يستدعي عنوان رواية «الليلة الكبيرة» للكاتب محمد الفولي حالة من الحنين أو «النوستالجيا» لأوبريت مسرح العرائس الأشهر الذي يحمل الاسم نفسه وتربت عليه الأجيال المتعاقبة من المصريين، واستمتعت بأشعار صلاح جاهين وألحان سيد مكاوي.
تنطلق الرواية، التي صدرت أخيراً عن دار «ديوان» بالقاهرة، من مفارقة فانتازية صارخة تجد سبيلها إلى متن شديد الواقعية، مُفجرة الكثير من المكاشفات المأساوية والساخرة في آن واحد، أو «التراجيوكوميديا»، وهو المصطلح الذي يُصدّر به الكاتب روايته، ومقتبس من قاموس «الأكاديمية الملكية الإسبانية»، ويشير إلى «العمل الدرامي الذي يجمع بين ملامح الكوميديا والمأساة».
كيان عجيب
يهبط طبق طائر فوق «أرض الموقف»، هكذا يأخذنا السطر الأول للرواية إلى عالمها الخيالي «الشاطح»، حيث يختبر سكان هذا الحي الشعبي في ليلة غير متوقعة عواقب هبوط هذا «الكيان العجيب» الذي تتقزم بجواره بنايات المنطقة، فيبدو وكأنه «درويش في مولد فضائي»، كما يصفه الراوي العليم، الذي يرصد فزع أبطال المكان من ماهية هذا الطبق العملاق بقبته الزرقاء الشفافة، ويفرض عليهم عزلة كاملة ويقطع أخبارهم عن العالم.
يبدو هبوط هذا الكائن الفضائي الفانتازي ذريعة فنية تكشف عن طبقات المجتمع الذي تقدمه الرواية بصفته عينة مصغرة لعالم عشوائي يُواجه سؤالاً كونياً عصياً على التفسير، فتختلط نوازع أبطال العمل وطرق تعاملهم مع هذا الكيان الذي هبط عليهم في «ليلة غبراء»، مُحدثاً حالة من الهرج التراجيدي والعبثي في مكان غارق بالجهل والعنف المتوارثين بين أفراده، فتقودهم ملابسات تلك الليلة الثقيلة إلى سيرة جريمة بدائية «قابيلية هابيلية»، على حد وصف الرواي.
تطرح الرواية تشريحاً مجتمعياً لتلك المنطقة العشوائية، بما يحكمها من تراتبية وهيمنة ثقافة «شريعة الغاب»، في مقابل القانون المُهمش في أعراف أصحاب المكان الذين يواجهون كائناً فضائياً يزاحمهم ويقطع وسائل الاتصال كافة عنهم. يعقد هؤلاء «مجلس حرب» مُصغّراً لمناقشة كيفية التعامل مع هذا الحدث العجيب. ويفتح غرق كل فرد من «أرض الموقف» في «بلواه السوداء الخاصة»، أفق الرواية على سرد مُتعدد الطبقات يختلط فيه الخاص بالعام، والواقعي بالغرائبي، وسرديات العالم المُتفوق في مواجهة المجتمع البدائي.
تؤسس الرواية لعبة فنية مركزية من خلال توظيف ضمير «الراوي العليم» الذي اعتمد الحس الساخر نبرةً سردية ممتدة على مدار العمل، في أسلوب «ميتا - سردي» يضع نفسه طرفاً في النزاع الدائر بما يكسر إيهام الراوي، ويجعل القارئ أمام «لغز» يتعلق بهويته، وصوته الفلسفي والنقدي المشغول بـ«الطبيعة اللغوية لسكان المنطقة». يتقاطع صوت الراوي مع الأبطال بمستويات لغوية مختلفة، من الفصحى إلى الدارجة، ليبدو أننا أمام شخصية خفية تختبر مرونة اللغة على أرضية تلك المنطقة العشوائية، حيث «اللغة بحر قد تهيج مياهه في جزء وتسكن في آخر»، كما يقول. ورغم أن الراوي يكشف عن هويته في نهاية العمل، في تطور مباغت للقارئ، فإنه يترك الباب موارباً لاحتمالات سردية لا نهائية، تثير الشكوك حول حقيقة هبوط مركبة فضائية من الأساس.
مواصفات كونية
تتمادى «لعبة اللغة» في الرواية بحيث تبدو بقواعدها ونحوها وصرفها طرفاً في تلك الأحداث الفانتازية، حيث تخرج من «معياريتها» لتبدو وكأنها عاجزة عن ملاحقة فوضى ما يحدث. ينظر أحد شخصيات النص، (الشيخ حازم)، المهجوس بقواعد النحو والصرف، بعجز حيال جنون الأحداث التي ضربت منطقته السكنية، فيشعر أنه أصبح «لا محل له من الإعراب»، ويرى العبث من حوله غير قابل للتبرير: «كأن يُرفع المجرور»، ويستطرد بقوله: «فضائيون، وشموس صفراء، وصدى وصفير، وأشعة زرقاء تخرج من عينيّ كيان غريب، وجريمة قتل تُسفك فيها الدماء علناً، هذا شيء لا يقدر أي مدقق لغوي على تصحيحه.هذه مهمة تحتاج إلى مُصحح بمواصفات كونية».
تُوظّف تحوّلات اللغة وتدريجاتها في الرواية بوصفها كائناً حياً يتلمس التحوّلات التاريخية للزمان والمكان، فيشير السرد للتطوّر التاريخي لـ«أرض الموقف» من ضاحية للباشاوات والبكوات، وصولاً إلى تحولها البطيء إلى منطقة هامشية وعشوائية، مساكنها أقرب لـ«علب الكبريت». وتبرز المفارقة الساخرة في اختيار أسماء سُكان المكان المُستعارة من المعجم العالمي: فهناك «مارادونا» و«هتلر» و«شكسبير» و«ليونيل ميسي»، الذين يعيشون على هامش العالم «محرومون، ومنبوذون ومهملون».
يجد هؤلاء أنفسهم بعد هبوط الطبق الطائر جزءاً من تدوينات المؤثرين عبر مواقع التواصل، لتصبح «أرض الموقف» بؤرة اهتمام لأول مرة في تاريخها، فاتحة سؤالاً حول المركزية في مقابل عزلة المهمشين حول العالم، وسط أوهام التواصل وتلاشي الحدود، في تقليب لسرديات العولمة الشهيرة التي تصف العالم بـ«قرية صغيرة»: «يقول البعض إننا لسنا وحدنا، وإن العالم قرية صغيرة. يقول آخرون إننا وحيدون في هذا الكون، وإن عزلتنا محتومة. كلاهما مُحق؛ فكل شيء نسبي. خذوا مثلاً هبوط الطبق الطائر في أرض الموقف نموذجاً. هذا دليل دامغ على نظرية القرية وأننا على الأرجح فلاحون كونيون».