3 دول عربية تواجه أسوأ أزمات الغذاء عالمياً

أعداد الجياع تزداد بسبب سوء الإدارة والنزاعات والمناخ

نازحون يمنيون في انتظار الحصول على مساعدات غذائية (أ.ف.ب)
نازحون يمنيون في انتظار الحصول على مساعدات غذائية (أ.ف.ب)
TT

3 دول عربية تواجه أسوأ أزمات الغذاء عالمياً

نازحون يمنيون في انتظار الحصول على مساعدات غذائية (أ.ف.ب)
نازحون يمنيون في انتظار الحصول على مساعدات غذائية (أ.ف.ب)

شهد العالم منذ هبوب جائحة «كورونا» قبل سنتين زيادة ضخمة في أعداد الجياع حول العالم. وفيما لم تتكشف بعد مُجمل تأثيرات الجائحة، فإن وطأة الأزمة الغذائية تتعاظم مع سوء الإدارة والظروف المناخية المتطرفة والنزاعات الممتدة والأزمات الاقتصادية، لتجعل الهدف العالمي في القضاء على الجوع بحلول 2030 بعيد المنال على نحو غير مسبوق.
ومنذ منتصف سنة 2010، بدأ مؤشر الجوع في الارتفاع، بعد تراجع عزز الآمال في توفير الغذاء للجميع. ولعل أكثر ما يبعث على القلق الارتفاع الحاد في معدلات الجوع المطلقة والنسبية خلال العام الماضي، حيث تخطت معدل النمو السكاني.
وتشير تقديرات وكالات الأمم المتحدة إلى أن 9.9 في المائة من مجمل سكان العالم تقريباً (أي ما بين 720 و811 مليون شخص) كانوا يعانون من جوع مزمن ونقص في التغذية خلال 2020، بينما كانت النسبة في السنة التي سبقتها 8.4 في المائة. وقد حملت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) هموم الغذاء إلى القمة المناخية في غلاسكو هذا الأسبوع، من خلال ندوة موسعة نظمتها عن سبل مساهمة الأنظمة الغذائية الزراعية المبتكرة المرنة في إطعام عالم يعيش وسط تداعيات تغيُّرات مناخية متفاقمة.
- كيف وصل العالم إلى هنا؟
يوجز تقرير «حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2021» الذي صدر عن «الفاو» ومنظمات أممية أخرى، وتمّت مناقشته في القمة، الدوافع الرئيسية لتراجع الأمن الغذائي وسوء التغذية حول العالم. ويحددها في ضعف الكفاءة في مراحل الإنتاج والتصنيع والتخزين والتوزيع، والنزاعات، والتقلبات والأحوال المناخية القصوى، وحالات التباطؤ والانكماش الاقتصادي. ويؤكد التقرير أن أزمة الغذاء تفاقمت بفعل الفقر، واتساع حالات عدم المساواة في الدخل والقدرة الإنتاجية والتكنولوجيا والتعليم والصحة وغيرها.
وتمثّل النزاعات المسلحة تهديداً محدقاً بالأمن الغذائي، حيث أدت الزيادة الملحوظة في عددها ومدى تعقيدها في السنوات العشر الأخيرة إلى تآكل ما تحقق من مكاسب في مجال الأمن الغذائي، مما دفع كثيراً من البلدان إلى شفير المجاعة. وقد تجاوزت النزاعات الداخلية عدد النزاعات القائمة بين دول مختلفة، مع زيادة في النزاعات الداخلية التي جرى تدويلها. ويعيش أكثر من نصف السكان الذين يواجهون نقص التغذية في بلدان تشهد شكلاً من أشكال النزاع أو العنف.
وتشكل التقلبات والأحوال المناخية القصوى المتزايدة دافعاً رئيسياً للارتفاع الأخير في مستوى الجوع في العالم، وأحد الأسباب المهمة لحدوث أزمات غذائية حادة، وعاملاً معتبراً في مستويات سوء التغذية المثيرة للقلق التي حصلت خلال السنوات الأخيرة. وتكون حالة الجوع أسوأ بكثير في البلدان التي تُعد نظمها الغذائية والزراعية حساسة بدرجة كبيرة لهطول الأمطار والتقلبات في درجات الحرارة. كما تؤدي حالات التباطؤ والانكماش الاقتصادي إلى ارتفاع مستويات الجوع وانعدام الأمن الغذائي، فهي تعيق التقدم باتجاه القضاء على سوء التغذية بجميع أشكاله، بغض النظر عما إذا كان مدفوعاً بتقلبات السوق، أو الحروب التجارية، أو الاضطرابات السياسية، أو الجوائح العالمية. وتشهد معظم البلدان التي زاد فيها مستوى الجوع حالات تباطؤ وانكماش اقتصادي تدفع الناس إلى شراء أغذية أرخص ثمناً وأفقر من الناحية الغذائية.
ويعمق الفقر وغياب المساواة مشكلة أزمة الغذاء، إذ من غير المستغرب أن تكون الأنماط الغذائية الصحية بعيدة المنال عن الفقراء، أو فئات المجتمع المهمشة. وتدفع مواطن الضعف الهيكلي في المجتمع، بما فيها أشكال انعدام المساواة المرتبطة بنوع الجنس والشباب والأثنية والسكان الأصليين والأشخاص ذوي الإعاقة، إلى زيادة مستويات الفقر وانعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية خلال فترات التباطؤ والانكماش الاقتصادي، أو في أعقاب النزاعات والكوارث المتصلة بالمناخ أو الجوائح.
وتوجد عوامل أخرى وراء انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، يحمل أغلبها طابعاً محلياً، أو يؤثر في أقاليم وبلدان محددة، أو يظهر بصورة غير منتظمة، أو تترتب عنه آثار محدودة طويلة الأمد على الجوع وسوء التغذية. وتشمل هذه العوامل، على سبيل المثال، ارتفاع أسعار الأغذية، وانتشار أسراب الجراد، وتفشي الأمراض المحلية، ورداءة المرافق والخدمات الصحية، وضعف ممارسات تغذية الأطفال.
- أزمة الغذاء تتعمق في اليمن وسوريا والسودان
وتكشف أرقام تقرير «حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2021» عن أوجه عدم مساواة إقليمية مستمرة مقلقة. فقد عانى شخص واحد من أصل 5 أشخاص (21 في المائة من السكان) من الجوع المزمن في أفريقيا عام 2020؛ أي أكثر من ضعف النسبة المسجلة في أي إقليم آخر، بزيادة تقارب 3 نقاط مئوية عن السنة التي سبقتها. وتلي أفريقيا كل من أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي (9.1 في المائة) وآسيا (9 في المائة) اللتين شهدتا زيادة قدرها 2 و1.1 في المائة على التوالي بين عامي 2019 و2020.
ومن أصل العدد الإجمالي الذي يعاني من الجوع المزمن ونقص التغذية، يعيش أكثر من النصف في آسيا، وأكثر من الثلث في أفريقيا، فيما تضم أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي نحو 8 في المائة.
ويتناول التقرير معدل انعدام الأمن الغذائي المعتدل أو الشديد، وهو مؤشر إحصائي تكميلي يعتمد على المقابلات المباشرة للأفراد والأسر، وتقييمهم حول حصولهم على كفايتهم من الغذاء، ويختلف عن أرقام الجوع المزمن السابقة التي تُعبّر عن العجز في استهلاك ما يكفي من الأغذية على فترة ممتدة للحفاظ على نمط عيش عادي مفعم بالنشاط.
وكان معدل انعدام الأمن الغذائي المعتدل أو الشديد قد ارتفع بوتيرة بطيئة عالمياً من 22.6 في المائة من سكان العالم في 2014 إلى 26.6 في المائة في 2019. وفي عام 2020 الذي شهد تفشي جائحة «كوفيد - 19»، ارتفع معدل انعدام الأمن الغذائي المعتدل أو الشديد بمقدار الزيادة ذاتها خلال مجموع السنوات الخمس السابقة، ليبلغ 30.4 في المائة. ونتيجة لذلك، تعذر على شخص واحد من بين كل 3 أشخاص في العالم الحصول على غذاء كاف.
ويتناول التقرير الذي أصدرته الشبكة العالمية لمكافحة الأزمات الغذائية في مطلع شهر مايو (أيار) الماضي أهم الأزمات الغذائية التي تفتقر إلى القدرات المحلية لمواجهتها، مما يستدعي طلب التعبئة العاجلة من المجتمع الدولي.
ووفقاً للتقرير، جرى خلال سنة 2020 تصنيف 155 مليون شخص في 55 دولة ضمن مرحلة الأزمة الغذائية، أو المراحل الأسوأ (الطوارئ والمجاعة)، التي تعاني فيها الأسر من فجوات غذائية وسوء تغذية حاد، أو تكون معرضة لذلك نتيجة استنفادها للممتلكات بشكل متسارع.
ويحدد التقرير 10 أزمات غذائية هي الأسوأ عالمياً من حيث عدد الأشخاص، كان من بينها 6 أزمات في بلدان أفريقية (الكونغو الديمقراطية، والسودان، وشمال نيجيريا، وإثيوبيا، وجنوب السودان، وزيمبابوي)، واثنتان في الشرق الأوسط (سوريا واليمن)، وواحدة في الأميركيتين (هاييتي)، وأخرى في جنوب آسيا (أفغانستان).
وللعام الثالث على التوالي، كان أكبر عدد من السكان الجياع في 3 بلدان متأثرة بالصراعات، هي الكونغو الديمقراطية (21.8 مليون) واليمن (13.5 مليون) وأفغانستان (13.2 مليون). وتشكل هذه البلدان، بالإضافة إلى سوريا (12.4 مليون) والسودان (9.6 مليون)، ما يزيد على 45 في المائة من مجموع السكان المصنفين عالمياً في مرحلة الأزمة الغذائية أو المراحل الأسوأ.
وللموازنة، كان التقرير العالمي حول الأزمات الغذائية الصادر عام 2016 قد صنف 14.1 مليون شخص في اليمن، و9.4 مليون شخص في سوريا، و3.5 مليون شخص في السودان، ضمن مرحلة الأزمة الغذائية أو المراحل الأسوأ. وتعكس هذه الأرقام الحالة المقلقة لأعداد الجياع في هذه البلدان نتيجة النزاعات الداخلية والأزمات الاقتصادية الناشئة.
ومن حيث الانتشار، يصنف التقرير الحالي 60 في المائة من سكان سوريا ضمن مرحلة الأزمة الغذائية أو المراحل الأسوأ. وتأتي دولة جنوب السودان ثانياً بنسبة 55 في المائة، تليها اليمن وزيمبابوي بنسبة 45 في المائة. ويتوقع التقرير أن تتعمق الأزمة الغذائية العالمية في 2021 نتيجة النزاعات وجائحة «كوفيد - 19» والأزمات الاقتصادية الواسعة النطاق، مما يستلزم استمرار المساعدات الإنسانية على نطاق كبير.
ويؤكد التحديث الأخير للتقرير الذي يعتمد على تحليل البيانات المتاحة حتى 10 سبتمبر (أيلول) الماضي هذه التقديرات، إذ إن 42 من أصل 55 دولة كانت تواجه أزمة غذائية في 2020 تشير إلى وجود 161 مليون شخص يواجهون أزمة غذائية في السنة الحالية.
ويعكس هذا الوضع المتدهور حالات الطوارئ الإنسانية المتفاقمة في عدد من أكبر 10 أزمات غذائية عالمية، لا سيما في الكونغو الديمقراطية (27.3 مليون) وإثيوبيا (من 8.6 مليون شخص في 2020 إلى 16.8 مليون) ونيجيريا (من 9.2 مليون شخص في 2020 إلى 12.8 مليون)، وكذلك في اليمن التي شهدت زيادة حادة في أعداد الجياع لتصل إلى 16.1 مليون شخص.
وفي حين لم تتوفر البيانات الخاصة بسوريا عند إعداد التحديث الأخير للتقرير، تعكس معطيات المساعدات الإنسانية زيادة في أعداد الجياع بمقدار 400 ألف شخص خلال النصف الأول من 2021. وتعزز حالة الجفاف التي تشهدها البلاد، والقفزات الكبيرة في الأسعار، المخاوف من اتساع الأزمة الغذائية، حيث يواجه المزارعون تحديات في الاستعداد لموسم الزراعة المقبل بسبب نقص السيولة وارتفاع أسعار المدخلات الزراعية والوقود.
إن معاناة نحو 200 مليون شخص من فقدان الأمن الغذائي وسوء التغذية سنة 2021 هو أمر مرجح إلى حدٍ بعيد، كما سيتعذر على كل شخص من بين 3 أشخاص في العالم الحصول على غذاء كافٍ أو ضمان قوت يومه بشكل منتظم. وتستوجب هذه المعطيات تعزيز الجهود العالمية والإقليمية لمواجهة الأسباب الجوهرية لأزمة الغذاء العالمية، من خلال تسوية النزاعات على أساس عادل، ودعم العمل المناخي والتكيُّف مع آثار تغيُّر المناخ، والتخفيف من وطأة الأزمة الاقتصادية، ومعالجة عوامل الفقر وغياب المساواة.


مقالات ذات صلة

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
بيئة الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا من تحرك احتجاجي في العاصمة التونسية قبل أيام (رويترز)

تونس: مسيرة على الأقدام ضد التلوث البيئي

خرج محتجون من منطقة «الرويسات» بولاية القيروان الاثنين، في مسيرة على الأقدام نحو «قصر قرطاج» الرئاسي بالعاصمة، احتجاجاً على التلوث البيئي الصادر عن مصنع للأسمنت

«الشرق الأوسط» (تونس)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».