أوروبا في مواجهة مع الموجة الجديدة من جائحة «كوفيد ـ 19»

خيار إلزامية التلقيح مطروح... رغم مخاطر اضطرابات الشارع

أوروبا في مواجهة مع الموجة الجديدة من جائحة «كوفيد ـ 19»
TT

أوروبا في مواجهة مع الموجة الجديدة من جائحة «كوفيد ـ 19»

أوروبا في مواجهة مع الموجة الجديدة من جائحة «كوفيد ـ 19»

«في نهاية فصل الشتاء، سيكون معظم الألمان قد تلقوا اللقاح أو تعافوا أو توفوا». كان هذا تحذير وزير الصحة الألماني يانس شبان قبل أيام، الذي قد يكون أثار الكثير من الاستغراب لصراحته الفاضحة، إلا أنه نجح في لفت الأنظار لمدى خطورة عودة تفشي جائحة «كوفيد - 19» في أوروبا. إذ إن «القارة العجوز» تجد نفسها الآن مرة جديدة «بؤرة» لتفشي فيروس الجائحة، مع أنها كانت الأولى على صعيد بدء حملات التلقيح قبل سنة تقريباً. ومع هذا، فإن نسبة عدد الملقّحين من سكانها لا تتجاوز الـ65 في المائة، وهي نسبة غير كافية بحسب الخبراء الصحيين لتحقيق مناعة جماعية.
وهكذا، عادت الدول الأوروبية لتجد نفسها أمام شبح الإغلاق من جديد، بعدما كان معظمها قد وصف القيود تلك بأنها أصبحت من الماضي. بل، حتى منظمة الصحة العالمية حذرت أخيراً من أن أوروبا قد تشهد وفاة قرابة 700 ألف شخص إضافي بالفيروس بحلول مارس (آذار) المقبل، لتضاف إلى المليون ونصف المليون وفاة سجلتها القارة حتى الآن.
في حين اختارت دول أوروبية فرض الإغلاق الكامل مثل النمسا، أو الجزئي مثل هولندا؛ بهدف السيطرة على الموجة الرابعة من جائحة «كوفيد - 19»، حاولت دول أخرى، مثل ألمانيا، عزل غير الملحقين في محاولة للضغط عليهم لأخذ اللقاح.
كذلك، عاد الجدل حول إلزامية فرض اللقاح على السكان بعدما قرّرت النمسا العمل بذلك ابتداءً من فبراير (شباط) المقبل ومعاقبة كل مَن لم يرفض أخذ اللقاح بغرامات مالية تصل إلى 3 آلاف يورو وإبقائهم في العزل الدائم. بل إن في ألمانيا، حيث كان مجرّد الكلام على «إلزامية اللقاح» يُعدّ من المُحرَّمات، بات الموضوع يناقش بشكل شبه يومي على أنه الحل وحيد لتفادي موجة خامسة من الفيروس.
فهل تتجه أوروبا إلى فرض إلزامية التلقيح للتخلصّ للمرة الأخيرة من جائحة «كوفيد - 19»... أم أنها ستبقى تواجه الإغلاقات والإجراءات التقييدية ريثما يختفي الفيروس من تلقاء نفسه؟
العاصمة السويدية استوكهولم، لا تبدو حالياً على الأقل، في «حالة طوارئ» صحية.
هنا ارتداء الكمامات ليس إجبارياً الآن، ولم يكن كذلك يوماً منذ بداية تفشي فيروس جائحة «كوفيد - 19». ثم إن السويد لم تشهد الإغلاقات التي شهدتها الدول الأوروبية الأخرى حتى في عز موجات التفشي السابقة. وحتى الآن لا تبدو استوكهولم وكأنها مقتنعة بأن «الموجة الرابعة» التي أعادت الفوضى من جديد إلى عدد كبير من الدول الأوروبية، قد وصلتها بعد أو هي على أبوابها الآن.
مع ذلك، فإن الطرقات والأسواق هنا لا تبدو شديدة الازدحام.
- «مهندس» اللا إغلاق .. مصرّ على موقفه
قد يكون للبرد القارس والظلام، الذي يحل مبكراً في دول أقصى الشمال الأوروبي، دور في ذلك. ولكن السويديين اعتادوا منذ بداية محنة «كوفيد - 19» على الخطوات الفردية للحد من تحركاتهم عوضاً عن الاعتماد على القوانين المقيدة للحركة التي تجنبت الحكومة فرضها حتى الآن. فالتوجيهات الحكومية كانت كافية في الماضي لنهي عدد كبير منهم عن الخروج في تجمّعات كبيرة وتحويلهم إلى العمل من المنزل.
غير أن القيود التي رفضت السلطات السويدية فرضها جعلت من نسبة الوفيات بالفيروس في البلاد مرتفعة مقارنة بعدد سكانها. وكانت السويد قد فتحت أخيراً تحقيقاً من أجل تحديد ما إذا كانت السلطات الحكومية قد أخطأت في سياستها الصحية، وأعلنت نتيجته قبل أيام. وعلى الرغم أن من التحقيق توصل إلى استنتاج بأن الحكومة السويدية «تركت الفيروس ينتشر بصورة أسرع من الدول الشمالية الأخرى»، لم يُعط هذا التحقيق الحكم حيال صوابية أو خطأ قرار تفادي الإغلاق.
في هذا السياق، يصرّ أنديرس تيغنل، طبيب الأمراض الوبائية السويدي الذي يُعد «مهندس سياسة» رفض الإغلاق، على أن هذه السياسة لم تكن خاطئة. إذ قال تيغنل في مقابلة مع صحيفة «الفاينانشال تايمز» قبل أيام، إن السويد «بعد سنتين من جائحة (كوفيد – 19) لم تبرز من بين الدول الأخرى، فنحن لسنا الأفضل لكننا لسنا الأسوأ أيضاً. لذا؛ أسمع الآن السؤال حول ما الذي فعلته الإجراءات الصارمة التي اتخذت؟».
هذا السؤال هو بالفعل الذي يؤرق السياسيين في أوروبا اليوم. فالنقاش المحتدم حول جدوى الإغلاقات والإجراءات الصارمة في وقف تفشي الجائحة لا يتوقف.
- النمسا لها ريادة التلقيح الإلزامي
كثيرون توصلوا إلى استنتاج بأن اللقاحات وحدها هي التي ستوقف التفشي؛ وهو ما دفع بالنمسا لكي تصبح أول دولة أوروبية تعتمد إلزامية التلقيح «لأننا لا نريد موجة خامسة» كما جاء على لسان المستشار المساوي ألكسندر شلينغر. ولقد برّر المستشار هذه الخطوة بالقول أيضاً، إنه كان يعتقد أن عدداً أكبر من السكان سيتلقى اللقاح طوعاً، غير أن انخفاض نسبة الملقحين دفع بحكومته إلى اتخاذ قرار بجعل إلزامياً ابتداءً من فبراير المقبل.
لم يتردد شلينغر في إلقاء اللوم في ذلك، ليس فقط على مروّجي «نظريات المؤامرة»، بل أيضاً على حزب الحرية اليميني المتطرف الذي يرفض اللقاحات وإجراءات الوقاية، وهو موقف شبيه بمواقف معظم الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا.
والجدير بالذكر، أن الحكومة النمساوية تواجه الآن انتقادات شديدة... سياسياً من حزب الحرية اليميني المتطرف، وشعبياً من جماعات الرافضين للتلقيح الإلزامي. وقد شهدت العاصمة فيينا، بالفعل، غداة إعلان العودة إلى الإغلاق وفرض اللقاحات مظاهرة ضخمة شارك فيها ما يقارب الـ40 ألف شخص، حمل بعضهم لافتات تصف المستشار النمساوي بالديكتاتور.
للعلم، تسجّل النمسا، إلى جانب الدول الجرمانية بشكل عام، أدنى مستويات التلقيح ضد «كوفيد - 19» في الدول الغربية؛ إذ إن نسبة الملقحين فيها ما زالت دون 66 في المائة من السكان. كذلك، لا تزيد نسبة الذين تلقّوا اللقاح في سويسرا على نحو 66 في المائة من السكان. أما في ألمانيا فالوضع أفضل قليلاً؛ إذ ترتفع النسبة أكثر بقليل لتصل إلى قرابة 68 في المائة. وهكذا، تحولت هذه الدول الثلاث إلى أكبر بؤر للموجة الرابعة من الفيروس التي تضرب أوروبا حالياً. ويظهر الفارق جلياً لدى مقارنة أرقامها مع أرقام دول أخرى، ترتفع فيها نسبة التلقيح مثل البرتغال، حيث تلقى قرابة الـ87 في المائة من السكان اللقاح، وبالفعل ما زالت أعداد الإصابات فيها منخفضة.
على صعيد متصل، مع أن بعض مستشفيات ألمانيا في الولايات الأكثر تأثراً بدأت بنقل مرضاها إلى ولايات ألمانية أخرى وحتى إلى دول أخرى مثل إيطاليا، فإن ألمانيا تستقبل بنفسها مرضى «كوفيد - 19» من هولندا... التي دخلت موجة رابعة قاسية قبل أسابيع وفرضت إغلاقاً جزئياً تسبب في مظاهرات، تحولت إلى ليال من العنف في بعض المدن مثل روتردام.
لقد نقلت هولندا في الأيام الماضية 19 مريضاً إلى مستشفيات ألمانيا. ويشغل نصف أسرّة العناية المركزة في هولندا والبالغ عددها 1050 سريراً، مرضى يعانون من «كوفيد - 19».
بل لقد تحولت مستشفيات هولندا إلى العمل بـ«حالة الطوارئ»، وهي تلغي منذ أسابيع علاجات مرضى السرطان وعمليات القلب الجراحية لنقص أسرّة عناية مركزة قد يحتاجون إلى نقلهم إليها.
- الموجة الجديدة تدعم طرح إلزامية التلقيح
ولكن حتى في البرتغال، التي ترتفع فيه نسبة الملقحين عادت أعداد الإصابات لترتفع خلال الأيام الماضية؛ ما دفع برئيس الحكومة هناك إلى التحذير من إمكانية إعادة فرض بعض الإجراءات الوقائية الضرورية لاحتواء التفشي. وبطبيعة الحال، دفع هذا الواقع كثيرين إلى التساؤل عن جدوى تلقي اللقاحات التي لا تقي بنفسها من العدوى.
غير أن خبراء الصحة العامة، كانوا قد قالوا، وذكّروا مراراً خلال الأشهر الأخير بأن انخفاض نسبة الاجسام المضادة للفيروس بعد 6 أشهر من تلقي اللقاح يعني أن ثمة حاجة ماسّة إلى جرعات معزّزة ثالثة بعد تلك الفترة للحفاظ على أعداد الإصابات الخطرة منخفضاً.
وواقع أن اللقاحات الحالية لا تمنع العدوى، بل تؤمّن حماية ضد المرض الشديد، فتح نقاشاً حول ضرورة تطوير لقاحات تقي من انتقال الأوبئة في المستقبل. وقد دعا الملياردير الأميركي بيل غيتس، الذي يستثمر مبالغ طائلة في الأبحاث العلمية ودراسات تطوير اللقاحات، إلى زيادة الاستثمارات في هذا المجال والتفكير «بأسلوب جديد لتطوير اللقاحات». وقال غيتس في مقابلة مع منظمة «بوليسي إكستشاينج»، إنه من الضروري أن «تركز ميزانيات البحث والتطوير في المستقبل على نقاط الضعف التي كشفها فيروس (كوفيد – 19) في العالم». وأردف «إننا لم نتمكن من تطوير لقاحات تمنع العدوى، بل نجحنا فقط بتطوير لقاحات تساعد صحياً وتساعد بشكل طفيف في منع العدوى».
- ألمانيا على خطى النمسا
وتحاول الدول الأوروبية التسريع ببرامج إعطاء الجرعات المعززة من جهة، والبدء بتلقيح الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين الـ5 سنوات والـ12 سنة؛ بهدف توسيع دائرة الملقحين ورفع نسبة السكان المحصين بأجسام مضادة. ولكن على الرغم من ذلك، فإن المخاوف من تواضع نسب الإقبال على تلقي اللقاحات تحوّلت إلى كابوس يؤرق أوروبا.
وبعدما اتخذت النمسا القرار الأول بجعل التلقيح إلزامياً، بدأت ألمانيا تناقش الموضوع جدياً وبشكل يومي. وبعدما كانت المستشارة أنجيلا ميركل – وهي ذات خلفية تخصصية علمية معروفة – والوزراء والمسؤولون الصحيون في معهد روبرت كوخ للأمراض الوبائية، قد أكدوا مراراً بأن اللقاحات لن تصبح أبداً إلزامية في ألمانيا، بدأت النبرة تتغير في الأيام الماضية، وتوسّعت دائرة السياسيين والمسؤولين الصحيين المؤيدين لإلزامية التلقيح.
هذا، وصدرت دعوات تدعو إلى التمثل بالنمسا من رئيس حكومة ولاية بافاريا وزعيم حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي (الحزب الشقيق لحزب ميركل) ومن فريدريش ميرز المرشح لزعامة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم الذي يتخبّط لإيجاد خليفة له بعد ميركل. أيضاً، صدرت دعوات مؤيدة لإلزامية اللقاح من السياسي البرليني الاشتراكي البارز مايكل مولر ومن النائب كارل لوترباخ المتحدث الصحي باسم الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الذي سيشكّل الحكومة الألمانية المقبلة برئاسة أولاف شولتز.
ويبدو أن ألمانيا بدأت تفكر جدياً بفرض إلزامية اللقاح على جميع السكان؛ فهي بدأت بفرضه على بعض الفئات كما فعلت فرنسا وإيطاليا في السابق. وأعلن الجيش الألماني أن الجنود الألماني سيكون عليهم أخذ اللقاح إلزامياً أو يواجه الرافضون منهم التأديب. وحتى الآن، قبِل 80 في المائة من الجنود الألمان بتلقي اللقاح.
كذلك، يبدو أيضاً أن ألمانيا تتجه إلى جعل التلقيح إلزامياً للعاملين داخل دور المسنين الذين ينقلون العدوى إلى المسنّين... الذين غالباً ما تكون إصابتهم خطرة وفتاكة. وخلال الأسابيع الماضية لوحظت عودة الإصابات والوفيات إلى الارتفاع داخل دور المسنّين بسبب بطء عملية إعطائهم الجرعات المعزّزة، وانخفاض المضادات الحيوية لديهم لأن معظمهم تلقوا الجرعتين الأولى والثانية مطلع العام.
من ناحية أخرى، في ألمانيا مثل النمسا، يرفض حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف الإجراءات الوقائية المتخذة والمخطط لها ضد «كوفيد - 19»، ويعارض نوابه التلقيح وهم أنفسهم لم يتلقوه. وهؤلاء باتوا حتى يرفضون إجراء الفحوص الدورية التي تكشف عن الفيروس قبل دخول مبنى مجلس النواب (البوندستاغ) أو حتى وضع الكمامات داخل المبنى؛ ما دفع إلى عزلهم إلى شرفة البرلمان، ومن ثم منع نواب هذه الكتلة المتطرفة بالجلوس في القاعة الرئيسة.
- ما هي توجّهات حكومة شولتز المقبلة؟
> حتى الآن، تبدو مواجهة تفشي الجائحة من أولويات الحكومة الألمانية المقبلة التي قد تتسلم مهامها خلال أسبوعين بعدما أعلنت الأحزاب الثلاث (الحزب الديمقراطي الاجتماعي «الاشتراكي» وحزب «الخضر» والحزب الديمقراطي الحر) عن التوصل إلى اتفاق بعد قرابة شهرين من المفاوضات. ولقد كشف الزعيم الاشتراكي أولاف شولتز – الذي هو حالياً نائب المستشارة ميركل - أثناء إعلانه عن الاتفاق على تشكيل الحكومة، عن تخصيص غرفة عمليات دائمة متخصصة لمواجهة «كوفيد - 19» مقرها مبنى المستشارية. ولكن، ثمة من يقول، إنه على الرغم من أن ميركل حاولت تدفع البلاد نحو إغلاق جديد بهدف السيطرة على تفشي الجائحة، فإن الحكومة الجديدة تبدو رافضة للفكرة... وإن كانت قد أعلنت عن اتخاذ خطوات إضافية لمحاولة احتواء الموجة الرابعة.
ووسط كل هذا الجدل، عادت المستشفيات في دول كثيرة إلى العمل بنظام الطوارئ، أي إلغاء العمليات غير الضرورية وتأجيل استقبال المرضى ذوي الحالات غير الطارئة.
- الحالة الهولندية... قد تكون مقدمة!
> مع عودة إجراءات الإغلاق، عادت معها أعمال الشغب المصاحبة لها. ففي هولندا والنمسا وبلجيكا وغيرها، خرجت مظاهرات غاضبة لآلاف المعارضين للقيود الجديدة. وفي مدينة دوتردام، مثلاً، بقيت أعمال الشغب تندلع لثلاثة أيام متتالية. وراح الشبان المشاركون في المظاهرات يشعلون المفرقعات والألعاب النارية ويرمون رجال الشرطة بها. وجاء هذا رداً على قرار الحكومة إلغاء السماح بإشعال الألعاب النارية ليلة رأس السنة لتفادي إصابات تستدعي دخول الطوارئ التي تفوق طاقتها الاستيعابية بسبب مرضى الجائحة. ووصف رئيس الحكومة الهولندية مارك روته مثيري أحداث الشغب بأنهم «أغبياء»، وأضاف أنه «لن يسمح أبداً بأن يستخدم أغبياء العنف فقط لأنهم ليسوا سعداء» بالإجراءات.
غير أن مراقبين يحذرون من أن أعمال الشغب هذه قد تتفاقم في حال توسع النقاش أكثر حول إلزامية اللقاح وارتفع عدد الدول التي تعتمده. وقال رئيس المركز الأوروبي لتفادي الأمراض المعدية أندريا أمون «إن إلزامية التلقيح قد تثير المزيد من المقاومة من معارضي التلقيح». وبالفعل، في مدن مثل برلين، التي تشهد أصلاً مظاهرات شبه أسبوعية معترضة على وضع الكمامات والقيود المتبقية، فإن «سيناريو» من هذا النوع محتمل جداً، خاصة بعد تطمينات السياسيين لأشهر بأن التلقيح لن يفرض فرضاً ولن يكون إلزامياً.
وفي المقابل، بينما تواصل أعداد الإصابات والوفيات ارتفاعها، بدأت دول أوروبية تحذر من موجة خامسة... قبل أن تنتهي بعد من الموجة الرابعة. وجاءت تصريحات مسؤولة في منظمة الصحة العالمية حول ضرورة مناقشة إلزامية اللقاح في أوروبا بشكل جدي، لتزيد من الضغوط على الدول الأوروبية للتحرك في هذا الاتجاه. ونقلت قناة «سكاي نيوز» عن روب باتلر، مسؤول المكتب الإقليمي في أوروبا في منظمة الصحة العالمية، إنه من المفيد أن مناقشة إلزامية اللقاح على ضوء تزايد الحالات. إلا أنه أضاف بأن جعله إلزامياً «يمكن ولكن ليس دائماً، أن يزيد عدد الملقحين». وبعكس موقفه، حذر أنطوني كاستيلو، وهو مدير سابق في منظمة الصحة العالمية، من اعتماد إلزامية اللقاح بحجة أن قرارا كهذا «من شأنه أن يصدم الكثير من الناس الذين لا يثقون بالحكومات ولا باللقاحات، وقد يؤدي إلى أعمال شغب أكبر» من التي حصلت حتى الآن.


مقالات ذات صلة

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.