إريك زيمور في كتابه الأخير: فرنسا لم تقل كلمتها النهائية

الإسلام والهجرات بعبع المؤلف الساعي لإنقاذ بلاده من «البرابرة»

إريك زيمور في كتابه الأخير: فرنسا لم تقل كلمتها النهائية
TT

إريك زيمور في كتابه الأخير: فرنسا لم تقل كلمتها النهائية

إريك زيمور في كتابه الأخير: فرنسا لم تقل كلمتها النهائية

تصح عليه تسمية «فلتة الشوط» في الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة يومي 10 و24 أبريل (نيسان) المقبل. وآخر استطلاع للرأي الذي نشرت نتائجه مجلة «تشالنج» الاقتصادية تضعه في المرتبة الثانية في الجولة الانتخابية الأولى، حيث يحصل على نسبة تتراوح بين 18 و17 في المائة من الأصوات، متقدماً بذلك على مارين لوبن مرشحة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف الذي ورثته عن والدها جان ماري لوبن. ورغم أنه لم يعلن بعد ترشحه، فإن إريك زيمور يجد نفسه، قبل خمسة أشهر من الموعد الانتخابي الرئيسي في الحياة السياسية الفرنسية، أهلاً لمنافسة الرئيس إيمانويل ماكرون على قصر الإليزيه.
والاستطلاع نفسه يضع ماكرون في المقدمة في الجولتين الانتخابيتين ويتوقع انتصاره، وبالتالي بقاؤه في قصر الإليزيه لولاية ثانية من خمس سنوات. ولكن بالنظر إلى أن الاستطلاعات تعطي صورة فوتوغرافية آنية عن حالة الرأي العام، فإن الأمور قابلة للتبدل، وبالتالي فإن مفاجأة ما قد لا تكون مستبعدة تماماً.
كان المشهد السياسي راكداً، وكان الرأي الغالب أن انتخابات 2022 ستكون تكراراً لانتخابات العام 2017، أي تنافس بين ماكرون ولوبن. لكن بروز اسم زيمور قلب المشهد رأساً على عقب وأحدث زلزالاً في الحياة السياسية، ليس فقط على صعيد ما تعكسه استطلاعات الرأي، ولكن أيضاً لجهة رواج المواضيع التي يطرحها للنقاش بحيث إن اليمين واليسار يلهثان وراءه.
زيمور يركز على مسألة الهوية الفرنسية المهددة وعلى ملف المهاجرين غير الأوروبيين الوافدين من البلدان العربية والمغاربية على وجه الخصوص ومن منطقة الساحل وأفريقيا السوداء، ويحذر من الإسلام غير القابل للانخراط في المجتمع الفرنسي... وكل ذلك يدمجه في النظرية المسماة «الاستبدال الكبير» التي أخذها عن المفكر اليميني المتطرف رينو كامو والتي تشكل الأساس الفلسفي - الآيديولوجي والسياسي لكتبه الأخيرة، وأهمها كتاب «الانتحار الفرنسي»، والأهم منه كتابه «فرنسا لم تقل كلمتها النهائية» الذي صدر في سبتمبر (أيلول) الماضي.
لا غرو أن إريك زيمور يشكل «ظاهرة» سياسية - اجتماعية - فكرية. والدليل على ذلك، أنه في الأسابيع الأخيرة يقوم بجولات على المدن الفرنسية للترويج لكتابه الأخير. وفي كل محطة من محطاته يثير جدلاً واسعاً وينجح في تجميع المئات من المواطنين بحيث تتحول عملية عرض كتابه إلى مهرجان انتخابي أو تثير مظاهرات معارضة له. وحتى منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، بيع من كتابه الأخير 187 ألف نسخة بحيث تربع على المرتبة الأولى لمبيعات الكتب السياسية. وينتظر له أن يتخطى الرقم الاستثنائي لكتاب «الانتحار الفرنسي» الذي بيع منه 450 ألف نسخة.
وتعكس هذه الظاهرة أن جانباً من الفرنسيين الذين عرفوه صحافياً وكاتباً يتبنى أفكاراً تميل إلى اليمين المتطرف، أخذت تستهويهم أفكاره وطروحاته التي تصنف إلى يمين اليمين المتطرف بسبب جذريتها التي تجاور العنصرية الفظة. وليس هذا القول اتهاماً؛ إذ إن حكمين قضائيين صدرا بحقه، الأول في العام 2011 بتهمة تبني خطاب عنصري والترويج له، والآخر في العام 2018 بتهمة بث وتحفيز مشاعر معاداة الإسلام.
كتاب زيمور الأخير الواقع في 350 صفحة يتبنى نهجاً خاصاً في بنائه.
فباستثناء مقدمته وخلاصته، فإنه يسلك خطاً زمنياً يبدأ مع العام 2006 وينتهي مع العام 2020. وينطلق المؤلف من تعليقات مختارة من أحداث العام، أو بالأحرى مما يعتبره هو مهماً ويصب في إطار نظرية «الاستبدال الكبير» باحثاً عن حادثة هنا أو ظاهرة هناك لإثبات صحتها، ولكن أيضاً لإظهار أن فرنسا قادرة، كما يبرز ذلك تاريخها العريق، على النهوض مجدداً من كبوتها بفضل «الرجل المنقذ».
وشيئاً فشيئاً، يعي القارئ أنه يرى في نفسه ذلك المنقذ، ويذهب حتى للمقارنة بين حاله وحال الجنرال ديغول الذي رفض الهزيمة والاستسلام بوجه الغزو الألماني النازي وفضّل المقاومة على الانحناء.
وصفحة بعد أخرى، يراكم زيمور البراهين الدالة على خطورة «الانحدار» الفرنسي المتمثل بالتغيير الديموغرافي والثقافي والحضاري في هذا البلد المسيحي الذي نهض على دعائم الإرث الإغريقي - اللاتيني منذ ما لا يقل عن 1500 عام. والخطر الذي يحدق به هو الإسلام؛ إذ إن الأكثرية الساحقة من المهاجرين غير الشرعيين منذ عقود عدة وبعكس الهجرات الأوروبية، هم من المسلمين الذين يحملون ثقافة وقيماً وأساليب حياة لا تتلاءم مع ما هو سائد في المجتمع الفرنسي الذي وفدوا إليه. وبالنظر إلى استمرار تدفقاتهم ولارتفاع معدلات الولادة عندهم وانخفاضها عند الفرنسيين «الأصليين»، فإن فرنسا آخذة بالتحول إلى بلد من بلدان العالم الثالث، حيث إن شعباً أجنبياً وافداً يحل محل الشعب الفرنسي. وبحسب زيمور، فإن عقوداً قليلة ستكون كافية ليتحول المهاجرون إلى أكثرية ويصبح الفرنسيون أقلية في بلادهم إذا لم تحصل يقظة وانتفاضة، ويريد هو أن يكون رافعاً لواءها.
وبنظر الكاتب، فإن مدناً وأحياء في فرنسا اليوم تعيش حالة «الاستبدال الكبير»، حيث البرقع حل محل الرأس والوجه المكشوفين واللحم الحلال محل الملحمة الفرنسية التقليدية التي تبيع لحم الخنزير ومقاهي «الشيشا» (النرجيلة) مكان محال بيع الكحول و«الثوب الإسلامي» محل «الميني جوب» و«البوركيني» محل «البيكيني» واللغة العربية محل اللغة الفرنسية، وهكذا دواليك.
والمفارقة، أن زيمور نفسه يتحدر من عائلة يهودية مهاجرة تنتمي وفق ما يؤكده في كتابه إلى عشيرة «الزمور» اليهودية القبائلية وقد انتقلت من الجزائر إلى فرنسا في الخمسينات من القرن الماضي.
والمفارقة، أنه يصب كامل حقده على المسلمين الذين عاشت بينهم عشيرته منذ مئات السنين. وبعكس ما حصل لليهود في أوروبا، ليس فقط زمن هتلر وتمجيده العرق الآري، بل قبل ذلك بمئات السنوات، حيث كان اليهود يُحصرون في أحياء خاصة تسمى «الغيتو». وفي لفرنسا نفسها، بقي وضعهم على هذه الحال حتى وصول الإمبراطور نابوليون بونابرت إلى السلطة نهاية القرن الثامن عشر.
طريف العرض الذي يقدمه زيمور لبزوغ رغبته في النزول إلى الحلبة السياسية. هنا، يذكر كتاباً عنوانه «انتخابات عادية» لصحافي مغمور يعرض صاحبه سيناريو وصوله (زيمور) إلى قصر الإليزيه. هناك، يروي كيف أن عدداً من الأشخاص كانوا يستوقفونه في الشارع ويحثونه على التنافس الرئاسي. وبتواضع مصطنع، يكتب «في أحلامي الطفولية، لم أكن أتخيل نفسي أبداً رئيساً للجمهورية، لا بل لم يتبادر إلى ذهني إطلاقاً الانتماء إلى حزب سياسي، بل ما كنت أريده أن أصبح شاتوبريان (أحد أهم الكتاب الفرنسيين لنهاية القرن الثامن عشر ومنتصف التاسع عشر) ولا أحد آخر».
ويتابع «إن فرضية دخولي الحلبة السياسية لم تكن سوى تعبير عن ظاهرة تداعي النظام السياسي الفرنسي وانحدار مؤسسات الجمهورية الخامسة. أليس انتخاب إيمانويل ماكرون دليلاً ساطعاً على انحدار النظام؟». ويتابع زيمور «إن عالم الجبابرة الذي سكن شبابي تحول إلى عالم من الأقزام». ويروي الكاتب بالتفصيل لقاءاته واتصالاته التي كانت تدفعه في غالبيتها إلى اجتياز الخطوة التي تفصله عن عالم السياسة، مشيراً إلى النجاحات التي كانت تلاقيها مداخلاته التلفزيونية عندما كان نجم الشبكة الإخبارية «سي نيوز» التي تعد رديفة لـ«فوكس نيوز» الأميركية. كذلك يروي زيمور تفاصيل غداء جمعه مع مارين لوبن التي تحول إلى منافس لها، وكيف أنها سعت لإقناعه أنه غير أهل لمنافستها وغير قادر على تخطي عتبة الثلاثة في المائة من الأصوات في حال ترشحه، وبالتالي لن يمنعها في أن تكون في المقدمة. ويشن زيمور هجوما عنيفا على منافسته في اليمن المتطرف بحيث يقول عنها إنها «لم تقرأ أبداً كتاباً (بينما هو مثقف كبير) ولا تتعب ولا تفهم شيئاً في المجال الاقتصادي وجل اهتمامها هي قططها ونبتاتها».
وصفحة بعد أخرى، يروي زيمور «خيبته» من رجال (ونساء) السياسة، حيث «لا يرى أحد أن فرنسا التي نعرفها بصدد الموت». ويكتب «إن نظرية الاستبدال الكبير ليست خرافة وليست مؤامرة. إنها مسار راسخ ومسألة الهوية تجعل المسائل الأخرى ثانوية حتى الأساسية منها، مثل المدرسة والصناعة والرعاية الاجتماعية وحتى موقع فرنسا في العالم». ويرى الكاتب، أن «لا أحد من بين المرشحين بمن فيهم مارين لوبن يجرؤ على جعل موضوع الهوية والنزاع الحضاري في قلب حملته الانتخابية»، وأن يقرع ناقوس الخطر بالنسبة لـ«أسلمة» فرنسا التي ستتحول من أرض مسيحية عريقة إلى بلد يدخل في الأمة الإسلامية.
وبالنظر لما سبق، فإنه تقع على عاتق زيمور «مهمة» وطنية بدايتها التوعية والتنبيه من آثار «الراديكالية الإسلاموية» المدمرة التي تهدد بالقضاء على ما يمثل قلب الحضارة والثقافة الفرنسيتين، أي الهوية الفرنسية كمرحلة أولى تليها مرحلة الوقوف بوجه هذا التحول بحيث يكون هو رجل المرحلة.
إذا صدقت أقوال زيمور، فإن القارئ يقاد إلى الاعتقاد أن سياسيين أمثال رئيس الوزراء الأسبق إدوار بالادور لم يتردد في أن يقول له، إن في فرنسا «الكثير من المسلمين»، أو أن نيكولا دوبون دينيان، رئيس حزب صغير يتأرجح بين اليمين الكلاسيكي واليمين المتطرف، شجعه على خوض غمار المنافسة الرئاسية. ولكن اللافت، أن حدثاً سياسياً رئيسياً كانتخاب ماكرون رئيساً للجمهورية في العام 2017 لا يلقى أي اهتمام لدى الكاتب عند معالجته العام المذكور وكأنه بذلك اعتبره غير جدير بالتوقف عنده.
في صفحات الكتاب الأخيرة، وضع زيمور بشكل مكثف الخلاصات التي يريد دفع القارئ إليها، وعمادها أنه في عمر الأشخاص كما الأمم، ثمة لحظات انكسار ولكن دوماً تتبعها مرحلة الانبعاث.
وفرنسا، خلال تاريخها الطويل وجدت دوماً رجالاً رفعوها من كبواتها كجان دراك وبونابرت وديغول. وكل من هؤلاء نجح في جمع طاقات الأمة باسم المحافظة على بقائها وباسم مبدأ «السيادة»: سيادة الدولة ضد الإقطاع، سيادة الأمة ضد الإمبراطوريات (المعادية)، سيادة الحضارة ضد «البرابرة». ولا يجد زيمور غضاضة في تمجيد الاستعمار الفرنسي (مثلاً في الجزائر). لكن مسار فرنسا الراهن يراه انحدارياً، حيث «لم تعد فرنسا تلك الأمة المهابة التي كان يخاف منها الألمان والأوروبيون»، و«المسألة بالنسبة إليها اليوم هي أن تبقى أو أن تموت».
ولذا؛ يتعين على الفرنسيين أن «يقاتلوا على جميع الجبهات من أجل إنقاذ الهوية واستعادة السيادة وإعادة إيقاف فرنسا على قدميها». أما «الوصفة» لذلك فتبدأ مع وقف تيار الهجرات وتمكين الشعب، «من خلال آلية الاستفتاء من وضع حد للمّ الشمل العائلي (للمهاجرين) وإلغاء حق الجنسية للذين يولدون على الأراضي الفرنسية وتأطير قانون اللجوء وتدجين القضاة الفرنسيين والأوروبيين والتوقف عن انتقاد (عنف الشرطة) وإعطائهم حق الدفاع عن النفس».
وبنظر زيمور، فإن الانتماء الاثني والديني لمهربي المخدرات والمعتدين على النساء المتقدمات في السن يجب أن ينيرنا ويفتح أعيننا على أن ما يحصل هو عودة البرابرة. ويبرى الكاتب في ذلك «حرباً حضارية تبدأ بسرقة الهواتف النقالة وتتواصل بترهيب المخدرات وتنتهي بالأعمال الإرهابية على غرار ما حصل في مسرح الباتاكلان خريف العام 2015 أو من خلال قطع رأس المدرس صامويل باتي (العام الماضي) أو قتل كاهن في كنيسته».
ويخلط زيمور الحابل بالنابل ويرى أن هؤلاء جميعاً ينتمون إلى المعجن نفسه. زيمور يدعو لـ«ثورة كوبرنيقية». ويريد أن يرص صفوف الفرنسيين حول خمسة عناصر: الهوية، والهجرات، والاستقلال، والتعليم والصناعة. ولا ينسى أن يتهم اليسار الفرنسي بـ«الركوع أمام الإسلام» وقد اخترعت له تسمية «اليسار الإسلاموي». وخلاصة الخلاصات «نحن منخرطون في حرب من أجل الحفاظ على فرنسا التي نعرفها وكما عرفناها ومصير أبنائنا مرهون بمصير هذه المعركة... إن فرنسا لم تقل كلمتها النهائية».

بَيْنَ الحُبِّ والخَطِيئَةِ
بَيْنَ الـمُتْعَةِ والأَمَلْ
بَيْنَ الخَيْرِ القَلِيلِ
والشَرِّ السَّائِدِ الـمُسْتَفْحَلْ
بِفَيْرُوسِ لَعْنَةٍ
جاءَ يَجْتَاحُ بَنِي البَشَرْ...!
بارِيسِيَ!
كَمْ يَحْلُو لي أَنْ أَتَفَرَّدَ بِكِ
وأَنْتِ تَتَوَهّجِينَ
بِلُغْزِ سِحْرِكِ الـمَخْبُوءِ
الـمُبَجَّلِ...
وكَمْ... يَحْلُو لي أَنْ أَلْبَسَكِ
وأَنْتِ تَرْتَدِينَ زَنْبَقَةَ الغَوْرِ
واللَّيْلِ العَتِيِّ
لأَمْتَلِئَ بِكِ
فيَمْتَلِئُ كِلاَنَا أَمَلاً
فِي غَمْرَةِ الوُجُودِ القلِقِ...
* من أمسيات الحجر الصحي


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.