مدرسة الإسكندرية السينمائية... حاضنة رواد التصوير

المدينة أعطتها الخصوصية والأجانب أسسوا بداياتها

مدرسة الإسكندرية السينمائية... حاضنة رواد التصوير
TT

مدرسة الإسكندرية السينمائية... حاضنة رواد التصوير

مدرسة الإسكندرية السينمائية... حاضنة رواد التصوير

في كتاب «مدرسة الإسكندرية للتصوير السينمائي» يسعى الباحثان المصريان إبراهيم دسوقي وسامي حلمي لإبراز العناصر التي تؤكد وجود مدرسة سكندرية لتصوير السينما في مصر، مختلفة في سماتها وخصائصها عن تلك التي تَميز بها مصورو السينما القاهريون. وقام المؤلفان من أجل ذلك بالتنقيب والبحث في أصول المدرسة السكندرية والتفتيش في جذورها خاصة وبداياتها على أرض المدينة، كما عملا على توثيق ملامح وخصائص وأسلوب التصوير السينمائي السكندري، وتتبعا بالتحليل والدراسة أفلام مجموعة من المصورين الأجانب الذين كانوا يقيمون هناك، وامتهنوا في بداياتهم التصوير الفوتوغرافي؛ أمثال دوريس، وأورفانيللي، وكياريني، وغيرهم من الذين أسسوا لنهضة وصناعة السينما المصرية مع تلاميذهم من المصريين، كما قام المؤلفان بتوثيق جهود مدير التصوير عبد الحليم نصر، صاحب الدور الرائد في هذا المجال، وكذلك شقيقه الفنان محمود نصر، وفي نهاية كل فصل من فصول الكتاب الأربعة قدم الباحثان فيلموجرافيا منقحة وشاملة ضمت أعمال رواد فن التصوير السينمائي في مصر، ووضعا فيها الكثير من الإضافات لأعمال مجهولة لم تكن معلومة من قبل.
ملامح سينما دوريس
تَركز الفصل الأول من الكتاب على إبراز ملامح سينما «دوريس» المعلم الأول للتصوير السكندري، والذي قدم فيلماً وحيداً هو «أنشودة الفؤاد»، وقال المؤلفان إن هناك الكثير من المشاهد الخارجية المميزة لمدرسة التصوير السينمائي ظهرت في هذا العمل، وتمثلت في أسلوبه في تصوير البادية أو الصحراء وغيرها من الأماكن، لافتين النظر إلى أن المصور السكندري من أصل إيطالي «أمبرتو مالافلاس دوريس» كان الأنشط والأكثر حركة بين فناني عصره، فقد جمع حوله مجموعة من المساعدين لم يظهروا بأسمائهم في الشرائط المصورة للأحداث العامة والرياضية والوطنية المختلفة، أما ما تبقى من وثائق فكان مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي تؤكد حضوره في الحقل السينمائي والأفلام الروائية.
طبيعة التصوير السكندري
ورغم قلة المصادر التي استند إليها المؤلفان في كتابهما، فإنهما وعبر قراءة الكثير من قصاصات الصحف والوثائق حاولا تتبع إسهامات مجموعة من المصورين الإيطاليين والفرنسيين، من أجل إثبات مكانتهم ودورهم في صناعة السينما المصرية، وهي محاولة غير مسبوقة في ظل عدم وجود أرشيف وثائقي يحفظ التاريخ الماضي، وقد حاولا تقديم بحث تاريخي يردّ الفضل لأصحاب الريادة الأولى، ويوثّق أدوارهم المهمة في التصوير السكندري.
وذكر المؤلفان أن مصوري وفناني مدرسة الإسكندرية استفادوا من البحر والأفق المفتوح والطبيعة الكوزموبوليتانية، وهو ما ظهر في التصوير الخارجي، والبراح المتمثل في التعايش بين الأعراق والأديان، والذي يمكن ملاحظته في سينما أمبرتو دوريس، وألفيزي أورفانيللي، ومحمد بيومي، وتوجو مزراحي، وعبد الحليم نصر، كما أن هناك عنصراً آخر مهماً لم تتم الإشارة إليه هو الأداء التمثيلي من نجوم وكومبارس الإسكندرية، فقد كانوا مختلفين تماماً، عمَّا قدمه أقرانهم في الفترة نفسها من إنتاجات سينما مدرسة القاهرة، وقد أكدوا بأعمالهم مكانة سينما تميزت بسمات خاصة بهم عبر الأعمال الوثائقية والإخبارية التي أبدعوها طوال الفترة من عام 1897 حتى عام 1930، وكانت تتسم بكثافة الإنتاج وتعدده وامتلاك ناصية الحرفة وسرعة التنفيذ والابتكار.
وذكر المؤلفان أن الإسكندرية كانت تملك أكثر من معمل واستديو تصوير سينمائي وجيشاً من الفنانين والفنيين الذين أسهموا في إبداع ملامح سينمائية تخص المدينة وحدها، أسهم في تطويرها واستمرارها توفر التمويل الذي قدمه رجال إعمال لعبوا دوراً لا يقل أهمية في دعم صناعة السينما إنتاجاً وتمويلاً وساعدوا في خلق نوع من الرواج صاحَب عمليات الإبداع ودفع عجلة الإنتاج السينمائي نحو مسارها المتعارف عليه تاريخياً.
سمات مصوري الإسكندرية
وتركز أبرز فصول الكتاب الذي جاء بعنوان «أسطوات تصوير مدرسة الإسكندرية في السينما المصرية» حول سمات وملامح التصوير السينمائي الذي كان يعتمد على الضوء الغامر الساطع للشمس، وكانت الاستديوهات وقتها، وبسبب ذلك، تُبنى في حدائق القصور أو تُنشأ محاطة بالزجاج أو فوق أسطح البنايات. وقد استطاع المصورون رغم الإمكانيات الفقيرة أن يقدموا الشكل الأمثل للأشخاص، ويضبطوا حركتهم في إطار الكادر المتفق عليه، وقد دفعهم ذلك فيما بعد لاستحداث مهنة مدير التصوير لإدارة دفة العمل بدقة وحرفية لرصد كل من يتحرك أمام الكاميرا التي كانت تدار باليد.
هذه المهارات اكتسبها فنانو الإسكندرية، حسبما جاء في الكتاب، من خلال الخروج إلى الشارع وتسجيل الحياة اليومية عبر الشرائط الإخبارية، وهو ما ساعدهم على ترسيخ أقدامهم خلف الكاميرات التي اعتمدت على وجود إضاءة أمامية تعطي للصورة وحدة اتزان، وتمنحها تكويناً بصرياً مقبولاً لدى المشاهد، يعتمد على نقل البورتريه إلى الشاشة في اللقطات الكبيرة للتعبير عن الموقف من خلال انفعالات الوجه، وقد بدا ذلك واضحاً في لقطات متنوعة متوسطة أضاف إليها المصورون مسحة جمالية ظهرت في أفلام توجو مزراحي الأولى «المندوبان»، و«فرحات»، و«العز بهدلة».
وهناك سمات مهمة أخرى برزت لدى فناني الإسكندرية تبدّت في إتقان العمل بين الكاميرا وحركة الممثل معاً؛ وقد وجدها المصور ضرورة فنية وتقنية عند التسجيل في الشوارع، وكان ضرورياً استخدام الضوء بشكل أمثل من أجل تقديم صورة سينمائية مختلفة لم يشاهدها المتفرج من قبل مثل الملاعب ومحطات القطار والكورنيش الحديث الذي بُنِي بعد عام 1935، وميدان المنشية، وسيدي جابر، وطريق الحرية حالياً، ومحطة مصر سابقاً، وغيرها. كذلك وجد المصورون أن تنفيذ المشاهد الداخلية في استديو ألفيزي وتوجو مزراحي، يعتمد على ضوء بدائي في مكوناته، ويستند بشكل رئيسي إلى المكون الأساسي في الفوتوغرافيا بعد تطويرها وإضافة العواكس من خلال منهج مدروس يضمن إضاءة المكان والديكور وعناصر الممثلين. ويُلاحظ في إنتاجات تلك الفترة أن الاعتماد كان أساساً على التصوير الخارجي في أكثر من مكان، أما استخدام الاستديو أو البلاتوه فكان يتم عند الضرورة القصوى وفي عدد محدود من الديكورات البدائية.
أرقى نماذج التصوير
أما الفصل الثالث «عبد الحليم نصر... تلميذ الخواجة» فقد تخصص في سينما مدير التصوير عبد الحليم نصر، وتتبع حياته ونشأته، ومسيرته التصويرية منذ بدايته في استديو ألفيزي أورفانيللي معلمه الأول عام 1929، وحتى فيلمه «البحار» الذي قدمه بعد ست سنوات من التحاقه بالعمل في التصوير، وقد ظهرت موهبته مبكراً، وذاع صيته وكان وقتها لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره.
كانت الصور الإبداعية التي كوّنها عبد الحليم نصر عبر تاريخه الطويل، وصاغ من خلالها أعماله السينمائية متجددة، وتطورت عبر مسيرته، وزخرت في النهاية بعالمه الفريد المتمكن في التعبير عن النص الروائي بقماشة سينمائية تحمل الكثير من الدلالات التعبيرية الخاصة به ومن خلال عينه التي قدمت أفلاماً مثل «ميرامار» عام 1969 من إخراج كمال الشيخ، ربط نصر بين «بنسيون ميرامار» وبين الحالات الدرامية المختلفة التي تدور داخله بشخصياته المعقدة المتنافرة، وبين العالم الذي يموج خارجه، وقد ظهر أسلوبه الكلاسيكي في رسم وقائع الحركة عبر منظور الصور الخارجية، ليؤكد عمق وترابط الموضوعات المقدمة من الشخصيات مع حكايات الإسكندرية في الكازينوهات والصالات، والكثير من المعالم البارزة وصولاً إلى قلعة قايتباي.
ولم يغفل الكتاب الحديث عن فيلم «الأرض» الذي صوّره نصر أيضاً، وركز على اللقطة الأخيرة والحل البصري والنهاية المؤلمة والحزينة التي عرضها لتلك اليد التي تتمسك بالأرض بينما الدماء تنزف منها. كما تحدث الكتاب عن المصور محسن نصر الشقيق الثالث لعبد الحليم، والذي صوّر أعمالاً مبدعة للمخرج يوسف شاهين، تمثل علامات فارقة في تاريخ السينما المصرية منها «إسكندرية ليه» و«حدوتة مصرية» و«وداعاً بونابرت» فضلاً عن بعض أعمال المخرج علي بدرخان مثل «شفيقة ومتولي»، و«أهل القمة».
وتضمن الكتاب حديثاً مفصلاً عن المشاهير الأُوَل في التصوير السكندري ومنهم ديفيد كورنيل، وتوليو كياريني، وأشلي بريمافيرا، وجوليو دي لوكا، وفيري فاركاش، وكليليو شيشفيللي، ومحمود نصر، وبرونو سالفي، وكذا إبراهيم لاما وإبراهيم شيب، والذين كانوا نجوم البدايات التي تميزت بإنتاج الفيلم الروائي الطويل الصامت، وقد جعلوا معامل واستديوهات «ألفيزي» مدرسة لتعلم الطبع والإظهار والتحميض، وعملوا داخل القصور الملكية فترات طويلة، وقد ترك بعضهم المهنة مع دخول الحلفاء أراضي مصر في أثناء الحرب العالمية الثانية وغادروا البلاد، ومنهم من قضى بعض الوقت في سجن الأجانب، كما استمرت نخبة منهم حتى قيام ثورة يوليو (تموز) 1952، ثم هاجر معظمهم بعد تأميمات يوليو عام 1961، تاركين بصمات كبيرة وأعمالاً سينمائية مهمة.



حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت
TT

حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت

قد نتوهم أحياناً أن الفلاسفة يتوصلون إلى الحقيقة بشكل جاهز، سهل، وهم جالسون في برجهم العاجي مرتاحين مسرورين لا هم لهم ولا غم. ولكن الواقع مختلف تماماً. فالحقيقة لا تتجلى لهم إلا بعد معاناة داخلية طويلة وبعد تجاوز الأسلاك الشائكة وتخطيها. من بين هؤلاء بالطبع بل وعلى رأسهم ديكارت.

من المعلوم أنه ترك بلاده فرنسا، لأن الظلامية الأصولية كانت مخيمةً عليها في ذلك الزمان. وكانت ترعب المثقفين وتخنق أنفاسهم خنقاً في كل أنحاء أوروبا. الدليل على ذلك ترويع غاليليو وحرق جيوردانو برينو بعد أن قطعوا لسانه في أقبية الفاتيكان المظلمة. بالتالي فمن الصعب على أي مثقف أن يفكر بشكل طبيعي في مثل هذا الجو الخانق المرعب. ويبدو أن أصدقاءه الباريسيين هم الذين نصحوه بمغادرة البلاد بعد أن توسموا فيه أمارات النبوغ والعبقرية. قالوا له ما معناه: أنت وحدك القادر على كشف الحقيقة. بالتالي لم تعد ملكاً لنفسك فقط، إنما أصبحت ملكاً للبشرية جمعاء. في الواقع إنهم خافوا عليه من المخابرات الأصولية التي كانت تهيمن آنذاك على باريس وفرنسا كلها. وهي مخابرات فوق بشرية، أي أخطر أنواع المخابرات. وأدركوا أنها ستبطش به لا محالة بمجرد أن تعرف من هو بالضبط، وماذا يعتمل في داخله من أفكار وتفاعلات خارج الإطار المسموح به. فبالنسبة للأصوليين لا داعي للبحث عن الحقيقة لأنها موجودة جاهزة في كتب القدماء. فلماذا تتعب نفسك أيها الجاهل المغرور؟ لماذا تضيع وقتك؟ لهذا السبب غادر ديكارت فرنسا وعاش معظم حياته خارجها. في ذلك الوقت كان هناك بلدان يتمتعان بهامش كبير من الحرية هما إنجلترا وهولندا. بالتالي فمعظم مفكري فرنسا كانوا يهربون إلى لندن أو أمستردام كما كان يفعل المثقفون العرب مع بيروت في الخمسينات والستينات. لهذا السبب فإن ديكارت نشر معظم مؤلفاته في هولندا. ثم كانت تدخل سراً تحت المعطف إلى فرنسا. لقد غادر بلاده لكي يتنفس الهواء الطلق في الخارج. من يصدق الآن أن فرنسا كانت محكومةً يوماً ما بأصولية ظلامية مطبقة خانقة تشبه «طالبان» في أفغانستان؟ لقد غادرها وهو يشعر بأن هناك شيئاً ما يختلج في داخله: شيء مبهم غامض يكاد يتفجر تفجراً. لكنه لا يعرف كنهه ولا سره كما يحصل لمعظم العباقرة:

يقولون لي من أنت في كل بلدة

وما تبتغي ما أبتغي جل أن يسمى

(المتنبي)

وعلى دروب التجوال والترحال في مختلف أنحاء أوروبا راح ديكارت «يقرأ العالم ككتاب مفتوح على مصراعيه». لاحظوا ما أجمل هذه العبارة. لاحظوا شحنة الحرية الهائلة التي تنطوي عليها. فمتى سيلتقي ديكارت بالحقيقة المخبوءة، بالحقيقة المطموسة الضائعة؟ آه أيتها الحقيقة يا أحلى عشيقة في التاريخ. متى سألقاك؟ متى سأكحل عيني بمرآك؟ ولكنه لن يلقاها ولن يكحل عينه بمرآها إلا بعد أن يتعذب ويتمرمر ويموت ألف موتة. فالحقيقة لا تعطي نفسها بسهولة. الحقيقة بخيلة جداً وقد تتمنع عليك تمنعاً. وهي على أي حال لن تعطي نفسها لك إلا بعد أن تدفع ثمنها عداً ونقداً. الحقيقة نادرة ومهرها غال:

فيا دارها بالحَزْن إن مزارها

قريبٌ ولكن دون ذلك أهوال

(المعري)

ثم اشتدت الأزمة الداخلية في أعماق ديكارت وتفاقمت واستفحلت. ثم نهشه جحيم الشك نهشاً حتى لم يعد يستقر على حال. ولم يعد يستطيع التوصل إلى يقين ثابت أو أرض صلبة يقف عليها. وكاد أن يجن. ومعلوم أن الشك سلاح ذو حدين. فهناك الشك الذي يعمر وهناك الشك الذي يدمر. هناك الشك الإيجابي المبدع الخلاق، وهناك الشك العدمي العقيم القاتل. وما أدراك ما جحيم الشك؟ ثم نزل عليه برد اليقين في آخر لحظة. البعض يقول: نزل عليه الإلهام الصاعق فأنقذه قبل أن يحصل ما لا تحمد عقباه. متى حصل ذلك؟ في ليلة 10 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1619، أي قبل 400 سنة من الآن. وتقول لنا الأخبار أيضاً: لولا عفو الله لقضى ديكارت نحبه في تلك الليلة الليلاء، حيث رأى ثلاثة أحلام مرعبة هزته هزاً. فاستيقظ مذعوراً مرعوباً وراح يرتجف كريشة في مهب الرياح. لكنها انتهت على خير لحسن الحظ. وتمخضت في نهاية المطاف عن الحدث الأعظم: انعتاق الروح وانكشاف الحقيقة. وهذا هو معنى الوحي الفلسفي أو الإلهام الصاعق الذي لا ينزل إلا على كبار العباقرة. عندئذ تجلت له الحقيقة التي لا تعطي نفسها إلا للعظماء. فخر راكعاً، ساجداً، شاكراً. وأقسم يميناً بالله أنه سيحج إلى مزار السيدة العذراء في بلدة لوريتو بإيطاليا سيراً على الأقدام. وهي من أهم مزارات الحج الكاثوليكية في العالم. وفى بنذره فعلاً عام 1623. هكذا نجد أن مؤسس العقلانية الفلسفية في الغرب لم يكن عقلانياً إلى الحد الذي نتصوره. أو قل كان عقلانياً تماماً فيما يخص الشؤون البشرية والأرضية واكتشاف قوانين الطبيعة والكون. لكنه كان يعرف أن هناك أشياء عُلوية سماوية تتجاوز أفهامنا وعقولنا. وربما كان يشعر ضمناً بأن العناية الإلهية تعرف من هو بالضبط. ربما كان يشعر في قرارة نفسه بأنها تطل عليه من فوق: تحرسه وتحميه. وذلك ريثما يكون قد أدى مهمته وحقق الاكتشافات الكبرى التي أضاءت للبشرية عتمات الطريق.

على أي حال لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته على المكشوف. لذلك وصفه هيغل بأنه «البطل المقدام للفكر». بعدئذ استطاع أن يتوصل إلى طمأنينته الشخصية وحقيقته الجوهرية. وقد تحدث عن ذلك بشكل ذاتي مؤثر في كتابه الشهير «مقال في المنهج». وهو الكتاب الذي نتجت عنه كل الحضارة الحديثة التي نعرفها اليوم: أي سيطرة الإنسان على الطبيعة وانتصاره عليها بواسطة العلم والتكنولوجيا. قال في اعترافاته الشخصية ما معناه: «كنت كمن يتقدم وحيداً في بحر من الظلمات. كنت كمن يمشي على خيط رفيع جداً جداً، ويكاد أن يسقط في أي لحظة. كنت على وشك السقوط في هاوية سحيقة، ولا قرار...»، لكنه لم يسقط إنما وصل إلى بر الأمان. أخيراً وصل رينيه ديكارت.

بعد أن انكشفت له الحقيقة ساطعة كقرن الشمس، بعد أن تغلب على شكوكه وهواجسه الجنونية، بعد أن حقق أكبر انتصار على مجهول المجاهيل، قرر ديكارت أن يقطع مع أفكاره السابقة التي تلقاها من العائلة والمدرسة والكنيسة. في تلك اللحظة قرر أن يقوم بأكبر انقلاب في تاريخ الفلسفة. في تلك اللحظة قرر أن يطوي صفحة ألف سنة من تاريخ الفلسفة: أي كل فلسفة القرون الوسطى اللاهوتية الكهنوتية التكرارية الاجترارية. ومن تلك اللحظة ابتدأت الفلسفة الحديثة: أي الفلسفة الديكارتية التي طالما سحرت طه حسين عندما كان في باريس وأشعلت شرارة التنوير العربي. يقول ديكارت بالحرف الواحد في كتابه العظيم «التأملات الديكارتية» أو «التأملات الميتافيزيقية»:

«كنت قد اكتشفت منذ زمن طويل أني كنت قد تلقيت مجموعة كبيرة من الأفكار الخاطئة في سنوات عمري الأولى. لقد تلقيتها على أساس أنها صحيحة تماماً ولا يرقى إليها الشك. ولكني اكتشفت فيما بعد أن كل ما أسسته على هذه المبادئ الهشة المهتزة لا يمكن إلا أن يكون مشبوهاً جداً ولا يقين فيه. وبالتالي فقد قررت أن أدمر كل أفكاري السابقة».

لاحظوا مدى خطورة هذه العبارة الأخيرة التي يكاد يرتجف أمامها المثقف العربي ارتجافاً. من يستطيع أن يلفظ عبارة كهذه: «قررت أن أدمر كل أفكاري التراثية والماضوية والرجعية السابقة. من يستطيع أن يقول مثلاً: قررت التخلي عن كل الأفكار الطائفية والمذهبية القديمة التي تربيت عليها منذ نعومة أظفاري وتشربتها مع حليب الطفولة؟ وهي أفكار تكفر الآخرين وتبيح دمهم شرعاً. سوف يتهمونه فوراً بالخروج على ثوابت الأمة ومقدساتها. وهذا ما حصل بالفعل لديكارت. فقد وضع الفاتيكان مؤلفاته على لائحة الكتب المحرمة قراءتها على المؤمنين (أي المتدينين المسيحيين). وكذلك فعل مع تلميذه سبينوزا الذي ذهب بعيداً أكثر في تفكيك العقائد التراثية التكفيرية. على هذا النحو أشرقت علينا أنوار العصور الحديثة فبددت ظلمات العصور الوسطى.

أخيراً كان ديكارت يقول هذه العبارة الشهيرة: «الفيلسوف يتقدم مقنعاً على مسرح التاريخ»، وكان يقصد بذلك أنه لا يستطيع الكشف عن وجهه الحقيقي منذ البداية خشية أن يقتلوه أو يغتالوه قبل أن يضع مؤلفاته الأساسية ويضرب ضربته الكبرى.

لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته ولذلك وصفه هيغل بـ«البطل المقدام للفكر»


الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية
TT

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

في روايته «كل شيء ميت»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة محمد عبد العزيز، يتقن الكاتب الآيرلندي جون كونولي رسم ملامح شخصية المحقق السابق في شرطة نيويورك تشارلي باركر الذي يجد نفسه على حافة الجنون؛ إذ تعذبه فكرة أنه لم يتوصل بعد إلى قاتل زوجته وابنته الصغيرة، فيمتزج إحساسه بالذنب والندم مع الرغبة في الانتقام.

وعندما يطلب منه شريكه السابق تعقب أثر فتاة مفقودة، يجد باركر نفسه وقد عاد مرة أخرى إلى عالم يملأه القتل والدماء، ووسط كل هذا يجد خيطاً ربما يدله على قاتل زوجته وابنته بعد أن عاد للظهور من جديد.

هكذا بمساعدة عالمة نفس شابة واثنين من المجرمين المحترفين، ينطلق باركر باحثاً عن الحقيقة، متورطاً في عالم لم يتخيل أنه دخله من قبل؛ إذ يسعى إلى مواجهة نهائية ووحشية مع رجل تجاوز جميع مفاهيم الإنسانية، ليفتح أبواب الجحيم على القاتل المتسلسل المعروف باسم «الرجل المسافر»، في نص مليء بالإثارة ومشحون بالتوتر عبر حبكة متقنة تحفل بشخصيات استثنائية.

ورغم أجواء التشويق، فإن المؤلف يمنح الجانب النفسي العاطفي في الشخصيات اهتماماً واضحاً، من خلال استكشاف قصص الحب المستحيلة والإخفاق العاطفي وذكريات المشاعر القديمة التي يظن أصحابها أنها اختفت إلى الأبد، غير أنها سرعان ما تندلع في لحظة هاربة من الزمن والمنطق والعقلانية.

ورغم التماسك الظاهري للشخصيات وما تُظهره من صلابة، يستكشف النص تلك الحالة من الهشاشة الداخلية التي تنتاب الجميع، وتظهر في مواقف بعينها في إطار عام من الخيبة والخذلان.

وُلد جون كونولي في 31 مايو (أيار) عام 1968، واشتُهر بسلسلة رواياته من بطولة المحقق الخاص «تشارلي باركر». درس اللغة الإنجليزية وآدابها في كلية «ترنينتي» في دبلن، كما درس الصحافة، لكنه سرعان ما أحس بالإحباط من عمله كصحافي، وبدأ في التفرغ للكتابة الأدبية.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«وصلت منزل والتر بعد التاسعة بقليل، فتح لي الباب بنفسه وأدخلني. لو كنت شخصاً متوسط التعليم لسميت المكان وكراً، لكن هذا اللفظ ما كان ليصف حقيقة المكان، فالمكتبة صغيرة تحوي كتباً جمعها والتر كقارئ نهم على مدار نصف قرن. كان بإمكانك أن ترى كتباً تحوي سير كتاب وشعراء مثل كيتس وسانت إكسبري جنباً إلى جنب مع كتب عن الطب الشرعي والجرائم الجنسية وعلم نفس الجريمة، إلى جانب كتب بورخيس وهيمنجواي.

رأيت أيضاً جهاز كمبيوتر من نوع (ماكنتوش باوربوك) فوق مكتب غطت قمته طبقة من الجلد، وإلى جانب المكتب اصطفت ثلاث خزائن لوضع الملفات. كانت الحوائط مزينة بلوحات بعض الفنانين المحليين، وفي أحد الأركان وقفت خزانة ذات واجهة زجاجية تحوي جوائز حصل عليها والتر في الرماية، وقد وُضعت الجوائز دون تنسيق وكأنه شعر بالحرج جراء افتخاره بقدراته. كان النصف الأعلى من النافذة مفتوحاً، فانسابت من الخارج روائح الحشائش المقصوصة للتو، وأصوات أطفال يلعبون هوكي الشارع في المساء الدافئ.

دخلت زوجته لي إلى الوكر عبر الباب، مضى على زواجها بوالتر أربعة وعشرين عاماً، وخلال هذه المدة امتازت حياتهما معاً باللين والتسامح بشكل لم أستطع أنا وسوزان أن نحققه حتى في أفضل مراحل علاقتنا. ارتدت لي قميصاً أبيض وجينز أسود أظهرا قواماً لم يتأثر بإنجاب طفلين، ولا بولع والتر بالمطبخ الشرقي. كان شعرها الأسود الذي لاحت فيه بعض الخصلات البيضاء كقمر وسط المياه المظلمة مرفوعاً...».


«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية
TT

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

صدرت حديثاً عن منشورات «رامينا» في لندن، رواية «الزمن البرّي» للروائيّ والقاصّ السوريّ حسين سليمان، المقيم في الولايات المتحدة الأميركية. وتقدّم الرواية عالماً روائياً مشبعاً بالذاكرة والحنين والأسئلة الوجودية التي تتقاطع فيها مصائر الأفراد مع تحولات المكان والزمن.

منذ الصفحات الأولى، يضع حسين سليمان قارئه داخل فضاء روائي تتداخل فيه الواقعية مع التأمل، وتتجاور فيه الحياة اليومية مع طبقات عميقة من الذاكرة الفردية والجماعية. تدور الأحداث في بلدة سورية تبدو مألوفة في ظاهرها، غير أنّها تتحول تدريجياً إلى مسرح واسع لاستكشاف العلاقات الإنسانية، وأثر الزمن في البشر والأمكنة، والكيفية التي تتوارث بها العائلات حكاياتها وأسرارها وأوجاعها عبر الأجيال.

تتمحور الرواية حول شخصية «كندة» التي تتحرك بين البيت والسطوح والطرقات والنهر والبراري، حاملةً أسئلة تتجاوز عمرها وتجربتها المباشرة. ومن خلال هذه الشخصية، ينسج الكاتب شبكة واسعة من العلاقات التي تضم الآباء والأمهات والأجداد والأقارب، فتغدو الحكاية رحلة داخل الذاكرة العائلية بقدر ما هي رحلة في الجغرافيا الداخلية للإنسان.

ويمنح حسين سليمان للمكان حضوراً استثنائياً في الرواية؛ فالبلدة ليست خلفية للأحداث، وإنما كائن حي ينبض بالتاريخ والذكريات والرموز. السطوح والأزقة والبيوت القديمة والنهر والبراري تشارك جميعها في تشكيل المعنى، وتتحول إلى عناصر فاعلة في السرد، تحمل آثار من مرّوا بها وتحتفظ بأصداء أصواتهم وحكاياتهم.

ومن أبرز ملامح العمل انشغاله بفكرة الزمن، الذي يتحرك في اتجاهات متعددة، ويستدعي الماضي باستمرار داخل الحاضر، ويجعل الشخصيات تعيش بين ما حدث وما يمكن أن يحدث. لذلك تبدو الرواية أقرب إلى محاولة لفهم أثر السنوات في الوعي الإنساني، وفي العلاقات العائلية، وفي صورة الإنسان عن نفسه وعن العالم المحيط به.

ويتوقف النص طويلاً عند موضوع الحب بمستوياته المختلفة؛ حب العائلة، وحب الأرض، وحب الإنسان للآخر، وحب الحياة ذاتها. وتأتي هذه الثيمة ضمن سياق تأملي يربط العاطفة بالذاكرة والإيمان والبحث الدائم عن المعنى. لذلك تكتسب الشخصيات أبعاداً إنسانية تتجاوز أدوارها المباشرة داخل الحبكة، وتتحول إلى أصوات تعبّر عن رؤى وتجارب متباينة للحياة.

يعتمد حسين سليمان على لغة سردية كثيفة ومشحونة بالتأملات والصور والاستعادات الزمنية. وتميل الجمل إلى التوسع والتدفق، مع حضور واضح للنبرة الفلسفية والوجدانية التي تمنح النص طابعه الخاص. كما تتكئ الرواية على حوارات داخلية وأسئلة مفتوحة تمنح القارئ مساحة واسعة للمشاركة في إنتاج المعنى وتأويل الأحداث.

وتكشف الرواية عن اهتمام واضح بالعالم الداخلي للشخصيات، حيث تتجاور الهواجس الفردية مع التحولات الاجتماعية، وتتشابك الرغبات الشخصية مع الموروث العائلي والثقافي. ومن خلال هذا التشابك تنجح الرواية في بناء عالم متعدد الطبقات، يفتح أبواباً واسعة للتأمل في الإنسان ومصيره وعلاقته بالماضي والحاضر.

بهذا العمل يواصل حسين سليمان مشروعه الروائي القائم على استنطاق الذاكرة السورية، والبحث في مصائر البشر تحت تأثير الزمن والتحولات الكبرى، عبر نص يزاوج بين السرد والتأمل، ويعيد طرح أسئلة الهوية والانتماء والعائلة والحب ضمن رؤية إنسانية واسعة الأفق.

تقع الرواية تقع في 277 صفحة من القطع الوسط.

وكان المؤلف قد أصدر عدداً من الروايات، ومنها: «صدى الزور البعيد»، و«ينزلون من الرحبة» و«الضجيج»، ومجموعة قصصية بعنوان «رموز العربة».