«المناخ» يودّع غلاسكو ويتطلع إلى شرم الشيخ

خلاف على الفحم واتفاق على التمويل وتجارة الكربون

«المناخ» يودّع غلاسكو ويتطلع إلى شرم الشيخ
TT

«المناخ» يودّع غلاسكو ويتطلع إلى شرم الشيخ

«المناخ» يودّع غلاسكو ويتطلع إلى شرم الشيخ

بعد محادثات شاقة استمرت أسبوعين، وتضمنت جدلاً كبيراً حول توزيع الالتزامات المطلوبة لتخفيض الانبعاثات الكربونية المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري، وتعويضات الدول المتضررة، ومساعدة الدول الفقيرة على تحمل تكاليف التحول إلى أساليب الإنتاج المنخفضة الانبعاثات والتكيف مع بعض آثار التغير المناخي التي لن يمكن وقفها، اختُتمت قمة غلاسكو (كوب 26) بإعلان وثيقة للمناخ وسمها البعض بالتسوية الناجحة، واعتبرها البعض الآخر فشلاً، فيما صنفها كثيرون ضمن المنطقة الرمادية. وكان من الطبيعي أن يتصدر المعترضين على التوصيات مجموعة دول الجزر الصغرى، المهددة بالغرق إذا تجاوز معدل الحرارة 1.5 درجة مئوية.
- الهند والصين في مواجهة إدمان الفحم
تضمنت وثيقة غلاسكو إشارة غير مسبوقة إلى دور الفحم الحجري في أزمة المناخ، حتى بعد اعتراض الهند والصين الذي خفف لغة الوثيقة من «الإلغاء التدريجي» إلى «الخفض التدريجي» لاستخدام الفحم، وهو أكثر أنواع الوقود الأحفوري تلويثاً. ويتهم المتابعون الصين بأنها وضعت الهند في الواجهة لطلب تعديل الساعة الأخيرة، بعد موافقة بقية الدول على النص المعدل ثلاث مرات. والمعروف أن توصيات مؤتمرات المناخ هذه تتطلب إجماعاً.
أما فيما خص النفط والغاز، فقد دعت الوثيقة إلى السحب التدريجي للدعم غير الفعال، مما يفتح فرصاً لتعزيز الكفاءة وتطوير تقنيات التقاط الكربون لإعادة استعماله في عمليات صناعية مأمونة أو احتجازه، إلى جانب تعزيز أنماط الإنتاج الأنظف.
وتُعد الصين أكبر مصدر لانبعاثات الكربون في العالم وأكبر مستخدم للفحم الحجري، وهي تخطط لأن تبلغ انبعاثاتها الذروة في 2030 مع السعي للحصول على ربع طاقتها فقط من الوقود الأحفوري بحلول السنة ذاتها، وتعد بأن تكون محايدة كربونياً قبل 2060، أما الهند فهي تعتمد على الفحم بنسبة 70 في المائة لإنتاج الكهرباء، وتهدف إلى خفض «كثافة الانبعاثات» بنسبة 45 في المائة بحلول 2030، والحصول على نصف طاقتها الكهربائية من الوقود غير الأحفوري في السنة ذاتها، مع العمل للوصول إلى انبعاثات صفرية في 2070. وعلق نائب رئيس المفوضية الأوروبية لتغير المناخ فرانس تيمرمان، أن التسوية كانت ضرورة للوصول إلى إجماع، وهو لا يخاف منها، لأن الهند والصين تلتزمان بتعهداتهما في العادة، لذا هو على يقين أنهما ستخفضان من استخدام الفحم بخطى حثيثة. واعتبر آخرون أن الفحم الحجري سيخرج من السوق تلقائياً لأسباب اقتصادية وليس بيئية فقط، لأنه لن يستطيع المنافسة.
وفي الاتفاقات الجانبية، تعهدت أكثر من 40 دولة بالتخلص التدريجي من الفحم، بما فيها بلدان معروفة باستهلاكها الكبير للفحم مثل بولندا وأوكرانيا وفيتنام. وأعلنت الدول الكبرى عن إلغاء استخدام الفحم تدريجاً في ثلاثينيات هذا القرن، بينما التزمت الدول الفقيرة في المجموعة بالإلغاء الكامل خلال الأربعينيات، فيما امتنعت أستراليا، التي تُعد ثاني أكبر مصدر للفحم الحجري عالمياً، عن إضافة توقيعها إلى التعهد.
وكانت اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أكدت ضرورة خفض الانبعاثات إلى النصف تقريباً خلال العقد القادم لاحتواء الاحتباس الحراري ضمن 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية. ويرى العلماء أن هذا الإجراء بالغ الأهمية لتجنب تفاقم آثار أزمة المناخ والابتعاد عن تغير المناخ الكارثي. في حين أن التعهدات الحالية للدول، بما فيها تلك التي تم التوصل إليها في غلاسكو، تلتزم بخفض الانبعاثات بمقدار 25 في المائة فقط من مقدار الانخفاض المطلوب سنة 2030. وتبقى المشكلة الكبرى أن التعهدات البعيدة المدى لتخفيض الانبعاثات لسنة 2050 أو حتى 2060 جيدة، لكن التعهدات في المدى القريب أقل من المطلوب.
وتطلب الوثيقة من الدول التي ستشارك في محادثات «كوب 27» في مصر تقديم خطط محدثة لخفض الانبعاثات خلال هذا العقد، مما يضع ضغوطاً متسارعة على الدول لمواصلة تعزيز طموحاتها. ولن يتضح ما إذا كانت النتائج ستظهر قبل اجتماعات شرم الشيخ، حيث تقدم الدول التزامات جديدة تبين مدى استجابتها الفعلية لتحديات المناخ وجديتها في خفض انبعاثاتها.
- أميركا وأوروبا وعقدة التمويل
بعيداً عن الوقود الأحفوري، شهدت قمة غلاسكو انقساماً حاداً بين الدول المتقدمة والنامية حول التمويل للتكيف مع أزمة المناخ، وكانت هناك مطالبات لإنشاء صندوق جديد للخسائر والأضرار تقدم من خلاله الدول الغنية مساعدات مالية للدول الفقيرة الأكثر عرضة للخطر.
وفيما فشلت وثيقة غلاسكو في تبني لغة حازمة بشأن صندوق الخسائر والأضرار، كان هناك تقدم في تمويل التكيف مع أزمة المناخ، حيث تم الاتفاق على مضاعفة تمويل التكيف ضمن الهدف البالغ 100 مليار دولار سنوياً للفترة بين 2021 و2025. وتُبدي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تحفظاً على صندوق الخسائر والأضرار قبل معرفة حجم التمويل المطلوب وأماكن الصرف وشرعيتها.
وتُعد الولايات المتحدة ثاني أكبر مصدر للانبعاثات الكربونية عالمياً بعد الصين، وهي تخطط لخفض هذه الانبعاثات بنسبة 50 في المائة مقارنة بمستوى 2005 بحلول 2030، على أن تكون نصف سياراتها الجديدة في تلك السنة تعمل على الكهرباء، وتعد بأن تكون محايدة كربونياً بحلول 2050، أما الاتحاد الأوروبي فهو يخطط لخفض الانبعاثات بنسبة 55 في المائة عن مستوى 1990 بحلول 2030، ويهدف إلى جعل 40 في المائة من طاقته من مصادر متجددة في السنة ذاتها، كما أعلن أنه سيكون محايداً كربونياً بحلول 2050 أيضاً. ومن العقبات التي وعدت الوثيقة الختامية بحلها، مع التحضير للقمة المقبلة في شرم الشيخ، الاتفاق على إطار زمني مرجعي موحد لاحتساب أرقام وعود التخفيض ونتائجها الفعلية.
وكانت الدول الغنية وافقت في قمة كوبنهاغن المناخية عام 2009 على تخصيص مبالغ تصل إلى 100 مليار دولار سنوياً مع حلول 2020، وذلك لمساعدة الدول النامية في التحول إلى اقتصادات منخفضة الكربون، والتكيف مع أزمة المناخ. ويمكن أن يشمل التكيف بناء المصدات البحرية من أجل منع الفيضانات، ونقل المجتمعات بعيداً عن خط الساحل، وإعادة تجهيز المنازل لتحمل الأحداث المناخية القاسية بشكل أفضل، وتعديل الأنماط الزراعية لتحمل الحرارة والجفاف والملوحة، وصولاً إلى تجهيز القطاع الصحي للتعامل مع أمراض مستجدة ناجمة عن ارتفاع درجات الحرارة وتبدل أنماط هطول الأمطار.
ولم يقتصر الأمر على فشل الدول الغنية في تقديم كامل مبلغ 100 مليار دولار سنوياً بحلول 2020، بل إن الدول النامية تعد هذا التمويل غير كافٍ في المقام الأول. وفيما كانت الدعوة هي لتوزيع التمويل مناصفة بين إجراءات التخفيف للحد من الانبعاثات والتكيف الذي يساعد في التعامل مع عواقب تغير المناخ، تدفقت معظم الأموال على تدابير خفض الانبعاثات. عدا عن أن معظم التمويل يأتي على شكل قروض وليس هبات، مما يزيد من عبء الديون على الدول الفقيرة. ويُعد الالتزام الصريح بتمويل التكيف، وفق وثيقة غلاسكو، بمثابة تقدم حقيقي في هذا المجال.
وفي الاتفاقات الجانبية، وعدت 20 دولة على الأقل، بما فيها الولايات المتحدة وكندا وإيطاليا والدنمارك، مع مؤسسات مالية عالمية، بوقف التمويل من الميزانيات العامة مع نهاية السنة المقبلة لمشاريع الطاقة التي لا تتحكم بالانبعاثات الكربونية.
وأظهر القطاع الخاص مشاركة فاعلة أيضاً، حيث وافقت نحو 500 شركة خدمات مالية عالمية على مواءمة 130 تريليون دولار، تمثل 40 في المائة من الأصول المالية العالمية، مع الأهداف المنصوص عليها في اتفاق باريس، بما في ذلك الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري إلى 1.5 درجة مئوية. كما التزم بعض أكبر مصنعي السيارات في العالم بالتوقف عن إنتاج المحركات العاملة باحتراق الوقود بين 2035 و2040، مما يعني التحول إلى الكهرباء والهيدروجين.
- مخرج بريطاني لتصفير الانبعاثات
ووافقت أكثر من 40 دولة، بما فيها الولايات المتحدة والصين والهند والاتحاد الأوروبي وأستراليا وتركيا، على خطة تقودها المملكة المتحدة لتسريع تبني التقنيات النظيفة بأسعار معقولة في جميع أنحاء العالم بحلول 2030. وتشمل هذه الخطة خمسة مكونات، هي المركبات عديمة الانبعاثات في قطاع النقل، والطاقة النظيفة، والإنتاج المحدود الانبعاثات للفولاذ في قطاع الصناعات الهندسية، وإتاحة الهيدروجين المتجدد والمنخفض الكربون عالمياً، وترويج الزراعة المستدامة المقاوِمة لتغير المناخ.
وبصفتها مضيفة لقمة «كوب 26»، كانت الأضواء مسلطة على المملكة المتحدة لإظهار القيادة في العمل المناخي، وكانت استجابتها لذلك بالإعلان عن خفض انبعاثاتها بنسبة 68 في المائة عن مستويات 1990 بحلول 2030. وتُصنف المملكة المتحدة ضمن عدد قليل من البلدان، مثل ألمانيا، التي يتطلب نصيبها العادل نحو 1.5 درجة مئوية سحب مزيد من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي أكثر مما تطلقه، ويرجع ذلك أساساً إلى انبعاثاتها التاريخية الكبيرة، وجزئياً إلى ضعف قدرتها على خفض الانبعاثات.
ويُحسب لقمة غلاسكو نجاحها في تحقيق التوافق حول آلية عمل تجارة الكربون العالمية لتسريع العمل المناخي، وهي أحد الإجراءات المتعثرة منذ قمة باريس 2015، وكانت هناك مخاوف بشأن ثغرة في تجارة الكربون تسمح لبعض البلدان بمضاعفة أرصدتها الخاصة من الكربون، عن طريق عدم تسجيل أشجارها مثلاً. ومن الجيد أن قواعد تجارة الكربون تم الاتفاق عليها بشكل نهائي وأُغلقت أهم الثغرات فيها.
لا يمكن النظر إلى قمة غلاسكو على أنها نجاح كامل، إذ تنطوي على كثير من التسويف في مسائل شائكة لا تحتمل التأجيل. لكنها خطوة مهمة على طريق الانتقال إلى وضع الطوارئ المناخية، وإنهاء أشكال الدعم غير الفعالة، وتشجيع الاستخدامات النظيفة لمصادر الطاقة، والتخلص التدريجي من الفحم، وتحديد سعر الكربون، وحماية المجتمعات الضعيفة، والوفاء بالالتزامات المالية لمواجهة تغير المناخ والتكيف مع آثاره.


مقالات ذات صلة

إدارة ترمب ستلغي الأساس القانوني للتشريعات الأميركية المتصلة بالمناخ

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

إدارة ترمب ستلغي الأساس القانوني للتشريعات الأميركية المتصلة بالمناخ

من المقرر أن يلغي الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، نصاً يُشكّل الأساس القانوني للتشريعات التي تُكافح انبعاث غازات الدفيئة في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (رويترز)

رئيس الوزراء الكندي يقر بأن بلاده لن تحقق أهدافها المناخية

أقر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في مقابلة بثتها «راديو-كندا» العامة الثلاثاء، بأن البلاد لن تتمكن من تحقيق أهدافها المناخية لعامي 2030 و2050.

«الشرق الأوسط» (مونتريال)
الاقتصاد جانب من الجلسات في اليوم الختامي لمؤتمر المناخ «كوب 30» المنعقد في مدينة بيليم البرازيلية (أ.ب)

مؤتمر المناخ يصل إلى محطته الأخيرة دون توافق في نسخة «كوب 30»

دخل مؤتمر المناخ «كوب 30»، المنعقد في مدينة بيليم البرازيلية وسط غابات الأمازون، يومه الأخير على وقع توتر غير مسبوق.

«الشرق الأوسط» (بيليم (البرازيل))
أميركا اللاتينية انتشر الدخان داخل وخارج المكان الذي يستضيف مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (أ.ف.ب)

علاج 13 شخصاً بعد استنشاق الدخان إثر حريق بمقر مؤتمر المناخ «كوب 30»

قال منظمون، في بيان، إن 13 شخصاً تلقوا العلاج من استنشاق الدخان الناجم عن حريق اندلع في المقر الذي ينعقد فيه مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالمناخ (كوب 30).

«الشرق الأوسط» (بيليم (البرازيل))
تحليل إخباري الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يصافح نائب رئيس الوزراء الصيني دينغ شيويه شيانغ قبل مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ في بيليم (رويترز)

تحليل إخباري الصين تتربع على عرش «كوب 30» وتملأ الفراغ الأميركي

لأول مرة منذ 3 عقود، تغيب أميركا عن قمة الأمم المتحدة للمناخ، تاركة الباب مفتوحاً أمام الصين لتتصدر المشهد قائدةً جديدة في مكافحة الاحتباس الحراري.

«الشرق الأوسط» (بيليم (البرازيل))

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».