«المناخ» يودّع غلاسكو ويتطلع إلى شرم الشيخ

خلاف على الفحم واتفاق على التمويل وتجارة الكربون

«المناخ» يودّع غلاسكو ويتطلع إلى شرم الشيخ
TT

«المناخ» يودّع غلاسكو ويتطلع إلى شرم الشيخ

«المناخ» يودّع غلاسكو ويتطلع إلى شرم الشيخ

بعد محادثات شاقة استمرت أسبوعين، وتضمنت جدلاً كبيراً حول توزيع الالتزامات المطلوبة لتخفيض الانبعاثات الكربونية المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري، وتعويضات الدول المتضررة، ومساعدة الدول الفقيرة على تحمل تكاليف التحول إلى أساليب الإنتاج المنخفضة الانبعاثات والتكيف مع بعض آثار التغير المناخي التي لن يمكن وقفها، اختُتمت قمة غلاسكو (كوب 26) بإعلان وثيقة للمناخ وسمها البعض بالتسوية الناجحة، واعتبرها البعض الآخر فشلاً، فيما صنفها كثيرون ضمن المنطقة الرمادية. وكان من الطبيعي أن يتصدر المعترضين على التوصيات مجموعة دول الجزر الصغرى، المهددة بالغرق إذا تجاوز معدل الحرارة 1.5 درجة مئوية.
- الهند والصين في مواجهة إدمان الفحم
تضمنت وثيقة غلاسكو إشارة غير مسبوقة إلى دور الفحم الحجري في أزمة المناخ، حتى بعد اعتراض الهند والصين الذي خفف لغة الوثيقة من «الإلغاء التدريجي» إلى «الخفض التدريجي» لاستخدام الفحم، وهو أكثر أنواع الوقود الأحفوري تلويثاً. ويتهم المتابعون الصين بأنها وضعت الهند في الواجهة لطلب تعديل الساعة الأخيرة، بعد موافقة بقية الدول على النص المعدل ثلاث مرات. والمعروف أن توصيات مؤتمرات المناخ هذه تتطلب إجماعاً.
أما فيما خص النفط والغاز، فقد دعت الوثيقة إلى السحب التدريجي للدعم غير الفعال، مما يفتح فرصاً لتعزيز الكفاءة وتطوير تقنيات التقاط الكربون لإعادة استعماله في عمليات صناعية مأمونة أو احتجازه، إلى جانب تعزيز أنماط الإنتاج الأنظف.
وتُعد الصين أكبر مصدر لانبعاثات الكربون في العالم وأكبر مستخدم للفحم الحجري، وهي تخطط لأن تبلغ انبعاثاتها الذروة في 2030 مع السعي للحصول على ربع طاقتها فقط من الوقود الأحفوري بحلول السنة ذاتها، وتعد بأن تكون محايدة كربونياً قبل 2060، أما الهند فهي تعتمد على الفحم بنسبة 70 في المائة لإنتاج الكهرباء، وتهدف إلى خفض «كثافة الانبعاثات» بنسبة 45 في المائة بحلول 2030، والحصول على نصف طاقتها الكهربائية من الوقود غير الأحفوري في السنة ذاتها، مع العمل للوصول إلى انبعاثات صفرية في 2070. وعلق نائب رئيس المفوضية الأوروبية لتغير المناخ فرانس تيمرمان، أن التسوية كانت ضرورة للوصول إلى إجماع، وهو لا يخاف منها، لأن الهند والصين تلتزمان بتعهداتهما في العادة، لذا هو على يقين أنهما ستخفضان من استخدام الفحم بخطى حثيثة. واعتبر آخرون أن الفحم الحجري سيخرج من السوق تلقائياً لأسباب اقتصادية وليس بيئية فقط، لأنه لن يستطيع المنافسة.
وفي الاتفاقات الجانبية، تعهدت أكثر من 40 دولة بالتخلص التدريجي من الفحم، بما فيها بلدان معروفة باستهلاكها الكبير للفحم مثل بولندا وأوكرانيا وفيتنام. وأعلنت الدول الكبرى عن إلغاء استخدام الفحم تدريجاً في ثلاثينيات هذا القرن، بينما التزمت الدول الفقيرة في المجموعة بالإلغاء الكامل خلال الأربعينيات، فيما امتنعت أستراليا، التي تُعد ثاني أكبر مصدر للفحم الحجري عالمياً، عن إضافة توقيعها إلى التعهد.
وكانت اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أكدت ضرورة خفض الانبعاثات إلى النصف تقريباً خلال العقد القادم لاحتواء الاحتباس الحراري ضمن 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية. ويرى العلماء أن هذا الإجراء بالغ الأهمية لتجنب تفاقم آثار أزمة المناخ والابتعاد عن تغير المناخ الكارثي. في حين أن التعهدات الحالية للدول، بما فيها تلك التي تم التوصل إليها في غلاسكو، تلتزم بخفض الانبعاثات بمقدار 25 في المائة فقط من مقدار الانخفاض المطلوب سنة 2030. وتبقى المشكلة الكبرى أن التعهدات البعيدة المدى لتخفيض الانبعاثات لسنة 2050 أو حتى 2060 جيدة، لكن التعهدات في المدى القريب أقل من المطلوب.
وتطلب الوثيقة من الدول التي ستشارك في محادثات «كوب 27» في مصر تقديم خطط محدثة لخفض الانبعاثات خلال هذا العقد، مما يضع ضغوطاً متسارعة على الدول لمواصلة تعزيز طموحاتها. ولن يتضح ما إذا كانت النتائج ستظهر قبل اجتماعات شرم الشيخ، حيث تقدم الدول التزامات جديدة تبين مدى استجابتها الفعلية لتحديات المناخ وجديتها في خفض انبعاثاتها.
- أميركا وأوروبا وعقدة التمويل
بعيداً عن الوقود الأحفوري، شهدت قمة غلاسكو انقساماً حاداً بين الدول المتقدمة والنامية حول التمويل للتكيف مع أزمة المناخ، وكانت هناك مطالبات لإنشاء صندوق جديد للخسائر والأضرار تقدم من خلاله الدول الغنية مساعدات مالية للدول الفقيرة الأكثر عرضة للخطر.
وفيما فشلت وثيقة غلاسكو في تبني لغة حازمة بشأن صندوق الخسائر والأضرار، كان هناك تقدم في تمويل التكيف مع أزمة المناخ، حيث تم الاتفاق على مضاعفة تمويل التكيف ضمن الهدف البالغ 100 مليار دولار سنوياً للفترة بين 2021 و2025. وتُبدي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تحفظاً على صندوق الخسائر والأضرار قبل معرفة حجم التمويل المطلوب وأماكن الصرف وشرعيتها.
وتُعد الولايات المتحدة ثاني أكبر مصدر للانبعاثات الكربونية عالمياً بعد الصين، وهي تخطط لخفض هذه الانبعاثات بنسبة 50 في المائة مقارنة بمستوى 2005 بحلول 2030، على أن تكون نصف سياراتها الجديدة في تلك السنة تعمل على الكهرباء، وتعد بأن تكون محايدة كربونياً بحلول 2050، أما الاتحاد الأوروبي فهو يخطط لخفض الانبعاثات بنسبة 55 في المائة عن مستوى 1990 بحلول 2030، ويهدف إلى جعل 40 في المائة من طاقته من مصادر متجددة في السنة ذاتها، كما أعلن أنه سيكون محايداً كربونياً بحلول 2050 أيضاً. ومن العقبات التي وعدت الوثيقة الختامية بحلها، مع التحضير للقمة المقبلة في شرم الشيخ، الاتفاق على إطار زمني مرجعي موحد لاحتساب أرقام وعود التخفيض ونتائجها الفعلية.
وكانت الدول الغنية وافقت في قمة كوبنهاغن المناخية عام 2009 على تخصيص مبالغ تصل إلى 100 مليار دولار سنوياً مع حلول 2020، وذلك لمساعدة الدول النامية في التحول إلى اقتصادات منخفضة الكربون، والتكيف مع أزمة المناخ. ويمكن أن يشمل التكيف بناء المصدات البحرية من أجل منع الفيضانات، ونقل المجتمعات بعيداً عن خط الساحل، وإعادة تجهيز المنازل لتحمل الأحداث المناخية القاسية بشكل أفضل، وتعديل الأنماط الزراعية لتحمل الحرارة والجفاف والملوحة، وصولاً إلى تجهيز القطاع الصحي للتعامل مع أمراض مستجدة ناجمة عن ارتفاع درجات الحرارة وتبدل أنماط هطول الأمطار.
ولم يقتصر الأمر على فشل الدول الغنية في تقديم كامل مبلغ 100 مليار دولار سنوياً بحلول 2020، بل إن الدول النامية تعد هذا التمويل غير كافٍ في المقام الأول. وفيما كانت الدعوة هي لتوزيع التمويل مناصفة بين إجراءات التخفيف للحد من الانبعاثات والتكيف الذي يساعد في التعامل مع عواقب تغير المناخ، تدفقت معظم الأموال على تدابير خفض الانبعاثات. عدا عن أن معظم التمويل يأتي على شكل قروض وليس هبات، مما يزيد من عبء الديون على الدول الفقيرة. ويُعد الالتزام الصريح بتمويل التكيف، وفق وثيقة غلاسكو، بمثابة تقدم حقيقي في هذا المجال.
وفي الاتفاقات الجانبية، وعدت 20 دولة على الأقل، بما فيها الولايات المتحدة وكندا وإيطاليا والدنمارك، مع مؤسسات مالية عالمية، بوقف التمويل من الميزانيات العامة مع نهاية السنة المقبلة لمشاريع الطاقة التي لا تتحكم بالانبعاثات الكربونية.
وأظهر القطاع الخاص مشاركة فاعلة أيضاً، حيث وافقت نحو 500 شركة خدمات مالية عالمية على مواءمة 130 تريليون دولار، تمثل 40 في المائة من الأصول المالية العالمية، مع الأهداف المنصوص عليها في اتفاق باريس، بما في ذلك الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري إلى 1.5 درجة مئوية. كما التزم بعض أكبر مصنعي السيارات في العالم بالتوقف عن إنتاج المحركات العاملة باحتراق الوقود بين 2035 و2040، مما يعني التحول إلى الكهرباء والهيدروجين.
- مخرج بريطاني لتصفير الانبعاثات
ووافقت أكثر من 40 دولة، بما فيها الولايات المتحدة والصين والهند والاتحاد الأوروبي وأستراليا وتركيا، على خطة تقودها المملكة المتحدة لتسريع تبني التقنيات النظيفة بأسعار معقولة في جميع أنحاء العالم بحلول 2030. وتشمل هذه الخطة خمسة مكونات، هي المركبات عديمة الانبعاثات في قطاع النقل، والطاقة النظيفة، والإنتاج المحدود الانبعاثات للفولاذ في قطاع الصناعات الهندسية، وإتاحة الهيدروجين المتجدد والمنخفض الكربون عالمياً، وترويج الزراعة المستدامة المقاوِمة لتغير المناخ.
وبصفتها مضيفة لقمة «كوب 26»، كانت الأضواء مسلطة على المملكة المتحدة لإظهار القيادة في العمل المناخي، وكانت استجابتها لذلك بالإعلان عن خفض انبعاثاتها بنسبة 68 في المائة عن مستويات 1990 بحلول 2030. وتُصنف المملكة المتحدة ضمن عدد قليل من البلدان، مثل ألمانيا، التي يتطلب نصيبها العادل نحو 1.5 درجة مئوية سحب مزيد من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي أكثر مما تطلقه، ويرجع ذلك أساساً إلى انبعاثاتها التاريخية الكبيرة، وجزئياً إلى ضعف قدرتها على خفض الانبعاثات.
ويُحسب لقمة غلاسكو نجاحها في تحقيق التوافق حول آلية عمل تجارة الكربون العالمية لتسريع العمل المناخي، وهي أحد الإجراءات المتعثرة منذ قمة باريس 2015، وكانت هناك مخاوف بشأن ثغرة في تجارة الكربون تسمح لبعض البلدان بمضاعفة أرصدتها الخاصة من الكربون، عن طريق عدم تسجيل أشجارها مثلاً. ومن الجيد أن قواعد تجارة الكربون تم الاتفاق عليها بشكل نهائي وأُغلقت أهم الثغرات فيها.
لا يمكن النظر إلى قمة غلاسكو على أنها نجاح كامل، إذ تنطوي على كثير من التسويف في مسائل شائكة لا تحتمل التأجيل. لكنها خطوة مهمة على طريق الانتقال إلى وضع الطوارئ المناخية، وإنهاء أشكال الدعم غير الفعالة، وتشجيع الاستخدامات النظيفة لمصادر الطاقة، والتخلص التدريجي من الفحم، وتحديد سعر الكربون، وحماية المجتمعات الضعيفة، والوفاء بالالتزامات المالية لمواجهة تغير المناخ والتكيف مع آثاره.


مقالات ذات صلة

رئيس الوزراء الكندي يقر بأن بلاده لن تحقق أهدافها المناخية

العالم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (رويترز)

رئيس الوزراء الكندي يقر بأن بلاده لن تحقق أهدافها المناخية

أقر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في مقابلة بثتها «راديو-كندا» العامة الثلاثاء، بأن البلاد لن تتمكن من تحقيق أهدافها المناخية لعامي 2030 و2050.

«الشرق الأوسط» (مونتريال)
الاقتصاد جانب من الجلسات في اليوم الختامي لمؤتمر المناخ «كوب 30» المنعقد في مدينة بيليم البرازيلية (أ.ب)

مؤتمر المناخ يصل إلى محطته الأخيرة دون توافق في نسخة «كوب 30»

دخل مؤتمر المناخ «كوب 30»، المنعقد في مدينة بيليم البرازيلية وسط غابات الأمازون، يومه الأخير على وقع توتر غير مسبوق.

«الشرق الأوسط» (بيليم (البرازيل))
أميركا اللاتينية انتشر الدخان داخل وخارج المكان الذي يستضيف مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (أ.ف.ب)

علاج 13 شخصاً بعد استنشاق الدخان إثر حريق بمقر مؤتمر المناخ «كوب 30»

قال منظمون، في بيان، إن 13 شخصاً تلقوا العلاج من استنشاق الدخان الناجم عن حريق اندلع في المقر الذي ينعقد فيه مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالمناخ (كوب 30).

«الشرق الأوسط» (بيليم (البرازيل))
تحليل إخباري الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يصافح نائب رئيس الوزراء الصيني دينغ شيويه شيانغ قبل مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ في بيليم (رويترز)

تحليل إخباري الصين تتربع على عرش «كوب 30» وتملأ الفراغ الأميركي

لأول مرة منذ 3 عقود، تغيب أميركا عن قمة الأمم المتحدة للمناخ، تاركة الباب مفتوحاً أمام الصين لتتصدر المشهد قائدةً جديدة في مكافحة الاحتباس الحراري.

«الشرق الأوسط» (بيليم (البرازيل))
أميركا اللاتينية قارب مهجور يرقد في خزان مائي جفّ بفعل الجفاف على مشارف صنعاء (إ.ب.أ)

الأمم المتحدة: أزمة المناخ أكبر تهديد في عصرنا

رغم الحروب والنزاعات الكثيرة في أنحاء العالم، عدّت رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، أنالينا بيربوك، أزمة المناخ «أكبر تهديد في عصرنا».

«الشرق الأوسط» (بيلم (البرازيل))

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
TT

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية، وإبراز مكانتها المتقدمة في قيادة الجهود الدولية لمواجهة التحديات البيئية حول العالم.

وأعلنت عن استضافة القمة الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة، خلال فعاليات «البيت السعودي» المنعقدة على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

من جانبه، أكّد المهندس عبد الرحمن الفضلي وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، أن هذه الاستضافة تُجسّد جهود بلاده محلياً ودولياً في حماية وحفظ النظم البيئية البحرية، عبر تبنّي أفضل البرامج والتقنيات المبتكرة، والممارسات العالمية؛ للإسهام في تحقيق مستهدفات التنمية المُستدامة، من خلال إعادة تأهيل الشُعب المرجانية، واستعادة التوازن البيئي، وتحسين جودة الحياة.

بدوره، أوضح الدكتور خالد الأصفهاني، الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة المحافظة على الشعب المرجانية والسلاحف في البحر الأحمر»، أن أعمال القمة ستركز على 3 محاور رئيسية، هي السياسات، والبحث العلمي، والتمويل، منوهاً بأنها تسعى لطرح إطار عملي وموجّه للسياسات والتشريعات، يُمكّن من تحقيق الاستدامة المالية للشعب المرجانية والأنظمة البحرية المرتبطة بها، مع رسم مسار واضح للانتقال من الحوار إلى التنفيذ.

وأضاف الأصفهاني أن القمة تهدف أيضاً إلى إبراز الشعب المرجانية كأصول اقتصادية ضمن استراتيجيات الاقتصاد الأزرق، واستحداث آليات تمويل مستدامة وقابلة للتوسع، كذلك إشراك القادة وصنّاع ومتخذي القرار؛ لتطوير نماذج استثمارية قابلة للتنفيذ عبر السياسات والتشريعات، وإنشاء مسار تعبئة دولي منظم يقود إلى مخرجات ملموسة وقابلة للقياس.

وتتولى السعودية تنظيم هذه القمة العالمية، من خلال المؤسسة، وذلك بصفتها رئيساً للمبادرة الدولية للشعاب المرجانية (ICRI)، التي تضم في عضويتها 45 دولة، ما يعكس الثقة الدولية في دور المملكة القيادي في حماية الشعب المرجانية حول العالم.


2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.


المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
TT

المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)

أفاد فريق من العلماء من مختلف أنحاء العالم، الجمعة، بأن المحيطات امتصت كمية قياسية من الحرارة عام 2025، مما زاد من احتمال ارتفاع مستوى البحار وحدوث عواصف عنيفة وموت الشعاب المرجانية.

وقد ارتفعت الحرارة المتراكمة في المحيطات، العام الفائت، بنحو 23 زيتا غول، أي ما يعادل استهلاك الطاقة الأولية العالمية لأربعة عقود تقريباً.

وذكر الباحثون أن هذه النتيجة التي نُشرت في مجلة «أدفانسيس إن أتموسفيريك ساينسز» Advances in Atmospheric Sciences، تُعدّ أعلى قراءة سنوية منذ بدء تسجيل البيانات الحديثة في أوائل خمسينات القرن الماضي.

ولإجراء هذه الحسابات، استخدم أكثر من 50 عالماً من 31 مؤسسة بحثية مصادر متعددة، من بينها مجموعة كبيرة من الروبوتات العائمة التي ترصد تغيرات المحيطات حتى عمق 2000 متر، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

مؤشر أدق

وقالت المشاركة في إعداد الدراسة، كارينا فون شوكمان، إن النظر إلى أعماق المحيطات بدلاً من تقلبات سطحها، يقدّم مؤشراً أدق إلى كيفية استجابة المحيطات للضغط المستمر الناتج من انبعاثات البشر.

تُعدّ المحيطات عاملاً أساسياً في تنظيم مناخ الأرض؛ إذ تمتص 90 في المائة من الحرارة الزائدة في الغلاف الجوي الناتجة عن انبعاثات غازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون.

تحمل هذه الطاقة الإضافية تأثيراً كبيراً، فارتفاع درجة حرارة المحيطات يزيد من رطوبة الغلاف الجوي، مما يُوفّر عوامل للأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة.

ويسهم احترار المحيطات بشكل مباشر في ارتفاع مستوى البحار؛ إذ تتمدد المياه عند ارتفاع درجة الحرارة، مما يجعل الظروف صعبة جداً للشعاب المرجانية الاستوائية التي تموت خلال موجات الحر البحرية الطويلة.

وقالت شوكمان: «إذا تواصل تراكم الحرارة في الأرض، فستستمر حرارة المحيطات في الارتفاع، وسيرتفع مستوى البحار، وستُسجَّل أرقام قياسية جديدة».

وتيرة أسرع

وترتفع درجة حرارة المحيطات في بعض المناطق بوتيرة أسرع من غيرها.

وكانت المحيطات الاستوائية، وجنوب المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، وشمال المحيط الهندي، والمحيط الجنوبي من بين المسطحات المائية التي امتصت كميات قياسية من الحرارة سنة 2025.

وقد سُجّل ذلك رغم انخفاض متوسط درجات حرارة سطح البحر بشكل طفيف سنة 2025، غير أنه ظل ثالث أعلى رقم مسجّل على الإطلاق.

ويُعزى هذا الانخفاض إلى التحوّل من ظاهرة «إل نينيو» القوية التي أدت إلى ارتفاع درجة الحرارة في 2023 - 2024، إلى ظروف شبيهة بظاهرة «لا نينا» التي عادة ما ترتبط بتبريد مؤقت لسطح المحيطات.

وعلى المدى البعيد، يتسارع معدل ارتفاع درجة حرارة المحيطات نتيجة الزيادة المستمرة في تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، والتي تُعزى أساساً إلى حرق الوقود الأحفوري.