اختبارات الميكروبات البشرية... ادعاءات وحقائق

تركيبة الميكروبيوم تتشكل بفعل العوامل الجينية والبيئية والغذائية والسلوكية

اختبارات الميكروبات البشرية... ادعاءات وحقائق
TT

اختبارات الميكروبات البشرية... ادعاءات وحقائق

اختبارات الميكروبات البشرية... ادعاءات وحقائق

تتكاثر التساؤلات المطروحة حاليا مثل: كيف أعلم ما إذا كانت الميكروبات الموجودة في أمعائي سليمة؟ هل يوجد فحص يمكنني الخضوع له لمعرفة ذلك؟ ذلك، أن عدداً متزايدا من الشركات يقدم فحوصات تعطي لمحة عن حال الميكروبيوم microbiome المعوي (النبيت الجرثومي المعوي)، أي مجموع الميكروبات المعوية، وهي تريليونات الكائنات المجهرية التي تعيش في الجهاز الهضمي.

ادعاءات وحقائق
يدرك العلماء جيداً أن هذه الكائنات المجهرية الحية تلعب دوراً حيوياً في صحة الإنسان وتؤثر على كل شيء من الحالة الصحية مع التقدم في السن ومحاربة الأمراض، إلى مخاطر المعاناة من السمنة وأمراض القلب والسكري من النوع الثاني. وتتطلب «اختبارات الميكروبيوم» microbiome tests المباشرة التي تصل إلى المستخدم تعبئة نموذج استمارة إلكترونية ودفع رسوم وإرسال عينة من البراز. وبعد أسبوعين أو ثلاثة، يحصل صاحب الفحص على تقرير يزوده بلمحة عامة عن الكائنات المجهرية الموجودة في أمعائه، وما إذا كانت مرتبطة بأمراض أو اضطرابات.
ويصل الحد إلى ادعاء عدد أقل من الشركات أنها قادرة على تقديم قائمة بالأطعمة المناسبة للشخص الخاضع للفحص له بناءً على تركيبة الميكروبات وغيرها من المعلومات الشخصية. ولكن بعض الخبراء يعتبرون أنه رغم الوعود التي يحملها هذا الميدان من العلم، لا تزال الأدلة العلمية التي تدعمه غير ناضجة. وتعتقد آيمي لوهمان، الباحثة الرئيسية المسؤولة عن أبحاث الميكروبات البشرية في مختبر «فود أند مود» Food & Mood Centre التابع لجامعة ديكن Deakin University في أستراليا، أن «العلماء سيكونون قادرين خلال خمس إلى عشر سنوات على تقديم عروض موثوقة ومثبتة يستطيع الأطباء والعاملون في مجال العناية الصحية التوصية باستخدامها دون ارتياب. ولكننا لم نصل إلى هذه المرحلة بعد وأظن أن الوعود أكبر مما قد يحققه هذا الحلم على أرض الواقع».

نبيت جرثومي مفيد
لا شك في أن الميكروبات البشرية تلعب دوراً حيوياً في الصحة بشكل عام، كونها تحول الطعام الذي نتناوله إلى مجموعة من المركبات المفيدة لجسمنا. تنتج ميكروبات الأمعاء مجموعة متنوعة من الفيتامينات وتركب هورمونات مثل السيروتونين الذي يؤثر على الصحة الأيضية والمزاج، وتخمر الألياف التي نتناولها وتحولها إلى سلسلة قصيرة من الأحماض الدهنية التي تعمل على تخفيف الالتهابات.
وتتشكل تركيبة الميكروبات البشرية في الجسم بفعل العوامل الجينية والبيئة والغذاء والأدوية والمشروبات التي نستهلكها.
وقد أثبت العلماء أن ميكروبات الأمعاء مرتبطة بمقاومة الأنسولين والسمنة والأمراض الأيضية، ووجدوا أيضاً أن امتلاك عدد كبير من المجموعات المتنوعة من الفصائل البكتيرية أمر مفيد. إذ يواجه الأشخاص الذين يملكون تنوعاً بكتيرياً في أمعائهم خطراً أقل بالمعاناة من السمنة والاكتئاب والسكري، كما أنهم أقل عرضة للمعاناة من علامات الهشاشة مع التقدم في السن.
ولكن البكتيريا البشرية فريدة كبصمات الأصابع إلى درجة أنها تختلف حتى بين التوائم. وقد حال هذا التنوع الكبير بين الأفراد دون التوصل إلى إجماع على التركيبة الدقيقة للميكروبات «الصحيحة»، ومنع العلماء أيضاً من تأكيد ما إذا كانت سلالات محددة من هذه البكتيريا والمستويات المنخفضة من التنوع الميكروبي قد تسبب السمنة أو الأمراض الأيضية أو العكس. ولكن الظاهر حتى اليوم هو أن ميكروبات الأمعاء مفيدة لبعض الأشخاص ومدمرة لآخرين.
اعتبر جاستن سوننبرغ، أستاذ في علم الأحياء المجهري وعلم المناعة في جامعة ستانفورد الذي يتابع دراساته في مجال الميكروبات البشرية أن «هذا المجال تقدم كثيراً ونحن في طور تحديد الجيد والسيئ من هذه الميكروبات. ولكن البكتيريا هي عبارة عن كائنات حية معقدة وسريعة التطور، ما يصعب التأكيد على أنها مفيدة بالكامل أو مضرة بالكامل».

مجاهيل الأنواع الميكروبية
صحيح أن العلماء اكتشفوا الكثير في هذا المجال في السنوات الأخيرة، ولكن لا يزال هناك الكثير لمعرفته حول آلاف الأنواع الميكروبية التي تعيش في الأمعاء.
كتبت لوهمان وزملاء لها أخيراً في ورقة بحثية حديثة نشروها في دورية «ذا لانست غاسترو إنتيرولوجي أند هيباتولوجي» The Lancet Gastroenterology & Hepatology. أن «الأنواع المجهولة من الميكروبات البشرية المعلومة مذهلة، إذ أن ما يقارب 20 في المائة من سلاسل البكتيريا الجينية لم تعرف بعد، و40 في المائة من مجموع العشرة ملايين جين بكتيري المقدرة لا تزال غير معروفة».
أظهرت الدراسات في هذا المجال أنه لا يوجد نظام غذائي موحد يناسب الجميع بتأثيرات موحدة على عوامل كالصحة الأيضية أو خسارة الوزن، لأن الميكروبيوم البشري يلعب دوراً في هذا الأمر. لهذا السبب، تعمد بعض الشركات إلى دمج تحاليل الميكروبات البشرية مع بيانات أخرى لمنح الناس توصيات غذائية خاصة بهم. وتتابع دراسة عالمية مستمرة اسمها «بريدكت» Predict عن الغذاء الموجه لكل فرد personalized nutrition، ألفا ومائة شخص في الولايات المتحدة وبريطانيا ومن بينهم مئات من التوائم المتطابقة وغير المتطابقة. ووجدت هذه الدراسة أن الأشخاص قد يملكون استجابات أيضية مختلفة كلياً لنفس الأنواع الغذائية وأن عوامل فريدة كالجينات والنوم والتوتر ومستوى التمارين الرياضية، وتنوع الميكروبات في أمعائهم، توثر جميعها على شكل التمثيل الغذائي.

صدقية الاختبارات
شكل هذا البحث الأساس لشركة «زوي» Zoe التي تقدم توصيات غذائية مخصصة عبر تحليل ميكروبات زبائنها المعوية وجمع مجموعة كبيرة من البيانات الصحية منهم. تطلب «زوي» من زبائنها ارتداء أجهزة مراقبة للغلوكوز بشكل متواصل، وتسحب منهم عينات دم لرصد تأثيرات الوجبات المختلفة على مستويات الدهون والغلوكوز في دوراتهم الدموية. تبدأ أسعار البرامج التي تقدمها الشركة من 354 دولاراً مقسمة على ستة أشهر (القسط الواحد 59 دولاراً).
من جهة أخرى نشرت مجموعة من الباحثين من معهد وايزمان للعلوم في إسرائيل عام 2015 دراسةً شملت 800 مشارك أظهرت أيضاً أن الناس يملكون استجابات غلوكوز مختلفة (أحد المؤشرات المهمة على خطر الإصابة بالسكري) لنفس نوع الطعام. طور هؤلاء الباحثون خوارزمية باستخدام بيانات عن استجابات الغلوكوز لدى المشاركين، وميكروباتهم المعوية، وتاريخهم العائلي وأسلوب حياتهم، سمحت لهم بالتنبؤ بشكل استجابة الغلوكوز لمختلف أنواع الأطعمة. ساهم هذا البحث في بروز شركة تدعى «داي تو» DayTwo تقدم نصائح غذائية مخصصة لأشخاص مصابين بالسكري لمساعدتهم في السيطرة على حالتهم.
وتعلق لوهمان من جامعة ديكن بالقول إن دراسات الميكروبات البشرية التي كانت خلف نشأة شركات كـ«زوي» و«داي تو» مثيرة للاهتمام، ولكن يجب القيام بمزيد من البحوث. ولا تقف استنتاجات الباحثة عائقاً أمام الناس الذين يرغبون بفحص تسلسل ميكروباتهم لمعرفة المزيد عن صحتهم، ولكنها تلفت الانتباه إلى أنه يمكنهم أيضاً القيام بخطوات لتغذية ميكروباتهم المعوية مثل تناول كمية كبيرة من النباتات الغنية بالألياف والأطعمة المخمرة التي ستفيد صحتهم بكل عام.
وأخيراً، تقول لوهمان: «إذا كنتم تملكون 300 دولار لا تحتاجونها، أنتم أحرار لتجربة برامج الشركات. ولكن ألن تكون صحتكم أفضل بكثير إذا زرتم طبيبا ونظر إلى ملفكم وقال إنكم وصلتم إلى الأربعين وتعانون من مشاكل صحية كامنة – إذن يجب أن تتناولوا المزيد من الخضراوات؟ هذا الأمر مثير للجدل».
*خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

تكنولوجيا تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

الصوت يحمل بيانات شخصية حساسة تكشف الصحة والمشاعر والهوية، ومع تطور تقنيات تحليل الكلام تزداد تحديات الخصوصية والحاجة لحمايتها بوعي وتشريعات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تعتمد «تيك توك» بشكل متزايد على التقنيات الآلية لرصد وحذف غالبية المحتوى المخالف قبل الإبلاغ عنه من المستخدمين (رويترز)

«تيك توك» تحذف نحو 3.9 مليون محتوى مخالف في السعودية نهاية 2025

«تيك توك» تحذف أيضاً أكثر من 17.4 مليون مقطع فيديو مخالف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا «غوغل»: الميزة الجديدة داخل «جيميل» لا تستهدف محاربة الرسائل التسويقية (جيميل)

«غوغل» تطلق ميزة جديدة لتنظيم الاشتراكات البريدية في «جيميل»

ميزة إدارة الاشتراكات في «جيميل» تهدف لتنظيم الرسائل الترويجية وجمعها في صفحة واحدة مع إلغاء مباشر للاشتراك وتحسين الأمان والإنتاجية للمستخدمين يومياً.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
خاص يشكّل التصوير الجزيئي ركيزة أساسية في التحول الصحي لدعم الاكتشاف المبكر والطب الدقيق والرعاية الوقائية (شاترستوك)

خاص التصوير الجُزيئي كـ«بنية تحتية»: كيف يدعم التحول الصحي في السعودية؟

يتوسع التصوير الجزيئي في السعودية لدعم التشخيص المبكر والطب الدقيق، فيما يظل التنسيق والبنية التحتية والكوادر التحدي الأبرز، لا توفر الأجهزة فقط.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يسهم في تسريع إنجاز المهام اليومية وتقليل الأعمال الروتينية وتعزيز كفاءة الإنتاجية داخل بيئات العمل «كلود»

«كلود كوورك»... أداة جديدة تعتمد الذكاء الاصطناعي لتنفيذ المهام المكتبية

تقوم الأداة بتحليل المحتوى والتخطيط للتنفيذ ثم إتمام المهمة ورفع المخرجات في نفس المكان دون الحاجة لسلسلة من التعليمات التفصيلية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».