مصر تكرس عودتها القوية لأفريقيا بلقاء قمة مع «آخر معارضي ثورة 30 يونيو»

الوضع في ليبيا ونهر النيل والإرهاب.. أزمات دفعت القاهرة للتوجه جنوبًا

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لدى استقباله نظيره الجنوب الأفريقي جاكوب زوما في القاهرة أمس (إ.ب.أ)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لدى استقباله نظيره الجنوب الأفريقي جاكوب زوما في القاهرة أمس (إ.ب.أ)
TT

مصر تكرس عودتها القوية لأفريقيا بلقاء قمة مع «آخر معارضي ثورة 30 يونيو»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لدى استقباله نظيره الجنوب الأفريقي جاكوب زوما في القاهرة أمس (إ.ب.أ)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لدى استقباله نظيره الجنوب الأفريقي جاكوب زوما في القاهرة أمس (إ.ب.أ)

أدارت مصر مؤخرا بوصلتها الدبلوماسية جنوبا إلى القارة الأفريقية، التي تنتمي إليها جغرافيا، وتسبب تجاهلها لها في السنوات الماضية في أزمات كبيرة أثرت عليها بشكل مباشر في قضايا تتعلق بالوضع الأمني والاقتصادي، إضافة لتهديد مباشر لحصتها من مياه نهر النيل، الذي تتشارك فيه مع 10 دولة أفريقية أخرى. وأمس التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره الجنوب الأفريقي جاكوب زوما في القاهرة، تكريسا للنشاط الأفريقي البارز للرئيس السيسي، الذي بات أمرا لافتا منذ توليه الحكم في يونيو (حزيران) العام الماضي.
وتعد زيارة زوما تغيرا نوعيا هاما بالنسبة للعلاقات الخارجية لمصر في مرحلة ما بعد ثورة «30 يونيو»، التي أطاحت بحكم جماعة الإخوان المسلمين، حيث كانت جنوب أفريقيا آخر دول القارة التي أقرت بشرعية النظام الحالي، وتسببت معارضتها السابقة في تجميد عضوية مصر بالاتحاد الأفريقي لنحو عام. وجمد مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي عضوية مصر وعلق مشاركتها في جميع أنشطة الاتحاد في يوليو (تموز) 2013 لحين استعادة النظام الدستوري، عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، قبل أن تستأنف العضوية في يونيو 2014 بعد إجراء مصر لانتخابات رئاسية شارك الاتحاد في الإشراف عليها.
وقالت السفيرة منى عمر مساعدة وزير الخارجية الأسبق للشؤون الأفريقية لـ«الشرق الأوسط» إن السياسية الخارجية المصرية التي يتبناها السيسي، انتقلت حاليا من مرحلة البحث عن شرعية ثورة 30 يونيو ونظامها الحالي، إلى مرحلة توطيد العلاقات، خاصة مع الدول الأفريقية، مشيرة إلى أن السيسي لديه نظرة شمولية لمفهوم لأمن القومي المصري الذي يمتد لجنوب القارة.
وخلال لقائه زوما أمس عرض السيسي مجمل الأوضاع التي شهدتها مصر وتطوراتها على مدار العامين الماضيين وثورة 30 يونيو، مؤكدا أنها «جاءت انعكاسا لإرادة المصريين الحرة ورغبتهم في الحفاظ على هويتهم وتحقيق آمالهم وطموحاتهم». وقال السفير علاء يوسف المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية إن «اللقاء تناول أيضا تطورات المنطقة وانتشار الفكر المتطرف والإرهاب، وما لهما من تداعيات مدمرة على الدول ومستقبل الشعوب». من جانبه، أعرب زوما عن تقديره للحوار مع السيسي وما أتاحه من إيضاحٍ إضافي مهم لحقيقة تطورات الأوضاع في مصر، فضلا عما تمر به المنطقة والقارة الأفريقية من تحديات يفرضها التطرف والإرهاب، ووصف اللقاء بـ«الصفحة الجديدة» في العلاقات بين البلدين، كما وجه دعوة للسيسي لزيارة جنوب أفريقيا وحضور القمة الأفريقية المقبلة، وهو الأمر الذي رحب به الرئيس، ووجه بدوره دعوة للرئيس الجنوب أفريقي لحضور حفل افتتاح قناة السويس الجديدة.
وتعد جنوب أفريقيا قوة مؤثرة في المنطقة، وواحدة من أكثر الديمقراطيات استقرارا في القارة، حيث تحتل المركز السادس والعشرين في قائمة الدول ذات الاقتصاد المتقدم في العالم، وبحسب صندوق النقد الدولي فإن اقتصادها هو ثاني أقوى اقتصاد في القارة الأفريقية، ويتميز بالتنوع وبالاستثمارات الهائلة.
وقالت السفيرة عمر إن أفريقيا هي الباب الجنوبي للأمن القومي المصري، خاصة إذا علمنا أن الكثير من الحركات الإرهابية التي تنشط في مصر حاليا لها أصول أفريقية، وأن كثير من الحركات الإرهابية في أفريقيا على اتصال بالحركات الموجودة في مصر، إضافة إلى تجارة تهريب البشر والسلاح والمخدرات، التي تعد كلها وافدة من أفريقيا وتؤثر بشكل مباشر على أمن مصر.
وأضافت مساعدة وزير الخارجية الأسبق للشؤون الأفريقية، أن الوضع في ليبيا أيضا يشكل خطرا كبيرا على الأمن المصري، وحل ذلك لن يتم إلا عبر التنسيق مع الدول الأفريقية المجاورة، وأبرزها مالي وتشاد والسودان، وبالطبع دول المغرب العربي، مع ضرورة عدم تجاهل ما يحدث في جنوب السودان من نزاعات.
وتابعت: «هناك أيضا أمن غذائي واقتصادي، حيث تشكل أفريقيا سوقا كبيرة للاستثمارات المصرية، مع وجود أهمية سياسية، فالقارة تحتوي على 53 دولة يشكلون قوة كبيرة يعتد بها ودعما لمصر في المحافل الدولية، إذا ما قررت القاهرة أن تعمل وتنسق مواقفها معهم».
وسعت مصر إلى تأكيد عودتها القوية لقارة أفريقيا، عبر مشاركتها عالية المستوى في جميع الفعاليات والقمم التي جرت مؤخرا، بعد تجاهل دام عدة سنوات عاشت فيها البلاد حالة من الاضطرابات السياسية والأمنية. وقالت مساعدة وزير الخارجية الأسبق إن «تمثيل مصر العالي في كل الفاعليات، وآخرها قمة الكوميسا في أديس أبابا عبر رئيس الوزراء وغيرها، أزال انطباعا سيئا لدى الأفارقة عن مصر.. حيث كان يفسر غيابها بأنه تعال وتجاهل».
وقام الرئيس عبد الفتاح السيسي بزيارات إلى عدة دول أفريقية منذ توليه لحكم، منها الجزائر والسودان وغينيا، وآخرها زيارته التي وصفت بـ«التاريخية» إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا التي ألقى خلالها خطابا في البرلمان الإثيوبي تناول سبل الحل الودي للأزمة بين البلدين والمتعلقة بسد النهضة، الذي تبنيه إثيوبيا على نهر النيل وتقول مصر إنه يهدد حصتها من مصدرها الوحيد في المياه بنحو 10 في المائة.
وجاءت زيارة أديس أبابا عقب توقيع زعماء مصر والسودان وإثيوبيا قبل أسابيع وثيقة اتفاق مبادئ بشأن سد النهضة، تشمل مبادئ تحكم التعاون بين الدول الثلاث للاستفادة من مياه النيل الشرقي وسد النهضة الإثيوبي، وعدم الإضرار بأي دولة.
كما رأس رئيس الوزراء إبراهيم محلب الأسبوع الماضي وفد بلاده في قمة الكوميسا (السوق المشتركة لدول شرق وجنوب أفريقيا)، في أديس أبابا، بمشاركة 19 دولة أفريقية، وقال محلب على هامش القمة إن «ما نشهده حاليا من حرص جميع الدول الأفريقية على الالتقاء بالمسؤولين المصريين يؤكد أن مصر استعادت دورها في المقدمة بالقارة السمراء»، واصفا استعادة بلاده لنشاطها في أفريقيا بأنها «انتقلت من مرحلة الخمول إلى الفاعلية في المؤسسات الأفريقية المختلفة». وأوضح محلب أن الحكومة تدعم القطاع الخاص للاستثمار في أفريقيا، خاصة مع وجود فرص استثمارية كبيرة في القارة، منوها بأن هناك مناخا سياسيا واقتصاديا يساعد على المضي قدما نحو الاستثمار في أفريقيا ووجود اتفاقيات ثنائية لتسهيل مناخ الاستثمار المشترك. وفسرت السفيرة عمر التوجه المصري الجديد بأن «مصر أدركت أن الأسلوب الودي والدبلوماسي الذي تتبعه مصر في سياستها حاليا، خاصة مع إثيوبيا في نزاعها على نهر النيل، لا بديل عنه وهو السبيل الوحيدة للحصول على المكاسب وتجنب نزاعات هي في غنى عنها حاليا».
وأشارت إلى أن «مصر حاليا تعمل على بناء الثقة المفقودة في أفريقيا، حيث تراجعت مصداقيتها سابقا مع تراكم الوعود التي لم يتم تنفيذها، لكن هذه المرة مصر تعمل وفق توجه جديد لكسب هذه المصداقية». وتابعت: «الوجود في المؤتمرات على مستوى تمثيل عال أعطى إشارة على اهتمام مصر بدول أفريقيا وهو ما كنا نحتاج إليه، علما بأن العامل النفسي مهم في علاقتنا الأفريقية، فكثير من الدول كانت تفسر غياب مصر في الماضي على أنه إشارة على التجاهل وعدم اهتمام وتعال». وتأمل مصر أن يحقق تعاونها مع دول القارة مزيدا من التنمية الاقتصادية لديها، إذ تسعى لجلب الاستثمارات. وتعتزم مصر استضافة قمة التكتلات الاقتصادية الثلاثة في أفريقيا (الكوميسا - تجمع شرق أفريقيا - السادك) في مدينة شرم الشيخ في 10 يونيو 2015، لإعلان اندماج التكتلات الاقتصادية الثلاثة لتكون خطوة مهمة نحو إنشاء منطقة التجارة الأفريقية الحرة.



إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
TT

إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)

في إشادة أممية لافتة، أكد «برنامج الأغذية العالمي» أن «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» يمثل شريكاً أساسياً في جهود الإغاثة باليمن، حيث أسهمت تدخلاته في التخفيف من حدة أزمة الجوع المتفاقمة التي تُعدّ من بين الأسوأ عالمياً. وأوضح البرنامج الأممي أن التمويلات المقدمة من «المركز» أحدثت فارقاً ملموساً في حياة الفئات الأكبر احتياجاً، خصوصاً في ظل ازدياد أعداد السكان الذين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وأشار تقرير حديث من البرنامج إلى أن إجمالي التمويلات المقدمة من «مركز الملك سلمان» تجاوز 300 مليون دولار منذ عام 2020؛ ما مكّن من توسيع نطاق الاستجابة الإنسانية وتعزيز وصول المساعدات إلى ملايين المحتاجين في مختلف المناطق اليمنية، في وقت يواجه فيه أكثر من 17 مليون شخص خطر الجوع.

وذكر البرنامج أنه، في ظل تفاقم الأزمة خلال العام الماضي، قدّم «مركز الملك سلمان» مساهمة مالية بقيمة 25 مليون دولار؛ مما ساعد على توفير مساعدات غذائية منقذة للحياة وتعزيز سبل العيش للأسر الأشد ضعفاً.

ووفق البيانات، فقد مكّن المشروعُ المموّلُ من تقديم مساعدات غذائية طارئة لأكثر من 43 ألف أسرة في المناطق الأشد تضرراً، خصوصاً في محافظة الضالع والساحل الغربي، حيث ترتفع معدلات انعدام الأمن الغذائي.

مليونا طفل دون الخامسة في اليمن يعانون سوء التغذية (الأمم المتحدة)

كما امتدت الجهود لتشمل برامج التعافي في حضرموت والمهرة وسقطرى؛ إذ استفاد نحو 6500 أسرة من مشروعات تنمية سبل العيش؛ بما في ذلك التدريب المهني وتنمية الأصول الإنتاجية.

وفي السياق ذاته، أسهمت هذه التدخلات في دعم الإنتاج الغذائي المحلي من خلال استصلاح 1208 أفدنة من الأراضي الزراعية، وإعادة تأهيل أكثر من 38 ألف متر من قنوات الري، إضافة إلى إنشاء 26 بيتاً زراعياً؛ مما عزز قدرة المجتمعات على مواجهة التحديات المناخية المتصاعدة.

تأثير مباشر

وأكد الخضر دالوم، المدير القطري لـ«برنامج الأغذية العالمي» في اليمن، أن تدخل «مركز الملك سلمان» جاء في توقيت حرج، موضحاً أن الوصول إلى نحو 50 ألف أسرة عبر المساعدات الغذائية وبرامج سبل العيش يمثل إنجازاً مهماً في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد.

14 مليون يمني يحتاجون للمياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي (الأمم المتحدة)

وأشار إلى أن هذه الشراكة لم تقتصر على تقديم الإغاثة الطارئة، «بل امتدت لتشمل دعم التعافي طويل الأمد؛ مما ساعد في تحسين قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل مستويات الهشاشة الاقتصادية».

وتبرز أهمية هذه الجهود في ظل مؤشرات مقلقة؛ إذ أظهرت بيانات العام الماضي أن نحو 70 في المائة من الأسر اليمنية لم تتمكن من الحصول على غذاء كافٍ خلال شهر يوليو (تموز) الماضي، في واحدة من أعلى نسب انعدام الأمن الغذائي المسجلة.

جهود أممية موازية

بالتوازي مع هذه الجهود، أعلن «صندوق التمويل الإنساني» في اليمن، التابع لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية»، تقديم مساعدات لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً، خلال الثلث الأخير من العام الماضي، بتمويل بلغ 20 مليون دولار.

واستهدفت هذه التدخلات 17 مديرية ذات أولوية، موزعة على 7 محافظات، شملت الحديدة وحجة والضالع ولحج وتعز وعمران والجوف، حيث ركزت على المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.

وبيّن «الصندوق» أن المساعدات ركزت على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، مع إعطاء أولوية خاصة لخدمات الحماية، خصوصاً للفئات الأكبر عرضة للمخاطر، بمن فيهم النساء والأطفال وذوو الإعاقة، الذين بلغ عددهم نحو 37 ألف مستفيد ضمن إجمالي المستفيدين.

تحرك سعودي عاجل لإغاثة المتضررين من السيول في اليمن (إعلام محلي)

كما شملت التدخلات قطاعات متعددة، من بينها الأمن الغذائي وسبل العيش والتغذية والرعاية الصحية والمأوى، إلى جانب تعزيز قدرات المجتمعات المحلية على التكيف مع الأزمات والحد من المخاطر.

وتُظهر بيانات الأمم المتحدة أن «الصندوق» تلقى نحو 14.3 مليون دولار مساهماتٍ في ميزانيته للعام الحالي، مقدمة من دول عدة، من بينها الدنمارك وفنلندا والسعودية وكندا، في إطار دعم الجهود الإنسانية الرامية إلى الحد من تداعيات الأزمة.

وفي ظل استمرار التحديات، تشير التقديرات إلى أن نحو 14 مليون يمني بحاجة إلى المساعدة للحصول على المياه وخدمات الصرف الصحي، في حين يعاني نحو مليوني طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية؛ مما يعكس حجم الأزمة الإنسانية وتعقيداتها.

Your Premium trial has ended


انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
TT

انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)

شهدت 4 محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية موجةً جديدةً من الانتهاكات بحق الكوادر التعليمية، في تطور يعكس تصعيداً مقلقاً ضد العاملين في القطاع التربوي، الذين يواجهون ضغوطاً متزايدة؛ بسبب مواقفهم الرافضة لسياسات الجماعة، لا سيما ما يتعلَّق بتجنيد الطلبة، والمطالبة بصرف الرواتب.

ووفق مصادر تربوية، طالت هذه الانتهاكات معلمين وإداريين في محافظات عمران وحجة وصنعاء وإب، حيث نفَّذت الجماعة حملات مداهمة واعتقال تعسفي، إضافة إلى اعتداءات جسدية وتهديدات مباشرة، استهدفت مَن يرفضون الانصياع لتوجيهاتها داخل المدارس أو يعارضون إدخال ممارسات غير قانونية إلى العملية التعليمية.

ففي محافظة عمران (شمال صنعاء) أقدم مسلحون حوثيون على اعتقال المعلم علي عاطف في مديرية خمر، واقتادوه إلى أحد مراكز الاحتجاز، بناءً على توجيهات قيادي أمني محلي، بعد اتهامه بالتحريض ضد الجماعة.

وذكرت المصادر أنَّ المعلم، الذي يمتلك خبرةً تمتد لعقدين، تعرَّض سابقاً لعمليات استدعاء واحتجاز متكررة دون مبررات قانونية واضحة، في سياق استهداف الأصوات التربوية المنتقدة.

عناصر من الحوثيين في أحد شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

وفي محافظة حجة (شمالي غرب)، شهدت مديرية كُعيدنه حادثة مشابهة، حيث داهم مسلحون منزل المعلم حمود نور، واختطفوه عقب اتهامه بنشر مطالبات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بصرف رواتب المعلمين. وأفادت مصادر مطلعة بتعرُّضه للاعتداء الجسدي قبل نقله إلى جهة مجهولة، في تكرار لنمط من الانتهاكات التي طالت المعلم ذاته في مناسبات سابقة.

وفي العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، تصاعدت الانتهاكات لتشمل البيئة المدرسية نفسها، إذ تعرَّضت حارسة مدرسة في حي مذبح بمديرية معين لاعتداء عنيف في أثناء محاولتها منع مسلحين من اقتحام المدرسة خلال فترة الامتحانات.

وبحسب شهود، حاول المسلحون إدخال وسائل غش لطالبات، قبل أن يهاجم أحدهم الحارسة بسلاح أبيض؛ ما أدى إلى إصابتها، في حادثة أثارت استنكاراً واسعاً في الأوساط التربوية.

تصاعد الاستهداف في إب

وفي محافظة إب، (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) اختطفت الجماعة الحوثية المعلم أحمد نعمان السارة من منزله في مديرية العدين، ونقلته إلى أحد السجون التابعة لها، على خلفية رفضه توجيهات تقضي بتجنيد الطلاب وإشراكهم في أنشطة ذات طابع عسكري وفكري. وتؤكد مصادر تربوية أنَّ هذه الممارسات باتت تُشكِّل ضغطاً ممنهجاً على المعلمين، الذين يجدون أنفسهم بين خيار الامتثال أو التعرُّض للعقاب.

ويشكو معلمون في المحافظة من تصاعد الضغوط لإقحام الطلاب في برامج تعبوية لا تمت للعملية التعليمية بصلة، عادين أنَّ هذه السياسات تهدِّد جوهر التعليم وتحوله إلى أداة لخدمة أهداف آيديولوجية.

الحوثيون أخضعوا تربويين في صنعاء للتعبئة الفكرية والقتالية (إعلام حوثي)

وتأتي هذه الحوادث ضمن سياق أوسع من الانتهاكات المستمرة التي تستهدف القطاع التعليمي في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث يسعى القائمون على هذه السياسات، وفق مراقبين، إلى إحكام السيطرة على المدارس وتوجيه مخرجاتها بما يتوافق مع توجهاتهم الفكرية والسياسية.

في المقابل، حذَّرت منظمات حقوقية محلية ودولية من خطورة استمرار هذه الانتهاكات، مطالِبة بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين، ووقف حملات القمع التي تطال المعلمين، وضمان بيئة تعليمية آمنة ومستقلة. وأكدت أنَّ استمرار هذه الممارسات يهدِّد بتقويض ما تبقَّى من النظام التعليمي في البلاد.

ويأتي ذلك في ظلِّ تدهور حاد يشهده قطاع التعليم في اليمن منذ سنوات؛ نتيجة الحرب والانقلاب، حيث تراجعت مستويات التحصيل الدراسي، وارتفعت معدلات التسرُّب من المدارس، في وقت يعاني فيه المعلمون من انقطاع الرواتب وتدهور أوضاعهم المعيشية، ما ينذر بتداعيات طويلة الأمد على مستقبل الأجيال القادمة.


«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.