العالم يسابق الزمن لتتبع المتحور «أوميكرون» الجديد

ممرضة تتحدث مع أشخاص ينتظرون التطعيم ضد فيروس «كورونا» بمستشفى عام في هراري (أ.ب)
ممرضة تتحدث مع أشخاص ينتظرون التطعيم ضد فيروس «كورونا» بمستشفى عام في هراري (أ.ب)
TT

العالم يسابق الزمن لتتبع المتحور «أوميكرون» الجديد

ممرضة تتحدث مع أشخاص ينتظرون التطعيم ضد فيروس «كورونا» بمستشفى عام في هراري (أ.ب)
ممرضة تتحدث مع أشخاص ينتظرون التطعيم ضد فيروس «كورونا» بمستشفى عام في هراري (أ.ب)

سارعت الحكومات في مختلف أنحاء العالم لفحص قواعد بياناتها عن حالات الإصابة الأخيرة بـ«كوفيد - 19» وفحص المسافرين وفك الشيفرات الوراثية للمتحور الجديد من فيروس «كورونا» في إطار سعيها للتعرف على مدى انتشاره.
وتُبرز وتيرة التحرك الضغط الواقع على الحكومات وسلطات الصحة العامة للبت على وجه السرعة فيما إذا كان عليها أن تأخذ قرارات لا تحظى بالدعم الشعبي ولها آثار ضارة على الاقتصاد للحد من انتشار المتحور «أوميكرون».
وتوضح البيانات أن المتحور الجديد كان منتشراً قبل التعرف عليه رسمياً في الجنوب الأفريقي الأسبوع الماضي وتم رصده منذ ذلك الحين في أكثر من عشر دول. وسيستغرق التأكد مما إذا كان أشد قدرة على نقل العدوى أو التسبب في الوفاة أو قادراً على التغلب على اللقاحات أسابيع.
https://twitter.com/aawsat_News/status/1466018239566082049
وعمدت بريطانيا وقوى اقتصادية أخرى إلى منع رحلات الطيران من جنوب القارة الأفريقية وإليها بعد أيام فحسب من رصد المتحور لأول مرة، الأمر الذي أدى لاهتزاز أسواق المال العالمية وأثار المخاوف من التداعيات الاقتصادية الضارة.
وتتناقض سرعة التحرك تناقضاً صارخاً مع ظهور متحورات أخرى، فعندما تم توثيق المتحور «ألفا» في بريطانيا في سبتمبر (أيلول) 2020 قضت الحكومة شهوراً في جمع البيانات وتقييم مخاطره المحتملة قبل أن تفرض إغلاقاً عاماً على مستوى البلاد في ديسمبر (كانون الأول).
واستغرق الأمر شهوراً من منظمة الصحة العالمية لإدراجه ضمن قائمة المتحورات الباعثة على القلق، وهو أعلى تصنيف لدى المنظمة.

 

«الصحة العالمية»: منع السفر لن يوقف انتشار «أوميكرون»

وأعلنت إسرائيل عقب اكتشاف أول حالة مصابة فيها بالمتحور «أوميكرون» يوم الجمعة، أنها ستشتري عشرة ملايين وحدة من مستلزمات الفحص للكشف عن الإصابة بالمتحور الجديد وذلك في محاولة لوقف انتشاره. وأغلقت حدودها أمام الأجانب القادمين من جميع الدول يوم السبت.
وسارعت اسكوتلندا وسنغافورة إلى فحص عشرات الآلاف من الحالات التي ثبتت مؤخراً أنها إيجابية بحثاً عن أي مؤشرات على وجود المتحور، كما تعمل الولايات المتحدة على تعزيز مراقبتها للإصابات بـ«كوفيد – 19» لتمييز حالات الإصابة المحلية بـ«أوميكرون» من حالات الإصابة بالمتحور «دلتا» المنتشر حالياً.
وقد حثت مفوضة الصحة بالاتحاد الأوروبي الدول الأعضاء على تعزيز الجهود الرامية لرصد التحورات، إذ إن بعض الدول لا تزال مقصّرة في هذا المجال بعد عامين من بدء الجائحة.
وحتى الآن أكد الاتحاد الأوروبي وجود 42 حالة في عشر دول. وقالت المفوضة ستيلا كيرياكيدس، في رسالة اطّلعت عليها «رويترز» موجّهة إلى وزراء الصحة بالدول الأعضاء وعددها 27 دولة: «دول أعضاء بعينها مقصّرة بقدر كبير من حيث هذا البعد بالغ الأهمية».

أهم شيء هو «الجين - إس»
لا تستطيع معظم فحوص الكشف عن الفيروس التفرقة بين المتحور «أوميكرون» والمتحور «دلتا» وهو النسخة المهيمنة شديدة العدوى من الفيروس حتى الآن.
ولتمييز «أوميكرون» عن «دلتا» يجب أن يكون الاختبار قادراً على التعرف على تحور في «أوميكرون» يُعرف باسم تسرب «الجين - إس».
وهذا الاختبار ليس قاطعاً لأن المتحور «ألفا» الذي تم اكتشافه للمرة الأولى في بريطانيا لديه هذا التحور أيضاً.

ولأن المتحور «ألفا» لم يعد واسع الانتشار فإن وجود تسرب «الجين - إس» يشير إلى أن العينة إصابة إيجابية بـ«أوميكرون» وتنبه المعمل إلى ضرورة إرسالها لإجراء فحص التسلسل الوراثي للتأكد منها.
وإذا عجزت فحوص الكشف المحلية عن «كوفيد - 19» في التعرف على هذا التحور فلا بد من اختيار عينات عشوائية لفحص تسلسلها الوراثي وهو ما قد يستغرق فترة تصل إلى أسبوع.
وقالت منظمة الصحة إن فحوصاً متاحة على نطاق واسع قادرة على رصد الأفراد المصابين بأي متحور بما فيها «أوميكرون».
ومع ذلك فلم توصِ المنظمة حتى الآن إلا باختبار «تاك باث» الذي تُنتجه شركة «ثيرمو فيشر» الأميركية.
وليس من الواضح ما إذا كانت الدول ستشتري مستلزمات الفحص لامتلاكها هذه الخاصية الفريدة. فقد قال كينيث ماك، مدير الخدمات الطبية بوزارة الصحة في سنغافورة، لـ«رويترز» إن سنغافورة تفكر في شراء المزيد لكنها لم تبتّ في الأمر حتى الآن.
وقالت شركة «ثيرمو فيشر» إنها مستعدة لزيادة الإنتاج لتلبية الطلب من دول في أفريقيا وغيرها في إطار المساعي الرامية لرصد انتشار المتحور الجديد.
وقالت شارون ألروي بريس، مسؤولة الصحة العامة بوزارة الصحة في إسرائيل، أمام البرلمان يوم الأحد، إنه بعد يوم واحد من رصد المتحور بدأت إسرائيل إجراء فحوص للكشف عن «الجين - إس» في جميع الفحوص الإيجابية للعينات المأخوذة من المسافرين القادمين إلى مطار بن غوريون، وهو المطار الرئيسي.
وقالت الوزارة إن المختبرات تراقب الآن التحور في جميع الاختبارات في أنحاء البلاد عندما يشير الاختبار الإيجابي إلى وجود «الجين - إس».
وقال سكوت بيكر، الرئيس التنفيذي لرابطة مختبرات الصحة العامة الأميركية، لـ«رويترز» إن أغلب المختبرات الأميركية ستستخدم اختبار «تاك باث».

https://www.youtube.com/watch?v=slbN_gci7nw
غرائب «أوميكرون»
من بين 150 ألف اختبار ترجع إلى شهر مضى أُجريت في بلجيكا ظهر تسرب «الجين - إس» في 47 اختباراً مع حمل فيروسي عالٍ. وقال مارك فان راست، أحد خبراء الفيروسات الذين فحصوا العينات، إن واحداً منها فقط كان المتحور «أوميكرون».
وراجعت السلطات الاسكوتلندية عينات ترجع إلى أول نوفمبر (تشرين الثاني) مما ساعد في اكتشاف تسع حالات إصابة بـ«أوميكرون» كلها مرتبطة بحدث واحد.
واكتشفت السلطات أنه في نحو منتصف الشهر بدأت مؤشرات «الجين - إس» تظهر في الاختبارات مرة أخرى، أي قبل أسبوع من إعلان جنوب أفريقيا وبُتسوانا التعرف على المتحور الجديد. وساعد ذلك في توجيه فحوص التسلسل الوراثي مثلما حدث عندما ظهر المتحور «ألفا».
وقال جريجور سميث، كبير المسؤولين الطبيين في اسكوتلندا، يوم الاثنين: «هذا واحد من غرائب هذا المتحور التي يمكن أن نستغلها».
وأضاف أن هذا يعني أن بإمكان الحكومة أن تبدأ تقييم مدى انتشار المتحور الجديد والتعرف على الأفراد الذين ربما يحتاجون إلى إعادة فحصهم، وأي العينات التي يجب أن تكون لها الأولوية في المزيد من الفحوص في المختبرات.
وتابع: «هذه أفضل وسيلة لدينا للتمكن من التعرف على الحالات في الوقت الحالي».


مقالات ذات صلة

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
TT

تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)

قال رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ، اليوم الثلاثاء، إن بلاده لا تستطيع منع القوات الأميركية من شحن بعض الأسلحة خارجها، لكن ذلك لن يؤثر على قدرة الردع في مواجهة كوريا الشمالية، وذلك بعد تقارير عن تجهيز هذه الأسلحة لإعادة نشرها في الشرق الأوسط.

وأضاف: «يبدو أن هناك جدلاً في الآونة الأخيرة بخصوص شحن القوات الأميركية المتمركزة في كوريا بعض الأسلحة خارجها»، مشيراً إلى أنه على الرغم من أن سيول قد عبّرت عن معارضتها، فإنها ليست في وضع يسمح لها بتقديم مطالب، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكر وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون، يوم الجمعة، إن الجيشين الأميركي والكوري الجنوبي يناقشان إمكان إعادة نشر بعض منظومات الدفاع الصاروخي «باتريوت» الأميركية المتمركزة في كوريا الجنوبية لاستخدامها في الحرب على إيران.

بدوره، قال وزير الدفاع التايواني ويلينغتون كو، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة لم تتواصل مع تايبه بشأن نقل أسلحة إلى الشرق الأوسط.

وقال كو، في حديثه لصحافيين في البرلمان، إن إعادة نشر أي من الأسلحة الأميركية الصنع لدى تايوان لن تحدث إلا إذا طلبت الولايات المتحدة ذلك. وأضاف أنه في حالة حدوث ذلك، ستكون الولايات المتحدة مسؤولة عن نقلها.

وقال كو: «لكن حتى الآن، لم يتصلوا بنا بشأن استخدام أي من عتادنا ذي الصلة في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران».

والولايات المتحدة هي المورد الرئيسي للأسلحة لتايوان، التي تمتلك صواريخ «باتريوت» في ترسانتها.

وتواجه تايوان، التي تحكمها حكومة ديمقراطية، ضغوطاً عسكرية متزايدة من الصين، التي تعتبر الجزيرة جزءا من أراضيها. وترفض حكومة تايوان مطالبات بكين بالسيادة.

وأفادت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر في الحكومة الكورية الجنوبية أن أنظمة باتريوت يجري تجهيزها لإعادة نشرها في الشرق الأوسط، حيث وصلت طائرات نقل عسكرية أميركية ثقيلة إلى أوسان لنقلها.


إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...