«المناخ» يودّع غلاسكو ويتطلع إلى شرم الشيخ

«المناخ» يودّع غلاسكو ويتطلع إلى شرم الشيخ

خلاف على الفحم واتفاق على التمويل وتجارة الكربون
الأحد - 16 شهر ربيع الثاني 1443 هـ - 21 نوفمبر 2021 مـ رقم العدد [ 15699]

بعد محادثات شاقة استمرت أسبوعين، وتضمنت جدلاً كبيراً حول توزيع الالتزامات المطلوبة لتخفيض الانبعاثات الكربونية المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري، وتعويضات الدول المتضررة، ومساعدة الدول الفقيرة على تحمل تكاليف التحول إلى أساليب الإنتاج المنخفضة الانبعاثات والتكيف مع بعض آثار التغير المناخي التي لن يمكن وقفها، اختُتمت قمة غلاسكو (كوب 26) بإعلان وثيقة للمناخ وسمها البعض بالتسوية الناجحة، واعتبرها البعض الآخر فشلاً، فيما صنفها كثيرون ضمن المنطقة الرمادية. وكان من الطبيعي أن يتصدر المعترضين على التوصيات مجموعة دول الجزر الصغرى، المهددة بالغرق إذا تجاوز معدل الحرارة 1.5 درجة مئوية.

- الهند والصين في مواجهة إدمان الفحم

تضمنت وثيقة غلاسكو إشارة غير مسبوقة إلى دور الفحم الحجري في أزمة المناخ، حتى بعد اعتراض الهند والصين الذي خفف لغة الوثيقة من «الإلغاء التدريجي» إلى «الخفض التدريجي» لاستخدام الفحم، وهو أكثر أنواع الوقود الأحفوري تلويثاً. ويتهم المتابعون الصين بأنها وضعت الهند في الواجهة لطلب تعديل الساعة الأخيرة، بعد موافقة بقية الدول على النص المعدل ثلاث مرات. والمعروف أن توصيات مؤتمرات المناخ هذه تتطلب إجماعاً.

أما فيما خص النفط والغاز، فقد دعت الوثيقة إلى السحب التدريجي للدعم غير الفعال، مما يفتح فرصاً لتعزيز الكفاءة وتطوير تقنيات التقاط الكربون لإعادة استعماله في عمليات صناعية مأمونة أو احتجازه، إلى جانب تعزيز أنماط الإنتاج الأنظف.

وتُعد الصين أكبر مصدر لانبعاثات الكربون في العالم وأكبر مستخدم للفحم الحجري، وهي تخطط لأن تبلغ انبعاثاتها الذروة في 2030 مع السعي للحصول على ربع طاقتها فقط من الوقود الأحفوري بحلول السنة ذاتها، وتعد بأن تكون محايدة كربونياً قبل 2060، أما الهند فهي تعتمد على الفحم بنسبة 70 في المائة لإنتاج الكهرباء، وتهدف إلى خفض «كثافة الانبعاثات» بنسبة 45 في المائة بحلول 2030، والحصول على نصف طاقتها الكهربائية من الوقود غير الأحفوري في السنة ذاتها، مع العمل للوصول إلى انبعاثات صفرية في 2070. وعلق نائب رئيس المفوضية الأوروبية لتغير المناخ فرانس تيمرمان، أن التسوية كانت ضرورة للوصول إلى إجماع، وهو لا يخاف منها، لأن الهند والصين تلتزمان بتعهداتهما في العادة، لذا هو على يقين أنهما ستخفضان من استخدام الفحم بخطى حثيثة. واعتبر آخرون أن الفحم الحجري سيخرج من السوق تلقائياً لأسباب اقتصادية وليس بيئية فقط، لأنه لن يستطيع المنافسة.

وفي الاتفاقات الجانبية، تعهدت أكثر من 40 دولة بالتخلص التدريجي من الفحم، بما فيها بلدان معروفة باستهلاكها الكبير للفحم مثل بولندا وأوكرانيا وفيتنام. وأعلنت الدول الكبرى عن إلغاء استخدام الفحم تدريجاً في ثلاثينيات هذا القرن، بينما التزمت الدول الفقيرة في المجموعة بالإلغاء الكامل خلال الأربعينيات، فيما امتنعت أستراليا، التي تُعد ثاني أكبر مصدر للفحم الحجري عالمياً، عن إضافة توقيعها إلى التعهد.

وكانت اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أكدت ضرورة خفض الانبعاثات إلى النصف تقريباً خلال العقد القادم لاحتواء الاحتباس الحراري ضمن 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية. ويرى العلماء أن هذا الإجراء بالغ الأهمية لتجنب تفاقم آثار أزمة المناخ والابتعاد عن تغير المناخ الكارثي. في حين أن التعهدات الحالية للدول، بما فيها تلك التي تم التوصل إليها في غلاسكو، تلتزم بخفض الانبعاثات بمقدار 25 في المائة فقط من مقدار الانخفاض المطلوب سنة 2030. وتبقى المشكلة الكبرى أن التعهدات البعيدة المدى لتخفيض الانبعاثات لسنة 2050 أو حتى 2060 جيدة، لكن التعهدات في المدى القريب أقل من المطلوب.

وتطلب الوثيقة من الدول التي ستشارك في محادثات «كوب 27» في مصر تقديم خطط محدثة لخفض الانبعاثات خلال هذا العقد، مما يضع ضغوطاً متسارعة على الدول لمواصلة تعزيز طموحاتها. ولن يتضح ما إذا كانت النتائج ستظهر قبل اجتماعات شرم الشيخ، حيث تقدم الدول التزامات جديدة تبين مدى استجابتها الفعلية لتحديات المناخ وجديتها في خفض انبعاثاتها.

- أميركا وأوروبا وعقدة التمويل

بعيداً عن الوقود الأحفوري، شهدت قمة غلاسكو انقساماً حاداً بين الدول المتقدمة والنامية حول التمويل للتكيف مع أزمة المناخ، وكانت هناك مطالبات لإنشاء صندوق جديد للخسائر والأضرار تقدم من خلاله الدول الغنية مساعدات مالية للدول الفقيرة الأكثر عرضة للخطر.

وفيما فشلت وثيقة غلاسكو في تبني لغة حازمة بشأن صندوق الخسائر والأضرار، كان هناك تقدم في تمويل التكيف مع أزمة المناخ، حيث تم الاتفاق على مضاعفة تمويل التكيف ضمن الهدف البالغ 100 مليار دولار سنوياً للفترة بين 2021 و2025. وتُبدي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تحفظاً على صندوق الخسائر والأضرار قبل معرفة حجم التمويل المطلوب وأماكن الصرف وشرعيتها.

وتُعد الولايات المتحدة ثاني أكبر مصدر للانبعاثات الكربونية عالمياً بعد الصين، وهي تخطط لخفض هذه الانبعاثات بنسبة 50 في المائة مقارنة بمستوى 2005 بحلول 2030، على أن تكون نصف سياراتها الجديدة في تلك السنة تعمل على الكهرباء، وتعد بأن تكون محايدة كربونياً بحلول 2050، أما الاتحاد الأوروبي فهو يخطط لخفض الانبعاثات بنسبة 55 في المائة عن مستوى 1990 بحلول 2030، ويهدف إلى جعل 40 في المائة من طاقته من مصادر متجددة في السنة ذاتها، كما أعلن أنه سيكون محايداً كربونياً بحلول 2050 أيضاً. ومن العقبات التي وعدت الوثيقة الختامية بحلها، مع التحضير للقمة المقبلة في شرم الشيخ، الاتفاق على إطار زمني مرجعي موحد لاحتساب أرقام وعود التخفيض ونتائجها الفعلية.

وكانت الدول الغنية وافقت في قمة كوبنهاغن المناخية عام 2009 على تخصيص مبالغ تصل إلى 100 مليار دولار سنوياً مع حلول 2020، وذلك لمساعدة الدول النامية في التحول إلى اقتصادات منخفضة الكربون، والتكيف مع أزمة المناخ. ويمكن أن يشمل التكيف بناء المصدات البحرية من أجل منع الفيضانات، ونقل المجتمعات بعيداً عن خط الساحل، وإعادة تجهيز المنازل لتحمل الأحداث المناخية القاسية بشكل أفضل، وتعديل الأنماط الزراعية لتحمل الحرارة والجفاف والملوحة، وصولاً إلى تجهيز القطاع الصحي للتعامل مع أمراض مستجدة ناجمة عن ارتفاع درجات الحرارة وتبدل أنماط هطول الأمطار.

ولم يقتصر الأمر على فشل الدول الغنية في تقديم كامل مبلغ 100 مليار دولار سنوياً بحلول 2020، بل إن الدول النامية تعد هذا التمويل غير كافٍ في المقام الأول. وفيما كانت الدعوة هي لتوزيع التمويل مناصفة بين إجراءات التخفيف للحد من الانبعاثات والتكيف الذي يساعد في التعامل مع عواقب تغير المناخ، تدفقت معظم الأموال على تدابير خفض الانبعاثات. عدا عن أن معظم التمويل يأتي على شكل قروض وليس هبات، مما يزيد من عبء الديون على الدول الفقيرة. ويُعد الالتزام الصريح بتمويل التكيف، وفق وثيقة غلاسكو، بمثابة تقدم حقيقي في هذا المجال.

وفي الاتفاقات الجانبية، وعدت 20 دولة على الأقل، بما فيها الولايات المتحدة وكندا وإيطاليا والدنمارك، مع مؤسسات مالية عالمية، بوقف التمويل من الميزانيات العامة مع نهاية السنة المقبلة لمشاريع الطاقة التي لا تتحكم بالانبعاثات الكربونية.

وأظهر القطاع الخاص مشاركة فاعلة أيضاً، حيث وافقت نحو 500 شركة خدمات مالية عالمية على مواءمة 130 تريليون دولار، تمثل 40 في المائة من الأصول المالية العالمية، مع الأهداف المنصوص عليها في اتفاق باريس، بما في ذلك الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري إلى 1.5 درجة مئوية. كما التزم بعض أكبر مصنعي السيارات في العالم بالتوقف عن إنتاج المحركات العاملة باحتراق الوقود بين 2035 و2040، مما يعني التحول إلى الكهرباء والهيدروجين.

- مخرج بريطاني لتصفير الانبعاثات

ووافقت أكثر من 40 دولة، بما فيها الولايات المتحدة والصين والهند والاتحاد الأوروبي وأستراليا وتركيا، على خطة تقودها المملكة المتحدة لتسريع تبني التقنيات النظيفة بأسعار معقولة في جميع أنحاء العالم بحلول 2030. وتشمل هذه الخطة خمسة مكونات، هي المركبات عديمة الانبعاثات في قطاع النقل، والطاقة النظيفة، والإنتاج المحدود الانبعاثات للفولاذ في قطاع الصناعات الهندسية، وإتاحة الهيدروجين المتجدد والمنخفض الكربون عالمياً، وترويج الزراعة المستدامة المقاوِمة لتغير المناخ.

وبصفتها مضيفة لقمة «كوب 26»، كانت الأضواء مسلطة على المملكة المتحدة لإظهار القيادة في العمل المناخي، وكانت استجابتها لذلك بالإعلان عن خفض انبعاثاتها بنسبة 68 في المائة عن مستويات 1990 بحلول 2030. وتُصنف المملكة المتحدة ضمن عدد قليل من البلدان، مثل ألمانيا، التي يتطلب نصيبها العادل نحو 1.5 درجة مئوية سحب مزيد من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي أكثر مما تطلقه، ويرجع ذلك أساساً إلى انبعاثاتها التاريخية الكبيرة، وجزئياً إلى ضعف قدرتها على خفض الانبعاثات.

ويُحسب لقمة غلاسكو نجاحها في تحقيق التوافق حول آلية عمل تجارة الكربون العالمية لتسريع العمل المناخي، وهي أحد الإجراءات المتعثرة منذ قمة باريس 2015، وكانت هناك مخاوف بشأن ثغرة في تجارة الكربون تسمح لبعض البلدان بمضاعفة أرصدتها الخاصة من الكربون، عن طريق عدم تسجيل أشجارها مثلاً. ومن الجيد أن قواعد تجارة الكربون تم الاتفاق عليها بشكل نهائي وأُغلقت أهم الثغرات فيها.

لا يمكن النظر إلى قمة غلاسكو على أنها نجاح كامل، إذ تنطوي على كثير من التسويف في مسائل شائكة لا تحتمل التأجيل. لكنها خطوة مهمة على طريق الانتقال إلى وضع الطوارئ المناخية، وإنهاء أشكال الدعم غير الفعالة، وتشجيع الاستخدامات النظيفة لمصادر الطاقة، والتخلص التدريجي من الفحم، وتحديد سعر الكربون، وحماية المجتمعات الضعيفة، والوفاء بالالتزامات المالية لمواجهة تغير المناخ والتكيف مع آثاره.


المملكة المتحدة مصر اتفاقية المناخ

اختيارات المحرر

فيديو