«سيّد اللعبة» يكشف أصعب اللحظات في دبلوماسية كيسنجر

مارتن إنديك يرصد في كتابه كيف تعامل وزير الخارجية الأميركي السابق مع الصراع في الشرق الأوسط

الملك فيصل بن عبد العزيز مستقبلاً كيسنجر عام 1973 في الرياض (غيتي)
الملك فيصل بن عبد العزيز مستقبلاً كيسنجر عام 1973 في الرياض (غيتي)
TT

«سيّد اللعبة» يكشف أصعب اللحظات في دبلوماسية كيسنجر

الملك فيصل بن عبد العزيز مستقبلاً كيسنجر عام 1973 في الرياض (غيتي)
الملك فيصل بن عبد العزيز مستقبلاً كيسنجر عام 1973 في الرياض (غيتي)

حينما ترد كلمة «عرّاب السياسة» العالمي في العصر الحديث، تتبادر إلى أذهان الكثيرين أسماء متعددة من الشرق إلى الغرب، إلا أن الغالبية تكاد تجمع على أنه هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأميركي الأسبق. ربما تعد هذه النظرة من صيغ المبالغة، فلا يجمع الكل على حبه، ولا على كرهه أيضاً، إلا أن الجميع يحفظ له حقوق «ملكية الفكرية الدبلوماسية»، في التعامل مع أحلك وأصعب الأحداث السياسية في العالم العربي، وكذلك التعامل مع أصعب «المنعطفات» في العالم الغربي.
ويحق للقارئ التساؤل، لماذا هذه «الهالة» التي تحيط بالوزير كيسنجر ولا يزال يتردد صداها إلى يومنا هذا؟ ولماذا لم تنتهِ في حقبة السبعينات من القرن الماضي؟ للإجابة عن هذه «التساؤلات المشروعة»، كتب مارتن إنديك السفير الأميركي السابق في إسرائيل، ومساعد وزير الخارجية للرئيس بيل كلينتون لشؤون الشرق الأدنى، ومبعوث الرئيس باراك أوباما للمفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية، كتاباً بعنوان: «سيد اللعبة، هنري كيسنجر وفن دبلوماسية الشرق الأوسط»، يسرد في كتابه قصصاً عن مشاركة الدكتور هنري كيسنجر في دبلوماسية السلام في الشرق الأوسط، بصفته مستشاراً للأمن القومي للرئيس ريتشارد نيكسون، ووزيراً للخارجية أيضاً، والذي ظل في منصبه كذلك في عهد الرئيس جيرالد فورد كوزير خارجيته.
كان لأستاذ العلوم السياسية الألماني المولد، واليهودي بجامعة هارفارد كيسنجر تأثير كبير على علاقات إسرائيل مع جيرانها العرب، وهدف المؤلف إنديك سرد الكثير من القصص حول تعامل كيسنجر مع العرب والإسرائيليين، إذ يصور إنديك كيف تعامل كيسنجر مع العديد من الشخصيات بوضع الأساس لمحادثات السلام في الشرق الأوسط، متتبعاً فترة ولاية هنري كيسنجر من يناير (كانون الثاني) 1969 حتى ترك البيت الأبيض بعد ثماني سنوات حتى 1977. ويقر المؤلف باهتمامه بعملية السلام في الشرق الأوسط باعتباره يهودياً وُلد في أستراليا، وعاش أيضاً في إسرائيل خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973.
ولم يخفِ إنديك الذي يتشارك مع كيسنجر الديانة اليهودية، والاهتمام بالمنطقة العربية، ميوله وإعجابه بالوزير الأسبق، بل كشف أن زوجته كانت تعمل سكرتيرة شخصية لكيسنجر، وتتعامل مع الكثير من الأمور الشخصية والعملية، وكذلك الإدارية أيضاً.
استخدم الكاتب أسلوباً في كتابة الكتاب يتحدث فيه عن مهمة دبلوماسية لكيسنجر في الشرق الأوسط، تليها حلقة أخيرة في المفاوضات المعاصرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ثم يقارن بين هذين الحدثين في تاريخ العلاقات الخارجية للولايات المتحدة في الصراع العربي الإسرائيلي، مقسماً الكتاب إلى خمسة أقسام ولكل قسم عدة فصول يبلغ مجموعها 17 فصلاً، و672 صفحة، نشر برعاية مجلس العلاقات الخارجية ومقره نيويورك، ودار النشر «ألفريد أ. كنوبف»، في خريف عام 2021.
- كيسنجر استطاع إدارة الصراع في الشرق الأوسط كما تعامل مع معاداة نيكسون للسامية
بدأ الكتاب بأداء كيسنجر اليمين الدستورية كوزير خارجية للولايات المتحدة في سبتمبر (أيلول) 1973. وكيف أجرى مكالمات هاتفية عاجلة ومبكرة يوم السبت 6 أكتوبر 1973، إلى السفير السوفياتي في واشنطن أناتولي دوبرينين، ووزيري خارجية مصر وإسرائيل الذين أكدوا جميعاً أن المصريين والسوريين يهاجمون إسرائيل، وأن هناك حملة عسكرية لعبور قناة السويس، إذ أرسل على الفور رسالة إلى الرئيس نيكسون يخبره فيها أن أميركا ستشهد اليوم حرباً في الشرق الأوسط.
وسلط الكاتب الضوء على بعض الصعوبات التي واجهها كيسنجر في التعامل مع الرئيس نيكسون، كاشفاً أن حقيقة كون كيسنجر يهودياً أعاقت رغبته رئيس للولايات المتحدة في تحسين علاقات أميركا مع الدول العربية، إذ يشير إنديك أيضاً إلى معاداة نيكسون للسامية وكيف أنه غالباً ما كان يضايق كيسنجر بشأن يهوديته في محادثاتهما الخاصة، ومع ذلك، فقد شارك الاثنان في رغبة قوية في الحفاظ على مواجهة الاتحاد السوفياتي، باعتباره توجهاً أساسياً في العلاقات الخارجية لأميركا، وفي الوقت نفسه لاستبعاد السوفيات من الشرق الأوسط قبل وبعد حرب أكتوبر رمضان عام 1973.
- العلاقة بين كيسنجر ومائير لم تكن سهلة لكنه انتزع منها تعهداً حول البرنامج النووي الإسرائيلي
يروي المؤلف كيف أن العلاقة بين هنري كيسنجر ورئيس الوزراء الإسرائيلي غولدا مائير لم تكن سهلة أيضاً، أولاً، في ربيع عام 1969 انتزع كيسنجر من مائير تعهداً بعدم الكشف علناً عن مدى تقدم البرنامج النووي الإسرائيلي، ورفض خيار حكومة الولايات المتحدة بعدم إرسال «طائرات فانتوم» العسكرية لإسرائيل، مقابل الاحتفاظ بمعلومات سرية حول أنشطتها النووية. وذلك لأن نيكسون وكيسنجر خشيا من أن السوفيات سيساعدون العرب في الحصول على قدرات نووية، وذلك لو أصدرت إسرائيل مثل هذا الإعلان. ثانياً، كرهت غولدا مائير توصيف كيسنجر لضحايا حرب إسرائيل في عام 1973، على أنه شيء مشابه لخسارة الأميركيين في الأرواح في حرب فيتنام، إذ شعرت أن ذلك كان محبطاً لإسرائيل. وأخيراً، كانت رئيس الوزراء الإسرائيلية قلقة للغاية من رغبة كيسنجر في إطالة أمد الحرب في أكتوبر 1973، لأن هذا قد يعني دخول السوفيات إلى الحرب جنباً إلى جنب مع السوريين والمصريين.
وربما يلاحظ القارئ للكتاب، كيف أن مارتن إنديك أسهب في تقدير كيسنجر لدور مصر في الحرب والسلام في الشرق الأوسط، ففي فبراير (شباط) 1973، التقى كيسنجر مع مستشار الأمن القومي المصري حافظ إسماعيل في نيويورك، وساهم الاجتماع في فهم كيسنجر لرغبة مصر القوية في استعادة سيادتها على شبه جزيرة سيناء، إلى جانب ذلك كانت أفكار كيسنجر حول كيفية منح إسرائيل عدة إجراءات أمنية لضمان أمنها في سيناء محل فهم وإدراك للمصريين أيضاً.
يحدد المؤلف نقطة الانطلاق لسلام كيسنجر في الشرق الأوسط عندما ذهب للتفاوض على وقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل في أواخر أكتوبر وأوائل نوفمبر (تشرين الثاني) 1973، حيث اضطر كيسنجر لزيارة موسكو والتحدث في الكرملين مع الأمين العام للحزب الشيوعي السوفياتي، ليونيد بريجنيف، وكانت الأولوية القصوى والملحة لكيسنجر هي التعاون مع السوفيات لفرض عدم استمرار النزاع المسلح، أو الاتفاق على هدنة بين المصريين والسوريين والإسرائيليين، وكيف أن ذلك ساهم في مقاربة وزير الخارجية الأميركية بإقامة علاقة ودية مع الرئيس المصري محمد أنور السادات لاحقاً.
ويجادل الكاتب، بأن المقاربة بين كيسنجر والسادات أدت إلى قيام كيسنجر بالتفاوض على اتفاق فك الارتباط بين القاهرة وتل أبيب في يناير 1974. وسبتمبر 1975 على التوالي، ومع ذلك، فإن العلاقة بين كيسنجر والرئيس السوري حافظ الأسد لم تكن وثيقة وناجحة كما هي الحال مع السادات، وكانت جهود كيسنجر متواضعة فيما يتعلق بالمسألة السورية كما يتضح من توقيع اتفاقية فك الارتباط السورية - الإسرائيلية في مايو (أيار) 1974.
- «أوبك» تفشل مساعي كيسنجر
ومع ذلك، فإن أصعب جوانب دبلوماسية كيسنجر للسلام في الشرق الأوسط كانت محاولاته لإنهاء منظمة «أوبك» لسياسة تسعير النفط المرتفعة أثناء وبعد اندلاع حرب أكتوبر، والمراسلات بين الملك فيصل بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية ووزير النفط السابق الدكتور أحمد زكي اليماني. ويشرح المؤلف كيف كان كيسنجر يتصارع مع الفلسطينيين، حيث رفض كيسنجر الدفاع عن حقوق الفلسطينيين بشكل مباشر. وبدلاً من ذلك، فوّض هذه المهمة إلى هارولد سوندرز، مساعده لشؤون الشرق الأوسط، لمعالجة مواضيع الاستحقاقات الأساسية للفلسطينيين في عملية السلام، كما أشار إنديك إلى كيفية تعامل كيسنجر مع الملك حسين ملك الأردن، ووصف كيسنجر بأنه متردد في تأييد دور أكثر حزماً للأردن في الضفة الغربية.
لكن كيسنجر كان أيضاً داعماً للملك حسين، ولم يكن يريد للولايات المتحدة أن تتدخل عسكرياً في الأردن في سبتمبر (أيلول) 1970 أثناء مواجهة العاهل الأردني مع الفدائيين الفلسطينيين، وفي الواقع، لم يمانع كيسنجر من أن تقف إسرائيل إلى جانب الملك حسين لدحر التمرد ضده، والجزء الأكثر روعة في الكتاب هو شهادة الجالية اليهودية الأميركية على مشاركة كيسنجر في ترتيب مفاوضات، بشكل مباشر أو غير مباشر، بين الدول العربية وإسرائيل.
كان هناك خوف واضح ومتزايد بين العديد من اليهود الأميركيين من أن كيسنجر كان يقدم الكثير من التنازلات للعرب، وكان رئيسه الجديد الرئيس جيرالد فورد، مستاءً للغاية من مثل هذا الضغط اليهودي المتصاعد حول كيفية صياغة إدارته لدبلوماسية السلام في الشرق الأوسط، التي كان العقل المدبر لها هنري كيسنجر، ويشير مارتن إنديك إلى أن اللوبي اليهودي في أميركا نجح في تجنب صراع مفتوح مع إدارة الرئيس جيرالد فورد، من خلال الحفاظ على القنوات القوية التي كانت لديه مع العديد من المكاتب في حكومة الولايات المتحدة، ومن خلال الثقة في أن فورد وكيسنجر يحافظان على الاتصالات مع إسرائيل والدول العربية، وأنها لن تكون متحيزة ضد إسرائيل أو اليهود.
- ملك المغرب أوصى السادات بالتعامل مع كيسنجر وأنه «يمكن الوثوق به»
وبشكل عام، يُظهر إنديك أن كيسنجر كان ناجحاً في كسب ثقة العرب، وهو ما يفتقره العديد من وزراء الخارجية الذين جاءوا من بعده وتعاملهم مع هيكلة عملية السلام في الشرق الأوسط، والتي يعززها دور ناشط للولايات المتحدة، وحاز هذا الانفتاح الشامل على ثقة الملك الحسن الثاني ملك المغرب، كما كتب المؤلف، قائلاً: «كان الحسن الثاني قادماً. لقد قبل حجة كيسنجر بأنه ليس من المنطقي إضاعة رأس المال الدبلوماسي الثمين في تحديد خط 22 أكتوبر وأنه من الحكمة الانتقال مباشرة إلى فك الاشتباك الأوسع للقوات».
كما بعث الملك المغربي برسالة إلى الرئيس أنور السادات مفادها: «انطباعنا الرئيسي، هو إذا التزم كيسنجر بالتزام فسوف يحترمه... يمكنك أن تضع ثقتك فيه»، ويجسد الكتاب كيف جسّد كيسنجر البحث الأميركي عن السلام بين مصر وإسرائيل، وإصراره على دعوة السوفيات إلى مؤتمر السلام في جنيف، وهذا من شأنه أن يثبت التزامهم بالسلام في الشرق الأوسط من حيث المبدأ. وبعد ذلك، سيعزز وزير الخارجية الأميركية دوره في لعب دور الوسيط بين مصر وإسرائيل، وجاء في الكتاب، «سعى كيسنجر بشكل غير مباشر إلى تقديم فكرة أنه سيكون الشخص الذي يدير هذه المفاوضات مع السادات ومجلس الوزراء الإسرائيلي».
- فشل كيسنجر بنقل نظام الأسد إلى المعسكر الأميركي
كان هذا انتصاراً دبلوماسياً آخر لكيسنجر، لأن مصر وإسرائيل وافقتا على دبلوماسية الوساطة الخاصة به، وتعاونتا معه للعمل أكثر نحو السلام بين الاثنين. وحاول كيسنجر أيضاً تحييد سوريا، كما كتب مارتن إنديك، قائلاً: «بدأ كيسنجر المفاوضات مع الأسد على أمل أن تنتهي في لحظة شبيهة بلحظة السادات عندما ينقلب ضد الاتحاد السوفياتي وينتقل بالكامل إلى المعسكر الأميركي. لكنه لم يعمل حقاً لتحقيق هذه النتيجة، أو يعتقد أنها ضرورية. كان كافياً لنظامه الجديد في الشرق الأوسط أن يحسب الأسد من الآن فصاعداً أنه من مصلحة سوريا تجنب الصراع مع إسرائيل».
ومع ذلك، يلخص الكتاب حدود ما يمكن أن يحققه كيسنجر، ونقلاً عن المؤلف، «كان كيسنجر ملتزماً جداً باستراتيجية التدرج هذه، ومع ذلك، فقد فشل في إدراك أنه بحلول عام 1975 وصل السادات إلى نقطة الإنهاك. وسيكون عملاً دراماتيكياً أحادياً من جانب السادات في هذه الحالة، وقراره بالذهاب إلى القدس بعد عامين لإثبات استعداده للسلام. بحلول ذلك الوقت، كيسنجر كان خارج المكتب. ومع ذلك، فإن رحلة السادات إلى القدس أثبتت صحة نهج كيسنجر».
وذكر الكاتب أن كيسنجر كان رائداً في استراتيجية الدبلوماسية المكوكية التي تلبي الاحتياجات الملحة للمصريين والسوريين والإسرائيليين لإنهاء حالة الحرب فيما بينهم. رغم ذلك، فشل في تضييق فجوة كبيرة بين إسرائيل وفلسطين كانت تتسع يوماً بعد يوم، كما فشل أيضاً كاتب الكتاب مارتن إنديك في عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين خلال فترة الرئيس باراك أوباما، الذي عمل عن كثب مع قادة البلدين والدول العربية في المنطقة.
- السعودية تسببت بخلق «أصعب لحظات» في حياة كيسنجر
وتطرق مارتن إلى تعاملات كيسنجر مع السعودية، مشيراً إلى الدور الحاسم الذي لعبته الرياض قبل وبعد حرب أكتوبر عام 1973، وذكر أن كيسنجر اتبع تقليد «الواقعية في السياسة الخارجية»، ومن ثم، اعتبر السعودية قوة أساسية لموازنة نفوذ جمال عبد الناصر في العالم العربي، ولاحظ لاحقاً أن الرئيس أنور السادات كان يتخذ خطوات منسقة للتخطيط للحرب مع سوريا، وللحصول على الدعم المالي من الملك فيصل بن عبد العزيز لتمويل المجهود الحربي الوشيك في وقت واحد.
في 14 أكتوبر 1973، كتب كيسنجر رسالة إلى الملك فيصل يخبره فيها أن قرار الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون بإنشاء قناة جوية تزود إسرائيل بالأسلحة، كان رداً على تسليح السوفيات للقوات العسكرية لمصر وسوريا، وقال وزير الداخلية آنذاك الأمير فهد بن عبد العزيز، لكيسنجر إن الملك فيصل بن عبد العزيز لم يعجب من مراسلات كيسنجر، لأنه صوّر السعودية وكأنها تقف مع دعم أميركا لإسرائيل خلال الحرب، على افتراض أن واشنطن والرياض كانا في تحالف مناهض للشيوعية، وبالطبع، لم يكن هذا هو الحال.
- كيسنجر على خلاف نيكسون لم يكن يتوقع أن الملك فيصل سيستخدم سلاح النفط
بالمقابل قلل كيسنجر من شأن إمكانات السعودية، ولم يتوقع استخدام النفط كسلاح في حرب أكتوبر، حيث كان على خلاف بشأن هذه المسألة مع نائب وزير الخارجية كينيث راش، كما كتب إنديك، مستطرداً: «كان نيكسون مثل شليزنجر وراش قلقاً بشأن النفط. ومع ذلك، كان كيسنجر غير متوقع بشأن احتمالية فرض حظر نفطي عربي، ليس لأنه كان متجاهلاً للقلق، بل لأنه كان يعتقد أن جهوده لاستخدام الأزمة للتوصل إلى تسوية سياسية ستبقى في أيدي منتجي النفط».
وحصل ما لم يتوقعه كيسنجر، لتصدر مجلس وزراء النفط العرب قراراً بوقف تصدير النفط إلى الولايات المتحدة في 19 أكتوبر 1973، وخلال الأشهر الستة التالية، تضاعفت أسعار النفط أربع مرات، وظلت الأسعار عند مستويات أعلى حتى بعد انتهاء الحظر في مارس (آذار) 1974، إلا أنه خلال الحظر، ارتفعت أسعار النفط المعدلة حسب التضخم من 25.97 دولار للبرميل في عام 1973 إلى 46.35 دولار للبرميل في عام 1974.
- «حظر النفط» غيّر المعادلة السياسية خلال «حرب أكتوبر» وأربك الأسواق
نتيجة لذلك، بدأت أصعب المواقف الدبلوماسية في حياة المخضرم هنري كيسنجر، وصناعة السلام في الشرق الأوسط مما دفعه إلى البدء في محاولات لإنهاء تكتل «منظمة أوبك»، والسياسة التي اتبعتها في تسعير النفط المرتفع أثناء وبعد اندلاع حرب أكتوبر، وقال إنديك إن الكثير من المراسلات جرت خلال تلك الفترة بين الملك فيصل بن عبد العزيز ووزير النفط السابق الدكتور أحمد زكي يماني من جهة، وهنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي من جهة أخرى.
وأفاد في كتابه، بأن دائماً ما كان كيسنجر يناشد الاثنين لإنهاء مقاطعة النفط التي تضر بالاقتصاديات الصناعية للولايات المتحدة، والغرب إلى حد كبير، إلا أنه كانت هناك شروط قاسية على كيسنجر، ولم تجدِ محاولاته بحث منظمة أوبك على إنهاء حظرها النفطي، وفي البداية، كان حل وضع القدس أحد المطالب التي قدمتها «أوبك» لإعادة مستوى إنتاجها إلى ما قبل الحرب، كما كانت هناك مطالب بمنح الفلسطينيين حقوقهم وإجبار إسرائيل على منح الأراضي التي احتلتها.
وفي تطور الأحداث، لا يمكن أن تتحقق الأشياء الثلاثة التي هي الأبرز بالنسبة لـ«أوبك»، وكما هو متوقع، تغيرت السياسة النفطية الجديدة لـ«أوبك» بعد أن أدرك أعضاؤها حدوث درجة من التقدم في العلاقة بين مصر وإسرائيل، لأن مثل هذا التطور الجديد يعني أن أميركا أصبحت أقل انحيازاً لإسرائيل، على الأقل في علاقة ذلك البلد بمصر، وفي مواضع أخرى، وصف مارتن كيف أخبر كيسنجر أن الرئيس السوري حافظ الأسد على استعداد للقائه، حيث كرر مراراً لكيسنجر أنه «إذا انسحبت إسرائيل من الأراضي العربية، فإن جاذبية الشيوعية في المنطقة سوف تتضاءل».
- الملك فيصل شديد الحذر والدهاء لكنه منفتح في علاقته مع كيسنجر
ونقل إنديك، عن لقاء الملك فيصل مع كيسنجر بينما كان الحظر النفطي ساري المفعول، حيث وُصف الملك فيصل بأنه شديد الحذر في كلماته مع كيسنجر، وفي مرة من المرات قال لوزير الخارجية الأميركي إن «إبرام اتفاق فك الارتباط بين مصر وإسرائيل، سيجعل الصنابير تفتح مرة أخرى»، أي خطوط إنتاج النفط، وفي الواقع، كان هناك انقضاء شهرين عندما تم توقيع اتفاقية فك الارتباط الأولى، وعندما استأنف إنتاج النفط حصصه السابقة، كانت السعودية أكثر صرامة مع كيسنجر، مما كان يعتقد في السابق.
ورأى الكاتب، أن هذا كان له علاقة بإقامة الملك فيصل للربط بين اتفاقية فك الارتباط بين سوريا وإسرائيل، قبل إلغاء ارتفاع أسعار النفط، ففي يوم السبت الموافق 2 مارس (آذار) 1974، ذهب كيسنجر إلى السعودية والتقى بالملك فيصل مرة أخرى، وقال له إن الوزير عمر السقاف (وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية) اجتمع بشكل جيد مع الرئيس نيكسون، واتفقا على إنهاء الحظر النفطي، وبحسب الكاتب، «فاجأه الملك فيصل بقوله إن فصل القوات في الجولان يجب أن يأتي أولاً»، ووصف الملك فيصل هذه الخطوة بأنها «العقبة الأخيرة».
ويصور إنديك الملك فيصل على أنه منفتح وممتعض لكيسنجر، ففي مرة من المرات، «اصطحبه (الملك فيصل) إلى الباب بينما كان يغادر الاجتماع، في لفتة لطيفة منه، وتحدث معه عدة مرات باللغة الإنجليزية، وأخبره بينما كان يودعه، بأنه كان يدعو الله أن يبارك في كيسنجر ويساعده على تحقيق النجاح في دبلوماسيته المكوكية».
وبمزيد من التفاصيل، وبينما كانت أميركا لا تزال تمنح إسرائيل أسلحة بحرية، بينما كان الحظر النفطي لا يزال سارياً، صرّح مارتن إنديك أن «الملك فيصل أحبط محاولة كيسنجر في ربط إنهاء الجسر الجوي بتخفيف الحظر النفطي، وبدلاً من ذلك، أشاد بدهاء الملك فيصل»، ويوضح الكاتب أن كيسنجر أدرك إذا لم يرض الملك فيصل، «فيمكنه دائماً العودة إلى فرض حظر النفط مرة أخرى»، إلا أن ردود الملك فيصل على كيسنجر كانت دائماَ تشير إلى أن «الحظر هو قرار عربي مشترك»، والهدف من ذلك، أن الملك فيصل أراد من كيسنجر أن يفعل المزيد قبل رفع الحظر النفطي.
- استشهاد الملك فيصل نزل بشعور من الكآبة على البيت الأبيض
ويكرر الكاتب ما كتب من قبل في وسائل الإعلام الأميركية، من أن اغتيال الملك فيصل نزل بشعور من الكآبة داخل البيت الأبيض اجتاح الجميع بمن فيهم كيسنجر، وادّعى الكاتب، أن يهودية كيسنجر لم يكن لها قبول كبير في أوساط الدبلوماسية العربية آنذاك، ولكن كيسنجر حصل أيضاً على العديد من الامتيازات المماثلة لمكانته كرجل دولة أميركي بارز، ومسؤول حكومي كبير جداً، وبالتالي، كانت حكمة الدبلوماسية السعودية هي معرفة الأرضية المشتركة التي يمكن العثور عليها في الأصول الدبلوماسية مع كيسنجر. وكان هذا في تناقض مباشر مع معارضة كيسنجر المبكرة لمخاوفه من أن يتم رفضه في السعودية، لكونه يهودياً من خلال العقيدة الدينية.


مقالات ذات صلة

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

ثقافة وفنون «حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام بالنمو التكنولوجي للعملاق الصيني، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي.

جهاد مجيد
ثقافة وفنون بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

«لدى التصدي لتحقيق مخطوطات تنتمي لعالم الثقافة الشعبية المتسع والمراوغ، يكون الاختلاف المنهجي ضرورة يضطر إليها المحقق اضطراراً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب «تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض
TT

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة، على نحو يعزز مكانته الإقليمية والعالمية منذ بدايته الأولى عام 1969. وتنطلق الدورة الـ57 في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 3 فبراير (شباط) المقبل تحت شعار شديد الدلالة مقتبس عن قول مأثور لنجيب محفوظ وهو «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قروناً».

ووصف وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو النسخة الجديدة بأنها «الأضخم في تاريخ المعرض وستحطم أرقاماً قياسية غير مسبوقة» بمشاركة 1547 دار نشر من 83 دولة، بإجمالي 6637 عارضاً، كما يضم البرنامج الثقافي 400 فعالية أدبية، و100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية، بمشاركة 170 ضيفاً عربياً وأجنبياً، وحضور أكثر من 1500 مثقف ومبدع، عبر قاعات متعددة، من بينها قاعة المؤتمرات التي تستضيف 10 فعاليات في اليوم الواحد لأول مرة.

جدل التاريخ والهوية

وبعيداً عن لغة الأرقام، وعد الوزير في مؤتمر صحافي جمهور المعرض بـ«نسخة استثنائية ذات هوية متفردة ومختلفة، تستلهم روح الإبداع محلياً وإنسانياً، وتفتح آفاقاً أوسع للحوار والمعرفة، ليظل المعرض مساحة حية تلتقي فيها الكلمة بالفكر، والكتاب بالإنسان، لا سيما أنها تأتي عقب حدث عالمي تمثل في افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي أعاد توجيه أنظار العالم إلى مصر وحضارتها العريقة وتاريخها الممتد، وهو ما انعكس على توجه المعرض وبرنامجه الثقافي، حيث يحتفي هذا العام بالهوية المصرية ويعيد قراءة التاريخ بوصفهما مصدراً أصيلاً للإبداع والمعرفة».

ومن جانبه، أكد أحمد مجاهد، الرئيس التنفيذي للمعرض، أن الاحتفاء بالأديب الكبير نجيب محفوظ بعدّه «شخصية المعرض» يتجسد في برنامج متكامل يشمل ندوات فكرية، وعروضاً سينمائية، وأنشطة فنية، من بينها معرض «نجيب محفوظ بعيون العالم»، الذي يضم 40 لوحة فنية لفنانين من مختلف دول العالم، بالتعاون مع الجمعية المصرية للكاريكاتير.

كما أوضح أن «شخصية معرض كتاب الطفل» هذا العام هي الفنان الكبير محيي الدين اللباد، ويتم الاحتفاء بمسيرته عبر ندوات متخصصة، ومعرض لأعماله، وأنشطة تفاعلية للأطفال، وإعادة طباعة عدد من كتبه، إلى جانب إصدار كتاب تذكاري يوثق مسيرته الإبداعية.

مبادرات جديدة

ويشهد المعرض في نسخته المرتقبة، عدة مبادرات جديدة منها «مكتبة لكل بيت»، التي تهدف إلى إعادة الكتاب ليكون جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية داخل البيوت المصرية والعربية، حيث تضم المبادرة مجموعة مختارة من 20 مؤلفاً متنوعاً من أهم ما أصدرته قطاعات وزارة الثقافة، إلى جانب «حقيبة نجيب محفوظ» التي تشمل 15 إصداراً من أبرز أعماله، في إطار دعم القراءة وإتاحة المعرفة للجميع.

واحتفاءً بتراث مصر غير المادي، يشهد المعرض للمرة الأولى إقامة مخيم «أهلنا وناسنا» الذي يقدم التراث الثقافي غير المادي لمحافظات مصر، إلى جانب الصالون الثقافي وجناح الطفل والبرنامج الفني المتنوع، ليؤكد معرض القاهرة الدولي للكتاب أنه رسالة ثقافية متجددة إلى العالم، تعكس الإيمان بدور الثقافة في بناء الوعي، وترسيخ الهوية، وتعزيز الحوار الإنساني.

ومن بين المبادرات الجديدة كذلك إطلاق «جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية» التي تُمنح باسم وزارة الثقافة المصرية، وبرعاية أحد البنوك الوطنية، بقيمة 500 ألف جنيه، وميدالية ذهبية تذكارية. ومن المنتظر أن يتم تنظيم حفل افتتاح فني كبير لأول مرة على مسرح «المنارة» بحي «مدينة نصر» بعنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية»، احتفاءً بمئوية ميلاده، إلى جانب حفل ختام فني بعنوان «غنا القاهرة»، يتضمن تسليم جوائز المعرض، والإعلان عن الفائز بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى.

دعم رقمي للجمهور

وفي إطار جهود دعم جمهور المعرض وتوفير خدمات ميسرة تجعل من زيارتهم تجربة أكثر إمتاعاً، تم استحداث تطبيق موبايل ذكي يهدف إلى تنظيم الجهود الميدانية داخل المعرض، ضمن مبادرات برنامج «أنا متطوع» حيث يعد التطبيق منصة رقمية متكاملة توفّر للزوار مجموعة من الخدمات الذكية، من بينها خريطة تفاعلية لدور النشر، وإمكانية البحث عن عناوين الكتب ومعرفة أماكن الناشرين، إلى جانب عرض أجندة الفعاليات والأنشطة الثقافية اليومية.

كما يتيح التطبيق تحديد أماكن تمركز المتطوعين ومكاتب الاستعلامات، وتقديم تنبيهات لتجنّب مناطق الازدحام، خاصة عند بوابات الدخول. وعلى صعيد الدعم الميداني، يوفّر التطبيق آلية مباشرة لطلب مساعدة المتطوعين، والإبلاغ عن المشكلات أو حالات الطوارئ، وطلب الإسعاف، بما يضمن سرعة الاستجابة ورفع مستوى الأمان والتنظيم داخل المعرض. ويأتي إطلاق التطبيق استجابةً للزيادة المتواصلة في أعداد زوار المعرض خلال السنوات الأخيرة، وحرصاً على توظيف الحلول الرقمية الحديثة في دعم العمل التطوعي، وتعزيز كفاءة المتطوعين بعدّهم أحد الأعمدة الأساسية لنجاح المعرض.

حضور روماني

وتحل دولة رومانيا «ضيف شرف» الدورة الجديدة من المعرض في إطار الاستعداد للاحتفال بمرور 120 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين مصر ورومانيا عام 2026، حيث سيتم تنظيم 30 فعالية على مدار 13 يوماً، بمشاركة 60 ضيفاً من رومانيا، من بينهم 15 فناناً، و10 دور نشر رومانية، ورؤساء جامعات، إلى جانب مشاركة شخصيات رفيعة المستوى، من بينهم وزير الثقافة الروماني في حفل الافتتاح.


«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي
TT

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي - دار نشر الجامعة الأميركية في بيروت، 2026 - هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل، ويتعامل معه كخطاب قابل للفهم، مشروط بالمعرفة والسياق وحال الرائي، ومحكوم بقواعد وآداب للسائل والمسؤول. والكتاب، كما تُبرز مقدّمته، يتحرّك بين ضبط الأصول والانشغال بالتفصيلات التي تُنزل الرؤيا إلى العالم المحسوس، فيبدو الحلم صدى لعلاقات الإنسان بما حوله.

و تُقدّم المقدّمة تمييزاً بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة، وتفريعاً للأولى إلى «رؤيا تدبير» و«رؤيا تبشير» و«رؤيا إلهام»، وللثانية إلى «رؤيا هِمّة» و«رؤيا حديث نفس». ويظهر الاهتمام بألا تكون العبارة استسهالاً، إذ تتكرَّر الإشارة إلى أنّ اختلاف الناس وأحوالهم ينعكس على التأويل، والرؤيا لا تُنتَزع من سياق الرائي انتزاعاً. كما يتوقَّف الكتاب عند فكرة تداول علم التعبير وترجماته، ويَذكر ترجمة حنين بن إسحاق (260/873) لكتاب أرطيميدروس الأفسسي (القرن الثاني للميلاد)، في إشارة إلى تاريخ أطول لحضور تفسير الأحلام وتحوّلاته.

أما متنه، فمبنيّ على أبواب واسعة تمتد من «أصول الرؤيا وفصولها ومعرفة صدقها من كذبها» (الباب الأول)، إلى «في المسائل المتفرّقة التي سقطت من أماكنها فأثبتناها في هذا الموضع ليتمّ الكتاب بها إن شاء الله تعالى» (الباب التاسع والخمسون). وبين هذين الحدّين يتوزَّع العالم كلّه تقريباً على شبكة من العناوين، منها أبواب في رؤية الله تعالى والجنة والنار والملائكة والصراط والميزان ويوم القيامة (الباب الثالث)، وفي الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرعد والبرق والمطر والثلج والبرد والرياح والغبار والغمامة وما أشبهها (الباب الرابع)، وفي البحار والأودية والأنهار والحَبّ واللؤلؤ والماء والسفينة (الباب الخامس)، وفي النور والظلمة والنار والسراج والشمع والجمرة (السادس)، وفي الجبال والتلال والرمال والمغاور والتراب والآجر والجص والحائط (السابع). ثم ينفتح المتن على تفاصيل العمران والدور والبساتين والحمّامات والطواحين والسلالم (التاسع)، وعلى العطر وأنواعه مثل المسك والعنبر والكافور والعود والصندل وماء الورد والأدهان الطيبة والزعفران (العاشر).

ويتقدَّم الفهرس إلى موضوعات تمسّ الجسد والعبادة والسلطة والمعرفة. فنقرأ باباً في الغسل والوضوء والتيمّم والأذان والإقامة والصلاة والركوع والسجود والحج والغزو والصدقة والزكاة ونحوها (الثاني عشر)، وباباً في رؤية القاضي والخليفة والفقيه والإمام والحاكم والخطيب والمؤذن والطبيب والمريض والمكيال والميزان والقبّان (الثالث عشر)، إلى باب في القلم والدواة واللوح والمحبرة والمنشور والصك والكرّاسة (الرابع عشر). وتتتابع الأبواب لتشمل «جماعة الناس وأعضاءهم وأيديهم وأرجلهم... وما يرى فيهم من زيادة أو نقصان» (الخامس عشر)، ثم «الأبواب والعُقَد والخروج من موضع ضيق... والمفاتيح... والفرش والبُسُط» (السادس عشر)، ثم ما يتصل بالنار والدخان والرماد والشرار والأتون والتنانير والكوانين والقدور (السابع عشر)، وصولاً إلى أبواب في الطعام والشراب والكواميخ والأدوية والألبان والسموم والقيء والإسهال (الرابع والعشرون)، وفي الجواهر والدراهم والدنانير والفلوس والصُّفر والنحاس (الخامس والعشرون)، وفي الثياب والخفّ والنعل والخواتيم (السادس والعشرون)، وفي الحبل والغزل والقيد والخيط والشبكة والإبرة والقطن (السابع والعشرون).

ولا يكتفي المتن بما هو مألوف من الموجودات، فيُخصّص مساحة واسعة للحيوانات والهوام، من السباع والطيور والأسماك والسرطان ودواب الماء (الأبواب 40–49) إلى الحيات والعقارب والهوام وسمومها ولسعتها (الخمسون)، ثم أبواب في رؤية الجنّ والأبالسة والشياطين والسحرة والكهنة والأصنام (الحادي والخمسون). ويقترب الكتاب أيضاً من المجال الاجتماعي والرمزي، فنقرأ باباً في «الرؤيا التي تدل على طول أعمار الملوك وحُسن حالهم ورؤية الرئيس والسلطان... والاستدلال بالأسماء على الخير والشر» (الثالث والخمسون)، وآخر في «التماثيل والأصباغ والاختتان والتزويج والعرس والضيافة والوليمة» (الرابع والخمسون)، ثم باب في «العبادة والشكر لله والاستغفار والحمد والتسبيح وقراءة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم» (الخامس والخمسون). ويُختم الفهرس بباب في الزلزلة والرجفة والخسف والمسخ والطليق والخلع والوقوع في الماء والنار والسيل وعباراتها (السادس والخمسون)، وباب في رؤية النصارى والمجوس واليهود والبيعة والكنيسة والمقبرة والنواقيس وبيوت النيران (السابع والخمسون)، وباب في «أسقاط البيت...»، بما فيه من مراوح وغرابيل وقوارير، وغيرها من الأوعية (الثامن والخمسون).

إلى جانب المتن، يقدّم التحقيق خريطةً دقيقة للمخطوطات التي نُقل عنها النصّ، ويذكر أنها محفوظة في مؤسّسات متعدّدة، منها مكتبة أسعد أفندي (يرمز إليها بـ«س»، وتُعدّ أقدم ما رجع إليه التحقيق، وتقع في 72 ورقة، نحو 20 سطراً في الصفحة)، ومخطوطة توب كابي (يرمز إليها بـ«ك» في 75 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع استعمال أربعة ألوان للمداد)، ومخطوطة جامعة إسطنبول (يرمز إليها بـ«ط» في 58 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع إبراز العناوين والرموز باللون الأحمر)، ومخطوطة جامعة برنستون (يرمز إليها بـ«ب» في 61 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، بالأسود والأحمر)، ومخطوطة تشستر بيتي (يرمز إليها بـ«ت» في 86 ورقة، 15 سطراً في الصفحة، مع حواشٍ)، إضافةً إلى «مخطوطة جوروم» (يرمز إليها بـ«ج» في 61 ورقة، بإطار ذهبي، و19 سطراً في الصفحة). وتكشف المقدّمة كذلك عن علاقات النسخ ببعضها عبر رسم توضيحي، وعن ملاحظات تتّصل بالجمع بين الأبواب في بعض النسخ، وبسقوط مواضع أو انتقال الناسخ مباشرة إلى باب تالٍ.

وتتجلَّى قيمة التحقيق في صرامة منهجه، إذ يتّخذ نصّ «س» أساساً، ولا يثبت اختلافات النسخ الأخرى في الهوامش إلا إذا كان هناك خطأ صريح أو تحريف أو تصحيف أو خشية التباس على القارئ. كما يشرح التحقيق أنه رجّح قراءة نسخة على أخرى عند السقط أو النقص أو فساد العبارة، مشيراً إلى ما لا يُغيّر المعنى فلا يُثقل به الهامش. ويضيف إلى ذلك عملاً مُساعداً يسهّل التعامل مع الكتاب، من شرح مفردات غريبة، وتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وإلحاق فهرس للرموز المؤولة، إلى جانب فهارس الآيات والأحاديث والأعلام وقائمة المصادر والمراجع. والأهم، أنّ هذا العمل يُبرز صوراً للمخطوطات، بما يمنح القارئ فرصة رؤية المادة التي عبرت القرون قبل أن تستقرّ في هذا الكتاب، مُظهراً صورةً للنص وهو في حالته الأولى، قبل أن يصير كتاباً بين يدي قارئ اليوم.


«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه
TT

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ (1942 - 2024) وقصصه. وجاء في افتتاحية المجلة التي كتبتها الشاعرة والأكاديمية جوسلين ميشيل ألمايدا: «يُعرف محمد الشارخ عالميّاً بإسهامه في (تعريب التكنولوجيا) من خلال تأسيسه شركة (صخر)، ويمثل دأبه على تطوير أنظمة الكتابة العربيّة والحروف الحاسوبيّة إسهاماً بارزاً في دراسة اللغة العربيّة ونشرها رقميًّا. وليس من المبالغة القول إنّ سعي الشارخ الحثيث فيما يتعلّق بلغته الأمّ يُشكّل إرثاً ثقافيًّا ولغويًّا سيُخلَّد في الذاكرة لقرون».

ومن خلال قراءتها للقصص المترجمة إلى الإسبانية، علقت دوسلين ميشيل ألمايدا قائلة: «تتأرجح تقنيّة الشارخ الأدبيّة بسلاسة بين السرد بضمير المتكلّم والسرد على لسان راوٍ عليم، وفقاً للقصّة، وبواقعيّة شعريّة، من دون أن تصل إلى حدّ الواقعيّة السحريّة، فيُحدث السرد أثراً عميقاً في القارئ من حيث تغيير الواقع من خلال الإدراك أو اكتشاف القارئ لحقيقة الأبطال. وعلى غرار ريموند كارفر أو إرنست همنغواي، يُنمّي الشارخ الطابع الشعريّ لصمت شخصيّاته. على هذا المنوال، تصبح قراءة قصص الشارخ فعلاً إبداعيًّا مشتركاً مع الكاتب، حيث يُسهم خيال القارئ في خلق المعنى الإنسانيّ للتجربة؛ ما يُضفي مزيداً من المتعة على السرد. وتُضفي عناصر مثل بناء الشخصيّات، والاستعارات، والسخرية، والحوار، إيقاعاً يُناسب تطوّر الأحداث في نثر الشارخ، وهو تناغم يمتدّ أيضاً إلى الإطار الجغرافيّ لقصصه».

تضمن ملف مجلة «بانيبال» الخاص عن محمد الشارخ، أجزاء من السيرة الذاتية التي كتبها الشارخ تحت عنوان «محطات من حياتي» (ترجمة ألبارو أبييا)، ومقالات وشهادات لكل من طالب الرفاعي، كاتيا الطويل، سعود السنعوسي، وحسونة المصباحي. بالإضافة إلى ترجمة أربع قصص طويلة وهي «المخاض»، «العزاء»، «الوديعة» و«جاسم الكوفي» قام بترجمتها كل من ماريا لويسا برييتو وإغناثيو غوتييريز دي تيران.

في شهادته التي كتبها تحت عنوان «محمد الشارخ... ماذا أعطته اللغة؟ وماذا أعطاها؟»، يقول الروائي الكويتي سعود السنعوسي: «هنا حكاية قصيرة عن حلمي القديم بأن يكون لدي كتابي الخاص، حينما كنتُ في الرابعة عشرة، وكان مشروع الشارخ (صخر) قد دُشِّن قبل ذلك الوقت بثلاثة عشر عاماً، أي أن كمبيوتر (صخر( في مثل سِني تقريباً... تخيَّل! ولأنه من المستحيل لأي دار نشر أن تطبع كتاباً رديئاً لطفل يجهل أصول الكتابة، ولأن والديَّ أجَّلا حلمي بالكتابةِ خشيةً على تحصيلي العلمي: تكبر وتكتب! فقد أخذت زمام المبادرة طفلاً، وبأصابع مرتعشة كتبت ما كنتُ أحسبه قصصاً عبر لوحة مفاتيح كمبيوتر صديق، وكانت تلك اللوحة تحمل في إحدى زواياها ذلك الشعار الرمادي الذي ارتبط في طفولتنا حول عالم الكمبيوتر السحري، وكان لقائي الأول بكمبيوتر (صخر) ولوحة مفاتيحه العربية. وطبعت قصصي الرديئة على أوراقٍ مرقمة وصنعت لها غلافاً يحمل اسمي وعنوان الكتاب... كتاب من نسخة واحدة، ومنذ ذلك الوقت المبكر في حياتي صار لي كتابي الخاص، كتابي الأول الذي لم يقرأه غيري، كتابي المطبوع عبر كمبيوتر (صخر)».

وكتبت الناقدة اللبنانية كاتيا الطويل عن رواية «العائلة»، وهي الرواية الوحيدة التي كتبها محمد الشارخ قائلة: «يقدّم الشارخ فيما يناهز المائتين وستّين صفحة تفاصيل عائلة سعد بن كعب الناصر ويوميّاتها وتاريخها. عشرة أولاد وتسع بنات يرافقهم السرد، يرافق مراحل نشأتهم ومراحل نضجهم وقصص زواجهم. بين متمرّد ومحافظ، بين مهادن للسلطة وحانق عليها، بين مائل للثقافة الغربيّة ومتمسّك بالعادات العربيّة، تسعة عشر ابناً وبنتاً يرافقهم السرد ويعرّف القارئ بهم في محاولة محمودة من الكاتب لتقديم مختلف الآراء ووجهات النظر في العائلة الكويتيّة والمجتمع الكويتيّ ككلّ».

وتحت عنوان «محمد الشارخ النجم الباقي» كتب طالب الرفاعي: «عُرف الشارخ عربياً وعالمياً بأنه رجل أعمال، لكن ما كان يقبع خلف رجل الأعمال ذاك، كان إنساناً مرهف الحس عاشقاً للقراءة والكتابة وعاشقاً للفن التشكيلي وعاشقاً للسينما، ولقد ترك الرجل خلفه مجاميع قصصية دالة على فكره من جهة ودالة على البيئة المكانية والاجتماعية التي نشأ وترعرع فيها. محمد الشارخ وللطف خلقه لم يكن يزاحم أحداً في كتاباته ولا قدّم نفسه بوصفه كاتباً، لكن هذا لم يكن أكثر من تواضع الأدباء الحقيقي، ولم يكن أكثر من مسلك حياتي طبع حياة الشارخ بأن يكون في الظل أكثر ما يكون في العلن، لكن قدره أن يبقى في العلن ما بقيت اللغة العربية. شخص نذر عمره لها، فأعطته بقاءً أدبياً لم تعطه للكثيرين غيره».ونشرت المجلة مقالة للكاتب التونسي الراحل حسونة المصباحي كان قد كتبها حول قصص محمد الشارخ، قال فيها: «ما إن انتهيت من قراءة قصص محمد الشارخ حتى وجدتني مفتوناً من جديد بفن القصة القصيرة التي كنت أظن أنها دُفنت نهائياً في عالمنا العربي بعد أن أصبح العرب مصابين بـ(هوس الرواية). كما وجدتني راغباً في قراءة المزيد من قصص الشارخ لطرافتها، وانسيابها السريع، وسخريتها المرة، ولغتها الخالية من البلاغة الجوفاء، ومن اللغو، ومن ذلك التصنع البغيض، الذي هو عدو كل الفنون».ومن المواد الأخرى التي نشرتها المجلة في عددها الأخير، نقرأ نصوصاً شعرية وسردية لثلاثة أدباء من سوريا. أجزاء من رواية «الذئاب لا تنسى» للكاتبة لينا هويان الحسن (ترجمة أنخلينا غوتييريز ألمنارا)، وفصول من رواية بشير البكر «بلاد لا تشبه الأحلام» ترجمة أنطونيو مارتينيز كاسترو)، مقاطع طويلة من ديوان الشاعر نوري الجراح «الأفعوان الحجري: مرثية برعتا التدمري لمحبوبته ريجينا» (ترجمة ماريا لويسا برييتو).وكانت لوحة الغلاف، بورتريه لمحمد الشارخ، بريشة الفنان التشيلي توماس بينيفينته.