المواطن «السايبورغي»

السياسات البيولوجية الراهنة وتصوّر إنسان المستقبل

عالم الاجتماع أمريكي جيمس هيوز -  غلاف  الكتاب
عالم الاجتماع أمريكي جيمس هيوز - غلاف الكتاب
TT

المواطن «السايبورغي»

عالم الاجتماع أمريكي جيمس هيوز -  غلاف  الكتاب
عالم الاجتماع أمريكي جيمس هيوز - غلاف الكتاب

يُلاحَظُ في أوساطنا الثقافية العربية، والإعلامية منها بخاصة، خفوتٌ واضح في تناول الموضوعات العلمية لصالح الإفراط في نمط محدّد من الكتابات الأدبية العامّة البعيدة عن نبض العصر والموضوعات الإشكالية السائدة فيه، وتتفاقم هذه الصورة الثقافية «الكئيبة» إذا ما أجرينا مسحاً سريعاً للموضوعات المترجمة الشائعة في بيئتنا العربية. يمكن للقارئ المدقق أن يرى خفوتاً واضحاً في موضوعات على شاكلة (السياسات العلمية والتقنية، سوسيولوجيا العلم وتأريخه، الأخلاقيات العلمية... إلخ)؛ وإذا مضينا نحو مفهومات أكثر تخصصية وتأثيراً في تشكيل مستقبل الكائن البشري يبدو لي أن مفهوم (الإنسانية العابرة للكائن البشري الكلاسيكي Transhumanism) هو الأكثر تداولاً في الأدبيات العلمية ومبحث المستقبليات لكونه مفهوماً علمياً استراتيجياً؛ وتقنياً مركّباً له مفاعيله المؤثرة في تحديد شكل الوجود البشري المستقبلي بعد عقود ليست بعيدة من يومنا هذا.
يرى علماء وبحاثة مستقبليون كثرٌ أن عصر الإنسان – السايبورغ - Human-Cyborg قادم لا محالة. يمثل السايبورغ كائناً بشرياً تمّ ربط العديد من المستزرعات Implants المحوسبة بشكل مباشر في دماغه، وكذلك العديد من الإضافات الميكانيكية إلى أطرافه وأجهزته الحسية، وبهذا الإجراء سينال الإدراك العقلاني البشري (وكذلك المزاج الشخصي) حصتيهما من التعزيز الموجّه باستخدام عقاقير مصممة لهذا الغرض. من الواضح أن كائناً بشرياً معدّلاً مثل هذا يستلزم سياسة بيولوجية تختلف جوهرياً عن السياسة البيولوجية الحالية.
جادل جيمس هيوز James Hughes (عالم أميركي في حقل علم الاجتماع والأخلاقيات البيولوجية، ولد عام 1961) بأنّ السياسات البيولوجية Biopolitics باتت تنبثق باعتبارها بُعداً أساسياً جديداً في خضم الآراء السياسية السائدة حول موضوعة الإنسانية العابرة للكائن البشري الكلاسيكي، وبحسب نموذج هيوز فإن السياسات البيولوجية ترتبط مع البعدين السياسيين الأكثر مألوفية: السياسات الثقافية والسياسات الاقتصادية وعلى نحوٍ تُشكّل فيه السياسات الثلاث (البيولوجية والثقافية والاقتصادية) فضاءً سياسياً للرأي ثلاثي الأبعاد.
شهد العالم في بدايات تسعينيات القرن الماضي الكيفية التي ناصر فيها كثيرون السياسات الثقافية الليبرالية والسياسات الاقتصادية الداعمة للأسواق الحرّة في حقبة تغوّل النيوليبرالية، وتعاضدت تلك السياسات مع السياسات البيولوجية المؤيدة للإنسانية العابرة للكائن الكلاسيكي، وفي كتابه الذي نُشِر عام 2004 بعنوان (المواطن السايبورغي Citizen-Cyborg) يطلِق هيوز مفهوم (الإنسانية الديمقراطية العابرة للكائن الكلاسيكي) التي أراد منها جعل السياسات البيولوجية العابرة للكائن الكلاسيكي متمايزة عن السياسة البيولوجية المحافظة والليبرالية، وفي الوقت نفسه تكون وثيقة الصلة مع السياسات الاقتصادية - الاجتماعية الديمقراطية والسياسات الثقافية الليبرالية. يجادل هيوز في كتابه هذا بأننا سنحقّق أفضل مستقبل ممكن للإنسان العابر للكائن الكلاسيكي عندما نتوثّق من أن التقنيات التي نستخدمها أمينة، وفي مستطاع الجميع بلوغها والاستفادة الفضلى منها، وأن نحترم حق الأفراد في التحكّم بأجسادهم. تتمثلُ الخصيصة الجوهرية للإنسانية الديمقراطية العابرة للكائن الكلاسيكي في أنّها تُفرِد دوراً أعظم بكثير للحكومات في ضبط التقنيات المستحدثة من أجل ضمان السلامة والأمان، فضلاً عن التأكّد بأن الفوائد المتوقعة من تلك التقنيات الجديدة ستكون متاحة للجميع وليس لمجرد أقلية نخبوية من الأثرياء أو الدُّهاة التقنيين.
يمكن للإنسانية العابرة للكائن الكلاسيكي، من حيث المبدأ، أن تُدمَجَ مع طائفة واسعة من الرؤى السياسية والثقافية، وثمّة العديد من التمثّلات الممكنة لمثل هذه الرؤى المُدمجة، وإحداها - التي لا يمكن تحسّس مفاعيلها غالباً - هي مزاوجة الإنسانية العابرة للكائن الكلاسيكي مع رؤية ثقافية ذات منحى يتّسم بالمُحافظة بعض الشيء؛ ولكن برغم هذه الجرعة المحسوبة من النزعة المحافظة حتى لدى أكثر الليبراليين البيولوجيين ميلاً إلى تجريب طرائق ثورية فلا ينبغي أن يذهب الظنّ بالمرء، على كل حال، إلى اعتبار هذا المسار هو الذي اختاره المحافظون الثقافيون بكل طواعية وأريحية فكرية؛ بل العكس هو ما حصل: تنادى هؤلاء المحافظون الثقافيون للتكتّل في جبهة مضادة للإنسانية العابرة للكائن الكلاسيكي، وكانت ثمرة تكتّلهم نشوء «نزعة بيولوجية محافظة» لا تفتأ أن تُبدي إمارات معارضة عالية الصوت لاستخدام التقنية في تعظيم القدرات البشرية أو في تعديل جوانب محدّدة في طبيعتنا البيولوجية. يُلاحظُ في هذا الشأن أنّ الشخوص المتكاتفين تحت لواء النزعة البيولوجية المحافظة إنما جاءوها من جماعات ذات مشارب متباينة قلما تلتقي في مُتبنّياتها التقليدية: المحافظون الدينيون المنتمون للتيارات اليمينية تكاتفوا مع الدعاة البيئيين المنضوين تحت لواء الأجنحة السياسية اليسارية، وهؤلاء جميعاً تعاضدوا مع المناهضين للعولمة، ووجد هؤلاء أسبابهم المشتركة للوقوف بوجه الإنسانية العابرة للكائن الكلاسيكي؛ إذ - على سبيل المثال - تشارك هؤلاء جميعهم مناهضة التعديل الوراثي للكائنات البشرية.
انضمّت الكاتبات النسويات إلى جانبَي هذه المجادلة المحتدمة؛ فثمة نسويات بيئيات نظرن بعين الشك والريبة تجاه التقنية الحيوية، وبخاصة تجاه استخدامها في إعادة تشكيل الأجساد (النسوية) أو ضبط التكاثر البشري، ورأينَ في هذه التقنيات تمديداً لنطاق الاستغلال الباترياركي (الأبوي) التقليدي تجاه النساء؛ في حين رأت أخريات من النسويات أن هذه التقنيات الحيوية ما هي إلّا عرَضٌ من أعراض الهوس بالسيطرة على الجسد، وعدم الثقة بالنفس، والعقلية التي اعتادت التقزّز من موضوعات الجسد. قدّمت بعض النسويات، من جانب آخر، تحليلاً سيكولوجياً للإنسانية العابرة للكائن الكلاسيكي، وخلُصن إلى أنّها تمثّل عقلنة خجولة لعدم النضوج المترسّخ في الذات، فضلاً عن الفشل الاجتماعي؛ لكن ثمّة عدد غير قليل من النسويات اللواتي أبدين أمارات الترحيب الحارة بالقدرة التحريرية التي تستطيع التقنية الحيوية الموعودة التكفّل بأعبائها.
فرانسيس فوكوياما، مُنظّر نهاية التأريخ والانتصار الحاسم لليبرالية الغربية، نراه يعاضد توجهاً محافظاً فيما يخصّ السياسات البيولوجية، ويتمثل هذا التوجّه في مناصرته القوية لسياسات الحزب الجمهوري في ميدان الأخلاقيات البيولوجية (لنتذكّرْ أنه انتخب عضواً في مجلس الرئيس جورج بوش للأخلاقيات البيولوجية)، وقد وصف الإنسانية العابرة للكائن الكلاسيكي بأنها «الفكرة الأكثر خطراً في العالم».
ثمة الكثير من المشتركات التي تجمع مُناصري نزعة المُحافظة البيولوجية مع نظرائهم مناصري النزعة الليبرالية في الإنسانية العابرة للكائن الكلاسيكي: يتفق الطرفان على أننا نواجه أفقاً مستقبلياً حقيقياً ستلعب فيه التقنية دوراً محورياً في إحداث انتقالة جوهرية في الوضع البشري، ويتفق الطرفان كذلك على أن هذه الرؤية المشتركة بينهما بشأن مركزية الدور الاستثنائي للتقنية في صناعة المستقبل البشري تفرض التزاماً مشدّداً على الجيل الحالي للتفكّر عميقاً بشأن المترتّبات العملية والأخلاقية على هذه الرؤية. يتفق الطرفان كذلك بشأن ضروب القلق الواضحة حول المخاطر الطبية والتأثيرات الجانبية التي قد تظهر من الممارسات غير المسبوقة (ولو أنّ مُناصري نزعة المحافظة البيولوجية يخشون من نجاح هذه الممارسات التقنية أكثر من خشيتهم لفشلها المحتمل)، كما يتفق الفريقان بأنّ التقنية بعامّة (والطب على وجه التخصيص) لها دور ذو مشروعية قانونية وأخلاقية كاملة يتوجب النهوض به، رغم أنّ فريق المحافظين يميل للوقوف بالضد من العديد من الاستخدامات الطبية التي تذهب لمجاوزة حدود العلاج والدخول في حقل التعزيز التقني البيولوجي. يتفق الطرفان كذلك على شجب برامج تحسين النسل العنصرية والمموّلة من الحكومة كتلك التي سادت في بعض المفاصل الزمنية من القرن العشرين (سياسات تحسين النسل Eugenics خلال فترة الحكم النازي في ألمانيا)، ويشير المحافظون البيولوجيون إلى إمكانية أن يطال التآكل بعض القيم الإنسانية الرفيعة بسبب التطويرات التقنية المستديمة، وهم يرون ضرورة أن يكون مناصرو الإنسانية العابرة للكائن الكلاسيكي أكثر حساسية لهذه التوجّسات القيمية.
من جانب آخر، يؤكّد مناصرو الإنسانية العابرة للكائن الكلاسيكي على الأهمية الاستراتيجية القصوى للتطويرات الأصيلة التي يمكن أن تطال الرفاهية البشرية والتطوّر الإنساني - تلك التطوّرات التي لا يمكن تحقيقها إلا عن طريق الوسائل التقنية القادرة على تحقيق التحوّل التقني للكائن البشري، وهم يرون أنّ في استطاعة مُناصري نزعة المحافظة البيولوجية أن يطوّروا ذائقة أكثر تقبّلاً لإمكانية بلوغ قيم عظيمة - ربّما لم نختبرها من قبلُ - وذلك عن طريق الذهاب، وبشجاعة فائقة، إلى أبعد مما تفرضه علينا محدودياتنا البيولوجية الحالية.


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً