصية «نيكولا»، الموظف المتوسط الذي يُقال إنه خسر أكثر من مليون يورو على امتداد مساره المهني. وهذه الشخصية الوهمية تمنح الحجّة الاقتصادية جسداً ووجهاً وسيرة.

لكن ما يمنح هذه الكتب وحدتها الثقافية ليست العناوين فقط، بل المعجم الذي تبنيه، والموضوعات التي تتكرر فيها عبر الحدود الوطنية. فإذا أمعنا النظر في قاموس هذه المؤلفات، وجدنا أنها تدور حول مفردات قليلة، لكنها تتميز بكثافة عاطفية شديدة: الشعب، الخيانة، الذاكرة، الحدود، الغزو، النهضة، الانحطاط، الاستعادة. كلمة «الشعب» لا تُستعمل هنا باعتبارها مفهوماً اجتماعياً متنوعاً، بل بوصفها كتلة أخلاقية متجانسة تُقابل بـ«النخبة» أو «الطبقة الحاكمة». و«الذاكرة» لا تشير إلى التاريخ فقط، بل تتحول إلى سلاح ضد الحاضر، كما في كتاب فيليب دو فيلييه «إبادة الذاكرة»، الذي يصوّر فرنسا بوصفها أمة فقدت جذورها. أما «النهب» و«الخيانة» فتضفيان على الخلاف السياسي طابعاً قضائياً وأخلاقياً، بحيث يتحول الخصم من منافس فكري إلى متهم، ويتحول القارئ من متلقٍ إلى شاهد أو ضحية.

تتقاطع هذه المفردات مع موضوعات متكررة تجعل من هذه الكتب نصوصاً ثقافية أكثر منها برامج سياسية. فأولاً، ثمة هوس بالضرائب والإنفاق العام، كما في كتاب كنّافو الذي يحول الدولة إلى جهاز جشع يستنزف جهد المواطن. ثانياً، الهجرة والهوية والحدود، التي تظهر في كتاب رونو كامو «الاستبدال العظيم» وإريك زيمور «الانتحار الفرنسي». ثم الذاكرة الوطنية والخوف من محو التاريخ، وهو موضوع يجمع دو فيلييه وبارديلا في تصويرهما لفرنسا كأمة مهدّدة بالذوبان. وهناك أيضاً الهجوم على النخب والمؤسسات. ثم التركيز على فقدان الأمن وانتشار الجريمة، اللذين يتحولان إلى علامات على فقدان السيطرة والدفاع عن الأسرة التقليدية والقيم المحافظة. وأخيراً بناء صورة الزعيم بوصفه ضحية أو منقذاً، كما في «يوميات سجين» لساركوزي، أو في صورة بارديلا الشاب الذي يستعد حسب كتاباته لإنقاذ الأمة.

بهذا المعنى، لا تعمل اللغة في هذه الكتب بوصفها وسيلة نقل للأفكار فقط، بل بوصفها جهازاً لتكوين جماعة ثقافية تتقاسم الإحساس بالخطر والحنين إلى ماضٍ متخيل. فالقارئ لا يشتري نصاً سياسياً فحسب، بل ينخرط في عالم رمزي كامل: تاريخ وطني مهدد، شعب مسلوب، نخبة خائنة، زعيم مضطهد، عودة موعودة إلى زمن يُقدَّم باعتباره أكثر صفاءً واستقراراً.

ولا يمكن فهم هذه المبيعات الاستثنائية رغم أزمة قطاع النشر من دون النظر إلى البنية الاقتصادية والإعلامية التي تحملها. فعدد كبير من هذه الكتب صدر عن دار فايار، التابعة لمجموعة يتحكم فيها رجل الأعمال فنسان بولوريه، الذي تثير توجهاته الإعلامية والسياسية جدلاً واسعاً. وترتبط هذه المنظومة بوسائل إعلام كثيرة. هنا لا يعود الكتاب منتجاً منفصلاً عن بقية السوق، بل يصبح جزءاً من سلسلة متكاملة: دار نشر، وتوزيع، وواجهات بيع، وبرامج تلفزيونية، وإذاعات، ومقالات، ومقاطع على شبكات التواصل. وقد لخّصت إذاعة فرنسا الدولية الآلية بالقول إن الكتاب المنشور لدى مجموعة كبرى يحظى بتوزيع أوسع وترويج أكبر، ما يؤدي بالتالي إلى مبيعات أعلى. ويذهب مؤرخ الإعلام ألكسيس لوفرييه إلى أبعد من ذلك، إذ يرى أن نجاح هذه النوعية من الكتب السياسية مدعوم باستخدام علامات إعلامية معروفة بوصفها منصات لتطبيع أفكار اليمين المتطرف.

ولا تقتصر الظاهرة على فرنسا. ففي الولايات المتحدة، يتصدر فيكتور ديفيس هانسون قائمة «نيويورك تايمز» لأكثر الكتب غير الروائية مبيعاً بكتابه «الثورة المضادة: سقوط وصعود دونالد ترمب وحركة ماغا»، الذي يقدمه كرواية ثقافية عن «ثورة مضادة» ضد الهيمنة الليبرالية على المؤسسات الأميركية. وفي إيطاليا، حقق الجنرال المتقاعد روبرتو فانّاتشي نجاحاً استثنائياً بكتابه «العالم بالمقلوب»، الذي صدر عام 2023، وبيع منه نحو 240 ألف نسخة في بضعة أشهر، ليتحول إلى منصة إطلاق سياسي لصاحبه الذي ترشح لاحقاً للانتخابات الأوروبية على قائمة حزب «الرابطة» اليميني المتطرف.

الأهم في هذه الظاهرة ليس الرواج التجاري والشعبي فقط، بل الكشف عن حقيقة مقلقة، وهي أن خطاب اليمين المتطرف لم يعد هامشياً في سوق الكتاب الفرنسي، وأنه نجح في الانتقال من منشورات حزبية محدودة التوزيع إلى منتجات ثقافية واسعة الانتشار، مدعومة بشبكات إعلامية وتجارية قادرة على تحويل السياسي إلى نجم، والكتاب إلى حدث، والجدل إلى مبيعات.


«بيجو 504»... الجنوب وعبث الحروب

رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)
رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)
TT

«بيجو 504»... الجنوب وعبث الحروب

رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)
رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)

في بيتٍ لبنانيّ جنوبي محاذٍ للحدود مع فلسطين والجولان المحتلَّين، تحتدم السجالات بين (مريم) و(عبدو) على وقع هدير الطيران الحربي الإسرائيلي والقصف المدفعي المتقطّع. هي ليست نقاشاتٍ زَوجيّة اعتياديّة، بل تشريحٌ لخيباتٍ تَراكمت بفِعل التمسّك بالعقائد الحزبيّة وبالقضايا الوطنيّة الكبرى.

لا تريد رواية «بيجو 504» لكاتبها عفيف دياب، الغوص في يوميّات الجنوب تحت القصف والاحتلال ولا تصوير الدمار المتعاقب عليه منذ أجيال، بِقَدر ما تبغي طرح الانعكاسات الإنسانية لتلك الأحداث، وذلك من خلال عائلةٍ في حالة غليانٍ دائم.

تنطلق أحداث «بيجو 504»، وهي الرواية الأولى في رصيد الصحافي اللبناني، من أواخر ستينات القرن الماضي وتنتهي مطلع الثمانينات، موثقة ما دار ما بين نكسة يونيو (حزيران) 1967 واجتياح بيروت عام 1982، لكنها لا تستقي من التاريخ والأحداث الميدانية، بل من شهادات أبناء المنطقة الحدوديّة، التي أمضى دياب شطراً كبيراً من عمره وهو يجمعها أو يحفظها في ذاكرته. وعندما حلّ أوانُ سكبها على الورق، اختار الراوي أبطالاً عاديين، هم أبناء الجنوب الذين آمنوا لبُرهةٍ بأنّ عشقَ الأرض كافٍ لإنقاذها من أنياب العدوّ.

الاجتياح الإسرائيلي لبيروت 1982

كان ذلك هو زمنُ الأحزاب العلمانيّة التي رفعَت، كلٌ على طريقتها، البندقيّة في وجه المُحتلّ الإسرائيلي. كانت شخصية مريم في الرواية تميل إلى أحد تلك الأحزاب اليساريّة، بينما ينتمي زوجها عبدو إلى حزبٍ عروبيّ ذي آيديولوجيا مختلفة.

وعلى خلفيّة تَقَدُّم الإسرائيليين باتّجاه القرية، ودَكّ بيوتها واحداً تلو الآخر، ترتفع النقاشات بين الزوجَين من دون أن تتحوّل إلى خلافات. يُحصّنها ضدّ ذلك كمٌ كبير من الوعي والحب والنقد الذاتي الممهور بنبرةٍ تهكّميّة. بلغَ عبدو ومريم ما يكفي من الخيبة، كي يُدركا أنّ البقاء باتَ مُحالاً. لكن كان قرار الرحيل من القرية يؤخره التعلُّق بالأرض، فمريم تشعر وكأنّ جذورها قد تنسلخ، إن هي ابتعدت عن شجرة الأكاسيا المغروسة في الحديقة. أما عبدو، الذي كان يحمل الطعام إلى الجبال الوعرة والمَغاور حيث المقاومون، فمتشبّثٌ بأطراف الحلم، بالرغم من معرفته أنه سيفلت من بين أصابعه لا محالة:

«صارت الأرض أصغر من حبّة زيتون والبلاد تحفر قبور موتاها»، «بلادُنا سفينة مثقوبة»، «البلاد تتقاتل ولن أُنجب لمطحنة الموت»... هي بعض عبارات الخيبة التي تَرِد على ألسِنة الشخصيات ممهّدةً للرحيل أو التهجير.

بدأ دياب العمل على مشروع الرواية منذ 2005 (الشرق الأوسط)

لا يسمّي دياب القرية الحدوديّة، لأنّ حالها حالُ قرىً جنوبيّة كثيرة شهدت الأحداث ذاتها وما زالت، واختبرت نفس المعاناة، وبلغ ناسُها من مرارة الواقع ما بلغَهُ مريم وعبدو وسائر شخصيات «بيجو 504». من بين هؤلاء الجارة «أم وليد» التي حمل زوجها البندقيّة متّجهاً صوب فلسطين ولم يَعُد. و«سعدى» والدة عبدو التي انتظرت حبَها عُمراً، ويوم رجع أخذه الموت منها سريعاً، ثمّ هدّم العدوّ دارها وهي آخرُ ذكرى لها منه. ولـ«راجي» شقيق مريم خيباتُه السياسية والعقائدية التي تدفعُه إلى الهجرة النهائية من الوطن. أما «رامز» شقيقُها الثاني فهو قلبُ الحكاية النابض والنازف، وأحد رموزها الأساسيين على هيئةِ طبيبٍ تَخرّج من الاتحاد السوفياتي ثم عاد ليُداويَ جروح المقاومين على جبهة القتال ضد إسرائيل.

بموازاة الأبطال العاديّين في الرواية، يسير أبطالٌ غيرُ اعتياديّين، ليست أسماؤهم غريبةً على القارئ. في إحدى الليالي، نرى الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في بيت عبدو حيث يلجأ للتخفّي من الإسرائيليين. وتعود إطلالات عرفات لتتكرّر في الكتاب، وذلك في إطار مهمّاته التي كانت تقوده إلى الجنوب مطلع السبعينيات، وقد استقى الكاتب ذلك من وقائع حدثت فعلاً.

توثّق الرواية كذلك لنقاشاتٍ فكريّة وسياسية محتدمة دارت بين الشخصيات وبين قائدٍ فلسطيني آخر هو جورج حبش. ولقصر المختارة وسيّدِه وليد جنبلاط كذلك حصةٌ من السَرد والأحداث التي تمزج ما بين الواقعي والمتخيّل.

وحده نظام الأسد لا يُسَمّى بالاسم رغم كونه محوراً أساسياً يرمز إليه عنوان الرواية. «بيجو 504» هو طراز السيارات التي كان يتنقّل فيها عناصر الاستخبارات السوريّة جنوباً، مثيرين القلق في صفوف المقاومة اليساريّة. وهذا ما يحصل مع عبدو الذي يرفض المساومة رغم كل ما يتعرّض له من مضايقات وتحقيقات على أيدي ضبّاط «دولة القيادة العليا».

ولعلّ أكثر فصول تلك العلاقة الملتبسة بينه وبين النظام السوري حبساً للأنفاس، فصلُ الكلاشنيكوف. في موقفٍ مُذلٍّ لعبدو، يُصرّ ضبّاط النظام على استرجاع البندقيّة التي كانوا قد منحوه إياها بهدفِ مقاومة العدوّ. في رحلةٍ محفوفة بالمخاطر ومسيّجة بالرُكام، كانت مريم قد وجدت نفسها مضطرّةً إلى العودة إلى القرية المدمّرة والواقعة تحت النيران الإسرائيلية، من أجل البحث عن الكلاشنيكوف بين حُطام بيت عائلة زوجها.

يوقّع دياب روايته في الـ16 من الشهر الجاري في معرض بيروت للكتاب (إنستغرام)

ترسم رواية «بيجو 504» المرأةَ الجنوبيّة بملامحها الحقيقيّة. من خلال مريم وسائر الشخصيات الأنثوية، يستعيد دياب وجوه النساء اللواتي تربّى في كنفهنّ. هنّ أمّهات وجدّات كنّ يقُدن المظاهرات ضدّ إسرائيل وينقلن السلاح والطعام إلى المقاومين. يحرص دياب على تظهير صورة المرأة الجنوبية المثابرة والمناضلة والساعية للعلم والرافضة للقمع. فكلّ شخصيات الرواية يملكن حساً إنسانياً عالياً يتفوّق على ذكوريّة الرجل، ويفرض رومانسية شاعريّة على العلاقة الزوجية.

لكن وحدَها مريم بلغت أقصى درجات الواقعيّة فأدركت باكراً عبث الحرب والقضايا الكبرى، وفضّلت الانشغال بالقراءة وبتربية ابنها.

بأسلوبٍ أدبيّ يغلب فيه الوصف الأنيق والسرد الإنساني الأحداثَ المحوَريّة، يذهب عفيف دياب بروايته إلى فحواها: من الممكن أن تكون الحياة هانئة بعيداً عن العبث السياسي والحزبي.

رواية «بيجو 504» الصادرة عن «دار الفارابي» صالحةٌ لأيّ أوانٍ جنوبيّ. صحيحٌ أنها توثّق ليوميّاتٍ انقضى عليها أكثر من 45 سنة، إلّا أنّ مأساة الجنوب اللبناني كما هي منذ 1948؛ بما فيها من قتلٍ وتدميرٍ وتهجير وخيباتٍ متراكمة، وحرقٍ للزرع والذكريات والتاريخ.