الإمارات تحتفي بنصف قرن على التأسيس وتطلق رؤية 50 عاماً مقبلة

خليفة بن زايد: نتطلع لأن نصل إلى المئوية ونحن ضمن الأفضل عالمياً والأنشط اقتصادياً

إحدى اللافتات في أبوظبي احتفالاً بمرور 50 عاماً على تأسيس دولة الإمارات أمس (الشرق الأوسط)
إحدى اللافتات في أبوظبي احتفالاً بمرور 50 عاماً على تأسيس دولة الإمارات أمس (الشرق الأوسط)
TT

الإمارات تحتفي بنصف قرن على التأسيس وتطلق رؤية 50 عاماً مقبلة

إحدى اللافتات في أبوظبي احتفالاً بمرور 50 عاماً على تأسيس دولة الإمارات أمس (الشرق الأوسط)
إحدى اللافتات في أبوظبي احتفالاً بمرور 50 عاماً على تأسيس دولة الإمارات أمس (الشرق الأوسط)

تحتفل اليوم دولة الإمارات بمرور 50 عاماً على تأسيسها. وقال الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، إن بلاده تنطلق بإرث من الإنجازات اليوم نحو الخمسين عاماً المقبلة برؤية استراتيجية شاملة بعيدة المدى، بحيث تكون بحلول الذكرى المئوية لتأسيسها من الدول الأفضل في العالم، واقتصادها هو الأقوى والأنشط.
وأضاف الشيخ خليفة أن الآباء المؤسسين للبلاد اتخذوا من التنمية الشاملة منهجاً لبناء الدولة، وجعلوا من الواقع الإماراتي، في مكوناته البشرية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، مرتكزاً لإرساء القواعد الدستورية والتنظيمية والهيكلية للدولة، والتأسيس لوظائفها الإدارية والإنتاجية والخدمية، وتابع: «لقد نجحنا في تمكين المرأة والشباب، وبنينا اقتصاداً وطنياً معرفياً متنوعاً، وأرسلنا إلى محطة الفضاء الدولية أول رائد فضاء إماراتي، وأطلقنا إلى المريخ (مسبار الأمل)، لتصبح دولتنا الأولى عربياً، والخامسة عالمياً، التي تحقق ذلك الإنجاز، وافتتحنا أول مشروع للطاقة النووية، لتتحول دولتنا إلى مركز إقليمي لمشاريع الطاقة الجديدة والمتجددة».
وزاد: «اعتمدنا استراتيجية وطنية لجذب المواهب واستقطاب العقول، وربطنا بقوة بين سياساتنا الداخلية ونهجنا الخارجي، بما عزز من مكانة الدولة في محيطها الخليجي والعربي والإسلامي والعالمي. وتحت شعار (تواصل العقول وصنع المستقبل)، تستضيف بلادنا منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي فعاليات معرض (إكسبو دبي 2020)، الحدث العالمي التجاري الأكبر في تاريخ منطقتنا».
ولفت إلى أن الخمسين عاماً الماضية من المسيرة أثمرت تنمية مستدامة، واستقراراً سياسياً، وأماناً، وحكومة ضمن الأكفأ في العالم، وقطاعاً خاصاً لعب دوراً رئيسياً في تحريك عجلة الاقتصاد، وتعزيز تنافسيته وإنتاجيته.
وتابع: «استناداً للمبادئ العشرة المعلنة الحاكمة للخمسين عاماً القادمة، ستظل منظومة القيم في دولتنا، كما أرساها آباؤنا، قائمة على الانفتاح والتسامح، وحفظ الحقوق، وترسيخ دولة العدالة وسيادة القانون، واحترام الثقافات، وترسيخ الأخوة الإنسانية، واحترام الهوية الوطنية. وسيظل السعي لترسيخ السلام والاستقرار الإقليمي والعالمي ومبادئ حسن الجوار المحرك الأساس لسياستنا الخارجية، وسيظل تعزيز التعاون الخليجي في أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية أولوية إماراتية قصوى».
وشدد: «وفي هذا، فنحن مع دول منظومتنا الخليجية في كلّ ما يهدّد استقرارها ووحدتها وأمن مواطنيها وسلامة أراضيها، مؤكدين أن الأمن الخليجي واحدٌ لا يتجزأ، وتعزيزه مسؤولية جماعية تتطلب تكثيفاً للتنسيق الاستراتيجي بين جميع دول مجلس التعاون الخليجي، بما يحقق طموحات شعوبنا في مستقبل آمن مزدهر، وسيظل دعم جهود السلام، حواراً وتفاوضاً وقبولاً بالآخر، من المبادئ والثوابت الراسخة لسياستنا الخارجية، كما كان حالها طوال الخمسين عاماً الماضية».
وأضاف: «ستظل دبلوماسيتنا في حركة نشطة، تحفيزاً وارتقاءً بالقدرة العربية، وبناءً لشبكة قوية من التفاهمات والشراكات مع القوى والدول الكبرى والناشئة والنامية، تعزيزاً لثقافة التسامح، وسيطرة على النزاعات، ومواجهة للتغيّر المناخي، واستثماراً في أهداف التنمية المُستدامة، ومحاربة للجوع والمرض والفقر، وتقديماً للمساعدات الإنسانية والتنموية، التي هي جزء لا يتجزأ من مسيرة دولتنا والتزاماتها الأخلاقية».
إلى ذلك، قال الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، إن التحديات لم تفارق مسيرة البلاد، وأضاف: «كان علينا إثبات قدرتنا على تأسيس دولة فاعلة، وبناء نموذج تنموي طموح، وقد واجهنا في السنوات الخمسين الماضية تحديات تنوعت بين الأمنية والسياسية والاقتصادية، وتعاملنا معها كما يجب، منطلقين من إيماننا بأن جدارتنا الوطنية والإنسانية تكمن في نهوضنا لمواجهتها بثقة وإيمان وتفاؤل. وهكذا، نجحنا في مواجهة تحديات مرحلة تأسيس الاتحاد وتثبيت قواعده، وركود الاقتصاد العالمي في نهاية سبعينيات القرن الماضي، وتداعيات حرب الخليج الأولى، وغزو الكويت، واحتلال العراق، وأحداث ما يسمى (الربيع العربي) التي أدخلت العالم العربي في نفق الفوضى والاضطراب، وألحقت بدول ومجتمعات عربية دماراً وخراباً عميمين».
وتابع: «غداً، نبدأ الخمسين الثانية في مسيرة التنمية والتطوير، مهتدين برؤية الإمارات 2071، ومبادئ الخمسين، والمبادئ العشرة التي اعتمدها الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، مرجعاً لجميع مؤسسات الدولة».
وأكد: «ننطلق غداً ونحن أكثر ثقة بنموذجنا الإماراتي الشامخ، وخبراتنا الثرية في التخطيط والتنفيذ واستشراف المستقبل، وكفاءة مواردنا البشرية الوطنية، مدركين أننا نتحرك في بيئة عالمية تشهد تغيرات غير مسبوقة في سرعتها وتأثيراتها على العلاقات الدولية، وأولويات الدول، وأساليب العمل، وأنماط المعيشة».
وأشار إلى أنه «أنجزنا استعداداتنا للأعوام الخمسين المقبلة، برؤى تستشرف المستقبل، وتغطي قطاعاتنا الحيوية كافة، ووضعنا الاستراتيجيات والخطط وبرامج وآليات التنفيذ، وطورنا التشريعات، بما يعزز محركات التنمية، ويطور بيئة الأعمال، ويوسع الاقتصاد، ويحفز الاستثمار، ويشجع الابتكار، ويبني ويجذب العقول المتميزة في العلوم المتقدمة والبحث والتطوير؛ وكل ذلك يعزز مصادر ومكونات قوتنا الذاتية، ويوطد ركائز الأمن والاستقرار، ويحسن نوعية حياة شعبنا، ويدعم مشاركتنا الفاعلة في شؤون عالمنا».
ومن جهته، أكد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، أن البلاد تمضي نحو المستقبل وفق استراتيجية متكاملة الأسس والأركان، أهمها الإنسان الذي يعد رأس المال الحقيقي، وأهم عناصر الثروة، والرهان الأساسي في مضمار التنافس العالمي.
وأضاف أن «ما يعزز ثقتنا في المستقبل هو انطلاقنا من أرضية صلبة بنيناها عبر أعوام طويلة من العمل والجهد والتخطيط جعلتنا نمتلك كل مقومات النهضة والريادة في مختلف المجالات، وأهمها تجربتنا الوحدوية الرائدة في محيطها العربي والإقليمي التي تمثل المصدر الأساسي لقوتنا، بجانب مجتمع متماسك يجسد قيمنا الأصيلة في التعاون والتضامن والتكافل».
وزاد أن «احتفالنا هذا العام يكتسب أهمية خاصة، حيث تكمل بلادنا الغالية 50 عاماً من تاريخها الحافل المشرف، بكل ما تزخر به من دروسٍ ومعانٍ ودلالاتٍ كبيرة للحاضر والمستقبل».
وشدد الشيخ محمد بن زايد على أن بلاده تنطلق في علاقات خارجية متميزة، عنوانها الاتزان والتوازن، وخيارات تحرك متنوعة على الساحتين الإقليمية والدولية، تصب كلها في خدمة التنمية، ودعم أولويات الاقتصاد الوطني، وأنه كان من نتائج ثقة العالم في السياسة الإماراتية أن فازت الإمارات بعضوية مجلس الأمن الدولي غير الدائمة للفترة 2022 - 2023.
وبيّن أن ما تسعى الإمارات إلى تحقيقه خلال العقود المقبلة لن ينحصر تأثيره داخل حدودها، وإنما سيمتد إلهامه إلى كل الشعوب العربية، يحفزها ويعزز ثقتها في نفسها، وقدرتها على صنع التقدم مهما كانت المصاعب والتحديات، وقال: «نعمل لأن تكون بلادنا قاطرة للتنمية والتقدم في العالم العربي كله، ونقطة انطلاق للنهوض الحضاري في المنطقة».
وأكد أن الطريق نحو المستقبل للبلاد والشعب خلال الخمسين عاماً المقبلة يسير وفق استراتيجية متكاملة الأسس والأركان، تتضمن 10 أساسات، أولها هو الإنسان، والأساس الثاني هو العلم، وروح الفريق، والتنمية الشاملة، وامتلاك عناصر القوة، وتعبئة واستثمار كل موارد الوطن وإمكاناته لتحقيق تطلعاته وطموحاته، واحتضان المواهب، والشراكات الفاعلة الإيجابية مع العالم، ورفض كل نزعات التطرف والتعصب والعنصرية، والعمل من أجل السلام في المنطقة والعالم.



السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.