الانتخابات الليبية... مفتوحة الأبواب «على المجهول»

معركة البحث عن الصفقات وسط هيمنة السلاح

الانتخابات الليبية... مفتوحة الأبواب «على المجهول»
TT

الانتخابات الليبية... مفتوحة الأبواب «على المجهول»

الانتخابات الليبية... مفتوحة الأبواب «على المجهول»

قطعت ليبيا شوطاً كبيراً باتجاه انتخاب أول رئيس للبلاد في تاريخها المعاصر؛ لكن ما تبقى من خطوات على تحقيق هذا الهدف المُرتقب بات محفوفاً بالمخاطر والتربص والتهديد بقوة السلاح أيضاً. فالبلد، الذي يتأهب لمرحلة مهمة بعد عِقد من الصراع والاقتتال يعاني راهناً حالة من التشظّي والتقسيم الجهوي، وبالخصوص مع تزايد أعداد الطامحين لمقعد الرئيس المقبل؛ إذ إنه كلما اقترب الموعد المُحدد لهذا السباق، فإن الأوضاع السياسية والأمنية تزداد توتراً.
ثمة جانب من مخاوف الليبيين أرجعه ساسة تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» إلى افتقار ليبيا إلى «المرشح التوافقي»، فضلاً عن تصاعد نبرة «التحزب الإقليمي، ورفض الآخر». وهنا، تجدر الإشارة إلى أن كل جبهة تتمسك بممثلها في هذا الاستحقاق، وما عداه لا يُعتد بترشحه؛ ما قد يفتح الباب لسيناريوهات عدة، أقلها التشكيك في نتائجه، ومن ثمّ الدخول إلى عالم مجهول، إذا ما انعقدت تلك الانتخابات في موعدها بالفعل قبل نهاية العام. وهو ما قد يسمح بتكرار ما حدث قبل 7 سنوات من الانقسام.
يلاحظ أنه مع بدء العد التنازلي في ليبيا لإجراء انتخابات رئاسية ونيابية متزامنة يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، تبدّد «التوافق النسبي» الذي عاشته ليبيا طوال الأشهر العشرة منذ انتخاب السلطة التنفيذية المؤقتة بطرابلس العاصمة في فبراير (شباط) الماضي. وبالتالي، سادت حالة من التحفز والكراهية، وما عاد معلوماً، حتى الآن، إذا ما كان سيصار إلى تعديل قانون الانتخابات الرئاسية ليتمكن عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، من المشاركة في هذا الماراثون المحموم... أم أن الوضع سيبقى على ما هو عليه وتتجه الأمور إلى مزيد من التعقيد...
- «فبراير» بمواجهة «سبتمبر»
بداية، أحدث ظهور سيف الإسلام، النجل الثاني للرئيس الراحل معمر القذافي، وتقدمه بملف ترشحه للانتخابات الرئاسية إرباكاً كبيراً في الأوساط السياسية الليبية. إذ عدّه البعض فشلاً لـ«ثورة 17 فبراير عام 2011»، وانتصاراً لنظام «الفاتح من سبتمبر» الذي حكم ليبيا قرابة 42 سنة بقبضة حديدية، ويريد العودة ثانية للحُكم من باب صناديق الاقتراع. وهذا ما دفع جمعة القماطي، رئيس حزب «التغيير»، إلى القول بأن «ثورة فبراير هي من أتت بحق الانتخاب والترشّح والاحتكام إلى الصناديق وحق التداول السلمي للسلطة وفق نظام ديمقراطي؛ ولكن هذا لا يعني السماح لمجرمي حرب، ومنهم من أدانته محاكم ليبية، ومطلوب لدى الجنائية الدولية، ولا يؤمن بهذه الطرق الديمقراطية أصلاً، بأن يستغلها لإعادة حكم الفرد والديكتاتورية»، حسب تعبيره.
وتحدث ساسة آخرون عن «حالة الغضب» التي ظهرت عليها الميليشيات والمجموعات المسلحة في مدن مثل الزاوية وتاجوراء والخُمس وزليتن وعين زارة ومصراتة بغرب ليبيا، فور تقدم سيف بأوراق ترشحه. وأسفرت عن إغلاق مقار المفوضية العليا للانتخابات هناك مرشحة للتصعيد، بل والصدام، وذلك إذا لم تتدخل القوى الدولية لتسوية الأمر، ومنع نجل القذافي من الترشح. مع هذا، يرى أحمد علي لنقي، عضو المجلس الأعلى للدولة، أن ليبيا «في طريقها إلى الاستقرار السياسي رغم أنف الكارهين الماكرين... ولا عودة مطلقاً للماضي المظلم التعيس ولا لحكم الاستبداد».
وانتهى لنقي، إلى أن «الشعب عايش حرية التعبير وذاق طعم الحرية. وبالتالي لا يمكن أن يرضى بمن يسلبه مكاسبه التي جناها من ثورة 17 فبراير... ومَن سيحافظ على هذه المكاسب هو الرئيس القادم».
من جانبه، قال الإعلامي الليبي محمود شمّام، معلّقاً على ترشّح سيف، فور تقدمه بأوراقه، عبر إدراج سابق له قائلاً «بعد عقود من حكم الفرد المطلق والإرهاب والعنف ضد الخصوم، ابن حاكم ليبيا المُطلق يحتكم إلى صندوق الاقتراع». وأردف «إنصافاً لإقدام الملايين التي خرجت تهتف الشعب يريد إسقاط النظام، مرحباً بالصندوق قاضياً لاختلافاتنا، ونعم للقانون في الفصل بحقه في الترشح، ولنرَ بعدها مَن المستفيد ومَن المتضرّر».
- الدبيبة وحفتر و«القانون»
اللافت هنا، قبل 33 يوماً من الاستحقاق المُنتظر، أن خطاب الكراهية عاد إلى الظهور، ولغة الاتهامات والتخوين التي كانت قد خمدت طوال الأشهر الماضية، طفت على السطح مجدداً وأظهرتها الاستعدادات الجارية للانتخابات. ذلك أن جانباً من الرافضين لترشّح سيف، يرفضون أيضاً ترشّح المشير خليفة حفتر، الذي تقاعد مؤقّتاً من منصبه قائداً عاماً لـ«الجيش الوطني الليبي» المتمركز في شرق البلاد. وهؤلاء يرون أن قانون الرئاسة الذي أصدره مجلس النواب «منفرداً»، من دون الرجوع إلى المجلس الأعلى للدولة بطرابلس برئاسة خالد المشري، يكرّس الديكتاتورية ويسمح بعودة حكم الفرد، في حين تعهد الأخير المحسوب على تنظيم الإخوان بمقاطعة الانتخابات، والامتناع عن حمايتها أو الاعتراف بنتائجها... بل إنه دعا إلى الاعتصام أمام مقر المفوضية التي يترأسها عماد السائح، تنديداً بما وصفه بـ«القوانين المعيبة» التي أصدرها البرلمان.
أيضاً، دخل الصادق الغرياني، مفتي ليبيا المعزول من قبل برلمان طبرق، على الخط، محرّضاً من سماهم «القوى الفاعلة والثوار» على الخروج بقوة السلاح لمنع ترشّح حفتر، الذي تقدّم بأوراقه وتحدّث وسط استغراب خصومه بغرب ليبيا، عنه أنه «لا يبتغي السلطة، وطالب الليبيين بالاختيار الصحيح الذي لا يندمون عليه مرة ثانية».
- اعتراضات الغرب الليبي
تتمحور جُل اعتراضات جبهة غرب ليبيا على المادة (12) من قانون الانتخابات الرئاسية، وهي التي تقف حائلاً دون ترشح الدبيبة. إذ إنها تنص على التالي «في حال كان المترشح يشغل وظيفة قيادية عامة، ينبغي عليه التوقف رسمياً عن ممارسة عمله قبل ثلاثة أشهر من موعد الانتخابات وتقديم ما يثبت ذلك من وثائق». لكن الأخير ما زال يمارس عمله حتى الآن؛ لذا يطالب مناصروه بتعديل القانون ويهتفون في فعاليات مختلفة «لا انتخابات من دون الدبيبة».
وهنا قال سعيد امغيب، عضو مجلس النواب وأحد مؤيدي حفتر «بعد تقدم حفتر بملف ترشحه أستطيع القول إن صفحة جديدة من تاريخ الوطن فتحت وإن أخرى استمرت لعقد كامل من الزمان قد طويت»، ورأى أنه «من الواجب علينا جميعاً اليوم الاستماع لصوت العقل والمنطق». وتابع «يتوجب علينا الآن النظر إلى من يستطيع قيادة هذه المرحلة الصعبة بكل اقتدار وبأخف الأضرار؛ لأن الأخطار كبيرة والمتربصون بنا وبالوطن كُثر يختلفون باختلاف أجنداتهم ومصالحهم، نحن اليوم في حاجة إلى من يستطيع إفشال كل المؤامرات التي تحاك للوطن والوقوف بقوة في وجه كل الطامعين بخيرات أرضنا ومقدراتنا».
- بارزون ومغمورون
كثيرون من المتابعين للشأن الليبي يرون أن البلاد راهناً غير مهيأة للانتخابات من ناحية تصاعد حالة الاحتقان المجتمعي، وسط احتكام البعض إلى قوة السلاح، لكن مقتضى لسان حال القوى الدولية والإقليمية يؤكد أن إجراء الاستحقاق على أي وضع وبأي شكل أفضل كثيراً من إلغائه أو تأجيله. لذا؛ تسارع شخصيات - بعضها بارز وبعضها الآخر مغمور – إلى التقدم بأوراقها قبل إغلاق باب الترشح الاثنين المقبل (22 من الشهر الحالي) بينما يستمر قبول طلبات الترشح للانتخابات النيابة التي تقدم إليها مئات الشخصيات حتى 7 ديسمبر (كانون الأول) (المقبل.
عشرات الشخصيات أعلنت عبر مواقع التواصل الاجتماعي اعتزامها الترشح للانتخابات الرئاسية، لكن الذين تقدموا فعلياً حتى الآن بملف ترشحهم بجانب سيف الإسلام، وحفتر، المستشار عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، والدكتور محمد أحمد الشريف، أمين عام «جمعية الدعوة الإسلامية» في عهد القذافي، ورئيس الوزراء الأسبق علي زيدان، وعضو المجلس الرئاسي السابق أحمد معيتيق (المنتمي إلى مدينة مصراتة)، ورئيس تكتل «إحياء ليبيا» عارف النايض، (المنتمي إلى شرق ليبيا). كذلك، تقدم رئيس الأركان العامة بحكومة «الوفاق» السابقة الفريق محمد علي محمد المهدي، والوزير الأسبق فتحي بن شتوان، ورئيس حزب القمة عبد الله ناكر ومحمد المزوغي، وأمين عام «التجمع الوطني» الليبي أسعد زهيو، ورئيس حزب «الوحدة» السنوسي الزوي وفيضان عيد حمزة.
ويتوقع أن يتقدّم آخرون خلال اليومين الباقيين، وسيتعين عليهم جميعاً الانتظار لحين الفصل في ملفاتهم من قبل المفوضية قبل الإعلان النهائي عن قائمة المرشحين الذين سيخوضون الاستحقاق الرئاسي. وهو ما لفتت إليه المفوضية، بقولها «إن تسلم طلبات الترشح المرفقة بالمستندات ذات العلاقة بالاشتراطات القانونية المقدمة إليها لا يعني بالضرورة أن طلب المترشح قد قُبل».
ونص قانون الانتخابات الرئاسية على أن ليبيا دائرة انتخابية واحدة يتنافس فيها كل المرشحين، على أن يحصل الفائز على 50 في المائة + 1 من الأصوات خلال الجولة الأولى، وإذا لم يتحصّل أي مرشح على هذه النسبة، يُلجأ للجولة الثانية ويتنافس فيها المرشحان الحاصلان على أكثر الأصوات في الجولة الأولى. وتعتمد الانتخابات النيابية على النظام الفردي، حيث تُقسم البلاد إلى 75 دائرة، ويفوز المرشح الحاصل على أكثر الأصوات بدائرته.
- البدائل... و«التربيطات»
السباق الانتخابي شهد مزيداً من التفاعل والسخونة على خلفية دخول عقيلة صالح حلبة المنافسة في ظل وجود حفتر، مع توقع بعض السياسيين الاتجاه لـ«التربيطات» وعقد «الصفقات» بين بعض المرشحين المحتملين، وخصوصاً بشرق ليبيا من جهة، وآخرون بغربها للالتفاف حول شخصية بعينها في إطار «تحالفات» يجري التوافق حولها تجنباً لتشتت الأصوات، بغض النظر عن «العداءات القديمة».
وتمثل عودة الشريف من الخارج إلى ليبيا متغيراً دراماتيكياً آخر. ويذكر أنه كان قد غادر البلاد بعدما أمضى في سجون طرابلس 6 سنوات، قبل أن تُطلق الميليشيات المسلحة سراحه عام 2016 إثر إلغاء المحكمة العليا الحكم الصادر ضد بـ12 سنة. ويومها توجه إلى العاصمة الأردنية عمّان.
هذا، وتزامن وصول الشريف إلى ليبيا مع قدوم بشير صالح، مدير مكتب القذافي السابق من الخارج؛ وهو ما فتح الباب لمزيد من الاجتهاد والتكهّن؛ إذ زعمت بعض الأصوات الإخوانية أن سيف القذافي «ربما يعلن دعم الشريف في اللحظات الأخيرة إذا لم يتمكن من استكمال المشوار»، ضمن ما سمته «استراتيجية الدفع بأكثر من مرشح لتفتيت الأصوات وإخفاء المرشح المقصود»، وزعمت أيضاً أن هذا المخطط «وضعه اختصاصيون من دولة كبرى التقت سيف غير مرة».
وفسّر الدكتور مصطفى الزائدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية الليبية» عودة الشريف وبشير صالح، بالإضافة إلى ظهور سيف الإسلام، بأنها «رسالة قوية لمن شارك في المؤامرة (حسب تعبيره)، إن الشعب الليبي واعٍ ومدرك طبيعة ما جرى من حوله، وإنه لو تمكن من انتزاع حقه في فرض إرادته فسيكون له قول آخر».
- هواجس «الانقلاب الثاني»
يتبقى أن جُل المعضلة الليبية ومخاطرها، كما يرصدها كثير من المراقبين، يتمثل في أن كل جبهة لا ترى غير مرشحها في السباق، وهو ما يطرح مزيداً من التساؤل عن أهمية صندوق الانتخاب للاحتكام بين فرقاء متشاكسين، طالما بقي صندوق الذخيرة حاضراً بين يديهم ويلوحون به مراراً للإفساح الطريق أمام ممثلهم؟
وعليه، فإن الأجواء المشحونة بالتحفز المحيطة بالعملية الانتخابية حالياً، تفرض ضرورة النظر للشكل الذي ستبدو عليه ليبيا في اليوم التالي لإجراء الاستحقاق، سواء في مرحله الأولى أو الثانية... ومدى قبول الطرف الخاسر بما قد يسفر عنه. لكن المخاوف من تكرار ما وصف بـ«الانقلاب» الذي شهدته ليبيا عام 2014 وأدى إلى انقسام بين شرق ليبيا وغربها وتدشين حكومتين لا تزال ماثلة في الأذهان، لا سيما مع نزوع البعض باتجاه الاحتكام لقوة السلاح بقصد تعطيل الانتخابات.
هذه المخاوف في مجملها ليست بعيدة عما ذهب إليه المبعوث الأممي الأسبق إلى ليبيا الدكتور طارق متري، التي تداولتها وسائل إعلام محلية، بقول إن «الكل يريد انتخابات في ليبيا أو يدعي ذلك، لكن التسويات حول تقاسم السلطة وإجراء الانتخابات لا تضمن بقوة ذاتها صيانة وحدة البلاد وسلامتها».
وأمام هذه الحالة، فإن الجهود الدولية والإقليمية تتواصل للحث على إجراء الانتخابات في موعدها، وهي الجهود التي بات ينظر إليها كثير من الليبيين على أنها تسعى لرسم خريطة البلاد على نحو ما تم في مؤتمر جنيف الذي أثمر السلطة التنفيذية المؤقتة الحالية. وللطمأنة، أكد المبعوث الأميركي لدى ليبيا وسفيرها ريتشارد نورلاند، خلال لقائه رئيس السائح، بأن بلاده «ستواصل دعم جهود مفوضية الوطنية لضمان أمن ونزاهة عملية التصويت».
- ليبيا... 70 سنة في انتظار «عودة الدولة»
> خضعت ليبيا للحكم الأجنبي قروناً عدة، حتى نالت استقلالها بعدما ظلت أقاليمها الثلاثة طرابلس وبرقة وفزّان تحت الوصاية الإيطالية والفرنسية والبريطانية سنين طوال. ومنذ تلك الحقبة وهي تكافح عبر مسارات ومحطات مختلفة للوصل إلى حكم ذاتي يعبر عن جموع الليبيين، ويعيد «الدولة الغائبة». وهنا محطات لتطور الأزمة منذ أكثر من 70 سنة، مروراً بحكم الملك إدريس السنوسي ومعمر القذافي، ووصولاً إلى الأحداث التي شهدتها ليبيا خلال عِقد كامل.
* 24 ديسمبر (كانون الأول) عام 1951، أعلن محمد إدريس السنوسي، «استقلال ليبيا» بعد تغلبها على الإيطاليين. ومن شرفة قصر المنارة في العام ذاته بمدينة بنغازي (شرق ليبيا) قال السنوسي، إن ليبيا أصبحت دولة ذات سيادة عقب إصدار الدستور لتنضم إلى جامعة الدول العربية في 1953، وظلت تحت تاج الملكية الذي أطلق عليه «الحكم الباهي».
* سبتمبر (أيلول) عام 1969 قاد معمر القذافي، ومجموعة من الضباط «ثورة» على النظام الملكي، وصفها أنصار السنوسي حينها بـ«انقلاب عسكري أطاح آمال الليبيين في حياة مستقرة». وبعد سيطرة القذافي على مقاليد الحكم، حكم ليبيا أكثر من أربعة عقود بقبضة حديدية غابت عنها الديمقراطية، وأدار نظاماً فرض فيه أبناؤه وأقاربه سيطرتهم على البلاد، حتى أُسقط عام 2011 بـ«ثورة» شعبية ساندتها فصائل مسلحة، ودعمها حلف شمال الأطلسي (ناتو).
* أدت الإطاحة بالقذافي ونظامه إلى فراغ كبير في السلطة واضطراب عمّ البلاد، وعجزت معه أي جهة عن فرض سيطرتها عليها.
* في أكتوبر (تشرين الأول) 2011، أعلن «المجلس الوطني الانتقالي»، «تحرير» ليبيا وتولى إدارة شؤون البلاد، لكنه لم يتمكن من بسط سيطرته على الميليشيات المتعددة التي نشطت في الأشهر التي سبقت الإطاحة بالقذافي، وانتهكت فيها الحقوق وتفككت أواصر الدولة.
* في أغسطس (آب) 2012، سلم المجلس الانتقالي السلطة لـ«المؤتمر الوطني العام» الذي انتخب في الشهر السابق.
*في يونيو (حزيران) 2014، اختار الناخبون الليبيون برلماناً جديداً يخلف «المؤتمر الوطني العام» وعقد جلساته بمدينة طبرق شرقي البلاد، بينما ظلت العاصمة تحت سيطرة الميليشيات.
* استغل «داعش» حالة الفوضى والاقتتال بين القوات الموالية لـ«المؤتمر الوطني العام» المنحل من جهة ومجلس النواب من جهة أخرى لبسط سيطرته على سلسلة من المدن الساحلية منها درنة وسرت.
* في أواخر عام 2015، توسطت الأمم المتحدة لإبرام اتفاق تشكل بموجبه حكومة «الوفاق الوطني» ومجلس رئاسي يرأسه فائز السراج، ولكن السلطتين في طرابلس وطبرق لم تعترفا بهذه الحكومة.
* في مارس (آذار) 2016، وصل السراج وعدد من نوابه إلى طرابلس، حيث أسسوا مقراً لهم في قاعدة «أبو ستة» البحرية تتمتع بحراسة مشددة.
* في الثاني من فبراير (شباط) 2021، انتخب «ملتقى الحوار السياسي» الليبي سلطة تنفيذية جديدة ليصبح محمد يونس المنفّي رئيساً للمجلس الرئاسي، وعبد الحميد دبيبة رئيساً للحكومة وسط مساعٍ لاستعادة الدولة.
* 16 مارس (آذار) 2021، سلّم السراج السلطة للمنفّي والدبيبة، وقال المنفي حينها «إنهم سيعملون على ترسيخ مبداً التداول السلمي على السلطة وقيم الديمقراطية والدولة المدنية عبر الإيفاء بوعودهم في إجراء الانتخابات في موعدها في 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل».
* في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 وقبل 33 يوماً من إجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية المقررة وقفاً للخريطة الأممية، وصف رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» عبد الحميد الدبيبة، قانون الانتخابات بـ«المعيب»، وقال، إنه «لا يمكن أن نرضى به أبداً»، قبل أن يضيف أن «الشعب الليبي لا يمكن أن يختار قادته إلا بالانتخابات، ولا يمكن التنازل عن هذا الحق أبداً، لكن أرادوا خلق صعوبات في هذا الملف المهم الذي يريده الشعب الليبي، وخرجوا بقوانين مفصلة على بعض الجهات وبعض الأشخاص، ولا يمكن أن نرضى به أبداً».
وعلى الرغم مع مرور أكثر من سبعين عاماً على إصدار الدستور الملكي، فإن مؤيدين لنظام السنوسي يدعون للعودة إليه، كما يطالبون الأمير محمد الحسن الرضا المهدي السنوسي للعودة إلى ليبيا «لمباشرة مسؤولياته وسلطاته الدستورية كملك، وإعادة المملكة المفقودة»، طبقاً لنصوص الدستور الذي يرون بأنه «الدستور الساري المفعول والشرعي الوحيد».



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.