عاصي الرحباني كتب جميع أدوار فيروز المسرحية مستلهماً شخصيتها

خالدة سعيد في كتابها «فضاءات 2»

فيروز
فيروز
TT

عاصي الرحباني كتب جميع أدوار فيروز المسرحية مستلهماً شخصيتها

فيروز
فيروز

تكمل خالدة سعيد في الجزء الثاني من كتابها «فضاءات، يوتوبيا المدينة المثقفة» الصادر حديثاً عن «دار الساقي» ما بدأته في الجزء الأول الذي أبصر النور عام 2012. هذه المرة ترصد الكاتبة 37 شخصية ساهمت في صنع رسالة لبنان النهضوية في النصف الثاني من القرن العشرين، بهدف توجيه «تحية للأولمب اللبناني الرائد والصامد، وللمناخ اللبناني الثقافي» في هذه الفترة القاتمة، لا بل من بين الأكثر ظلمة في حياة اللبنانيين. وهي تركّز في دراستها للشخصيات على جانب تعتبره «رسولياً» في مسار المثقفين اللبنانيين، لأن «ما من مجلة أو كتاب أو مقالة أدبية، إلا وتعبر بوضوح عن هدف بعيد، هو الإسهام في الإصلاح والتنوير والارتقاء». من عبد الله العلايلي، الشيخ اللغوي الفذ، عبقري العربية والاستقراء والتحليل وانتهاء في آخر الكتاب بجورج شحادة الذي كتب بالفرنسية وترك لنا مسرحيات وقصائد، الولوج إليها هو دخول إلى عالم الأسرار، نتلمس هذا «الحضور الرسولي» و«قصدية القيام برسالة». وهو ما تعتبره الكاتبة خصيصة لبنانية، تتوجب الإضاءة عليه. بعض الدراسات تركّز على نقد الأعمال، وأخرى على المسارات. تركت الكاتبة لنفسها حرية مقاربة الشخصيات تبعاً لما تراه مناسباً. لكن أكثر ما يلفت هي الصفحات التي كرست لفيروز وجاءت مختلفة تماماً في روحها، عما قبلها وبعدها.
فالناقدة والأكاديمية التي أغنتنا بدراساتها، كانت تعمل لإصدار مؤلف خاص عن جارة القمر، لمعرفتها بها، وللدور الهائل الذي لعبته في بلورة الضمير والوجدان العربيين، ولأن «دار مركور دو فرانس» كانت ترغب في نشر هذا الكتاب.

سيرة فيروز لم تكتب
هذا المشروع لم يتم، لسوء حظنا، رغم زيارات خالدة سعيد المتكررة لمنزل فيروز. وتقول خالدة سعيد في مقابلة لها إن فيروز لم تبح، خلال تلك الجلسات، بأكثر مما هو معروف من أخبار. وتكمل: «كتابة السيرة تطلب الكلام، وإن لم يكن كلّ الكلام. لا بدّ من حكاية فيها شيء من الخصوصية والجدة قياساً إلى الشائع المعروف. الآن صرتُ في وضع صحي لا يسمح بالسّفر، ولا بالعمل على موضوع بالغ الجدية، بل هو بالنسبة إلي موضوع مقدّس. لكنه الآن مضى. تجاوزه الوقت، تجاوزني الزّمن».
منذ أواخر التسعينات، وخالدة سعيد تستدرج فيروز لكتابة هذه السيرة، ويبدو أنها قررت الاستفادة من بعض ما جمعته، لتضمنه كتابها الجديد، وإن جاءت المعلومات على قدر من التحفظ، مسايرة لفيروز ورغبتها في التكتم، إلا أنها زودتنا بإضاءات مهمة. نتعرف على فيروز «العفريتة»، التي كانت طفلة ذات حيوية كبيرة، بقدر ما كانت تحب اللعب، نجدها منضبطة في الصف، وهو ما كان يدفع إلى توكيلها بمراقبة بقية زملائها. طفولة فقيرة، لكنها مليئة بالرضا. تقول الكاتبة «كم مرة سمعنا فيروز تتندّر على حذائها الذي تغير ألوانه وفق الفصول، لأنها لا تستطيع أن تشتري غيره... وكم تكلمت عن بيت الأسرة المكون من غرفة واحدة، في حوش تحيط به بيوت مستورة، وعلى هوسها الدائم بالنظام والترتيب والنظافة».
خلال «البحث عن الغنى الكامن في شخصية فيروز، ونشأتها»، ثمة إحالة إلى دور الأب الذي له شخصية «ساحرة، صامتة... شجاع، عصامي، جاء إلى لبنان بمفرده فتى يافعاً، هرباً من المجازر التي أوقعها العثمانيون بالأقليات التاريخية في شمال سوريا، وبينها أهل له». في إشارة غير واضحة إلى نوع الأذى الذي تعرضت له عائلة فيروز السورية في تلك الفترة. «تعلم والد فيروز في لبنان وعمل بصمت، وأنشأ أسرة صالحة». هذا الصمت الذي يتكرر التركيز عليه، سترثه فيروز عن والدها. هو انكفاء لم يأتها باكراً. كانت طفولتها «فوّارة سعيدة». عاشت «لعوب، ضاحكة، مشرقة» تعرف كيف تميز بين أوقات اللعب والجد. فترة بدت فيها على صغر سنها «ذات شخصية ولها سلطة وقرار». وإن كانت فيروز تسخر من ضعفها أثناء سنوات الدراسة، في الرياضيات والحساب، «لكنها نادراً ما تتكلم عن ذاكرتها الخارقة، وتميزها في دروس التاريخ، واللغة والإنشاء بشكل خاص، وبقية المواد الأدبية».
مع عاصي دخلت في الصمت
تزن الكاتبة كلماتها عن فيروز بميزان الذهب، كي لا تبوح بأكثر مما هو مسموح أو سبق نشره. لكن الميزة هذه المرة، أنه بقلم ناقدة رصينة، وموثوقة. لا نعثر على معلومات عن والدة فيروز وإنما عن جدتها لأمها التي كانت تزورها في قرية الدبية، أثناء العطلات الصيفية، وتحتفظ ذاكرتها بقصص غاية في اللطف والظرف، تترك الكاتبة لفيروز، أن ترويها لنا ذات يوم.
في المدرسة يكتشف الموسيقي محمد فليفل فيروز، حين جاء يبحث عن أصوات لتكون نواة فرقة للإنشاد الوطني. أراد إدخالها المعهد الوطني الموسيقي ثم إلى الإذاعة، وهو ما حصل فعلاً. لم يوافق الوالد، قبل أن يؤكد له فليفل أن ابنته لن تغني سوى الأغنيات الوطنية، مشترطاً أن ترافقها أمها. في الإذاعة اهتم حليم الرومي بفيروز وخيّرها بين اسمي شهرزاد وفيروز، وعبره تعرفت على عاصي الرحباني.
تشدد الكاتبة على تحول في شخصية فيروز، بعد تعرفها على عاصي، ستصبح الفتاة «العفريتة» كائناً انطوائياً. «ستصبح قليلة الكلام، كثيرة التفكير والتأمل، قليلة الظهور خارج مناسبات الأداء الفني والعرض المسرحي، وتبدأ حياتها الجديدة».
وراء المجد الذي توجها نجمة في هذه الفترة، ستسير السيدة على درب الجلجة. إعاقة ابنها هلي شكلت لها «جرحاً لا يندمل»، تطلب أحياناً أن يكون في الكواليس. تقول خالدة سعيد: «كنت أرى فيروز على المسرح متوهجة، تتدفق عطاء وتتألق تعبيراً، وحين ندخل لتحيتها بعد العرض، نرى الفتاة الحيية، وكأن ما توهج على الخشبة لم يكن تعبيرها، خاصة عندما تكون قد طلبت إحضار هلي لتراه لأنها تشتاق إليه، ولا تقدر أن تفارقه طويلاً».
فيروز هي جوهرة بذاتها، واعتبار أنها صناعة رحبانية هو أمر مبالغ فيه. «صحيح أن ألحان الرحبانيين كان لها دور مهم، لكن فيروز غنت لملحنين آخرين، جميعهم نجحوا كنجاح الرحبانيين، وأحياناً أكثر». وهي واصلت الصعود بعد غياب عاصي، وتألقت مع ابنها زياد الرحباني وفيلمون وهبي ودعيت إلى أكبر المسارح العالمية.

فيروز فاعلة في المشروع الرحباني
لم تكن فيروز مجرد مؤدية، هي أيضاً موحية. «عاصي الرحباني كان يستوحي شخصيتها ويرسم الدور لها... ثمة تناغم وانسجام بين معظم الشخصيات التي مثلتها وشخصها». وتقول خالدة سعيد حرفياً ما يمكن أن يثير بلبلة كبيرة: «إن جميع الأدوار المسرحية التي لعبتها، جميعها من تأليف عاصي، حتى في المرحلة الأولى من مرضه، كانت أدواراً تستوحي شخصية فيروز أو ترسم خصيصاً لشخصها». وهو ما يعيد السؤال إلى مسألة توقيع الأخوين رحباني لـ22 مسرحية من بطولة فيروز. في هذه الحالة ما الذي كان يكتبه منصور، إن كانت شخصية فيروز هي بقلم عاصي؟
لم تتحول فيروز إلى أيقونة لأدائها المسرحي أو لجمال صوتها بل لـ«دورها الفعّال» في صناعة الإرث الرحباني. فيروز لم تكن مجرد مؤدية لهذه الشخصيات، بل «آمنت بتحققها، ومنحتها حياتها، غامرت فيها بكيانها، كما يقتضي الفن العظيم. نقلت شخصياتها من حيز الخيال إلى الحياة. وكانت مسيرتها خلال سنوات الحرب الطويلة، تمسكاً بقيم تلك (الشخصيات) أو (الأدوار) من وعد وإيمان بجدارة الفن في إنقاذ العالم».
القدر لم يكن رحيماً بفيروز، إضافة إلى مأساة هلي، كانت إصابة عاصي وانتقال القرار إلى منصور، وتباين الآراء، ووفاة ابنتها ليال قبل أن تبلغ الثامنة والعشرين.
قبل يومين فقط من إصابة عاصي بنزف في الدماغ في 29 سبتمبر (أيلول) 1972. كانت فيروز قد أدخلت المستشفى، بسبب حالة من الإرهاق الشديد، «لقد انهار النسران في وقت واحد، ولهذا ما لا يحد من المعاني والدلالات».
وضع عاصي كان شديد الخطورة، ما أنقذه، بحسب طبيبه الجراح، أن حجم دماغه كان أكبر من الحجم المعتاد لمرضى آخرين. وبعد شهرين من العملية، لحن لفيروز أغنيتها الشهيرة «ليالي الشمال الحزينة»، التي غنتها في مسرحية «المحطة» وتابع التلحين، مع أنه فقد قدرته على الكتابة والتعامل مع الحروف والنوتات.
بعد انتقال القرار إلى منصور، بقيت فيروز «ست سنوات من الصبر والانتظار بين عامي 1973 و1979 بينت لها أن الاستمرار في هذا الوضع لا يحتمل. مما جعلها تغادر منزلها في الرابية ومعه المكتب أو الاستوديو الفني تاركة وراءها كل شيء، تراث عمرها وعمر عاصي».

عاصي وفيروز علاقة لم تنقطع
وهنا تؤكد خالدة على عكس ما يتردد «بقيت فيروز على علاقة طيبة مع عاصي، الذي ظل يزورها في بيتهما الصيفي في بكفيا، مصطحباً ولدهما هلي. ثم انتقل في المرحلة الأخيرة من مرضه إلى بيتهما في الروشة، حيث أمضى بقية أيامه قبل رحلته الأخيرة إلى المستشفى ووفاته في 21 يونيو (حزيران) 1986».
ظلت فيروز في لبنان طوال فترة الحرب، قائلة: «أفضّل العيش في بيروت مع الخوف، على أن أكون تعيسة إذا غادرتها». وهو حضور كان زاخراً بالمعاني والرسائل التي تلقاها الناس، وحتى المقاتلين. فمما لا نعرفه أنها في عز الحرب كانت «تعبر الحواجز المسلحة بين بيروت الشرقية والغربية، فيحييها المقاتلون من المعسكرين ويفتحون لها الطريق».
والكتاب فيه دارسات عن كل من سعيد تقي الدين، ميشال أسمر والندوة اللبنانية، فينوس خوري غاتا، خليل سعادة، سهيل إدريس، أنسي الحاج، مارون عبود، مونسنيور ميشال الحايك، شفيق جحا، يمنى العيد، عادل ضاهر، دسلوى نصّار، صلاح ستيتية، سعاد الحكيم، منى السعوديّ، أمين الريحانيّ، غسّان تويني، يوسف حبشي الأشقر، هلن خال، عبّاس بيضون، فاطمة الحاج، ألبير أديب، هدى بركات، إلياس خوري، سعيد عقل، صفية سعادة، عقل العويط، إيليا أبي ماضي، أديب مظهر، صلاح لبكي، فوزي المعلوف، شفيق المعلوف، إلياس أبي شبكة، يوسف غصوب. عن كل شخصية تمكنت الكاتبة من قطف بعض الثمر الذي يستحق التوقف عنده، غير أننا وجدنا فيما كتبته عن فيروز أهمية خاصة، رغم التحفظ الشديد في السرد.



لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
TT

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ

لا نقرأ. هذه هي الخلاصة الموجعة التي تلخص علاقة العربي المعاصر بالمعرفة. التقارير الدولية لا تكذب، وأرقام القراءة في وطننا العربي لا تحتاج إلى استدعاء معهد استطلاع لتخبرنا بأننا أمة تقف في آخر قائمة قراءة الكتاب. لكن هذه الحقيقة، على قسوتها، لا تعني أننا أمة صامتة أو منقطعة عن المعرفة؛ قد تعني أكثر أننا نتلقى المعنى على نحو مختلف. القصيدة المسجلة، الصورة، الدراما، المسرح، الأغنية، البرامج الحوارية، البودكاست، كلها صارت أكثر حضوراً من الكتاب. كثيرون لا يتفرغون لقراءة كتاب في التاريخ أو الفلسفة، لكنهم يحفظون مشهداً درامياً، ويرددون بيتاً مغنّى، ويتأثرون بحكاية سينمائية. وهنا المفارقة التي تحتاج إلى وقفة: بدل أن نتحسر على زمن الكتاب والحنين إلى الورق، علينا أن نسأل: كيف نجعل ما يشاهده الملايين ويسمعونه راقياً، حاملاً للثقافة، مغذياً للروح والعقل؟

العالم كله يسير نحو تكثيف المعرفة بصيغ بصرية وسمعية. الكتاب بجلالة قدره تحول إلى مسموع، والمحاضرة إلى فيديو، والسرد إلى بودكاست. ربما الفارق - ولو كان نسبياً - أن مجتمعات أخرى تمتلك قاعدة قراءة صلبة تعود إليها، بينما نكتفي نحن غالباً بالملخص أو الانطباع السريع، فنخسر العمق. وهنا تحديداً تبرز أهمية الفنون بوصفها الحلقة المفقودة بين المتعة والعمق، بين الشغف الجماهيري والمحتوى الهادف.

والأمثلة من واقعنا العربي ليست نادرة. حين غنى كاظم الساهر «زيديني عشقاً» في فيديو كليب لم يقدم مجرد ألحان عذبة ومشاهد جميلة، بل جعل ملايين العرب يحفظون قصيدة نزار قباني عن ظهر قلب، محولاً قصيدة النخبة إلى أهزوجة في الأحياء المنسية. وحين جسّد محمود مرسي شخصية أبو العلاء البشري في مسلسل «رحلة السيد أبو العلاء البشري»، لم يكن يقدم دراما ترفيهية فحسب، وإنما حوّل التلفزيون إلى مدرسة أخلاقية شعبية تجسد قيم الصدق والوفاء والإنسانية في وجه المادية والتناقضات. أما في النحت، فقد حوّل جواد سليم «نصب الحرية» في ميدان التحرير ببغداد إلى ملحمة وطنية حفرت في الذاكرة الجمعية قيم الصمود والانعتاق، متفوقاً بذلك على آلاف الصفحات التي لم تُقرأ. وعلى الجانب الآخر، فتح السوري فاتح المدرس بوابة الحداثة التشكيلية العربية إلى العالمية بريشته السريالية، معيداً تعريف اللغة البصرية العربية وناقلاً تجربته من المتاحف العالمية الكبرى إلى روح الشباب العربي دون أن يفقدوا هويتهم.

أيضاً، حين كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصائد مثل «سجل أنا عربي» و«بطاقة هوية» وسجّلت بصوته الرصين، حوّل الشعر إلى نشيد وجداني يردده الملايين في الميادين والمدارس دون الحاجة إلى ديوان. وحين ألف الروائي السوداني الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، جعل الرواية درساً ثقافياً عميقاً وصل إلى المجالس قبل الجامعات. أما في المسرح، فقد قدمت فيروز مع الرحابنة مسرحيات غنائية خالدة، حوّلت المسرح إلى تجربة جوانية عميقة وصلت إلى قلوب الملايين. ومن المملكة العربية السعودية، برز عملاقان في الأغنية: محمد عبده ذاكرة وجدانية لأجيال، وطلال مداح، نبض العاطفة المشتركة، فكانا معاً جسراً موسيقياً ينقل جمال السعودية إلى ملايين القلوب دون الحاجة إلى كتاب أو ديوان.

هذه النماذج تؤكد أن الفن، حين ينجح، يصبح أستاذاً بديلاً خصوصاً في زمن تراجع فيه الأستاذ الورقي. الأغنية يمكن أن تحمل اللغة الرفيعة، والدراما يمكن أن تكون مدرسة للضمير، والسينما يمكن أن توسع الخيال الأخلاقي، والمسرح يمكن أن يعيد صياغة الأسئلة الكبرى أمام جمهور حي.

وما يضاعف حاجتنا في وطننا العربي إلى الفنون أن مجتمعاتنا تمر بتحولات كبرى: عولمة جارفة، هويات بديلة، انقسامات طائفية، وأزمات تعليمية حادة. في هذا الفراغ، لا يعود الفن رفاهية، إنما ضرورة تربوية ومدنية. نحن بحاجة إلى فن يعلّم من غير وعظ، ويربي الحس من غير استعلاء، ويقترح نماذج للانتماء والمسؤولية من داخل المتعة ذاتها. القيمة حين تُلقى في خطبة قد تُنسى، لكنها حين تتجسد في شخصية درامية أو لحن شجي أو صورة مدهشة، تصبح أقرب إلى القلب وأبقى في الذاكرة.

في حقيقة الأمر، نحتاج إلى الفنون أكثر من غيرنا، لكن الإنفاق العام عليها في كثير من الدول العربية لا يزال محدوداً، وغالباً أقل من نظائره في عدد من الدول المتقدمة، بينما تُترك الساحة للابتذال والاستهلاك السريع. ومع ذلك، هناك بصيص أمل: معارض مثل «إثراء» في الظهران، وبينالي الشارقة، ومتحف اللوفر أبوظبي، أثبتت أن الجمهور العربي يتعطش للفن الرفيع حين يُقدم له باحترام. الحرفي التقليدي الذي كان مهمشاً يعاد اكتشافه اليوم، والفنان التشكيلي العربي يحجز مكانه في المتاحف العالمية. لكن هذا لا يكفي؛ نحتاج إلى سياسات ثقافية طموحة تدمج الفنون في المناهج، وتدعم المبدعين، وتجعل من التذوق الفني قيمة مجتمعية.

والآن، وبعد هذا كله، ما العمل؟ المسؤولية تقع على المبدع أن يحترم عقل متلقيه، وعلى المؤسسة أن تمول الثقافة لا أن تسلّعها، وعلى المثقف أن ينزل من برجه العاجي ويدخل إلى المنصات الرقمية بلا استعلاء. والسؤال الأهم هو سؤال القارئ نفسه، المواطن، المشاهد: متى كانت آخر مرة دفعت فيها ثمن تذكرة مسرح، أو اشتريت لوحة لفنان عربي، أو شجعت ابنك على دراسة الموسيقى أو أن يحفظ قصيدة أو يصمم فيديو؟

النهضة لا تصنعها الخطابات وحدها، بل الممارسات اليومية الصغيرة. والفن أولها. إذا أردنا مجتمعاً أكثر وعياً، وأشد تماسكاً، وأرقى ذائقة، فعلينا أن نصنع فناً يعكسنا ويعلّمنا ويقودنا. عندها فقط لن يكون الفن ترفاً، فالفن هو الدم الذي يجري في عروق الحضارة؛ وإذا جفّ هذا الدم، جفّت الحضارة نفسها. ولماذا نحن العرب بالتحديد؟ لأننا أمة توحدنا اللغة وتسكننا بيوت الشِعر ونسكنها.

يحسن بنا القول إن الفن ليس بديلاً عن الكتاب، بل هو طريق منه وإليه. حين يبكيك مشهد درامي، أو يهتز قلبك للحن، أو تجذبك لوحة، ينفتح باب واسع من المعرفة. نحن العرب، أمة «اقرأ»، نستحق أن نقرأ ونُقرأ بالكلمة وبالصورة وباللحن.

* كاتب سعودي


«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي
TT

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

على الرغم من وطأة الأزمة الصحية التي تلمّ بالباحثة نادية هناوي، فإن إرادتها في مجابهة المرض عبر بوابة الإبداع تظل الوقود الذي يغذي استمرارية عطائها النقدي. فلقد صدر لها حديثاً عن مؤسسة «أبجد» للتوزيع والنشر كتابان جديدان، واحد منهما في السرديات ما بعد الكلاسيكية هو «سرديات رواية التاريخ: التأريخ، الميتا - تاريخ، التاريخ النسوي»، والكتاب الآخر بعنوان «طوفان فلسطين». ويمثل الكتابان إضافة نوعية إلى مجمل ما ألفته الباحثة من كتب نقدية، وصل تعدادها إلى 42 كتاباً مطبوعاً.

يتألف الكتاب الأول «سرديات رواية التاريخ»، البالغة صفحاته أكثر من 350 صفحة، من تمهيد نظري تتلوه أربعة فصول، تدور حول مقتضيات هذا النوع الأدبي الفنية وتحديد اشتراطات المتنوعة من خلال مباحث عدة، بعض منها نظري صرف، وبعضها الآخر نظري إجرائي. وفيها تستكمل الباحثة هناوي جهودها النظرية التي كانت قد أسست لها قبل سنوات بكتابها «السرد القابض على التاريخ» 2018. وتركز فصول الكتاب الجديد على العلاقة الجدلية بين مفاهيم التاريخ - الواقع - التخييل بوصفها ثالوثاً إبداعياً ومعرفياً مترابطاً ترابطاً لا مجال فيه لفصل أحدها عن الآخر على أساس أن العلاقة بين الكتابة والتاريخ قديمة قدم الفلسفة، وعن ذلك تقول المؤلفة: «إن مبتدأ هذه العلاقة عند هيرودتس الذي ألف أول كتاب في التاريخ فكان الأب الشرعي له. وبالرغم من التطورات التي شهدتها البشرية على طول تاريخها؛ فإن تلك العلاقة ظلت قائمة بدعائم مهمة وأكيدة تجعل أي عملية لتوصيفها أو التعريف بها متجهة صوب التناظر الذي به يصبح تسريد التاريخ أو ترخنة السرد واحداً، فيمسي الروائي مؤرخاً والمؤرخ روائياً وبوعي فلسفي بالاثنين الإنسان والزمان».

وتدور أطروحة الكتاب حول مفهوم «رواية التاريخ» استناداً إلى فرضية أنه إذا كانت الرواية التاريخية توظف التاريخ بمعناه الكلاسيكي استعادةً وتوثيقاً وبطريقة يُجاري فيها السرد القصصي التاريخ الموثق الرسمي وغير الرسمي؛ فإن في «رواية التاريخ» نزعة ما بعد حداثية، معها يغدو التاريخ شكلاً سردياً، يشتغل فنياً على المراكز كأنساق يتم تقويضها وخلخلة أطرها بقصد توكيد الجانب الجمالي وتعرية مستورات التاريخ ومنغلقاته من دون انحياز إلى الشكل ولا تغلّيب للمحتوى.

وتتمحور أطروحة الكتاب الثاني «طوفان فلسطين»، كما واضح من العنوان، حول قضية فلسطين في مرحلتها الحالية والتحديات التي تواجهها هذه القضية على مختلف الصعد. والهدف هو وضع القراء أمام طبيعة تطورات معركة «طوفان الأقصى»، وما أسفرت عنه من مستجدات وتداعيات وأصداء على المستوى العربي ومستوى الرأي العام العالمي.

وجاء في الكتاب: «ما الملتجأ الذي إليه يفر العرب، وأمامهم الوحشية الإمبريالية والصهيونية، ومن ورائهم نار الأصولية؟ وإلى متى يظلون كائنات مسجونة في دواخلها وضائعة؟ ولماذا لا نستثمر الحرية الناعمة المتاحة لنا افتراضياً في امتلاك التفكير الحر والواعي؟ وهل يمكن لنا أن نتحرر من سباتنا مطوعين فكرنا ـ الذي شوشته دوائر الثقافة والإعلام المضادة عقوداً ليكون في خدمتنا، منتفضين على كل القيود التي كبلتنا وأرعبتنا حتى صرنا سجناء فيها بالوهم والتزييف وأسارى اليأس والخيبة؟ ومتى تعتلي شعوبنا العربية دفة حكم التاريخ؟ وأين الشجاعة والثبات والبطولة التي كانت عليها الأجيال السابقة لها؟ وما الذي ستدخره وتحفظه من خيبات وتنازلات للأجيال القادمة؟».


هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة