عاصي الرحباني كتب جميع أدوار فيروز المسرحية مستلهماً شخصيتها

خالدة سعيد في كتابها «فضاءات 2»

فيروز
فيروز
TT

عاصي الرحباني كتب جميع أدوار فيروز المسرحية مستلهماً شخصيتها

فيروز
فيروز

تكمل خالدة سعيد في الجزء الثاني من كتابها «فضاءات، يوتوبيا المدينة المثقفة» الصادر حديثاً عن «دار الساقي» ما بدأته في الجزء الأول الذي أبصر النور عام 2012. هذه المرة ترصد الكاتبة 37 شخصية ساهمت في صنع رسالة لبنان النهضوية في النصف الثاني من القرن العشرين، بهدف توجيه «تحية للأولمب اللبناني الرائد والصامد، وللمناخ اللبناني الثقافي» في هذه الفترة القاتمة، لا بل من بين الأكثر ظلمة في حياة اللبنانيين. وهي تركّز في دراستها للشخصيات على جانب تعتبره «رسولياً» في مسار المثقفين اللبنانيين، لأن «ما من مجلة أو كتاب أو مقالة أدبية، إلا وتعبر بوضوح عن هدف بعيد، هو الإسهام في الإصلاح والتنوير والارتقاء». من عبد الله العلايلي، الشيخ اللغوي الفذ، عبقري العربية والاستقراء والتحليل وانتهاء في آخر الكتاب بجورج شحادة الذي كتب بالفرنسية وترك لنا مسرحيات وقصائد، الولوج إليها هو دخول إلى عالم الأسرار، نتلمس هذا «الحضور الرسولي» و«قصدية القيام برسالة». وهو ما تعتبره الكاتبة خصيصة لبنانية، تتوجب الإضاءة عليه. بعض الدراسات تركّز على نقد الأعمال، وأخرى على المسارات. تركت الكاتبة لنفسها حرية مقاربة الشخصيات تبعاً لما تراه مناسباً. لكن أكثر ما يلفت هي الصفحات التي كرست لفيروز وجاءت مختلفة تماماً في روحها، عما قبلها وبعدها.
فالناقدة والأكاديمية التي أغنتنا بدراساتها، كانت تعمل لإصدار مؤلف خاص عن جارة القمر، لمعرفتها بها، وللدور الهائل الذي لعبته في بلورة الضمير والوجدان العربيين، ولأن «دار مركور دو فرانس» كانت ترغب في نشر هذا الكتاب.

سيرة فيروز لم تكتب
هذا المشروع لم يتم، لسوء حظنا، رغم زيارات خالدة سعيد المتكررة لمنزل فيروز. وتقول خالدة سعيد في مقابلة لها إن فيروز لم تبح، خلال تلك الجلسات، بأكثر مما هو معروف من أخبار. وتكمل: «كتابة السيرة تطلب الكلام، وإن لم يكن كلّ الكلام. لا بدّ من حكاية فيها شيء من الخصوصية والجدة قياساً إلى الشائع المعروف. الآن صرتُ في وضع صحي لا يسمح بالسّفر، ولا بالعمل على موضوع بالغ الجدية، بل هو بالنسبة إلي موضوع مقدّس. لكنه الآن مضى. تجاوزه الوقت، تجاوزني الزّمن».
منذ أواخر التسعينات، وخالدة سعيد تستدرج فيروز لكتابة هذه السيرة، ويبدو أنها قررت الاستفادة من بعض ما جمعته، لتضمنه كتابها الجديد، وإن جاءت المعلومات على قدر من التحفظ، مسايرة لفيروز ورغبتها في التكتم، إلا أنها زودتنا بإضاءات مهمة. نتعرف على فيروز «العفريتة»، التي كانت طفلة ذات حيوية كبيرة، بقدر ما كانت تحب اللعب، نجدها منضبطة في الصف، وهو ما كان يدفع إلى توكيلها بمراقبة بقية زملائها. طفولة فقيرة، لكنها مليئة بالرضا. تقول الكاتبة «كم مرة سمعنا فيروز تتندّر على حذائها الذي تغير ألوانه وفق الفصول، لأنها لا تستطيع أن تشتري غيره... وكم تكلمت عن بيت الأسرة المكون من غرفة واحدة، في حوش تحيط به بيوت مستورة، وعلى هوسها الدائم بالنظام والترتيب والنظافة».
خلال «البحث عن الغنى الكامن في شخصية فيروز، ونشأتها»، ثمة إحالة إلى دور الأب الذي له شخصية «ساحرة، صامتة... شجاع، عصامي، جاء إلى لبنان بمفرده فتى يافعاً، هرباً من المجازر التي أوقعها العثمانيون بالأقليات التاريخية في شمال سوريا، وبينها أهل له». في إشارة غير واضحة إلى نوع الأذى الذي تعرضت له عائلة فيروز السورية في تلك الفترة. «تعلم والد فيروز في لبنان وعمل بصمت، وأنشأ أسرة صالحة». هذا الصمت الذي يتكرر التركيز عليه، سترثه فيروز عن والدها. هو انكفاء لم يأتها باكراً. كانت طفولتها «فوّارة سعيدة». عاشت «لعوب، ضاحكة، مشرقة» تعرف كيف تميز بين أوقات اللعب والجد. فترة بدت فيها على صغر سنها «ذات شخصية ولها سلطة وقرار». وإن كانت فيروز تسخر من ضعفها أثناء سنوات الدراسة، في الرياضيات والحساب، «لكنها نادراً ما تتكلم عن ذاكرتها الخارقة، وتميزها في دروس التاريخ، واللغة والإنشاء بشكل خاص، وبقية المواد الأدبية».
مع عاصي دخلت في الصمت
تزن الكاتبة كلماتها عن فيروز بميزان الذهب، كي لا تبوح بأكثر مما هو مسموح أو سبق نشره. لكن الميزة هذه المرة، أنه بقلم ناقدة رصينة، وموثوقة. لا نعثر على معلومات عن والدة فيروز وإنما عن جدتها لأمها التي كانت تزورها في قرية الدبية، أثناء العطلات الصيفية، وتحتفظ ذاكرتها بقصص غاية في اللطف والظرف، تترك الكاتبة لفيروز، أن ترويها لنا ذات يوم.
في المدرسة يكتشف الموسيقي محمد فليفل فيروز، حين جاء يبحث عن أصوات لتكون نواة فرقة للإنشاد الوطني. أراد إدخالها المعهد الوطني الموسيقي ثم إلى الإذاعة، وهو ما حصل فعلاً. لم يوافق الوالد، قبل أن يؤكد له فليفل أن ابنته لن تغني سوى الأغنيات الوطنية، مشترطاً أن ترافقها أمها. في الإذاعة اهتم حليم الرومي بفيروز وخيّرها بين اسمي شهرزاد وفيروز، وعبره تعرفت على عاصي الرحباني.
تشدد الكاتبة على تحول في شخصية فيروز، بعد تعرفها على عاصي، ستصبح الفتاة «العفريتة» كائناً انطوائياً. «ستصبح قليلة الكلام، كثيرة التفكير والتأمل، قليلة الظهور خارج مناسبات الأداء الفني والعرض المسرحي، وتبدأ حياتها الجديدة».
وراء المجد الذي توجها نجمة في هذه الفترة، ستسير السيدة على درب الجلجة. إعاقة ابنها هلي شكلت لها «جرحاً لا يندمل»، تطلب أحياناً أن يكون في الكواليس. تقول خالدة سعيد: «كنت أرى فيروز على المسرح متوهجة، تتدفق عطاء وتتألق تعبيراً، وحين ندخل لتحيتها بعد العرض، نرى الفتاة الحيية، وكأن ما توهج على الخشبة لم يكن تعبيرها، خاصة عندما تكون قد طلبت إحضار هلي لتراه لأنها تشتاق إليه، ولا تقدر أن تفارقه طويلاً».
فيروز هي جوهرة بذاتها، واعتبار أنها صناعة رحبانية هو أمر مبالغ فيه. «صحيح أن ألحان الرحبانيين كان لها دور مهم، لكن فيروز غنت لملحنين آخرين، جميعهم نجحوا كنجاح الرحبانيين، وأحياناً أكثر». وهي واصلت الصعود بعد غياب عاصي، وتألقت مع ابنها زياد الرحباني وفيلمون وهبي ودعيت إلى أكبر المسارح العالمية.

فيروز فاعلة في المشروع الرحباني
لم تكن فيروز مجرد مؤدية، هي أيضاً موحية. «عاصي الرحباني كان يستوحي شخصيتها ويرسم الدور لها... ثمة تناغم وانسجام بين معظم الشخصيات التي مثلتها وشخصها». وتقول خالدة سعيد حرفياً ما يمكن أن يثير بلبلة كبيرة: «إن جميع الأدوار المسرحية التي لعبتها، جميعها من تأليف عاصي، حتى في المرحلة الأولى من مرضه، كانت أدواراً تستوحي شخصية فيروز أو ترسم خصيصاً لشخصها». وهو ما يعيد السؤال إلى مسألة توقيع الأخوين رحباني لـ22 مسرحية من بطولة فيروز. في هذه الحالة ما الذي كان يكتبه منصور، إن كانت شخصية فيروز هي بقلم عاصي؟
لم تتحول فيروز إلى أيقونة لأدائها المسرحي أو لجمال صوتها بل لـ«دورها الفعّال» في صناعة الإرث الرحباني. فيروز لم تكن مجرد مؤدية لهذه الشخصيات، بل «آمنت بتحققها، ومنحتها حياتها، غامرت فيها بكيانها، كما يقتضي الفن العظيم. نقلت شخصياتها من حيز الخيال إلى الحياة. وكانت مسيرتها خلال سنوات الحرب الطويلة، تمسكاً بقيم تلك (الشخصيات) أو (الأدوار) من وعد وإيمان بجدارة الفن في إنقاذ العالم».
القدر لم يكن رحيماً بفيروز، إضافة إلى مأساة هلي، كانت إصابة عاصي وانتقال القرار إلى منصور، وتباين الآراء، ووفاة ابنتها ليال قبل أن تبلغ الثامنة والعشرين.
قبل يومين فقط من إصابة عاصي بنزف في الدماغ في 29 سبتمبر (أيلول) 1972. كانت فيروز قد أدخلت المستشفى، بسبب حالة من الإرهاق الشديد، «لقد انهار النسران في وقت واحد، ولهذا ما لا يحد من المعاني والدلالات».
وضع عاصي كان شديد الخطورة، ما أنقذه، بحسب طبيبه الجراح، أن حجم دماغه كان أكبر من الحجم المعتاد لمرضى آخرين. وبعد شهرين من العملية، لحن لفيروز أغنيتها الشهيرة «ليالي الشمال الحزينة»، التي غنتها في مسرحية «المحطة» وتابع التلحين، مع أنه فقد قدرته على الكتابة والتعامل مع الحروف والنوتات.
بعد انتقال القرار إلى منصور، بقيت فيروز «ست سنوات من الصبر والانتظار بين عامي 1973 و1979 بينت لها أن الاستمرار في هذا الوضع لا يحتمل. مما جعلها تغادر منزلها في الرابية ومعه المكتب أو الاستوديو الفني تاركة وراءها كل شيء، تراث عمرها وعمر عاصي».

عاصي وفيروز علاقة لم تنقطع
وهنا تؤكد خالدة على عكس ما يتردد «بقيت فيروز على علاقة طيبة مع عاصي، الذي ظل يزورها في بيتهما الصيفي في بكفيا، مصطحباً ولدهما هلي. ثم انتقل في المرحلة الأخيرة من مرضه إلى بيتهما في الروشة، حيث أمضى بقية أيامه قبل رحلته الأخيرة إلى المستشفى ووفاته في 21 يونيو (حزيران) 1986».
ظلت فيروز في لبنان طوال فترة الحرب، قائلة: «أفضّل العيش في بيروت مع الخوف، على أن أكون تعيسة إذا غادرتها». وهو حضور كان زاخراً بالمعاني والرسائل التي تلقاها الناس، وحتى المقاتلين. فمما لا نعرفه أنها في عز الحرب كانت «تعبر الحواجز المسلحة بين بيروت الشرقية والغربية، فيحييها المقاتلون من المعسكرين ويفتحون لها الطريق».
والكتاب فيه دارسات عن كل من سعيد تقي الدين، ميشال أسمر والندوة اللبنانية، فينوس خوري غاتا، خليل سعادة، سهيل إدريس، أنسي الحاج، مارون عبود، مونسنيور ميشال الحايك، شفيق جحا، يمنى العيد، عادل ضاهر، دسلوى نصّار، صلاح ستيتية، سعاد الحكيم، منى السعوديّ، أمين الريحانيّ، غسّان تويني، يوسف حبشي الأشقر، هلن خال، عبّاس بيضون، فاطمة الحاج، ألبير أديب، هدى بركات، إلياس خوري، سعيد عقل، صفية سعادة، عقل العويط، إيليا أبي ماضي، أديب مظهر، صلاح لبكي، فوزي المعلوف، شفيق المعلوف، إلياس أبي شبكة، يوسف غصوب. عن كل شخصية تمكنت الكاتبة من قطف بعض الثمر الذي يستحق التوقف عنده، غير أننا وجدنا فيما كتبته عن فيروز أهمية خاصة، رغم التحفظ الشديد في السرد.



اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.