أميركا: الاقتصاد محور معركة الانتخابات الرئاسية المقبلة من الآن

الفجوة المتزايدة بين الأغنياء والفقراء أبرز عناوينها

أميركا: الاقتصاد محور معركة الانتخابات الرئاسية المقبلة من الآن
TT

أميركا: الاقتصاد محور معركة الانتخابات الرئاسية المقبلة من الآن

أميركا: الاقتصاد محور معركة الانتخابات الرئاسية المقبلة من الآن

خرج المرشحون الجمهوريون المتنافسون الثلاثة (النواب تيد كروز وماركو روبيو وراند بول) في منتدى المرشحين بأواخر يناير (كانون الثاني) باعتراف صريح وصارخ؛ فلقد اعتبروا أن «الفجوة المتزايدة بين الأغنياء والفقراء» من قبيل المشكلات الكبيرة.
ولكن كروز وبول اعترضا على مسألة ما إذا كان ينبغي على الحكومة التدخل لتسوية المسألة، وبدا روبيو متفقا معهما.
قال كروز: «إذا ما هيمنت الحكومة على الاقتصاد فسوف يتجمد كل شيء في مكانه. كما أنها تتسبب في تفاقم حالة اللامساواة في الدخول»، كما أشار إلى تخفيض الضرائب وتخفيف القيود بدلا من ذلك.
ليست تصريحات مرشحي الجناح اليميني من الطامحين للرئاسة مثل كروز وبول فقط حول عدم المساواة هي التي تختلف عن الرأي العام في نفس المسألة. فلقد اعتبرت السيدة هيلاري رودهام كلينتون، التي كانت أكثر انفتاحا على الدور الحكومي في حل المشكلة، زيادة الضرائب بأنها من السبل الممكنة لحل المشكلة. وعلى النقيض من ذلك، يعتقد أكثر من نصف الشعب الأميركي مع ثلاثة أرباع الديمقراطيين أنه «ينبغي على الحكومة إعادة توزيع الثروات عن طريق فرض الضرائب الباهظة على الأثرياء»، وفقا لما جاء في استطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب حول 1000 من الشباب الأميركيين في أبريل (نيسان) 2013.
هناك رغم ذلك مجموعة وحيدة من الأميركيين يتفق معهم تماما المرشحون الجمهوريون وهيلاري كلينتون، المرشح الديمقراطي المحتمل: إنهم الأثرياء.
خلال السنوات الأخيرة، بدأت مجموعة مصغرة من العلماء في دراسة الآراء السياسية للناخبين الأميركيين الأوفر حظا، وجاءت النتائج لتلقي الضوء وبشدة على مسألة عدم المساواة. وفي ورقة بحثية نشرت عام 2013، أجرى كل من بنيامين بيج، وجايسون سيرايت من جامعة نورث ويسترن، مع لاري بارتلز من جامعة فاندربلت، مسحا على 80 شخصية من أثرياء مدينة شيكاغو وخلصوا إلى أن نسبة 62 في المائة يشعرون بأن «فروق الدخول في الولايات المتحدة كبيرة للغاية»، وتلك النسبة تتسق عموما مع الرأي العام حيال المسألة.
لكن عند محاولة التعامل مع أو معالجة عدم المساواة، كان الأثرياء أقرب إلى آراء كروز من الرأي العام الأميركي، حيث قالت نسبة 13 في المائة من الأثرياء الذين شملتهم الدراسة، إنه ينبغي على الحكومة «تقليل الفروق في الدخول بين الناس من أصحاب الدخول المرتفعة وأولئك من ذوي الدخول المنخفضة». وهناك نسبة 17 في المائة فقط هي التي أعربت عن رغبتها في «إعادة توزيع الثروات بواسطة الحكومة عن طريق فرض الضرائب الباهظة على الأثرياء». من الواضح، أن اعتقاد وارن بافيت بأن قانون الضرائب يفضل الأثرياء على عمال الطبقة المتوسطة، يجعله كمن يغرد خارج السرب بمفرده.
وفي الآونة الأخيرة، عمل أحد المحسوبين على البروفسور بيج، وهي طالبة متخرجة في جامعة نورث ويسترن تدعى فيونا تشين، على إجراء المزيد من التحقيقات حول المسألة، حيث أجرت عدة مقابلات شخصية مع ما يقرب من 100 شخصية ثرية أميركية في جميع أرجاء البلاد. وعلى العكس من البروفسور بيج وسيرايت وبارتلز، الذين أمضى محاوروهم قرابة الساعة في استطلاع آراء الشخصيات حول مجموعة من الأسئلة السياسية، حددت تشين مناقشاتها حول عدم المساواة وتحدثت في الغالب مع الشخصيات الثرية لعدة ساعات.
جاءت نتائج السيدة تشين، التي تخطط لعرضها خلال أحد المؤتمرات في أبريل (نيسان)، أكثر وضوحا. وكما تقول بنفسها، يميل الأثرياء إلى رؤية عدم المساواة «كرواية حول الحياة الصعبة، والجهود العسيرة، والشخصية الضعيفة لأحد المواطنين».
إنهم يدركون أن كبار السن من الفقراء يضعون العمال في وضع عسير، ولكنهم يدفعون بأن خلفية الطبقة الوسطى لا تمثل عائقا أمام النجاح الاقتصادي وأن الذين ينشأون في العائلات الثرية يتحملون قدرا من المسؤولية لأنهم يسرقون حافز الناس على العمل الجاد. بوجه عام، خلصت السيدة تشين إلى أن الأثرياء ينظرون إلى الذين لم ينجحوا في حياتهم بأنهم أناس لم يستفيدوا من نظام التعليم، وليسوا ضحايا للظروف الخارجة عن إرادتهم.
أشارت إحدى الشخصيات في دراسة السيدة تشين إلى أن آراءهم قد تغيرت بعدما جمعوا ثرواتهم، حيث قال أحد المهندسين بوادي السيليكون يبلغ من العمر (33 عاما)، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، للسيدة تشين: «قبل أن أجني الكثير من الأموال، اعتقدت أنه ينبغي أن تُفرض الضرائب بنسبة 100 في المائة على عقارات الأسر الثرية. ولكن بمجرد دخولك في اللعبة، فعليك الاستمرار».
تُلمح مثل تلك التعليقات إلى واحدة من أكثر الاستنتاجات إثارة للاهتمام لآخر مسارات البحث: تميل الثروة إلى تشكيل آراء الناس بصرف النظر عن العمر، أو النوع، أو التعليم، أو الحالية الاجتماعية - أو حتى الآيديولوجية والتيار السياسي. يقول البروفسور بيج في رسالة بالبريد الإلكتروني: «هناك شعور بأن الثروة تميل إلى تفضيل التحيز».
وباعتبار الاهتمام الذي يوليه المشرحون من كل المشارب نحو الجهات المانحة الثرية، فإن ذلك يوضح وبصورة نسبية السبب وراء إحجام المرشحين المعتدلين عن اقتراح دور بارز للحكومة في التقليل من عدم المساواة.
اتخذ جيب بوش، وهو من أكثر المرشحين الجمهوريين المحتملين صراحة حيال تلك المسألة، نفس الموقف عن نظرائه الأكثر تحفظا، حيث كتب السيد بوش يقول عندما أعلن عن تشكيل لجنة العمل السياسي خاصته «نعتقد أن فجوة الدخول حقيقية، ولكن يمكن فقط للمبادئ المحافظة القضاء عليها من خلال إزالة العقبات التي تعوق التمدد التصاعدي». تعهد بوش بالاحتفاء بالنجاح وتحمل المخاطر وحماية الحريات والاعتزاز بالمشاريع الحرة.
كان روبيو المرشح الجمهوري الوحيد الذي اقترب كثيرا من الاقتراح باتخاذ الحكومة لدور أكثر إيجابية، مقترحا على واشنطن إعادة توجيه الأموال من برامج مثل الكوبونات الغذائية لدعم العمال ذوي الأجور المنخفضة، على الرغم من أنه لن يزيد من الأموال المتاحة للتخفيف من حدة الفقر. وقال الناطق الرسمي في رسالة بالبريد الإلكتروني، أن السيد روبيو «لا يعتقد أن الحكومة الفيدرالية جيدة بما فيه الكفاية» في تقليل حدة الفقر ويود لو أعيد تشكيل أو إصلاح تلك البرامج. كما أشار إلى أنه سوف يخفض الضرائب على الأثرياء بدلا من زيادتها.
لدينا السيدة كلينتون التي تجنبت وبشكل كبير التصريح بأي شيء قد يثير حفيظة أنصارها من الأثرياء.
أقرت كلينتون خلال خطاب سياسي لها في واشنطن في مايو (أيار)، أن «حصة الدخل والثروة تذهب إلى علية القوم - وليست نسبة 1 في المائة، ولكن نسبة 0.1 في المائة أو نسبة 0.01 في المائة من المجتمع - قد ارتفعت بشكل حاد في الجيل الأخير». كما حذرت من أن «اللامساواة الحادة قد أفسدت مجتمعات أخرى».
غير أن كلينتون كانت غامضة حينما تطرق الأمر إلى إيجاد الحلول، حيث عززت من الشراكة بين القطاعين العام والخاص التي تعمل مؤسسة كلينتون على توسيع برامج تدريب العمال، وأشارت إلى أن الإدارة السابقة لزوجها قد بشرت بـ«النمو الواسع والازدهار المشترك» من خلال زيادة الحد الأدنى للأجور ومضاعفة ضريبة الدخل المكتسب.
وعلى الرغم من أنها سخرت من الممارسات الجمهورية لتخفيض الضرائب على الأثرياء، فإنها لم تأتِ على ذكر زيادات الضرائب أو المزيد من التدابير القاسية، مثل تحديد الحد الأقصى لرواتب المديرين التنفيذيين أو فرض الضرائب المتواضعة على معاملات أسواق الأسهم.

* خدمة «نيويورك تايمز»



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.