الفنانة شيراز لـ«الشرق الأوسط»: بعض الفنانين يطلقون أغنيات لإثبات وجودهم فقط

أغنيتها الجديدة «كاتيوشا» تحكي عن السلام

الفنانة شيراز تطلق عملها الجديد «كاتيوشا»
الفنانة شيراز تطلق عملها الجديد «كاتيوشا»
TT

الفنانة شيراز لـ«الشرق الأوسط»: بعض الفنانين يطلقون أغنيات لإثبات وجودهم فقط

الفنانة شيراز تطلق عملها الجديد «كاتيوشا»
الفنانة شيراز تطلق عملها الجديد «كاتيوشا»

تطلق اليوم الفنانة شيراز أغنيتها الجديدة «كاتيوشا» بموازاة مناسبة ماراثون بيروت الذي يجري غداً الأحد. واختارت الفنانة اللبنانية صاحبة أغنية «بيلا تشاو» هذه المناسبة لأنها تتماشى مع أجواء عملها الجديد.
وتوضح في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عادة ما ألبي دعوة القيمين على ماراثون بيروت للمشاركة فيه من خلال وصلة غنائية. هذه السنة أيضاً سأقدم عدداً من الأغاني إلى جانب الفنان ناجي اسطا. وسأواكب من خلال أغنيتي الجديدة «كاتيوشا» الناس التي تشارك في الماراثون من أجل قضية معينة. سبق وقدمت عملاً جديداً في الماضي ضمن مؤتمر صحافي أقمته في صالة سينمائية. هذه المرة قررت أن أهديه إلى مدينتي التي أحب، سيما وأني لم أعد أقيم بها إثر انتقالي للعيش في دولة الإمارات العربية».
أغنية «كاتيوشا» هي النسخة العربية للحن روسي كتبها أحمد ماضي ووزع موسيقاها جان ماري رياشي. وعن الموضوع الذي تتناوله فيها تقول شيراز: «إنها تحكي عن السلام والصراع بين الخير والشر، تطبعها الوطنية كوني أذكر فيها الجيش اللبناني، وتواكب ما نعيشه من مشكلات في بلدنا. فنحن اليوم بأمس الحاجة إلى السلام، ومن المفروض نحن كفنانين أن نتحدث عن هذا الموضوع ونوليه الاهتمام».
وبرأي شيراز أن الفنان عامة في استطاعته نشر التوعية وإعطاء الإنسانية حيزاً لا يستهان به في موضوعات أغانيه. وتتابع: «يهمني كثيراً أن أوصل في الأغنيات معاني السلام وكل ما يتعلق به. ويا ليت باقي الفنانين يحذون حذوي، فبذلك نسهم في بناء وطن سليم ونحدث الفرق. فعندما أكون خارج لبنان وأرى الناس تعيش بسلام وأمان أغار، وأتذكر مدينتي وناسي، وأتمنى لو أننا نعيش مثلهم. فنحن نتلهى بأشياء كثيرة تسهم في خراب البلد لا في تعميره. ولذلك أدعو جميع الفنانين من دون استثناء إلى القيام بأعمال فنية توعوية».
ولكن لماذا أطلقت اسم «كاتيوشا» على الأغنية، وهل هي بذلك تغمز من قناة الأحداث الأخيرة التي حصلت في منطقة عين الرمانة؟ ترد: «لا أبداً لا دخل للأغنية في هذا الموضوع، وهي منفذة منذ نحو سنة. صحيح أني غائبة إلى حد ما عن الساحة الفنية أخيراً، ولكني في المقابل أحضر لعدة أعمال غنائية أبدأ بإطلاقها حالياً، الواحدة تلو الأخرى».
وتشير شيراز إلى أن «كاتيوشا» هو اسم الدلع لكاترين في الروسية. وأنها وفقاً لنسختها الأصلية الروسية وضع اسمها هذا، فيما كلماتها هي لبنانية ولا ترتبط أبداً بكلام النسخة الأصلية. «إنها تحكي عن صبية تعيش حالة انتظار لحبيبها الذي ذهب إلى الحرب، وقد حدثتها كي تصبح تشبه أسلوبي في الغناء، فيها الطابع الوطني ولكنها قريبة إلى أنماط الموسيقى التي سبق وقدمتها من قبل كما في (بيلا تشاو) و(قمرة)».
صورت شيراز كليب الأغنية في منطقة البقاع. وهو من إخراج رندلى قديح وإنتاج «إم سي برودكشن». «أطل فيه ضمن لوكات مختلفة تدعم الرسائل التي تحملها من وطنية واجتماعية. فهي تتناول مشكلات نعيشها وأنا أقف فيها من قلب الحدث».
وترى الفنانة اللبنانية التي نجحت أيضاً في مجال التمثيل من خلال مسلسل «موت أميرة» أن الساحة الفنية اليوم تفتقد الأعمال التي تبقى في الذاكرة. وتضيف: «بعض الفنانين أمثال وائل كفوري لا يزال يقدم أغنيات رائعة لها وقعها الإيجابي والكبير على المتلقي، والأخيرة منها هي خير دليل على ذلك. أما الأكثرية من الفنانين فهم يطلقون أعمالهم من أجل إثبات وجودهم ليس أكثر. فهي بمثابة أعمال فنية لا تعيش لأكثر من أسبوع». وماذا عن أعمالك أنت؟ «أعمالي أنتقيها بدقة كي تعيش لأطول مدة ممكنة بحيث تحفر في الذاكرة. ولعل أغنيتي «بيلا تشاو» هي مثال على ذلك، وقد لاقت انتشاراً عالمياً، خصوصاً وأن القيمين على مسلسل «لا كازا دي بابيل» طلبوا مني استخدامها في وثائقي عن المسلسل».
وتعتبر شيراز أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في انتشار الأغاني الهابطة «فالناس بحاجة إلى الترفيه عن نفسها، وجاءت هذه الوسائل عز الطلب بالنسبة لهم».
وتشير شيراز إلى أن أغنيتها «كاتيوشا» لا ينحصر موضوعها بلبنان فقط. «في استطاعة أي مواطن عربي أن تلامسه وتخاطبه. لم آت على ذكر لبنان فيها ولذلك هي تناسب جميع أوطاننا العربية».
شكلت أغنية «بيلا تشاو» لشيراز محطة فنية بقيت في ذاكرة الناس، وكانت النسخة العربية أيضاً لأغنية أجنبية معروفة. فهل باتت اليوم تفضل تقديم هذا النوع من الأغاني دون غيره؟ «لا أبدا لا أريد أن أحصر مشواري بالألحان الأجنبية المعروفة فقط، ولكني أبحث دائما عما يناسب هويتي الفنية.
وفي المقابل لم أجد بعد اللحن المحلي الذي أرغب به ويحاكيني». ولكن لدينا في لبنان عدد لا يستهان به من الملحنين الناجحين؟ «طبعاً، أعلم ذلك جيداً، إلا أني لم ألق بعد اللحن القريب من الصورة التي أحب أن أطل بها».
الراحل جان صليبا كان أحد الملحنين اللبنانيين الذي عرف كما تقول شيراز أن يقدم لها اللحن الذي يحاكي هويتها من خلال أغنية «قمرة». وتتابع في سياق حديثها: «مع رحيل جان صليبا بسبب إصابته بفيروس «كوفيد - 19»، فقدنا موسيقيا حفرت أعماله على الساحة الفنية.
ما زلت على اتصال بزوجته مايا، فالجائحة كان لها أثرها الكبير علينا كلبنانيين. وفقدت الساحة أكثر من قيمة فنية وبينها إلياس الرحباني أيضاً».
لعبت شيراز دور البطولة في الدراما التلفزيونية «موت أميرة»، وكذلك شاركت في الفيلم السينمائي «ذا ويك إند» من إخراج سامي كوجان ولكنه لم يعرض بعد. فأين هي اليوم من العمل التمثيلي سيما وأنه تم الإعلان عن جزء ثان لمسلسل «موت أميرة»، ولم ير النور؟
ترد: «في الحقيقة أن الأوضاع والأزمات التي نعيشها أثرت على إنتاجاتنا المحلية. وهو ما آخر تنفيذ الجزء الثاني من «موت أميرة». فأنا أهوى التمثيل، وخلال فترة الجائحة خضعت لتمرينات وورش عمل في التمثيل. كنت أرغب في صقل موهبتي والتزود بالحرفية المطلوبة لمستوى تمثيلي أفضل.
أما الفيلم السينمائي فقد تم تأجيل عرضه أيضاً بسبب الأوضاع التي نعيشها في لبنان. وأعتقد أنه سيتم عرضه في صالات السينما قريباً.
وهو يحكي عن صبية أجسد دورها، رغبت أثناء عطلة الأسبوع أن تعرف أهلها بصديقها (الممثل فؤاد يمين). فتبدأ معه سلسلة أحداث كوميدية جميلة فيها الكثير من المواقف المضحكة التي سيحبها المشاهد، لا سيما أننا بحاجة اليوم لهذا النوع من الأعمال».



«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.