واشنطن قد تقاطع أولمبياد بكين والصين ترفض «تسييس» الألعاب

قارب لخفر السواحل الصيني يجوب بحر الصين الجنوبي في أعقاب حادثة وقعت في المياه المتنازع عليها مع الفلبين (أ.ب)
قارب لخفر السواحل الصيني يجوب بحر الصين الجنوبي في أعقاب حادثة وقعت في المياه المتنازع عليها مع الفلبين (أ.ب)
TT

واشنطن قد تقاطع أولمبياد بكين والصين ترفض «تسييس» الألعاب

قارب لخفر السواحل الصيني يجوب بحر الصين الجنوبي في أعقاب حادثة وقعت في المياه المتنازع عليها مع الفلبين (أ.ب)
قارب لخفر السواحل الصيني يجوب بحر الصين الجنوبي في أعقاب حادثة وقعت في المياه المتنازع عليها مع الفلبين (أ.ب)

أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن بأنه يدرس مقاطعة دورة الألعاب الأولمبية الشتوية التي تستضيفها بكين دبلوماسيا، في خطوة لن تؤثر على مشاركة الرياضيين الأميركيين فيها، لكنها تكشف عن احتمال اتخاذه مواقف أكثر تشددا من الصين على خلفية انتهاكاتها لحقوق الإنسان، تلبية لضغوط من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وقال بايدن للصحافيين خلال لقائه رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو في البيت الأبيض الخميس إن هذا «أمر ننظر فيه»، علما بأن الأولمبياد سينظم في فبراير (شباط) المقبل.
وردت الصين الجمعة على تصريحات بايدن، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية تشاو ليجيان، إن الولايات المتحدة تنتهك «روح الأولمبياد». وأضاف أن «تسييس الرياضة يعارض روح الأولمبياد ويضر بمصالح الرياضيين من كل البلدان».
وجاء تصريح بايدن بعد قمة جمعته مع الرئيس الصيني شي جينبينغ عبر الفيديو في وقت متأخر الاثنين، حيث أعرب الزعيمان خلالها عن رغبتهما بضمان الاستقرار ومنع نشوب أي نوع من النزاعات. لكنهما لم يتطرقا في قمتهما إلى قضية الألعاب الأولمبية.
ويتعرض بايدن لضغوط داخلية لإظهار موقف حازم حيال انتهاكات حقوق الإنسان في الصين، خصوصاً في إقليم شينجيانغ، حيث ترى الحكومة الأميركية بأن قمع أقلية الأويغور العرقية يرقى إلى «إبادة». ويشير ناشطون إلى أن مليون أويغوري وغيرهم من الأقليات المسلمة الناطقة معظمها بالتركية، يعيشون في معسكرات في شينجيانغ، حيث تتهم الصين أيضاً بتعقيم النساء عنوة وفرض العمالة القسرية.
غير أن الخارجية الصينية قللت من أهمية الاتهامات بشأن الانتهاكات الحقوقية، قائلة إنها «تتناقض مع الحقيقة ولا أساس لها إطلاقا»، واصفة اتهامات واشنطن بأنها «نكتة في نظر الشعب الصيني». وقال المتحدث باسمها إن «تسييس الرياضة يعارض روح الأولمبياد ويضر بمصالح الرياضيين من كل البلدان». ويوم الثلاثاء الماضي، كشفت صحيفة «واشنطن بوست» أن إدارة بايدن ستعلن قريبا عن مقاطعة دبلوماسية لأولمبياد بكين، ما يعني أن بإمكان الرياضيين المشاركة في المنافسات، لكن الممثلين الرسميين للحكومة الأميركية لن يحضروا. وأفاد مسؤولون في البيت الأبيض أن هذه القضية لم تطرح خلال القمة الافتراضية بين شي وبايدن. وفي أعقاب إشارة بايدن إلى احتمال مقاطعة الأولمبياد، أوضحت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي بأنه لا جديد لديها «بشأن ما سيكون عليه حضورنا» خلال الحدث الرياضي. وقالت «أرغب بترك مساحة لفريق الأمن القومي والرئيس لاتخاذ القرار». لكن القرار الذي سيتخذه بايدن، سيكون جزءا من معادلة معقدة لموازنة العلاقات الدبلوماسية مع الصين، والداخل الأميركي.
ولفتت ساكي إلى أن البيت الأبيض ينظر إلى العلاقات الصينية الأميركية «من منظور المنافسة لا النزاع». لكنها أضافت «لدينا مخاوف جدية» فيما يتعلق بحقوق الإنسان. وتدهورت العلاقات الصينية - الأميركية في عهد الرئيس السابق دونالد ترمب، في ظل حرب تجارية وسجال محموم بشأن كيفية بدء انتشار كوفيد - 19 في مدينة ووهان الصينية. وسعى بايدن إلى إعادة الانخراط مع بكين فيما ركز في الوقت ذاته على تعزيز تحالفات واشنطن لمواجهة هيمنة الصين الاقتصادية المتزايدة وحضورها العسكري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وأجرى اتصالين مطولين مع شي وبدا متحمسا للقائه شخصيا. لكن نظراً إلى أن الرئيس الصيني لم يغادر البلاد منذ بدء جائحة كوفيد، كانت قمة الأسبوع الجاري الافتراضية الخطوة الوحيدة الممكنة. وأبقت إدارة بايدن على الرسوم الجمركية التجارية التي فرضها ترمب، فيما تواصل واشنطن تسيير دوريات بحرية في خطوط الشحن البحري الدولي التي تتهم الصين بمحاولة السيطرة عليها. لكن بايدن يشدد في الوقت ذاته على الحاجة إلى الحوار، فيما يرى معارضوه الجمهوريون بأنه متساهل للغاية. ومع هذا التصعيد الدبلوماسي، يتوقع أن تتحول دورة الألعاب الأولمبية المرتقبة نقطة خلاف سياسي جديد بين البلدين.
وقال السيناتور الجمهوري توم كوتون على «تويتر»، «على الولايات المتحدة تطبيق مقاطعة كاملة وشاملة لأولمبياد بكين الشتوي. لا يترك لنا تهديد رياضيينا وجرائم الصين ضد الإنسانية خياراً آخر».
وفي سياق متصل اتهمت الولايات المتحدة الصين الجمعة بتصعيد الوضع مع الفلبين وحذرت من أنه من شأن أي هجوم مسلح أن يستدعي ردا أميركيا، في أعقاب حادثة وقعت في بحر متنازع عليه. وقال الناطق باسم الخارجية الأميركية نيد برايس في أبوجا «تقف الولايات المتحدة مع حليفتنا الفلبين في وجه هذا التصعيد الذي يهدد السلم والاستقرار الإقليمي».
وقال إن الخطوة «تؤدي إلى تصاعد التوتر الإقليمي وتنتهك حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي التي يكفلها القانون الدولي كما تقوض النظام الدولي القائم على القواعد». وحذر من أن أي «هجوم مسلح على السفن الفلبينية العمومية» سيؤدي إلى تفعيل معاهدة العام 1951 المبرمة بين الولايات المتحدة والفلبين والتي تلزم واشنطن الدفاع عن حليفتها.
وذكرت الفلبين بأن حرس الحدود الصيني استخدم الثلاثاء مدافع المياه ضد قوارب توصل الإمدادات إلى قوات سلاح البحرية الفلبيني، ما أجبرها على وقفت مهمتها. وجاءت الحادثة بينما كانت القوارب الفلبينية تتوجه إلى سيكند توماس شول في أرخبيل سبراتلي، الذي يعد بين المناطق المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي. وأعربت الفلبين في وقت سابق عن «غضبها وإدانتها واحتجاجها» على الخطوة. بدورها، دافعت الصين عن الخطوة مشيرة إلى أنها تحركت «لحماية سيادة الصين».



روسيا تعتزم طلب وقف النار من أميركا وإسرائيل لإجلاء موظفين من محطة بوشهر

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
TT

روسيا تعتزم طلب وقف النار من أميركا وإسرائيل لإجلاء موظفين من محطة بوشهر

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)

ذكرت وكالة الإعلام الروسية، الخميس، أن موسكو ستطلب من الولايات المتحدة وإسرائيل ضمان وقف إطلاق النار أثناء قيامها بإجلاء مزيد من الموظفين الروس من محطة بوشهر للطاقة النووية في إيران.

ونقلت الوكالة عن أليكسي ليخاتشيف، رئيس شركة روس آتوم النووية الحكومية الروسية، قوله: «سيجري إبلاغ السلطات المعنية في إسرائيل والولايات المتحدة بمسارات التحرك، وسنستخدم جميع القنوات لطلب الالتزام الصارم بوقف إطلاق النار أثناء تحرك القافلة»، وفق ما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف ليخاتشيف أن «الموجة النهائية من الإجلاء»، التي ستشمل نحو 200 شخص، من المقرر مبدئياً أن تجري، الأسبوع المقبل. وبنت روسيا المفاعل النووي الإيراني في بوشهر، ويعمل موظفو «روس آتوم» هناك على إنشاء وحدات جديدة.

وتشهد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تصعيداً لافتاً في الخطاب العسكري والسياسي، مع تبادل تهديدات مباشرة بين الطرفين بشأن المرحلة المقبلة من الحرب.

ففيما أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب اقتراب بلاده من تحقيق أهدافها العسكرية، ولوّح بتوجيه ضربات «شديدة للغاية»، خلال أسابيع، ستعيد إيران «إلى العصر الحجري»، ردّت طهران بتصعيدٍ مماثل، متعهدة بمواصلة القتال حتى «الندم والاستسلام»، وتصعيد عملياتها بهجمات «أكثر سَحقاً واتساعاً وتدميراً».

ويأتي هذا التراشق في ظل استمرار الحديث عن مسار تفاوضي لم تتضح مآلاته بعد.


روسيا سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

روسيا سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أعلن وزير الطاقة الروسي سيرغي تسيفيليف، الخميس، أن بلاده سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا، الخاضعة لحصار نفطي تفرضه الولايات المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ يناير (كانون الثاني) الماضي، تعاني كوبا أزمةَ طاقة، في أعقاب اعتقال القوات الأميركية الرئيس الفنزويلي وحليف هافانا نيكولاس مادورو، من كاراكاس، وهو ما حرم كوبا من موردها الرئيسي للنفط.

في الوقت ذاته، هدّدت واشنطن بفرض رسوم جمركية على أي دولة تبيع أو توفّر نفطاً للجزيرة، رغم أنها سمحت لروسيا بإرسال ناقلة في وقت سابق من هذا الأسبوع لـ«أسباب إنسانية».

ونقلت وسائل إعلام روسية رسمية عن تسيفيليف قوله إن «سفينة من الاتحاد الروسي اخترقت الحصار. ويتم الآن تحميل سفينة ثانية. لن نترك الكوبيين في ورطة».

وموسكو، التي تحافظ تاريخياً على علاقات وثيقة مع هافانا، انتقدت محاولات واشنطن منع وصول إمدادات الوقود إلى الجزيرة الشيوعية التي تعاني انقطاعاً في التيار الكهربائي، وتقنيناً للوقود، ونقصاً في الغذاء.

كانت ناقلة نفط روسية تحمل 730 ألف برميل من الخام قد وصلت إلى ميناء ماتانزاس الكوبي، الثلاثاء، وهي الأولى من نوعها منذ يناير.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي تَعد إدارته كوبا نظاماً معادياً، الأحد، إنه ليست لديه «أي مشكلة» مع إرسال روسيا النفط إلى الجزيرة.

وأضاف: «كوبا انتهت. لديهم نظام سيئ. لديهم قيادة سيئة وفاسدة للغاية، وسواء حصلوا على سفينة نفط أم لا، فلن يغيّر ذلك شيئاً».


هل ينهار الناتو إذا انسحب «العرّاب» الأميركي؟

علم الناتو (رويترز)
علم الناتو (رويترز)
TT

هل ينهار الناتو إذا انسحب «العرّاب» الأميركي؟

علم الناتو (رويترز)
علم الناتو (رويترز)

يعيش حلف شمال الأطلسي (الناتو) واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخه، مع تزايد احتمال انسحاب الولايات المتحدة منه إذا أقدم الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تنفيذ تهديداته المتكررة.

فخطوة كهذه، إن تحققت، لن تفضي إلى مجرد تغيّر في توازنات الحلف، بل قد تمثل زلزالاً يضرب أساس البنية الأمنية الغربية التي أُسست بعد الحرب العالمية الثانية واستمرت طوال الحرب الباردة وحتى ما بعدها.

منذ تأسيس الناتو في واشنطن عام 1949، شكّل مظلة أمنية في مواجهة الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي الذي انتظم عام 1955 في حلف وارسو، وتحوّل بعد انهيار الأخير إلى إطار أوسع لضمان «الاستقرار الأوروبي».

ومع توسّعه ليضم 32 دولة، ظلّ الحلف قائماً على مبدأ جوهري هو «الأمن الجماعي»، كما تنص عليه المادة الخامسة من معاهدة إنشائه، التي تؤكد أن أي هجوم على دولة عضو هو هجوم على الجميع.

ورغم أن هذا المبدأ لم يُختبر خلال الحرب الباردة، فقد فُعّل مرة واحدة فقط بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، حين وقف الحلف إلى جانب الولايات المتحدة في أفغانستان.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

تحدٍ غير مسبوق

غير أن هذا التماسك التاريخي يواجه اليوم تحدياً غير مسبوق من داخل الحلف نفسه، وتحديداً من «عرّابته» واشنطن. فترمب، الذي لطالما عبّر عن شكوكه في جدوى الناتو، عاد ليصعّد انتقاداته، واصفاً إياه بأنه «نمر من ورق»، ومؤكداً أنه يفكّر بجدية في الانسحاب من المنظمة، لاقتناعه بأن الحلف لا يقدّم للولايات المتحدة ما يعادل ما تقدمه هي له، سواء في تقاسم الأعباء العسكرية أو في دعم العمليات التي تقودها.

أبرز أسباب التوتر هو رفض دول أوروبية الانخراط في مواجهة عسكرية مع إيران إلى جانب الولايات المتحدة، وهو ما أثار غضب ترمب، مع أن الموقف الأوروبي يستند إلى أن معاهدة الناتو لا تُلزم الأعضاء بالمشاركة في حروب لا ترتبط بهجوم مباشر على إحدى الدول الأطلسية، والحال أن واشنطن لم تتعرض لهجوم وحتى لم تستشر الحلفاء قبل اتخاذ خطواتها.

ورغم ذلك، يرى ترمب أن أوروبا تستفيد من الحماية الأميركية دون أن تتحمّل نصيبها العادل من التكاليف، وهو موقف عبّر عنه قبل سنوات، حين قال عن الحلف «عفا عليه الزمن»، واتهم الدول الأوروبية باستغلال الولايات المتحدة. وقد ذهب أبعد من ذلك حين هدّد بعدم الدفاع عن الدول التي لا تلتزم بمستويات الإنفاق الدفاعي المطلوبة (5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة).

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته (د.ب.أ)

ودفعت الضغوط الأميركية الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها العسكري بشكل ملحوظ، واتفق أعضاء الناتو على رفع المُستهدَف إلى 5 في المائة من الناتج بحلول عام 2035، بعد أن كان المُستهدَف السابق 2 في المائة. وسعى قادة الحلف، وعلى رأسهم أمينه العام الهولندي مارك روته، إلى احتواء «غضب» ترمب والحفاظ على التماسك، حتى عبر خطاب سياسي مرن وصل أحياناً إلى حد المبالغة في الإطراء.

ماذا إذا غاب «الأخ الأكبر»؟

هنا، يبرز سؤال خطير: هل يستطيع الناتو الاستمرار من دون «الأخ الأكبر» الأميركي؟

فالولايات المتحدة لا توفّر فقط قوة عسكرية هائلة، بل تشكّل العمود الفقري للقدرات الاستراتيجية للحلف، من حيث الاستخبارات، والاتصالات، والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة، إضافة إلى «المظلة النووية» التي تظلّ العنصر الأهم في الردع. ورغم امتلاك بريطانيا وفرنسا قدرات نووية، فإنها لا تضاهي الترسانة الأميركية، ولا تغطي الحلف بالشكل نفسه من الخطر الروسي المفترض.

ولا شك في أن هذا الواقع هو نتيجة عقود من الاعتماد المتبادل غير المتكافئ، فالرؤساء الأميركيون السابقون لم يطالبوا أوروبا بتطوير قدرات عسكرية، لأن بلادهم تولّت هذا الدور. ونتيجة لذلك، باتت القارة تملك جيوشاً متطورة في بعض الدول، لكنها تفتقر إلى التكامل العملياتي والقيادة الموحدة والقدرة على التحرك السريع المنسّق والفاعل.

تشير تقديرات حديثة إلى أن تعويض القدرات الأميركية قد يتطلب استثمارات تصل إلى تريليون دولار على مدى ربع قرن. لكن المشكلة لا تتعلق بالمال فحسب، بل أيضاً بالخبرة والبنية المؤسسية، أي «اللغة العملياتية المشتركة» التي تتيح تنسيق الجيوش المختلفة بأحجامها ومعدّاتها وتكتيكاتها تحت ضغط الأزمات.

إضافة إلى ذلك، تواجه أوروبا تحديات سياسية داخلية تعرقل بناء منظومة دفاعية مستقلة. فبعض الدول، مثل هنغاريا وسلوفاكيا، لا تتبنى رؤية موحدة تجاه روسيا، ما يجعل أي هيكل أمني أوروبي إما ناقصاً جغرافياً أو منقسماً سياسياً. كما أن مسألة الردع النووي تنطوي على مسائل معقدة تتعلق بالسيادة والقرار السياسي، لا سيما فيما يخص من يملك سلطة استخدام هذا السلاح.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن أوروبا بدأت خطوات جدية نحو تعزيز قدراتها الدفاعية، مدفوعة جزئياً بتهديدات ترمب، وجزئياً بتصاعد ما تراه خطراً روسياً، خصوصاً بعد الحرب في أوكرانيا. وقد أظهرت بعض العمليات العسكرية الحديثة قدرة أوروبية على العمل بشكل مستقل نسبياً، خصوصاً في المجالات البحرية والسيبرانية.

مروحية رومانية من طراز «بوما» تحلق فوق الفرقاطة الرومانية «ماراسيستي» خلال تدريبات للناتو في البحر الأسود تحت اسم «درع البحر 2026» (إ.ب.أ)

أموال وقدرات

مع ذلك، يبقى الفارق كبيراً. فالموازنة العسكرية الأميركية تشكّل نحو 60 في المائة من الإنفاق الإجمالي للناتو، كما أن القدرات الاستخباراتية والتكنولوجية التي تمتلكها واشنطن لا تزال بعيدة المنال بالنسبة إلى الحلفاء.

في هذا السياق، يمكن القول إن أوروبا تواجه خيارين استراتيجيين: إما إعادة تشكيل الناتو بحيث يصبح أكثر توازناً مع دور أوروبي أكبر، مع استمرار المشاركة الأميركية، أو السعي إلى استقلال دفاعي كامل. الخيار الأول يبدو قابلاً للتحقيق خلال عقد من الزمن إذا توافرت الإرادة السياسية، أما الثاني فيتطلب تحولات عميقة تمتد عقوداً، وتشمل تكاملاً سياسياً وعسكرياً غير مسبوق.

في النهاية، لم يعد السؤال ما إذا كانت أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة، بل متى وكيف يمكنها الوصول إلى ذلك، وما إذا كانت التحديات السياسية والعملية ستسمح لها بالسير في هذا الاتجاه بالسرعة المطلوبة. فالعالم يتغير بوتيرة سريعة، والضمانات التي بدت يوماً ثابتة لم تعد كذلك، الأمر الذي يفرض على الأوروبيين إعادة التفكير في أسس أمنهم الجماعي في مرحلة تتسم بقسط كبير ومتعاظم من عدم اليقين.