الولايات المتحدة ترصد مستجدات الموقف الصيني من تايوان

قراءة في الحسابات والمخاوف خلف الوضع المحتقن

الولايات المتحدة ترصد مستجدات الموقف الصيني من تايوان
TT

الولايات المتحدة ترصد مستجدات الموقف الصيني من تايوان

الولايات المتحدة ترصد مستجدات الموقف الصيني من تايوان

ثمة توترات سياسية وعسكرية متصاعدة في منطقة مضيق تايوان، المعروف باسم «الخندق الأسود»، الذي يفصل بين جمهورية الصين الشعبية وتايوان (المعروفة رسمياً باسم جمهورية الصين).
من جانبها، تصف الصين تايوان بأنها «إقليم انفصالي»، بينما تصف الأخيرة نفسها بأنها دولة ذات سيادة، لها مؤسستها العسكرية الخاصة وبعثتها التي تمثلها في دورات الألعاب الأوليمبية العالمية. واللافت خلال الفترة الأخيرة، تكثيف الصين ضغوطها العسكرية والدبلوماسية في مواجهة تايوان لإجبارها على قبول السيادة الصينية عليها. ورداً على ذلك، شددت تايوان على أنها دولة مستقلة تملك الحق في التعامل على هذا النحو على الصعيد الدولي، ومؤكدة على أنها ستدافع عن نفسها في مواجهة الصين حال تعرّضها لهجوم.

خلال الأسابيع القليلة الماضية، تعمد عدد قياسي من الطائرات العسكرية الصينية خرق منطقة الدفاع الجوي التايوانية؛ ما أثار القلق داخل تايوان وعبر أرجاء المنطقة، وكذلك لدى الولايات المتحدة وحلفائها. وصاحب «عرض القوة» هذا تصريحات قوية من جانب الرئيس الصيني، شدد خلالها على ضرورة «إعادة توحيد» تايوان مع الجزء الرئيسي من الصين. وأضاف، أن «المهمة التاريخية لإعادة التوحيد الكامل للوطن... ستتحقق بالتأكيد».
بعد هذه التصريحات، ذكر مقال افتتاحي لصحيفة «ذي غلوبال تايمز» الناطقة باسم الحكومة الصينية، أنه «آن الأوان لتحذير الانفصاليين التايوانيين ومَن يحرضونهم من أن الحرب حقيقية».
كما سبق، تدعي الصين أن جزيرة تايوان الديمقراطية تشكل جزءاً من أراضيها، وتؤكد أنها ستستعيدها، بالقوة إذا لزم الأمر. والجدير بالذكر هنا، أن تايوان «دولة - جزيرة» يقدر عدد سكانها بـ23 مليون نسمة.
على الجهة المقابلة، سارعت الرئيسة تساي إنغ ون إلى الرد بقوة، متعهدة بالدفاع عن سيادة البلاد وديمقراطيتها. وقالت، إن الوضع في الوقت الراهن «أشد تعقيداً وسيولة» عن أي وقت مضى خلال السنوات الـ72 الماضية. ومن جهته، وصف وزير الدفاع التايواني تشيو كوو شينغ، التوترات الأخيرة بأنها الأسوأ منذ أربعة عقود. وأوضح وزير الدفاع في رده على سؤال طرحه أحد نواب البرلمان التايواني، أن «التوترات العسكرية مع الصين في الوقت الحالي تعد الأسوأ منذ ما يزيد على 40 سنة... إنها الأكثر خطورة منذ انضمامي إلى المؤسسة العسكرية».
الوزير شينغ أشار أيضاً إلى وجود مخاطر حقيقية في منطقة مضيق تايوان الحساسة، مضيفاً أن الصين تمتلك بالفعل الترسانة التي تمكّنها من الاستيلاء على تايوان بالقوة. وأعرب عن اعتقاده بأن تكلفة الحرب «الشاملة» لبكين قد تصبح في أدنى مستوياتها بحلول عام 2025 «عندما يصبح الغزو أمراً محتملاً».
معلقاً على ذلك، قال شاشانك ماتو، الزميل الباحث لبرنامج الدراسات الاستراتيجية لدى «مؤسسة أوبزرفر البحثية» في العاصمة الهندية نيودلهي «ينبع اهتمام بكين بتايوان، أو بالأحرى شغفها بتايوان، من مزيج سامٍ من التاريخ والاستعمار والمشاعر القومية. وتشكل خسارة تايوان، التي تُعد مجرّد خسارة واحدة في سلسلة طويلة من الخسائر المُذلة التي مُنيت بها الصين خلال الحقبة الاستعمارية، جزءاً من خطاب الحزب الشيوعي الصيني حول (قرن الإذلال) الذي صاغ جزءاً كبيراً من المشاعر القومية الحديثة داخل البلاد».

هل ستقدِم الصين حقاً
على غزو تايوان؟

في الواقع، ثمة جدل متزايد حول مدى احتمالية إقدام الصين على غزو تايوان. ومع أن البعض يعتقدون أن مسألة الغزو ليست وشيكة، فهم مع هذا لا يستبعدون احتمال إقدام الصين على استخدام القوة لاستعادة تايوان، بل يرون أنه تزايد. في المقابل، يرى فريق آخر، أن الصين ترغب في امتلاك القدرة على فعل ذلك، لكنها ربما لا تنوي غزو تايوان فعلياً. وفي تصريح لقناة «دويتشه فيله» الألمانية، قال وين تي سونغ، المحاضر في الدراسات التايوانية لدى الجامعة الأسترالية الوطنية في العاصمة الأسترالية كانبرا، إن الصين «في الوقت الحاضر لا تملك لا القدرة العسكرية ولا الإرادة السياسية لشن هجوم عسكري شامل على تايوان». وأردف، إن تايوان «تعد قضية مهمة لبكين، لكنها ليست عاجلة». ومن ثم تابع سونغ، أن القيادة الصينية تولي اهتماماً أكبر في الوقت الحاضر إلى التعامل مع قضايا داخلية، مثل الجلسة الكاملة السادسة المقبلة للجنة المركزية الـ19 للحزب الشيوعي الصيني والمؤتمر العام الـ20 للحزب، التي ستحدّد مكانة الرئيس شي جينبينغ وعصره في تاريخ الحزب. واختتم بالقول «وأيضاً، هناك الهدف الاقتصادي المتمثل في الرخاء العام الذي يشكل أولوية كبرى».

الادعاءات الصينية

وحقاً، تعد تايوان «مهمة غير منجزة» بالكامل بعد فيما يتعلق بجهود «تحرير التراب الصيني» في ظل قيادة الحزب الشيوعي الصيني منذ عام 1949. إذ تنظر بكين إلى تايوان باعتبارها إقليماً صينياً انفصل عن الأجزاء القارية من الصين (أي ما يعرف بـ«البر الصيني») في خضم حرب أهلية اشتعلت عام 1949. ولقد عمدت القيادة الشيوعية في بكين على نحو متزايد إلى حشد ضغوط عسكرية ودبلوماسية واقتصادية لتقويض إدارة تايوان ذات النزعة الانفصالية، مع تهديدها في الوقت ذاته بوضع الجزيرة تحت سيطرة الحزب الشيوعي في البر الصيني.
ما يستحق الإشارة هنا، أنه حتى القرن الـ17، كان يُنظر إلى تايوان على نطاق واسع باعتبارها جزيرة حرة لا يوجد فيها أي نفوذ خارجي يذكر. ولكن عام 1624، أسس الهولنديون موانئ لهم داخل تايوان لخدمة شؤونهم التجارية، واستعمروا الجزيرة في نهاية الأمر، كما فعلت شركة الهند الشرقية – ذي إيست إنديا كومباني - في الهند، لكن هذا الاستعمار كان قصير الأمد نسبياً.
عام 1683، بدأت سلالة تشينغ، آخر أسرة إمبراطورية في الصين، إرساء وجود لها في تايوان. وتبعاً لسجلات الحكومة التايوانية، جرى عام 1885 إعلان تايوان جزءاً من الصين في ظل حكم سلالة تشينغ.
بيد أن صعود دور تايوان على الصعيد السياسي الدولي، يمكن إرجاعه إلى الحرب الصينية - اليابانية الأولى (1894 ـ 1895) عندما تمكنت اليابان من إلحاق الهزيمة بالصين تحت حكم سلالة تشينغ، وجعلت تايوان أولى مستعمراتها. وتبعاً لـ«معاهدة شيمونوسيكي»، جرى التنازل عن تايوان لصالح اليابان.
ولكن، بعد خسارة اليابان في الحرب العالمية الثانية، عادت تايوان إلى الصينيين الوطنيين الذين انحازوا، بقيادة شيانغ كاي شيك، إلى صفوف الحلفاء أثناء الحرب.
هذا الوضع لم يظُل كثيراً، ففي عام 1949، خسر شيانغ وحزبه «الكومينتانغ» (الحزب الوطني) الحرب الأهلية الصينية في وجه الشيوعيين بقيادة ماو تسي تونغ. وعلى الأثر فر «الوطنيون» إلى جزيرة تايوان - المعروفة أيضاً باسم فورموزا -، وأبقوا على سيطرتهم الإدارية عليها، وأطلقوا عليها اسم «جمهورية الصين».
ومن ثم، في اللحظة التي كان ماو يُعدّ لشن هجوم على تايوان بهدف ضمها إلى الصين من جديد، اشتعلت الحرب الكورية عام 1950. وأبقت هذه الحرب ماو منشغلاً في مساعدة الشيوعيين في كوريا الشمالية؛ الأمر الذي حال دون إتمامه غزو تايوان. كذلك أجبرت هذه الحرب الولايات المتحدة على الالتزام بضمان أمن تايوان واستقلالها.
بعد ذلك، استولى الحزب الشيوعي الصيني، المنتصر في الحرب الأهلية (جمهورية الصين الشعبية)، أو الصين القائمة في وقتنا الحاضر على البر الصيني. وعند هذه النقطة، اعترفت الولايات المتحدة بتايوان (الآن جمهورية الصين) باعتبارها الصين الشرعية الوحيدة ونقلت سفارتها إلى هناك.
وفي عام 1955، أقر الكونغرس الأميركي ما عُرف بـ«قرار فورموزا» (أي تايوان) الذي خوّل الرئيس الأميركي سلطة استخدام السلاح في مواجهة أي هجوم تتعرض له الجزيرة. وفي تلك الفترة، مثلت تايوان رسمياً الصين تحت اسم «الصين الوطنية» داخل الأمم المتحدة.
استمر هذا الحال حتى «انفتاح» واشنطن على بكين إثر نجاح ما سُمي حينذاك بـ«دبلوماسية البينغ بونغ»، وهكذا حلّت الصين الشعبية محل الصين الوطنية داخل الأمم المتحدة في أعقاب إجراء تصويت. وعام 1979، اعترفت الولايات المتحدة رسمياً بالصين الشعبية باعتبارها الصين الوحيدة ونقلت سفارتها من العاصمة التايوانية تايبيه إلى بكين.
منذ ذلك الحين، أبقت واشنطن على علاقات غير رسمية مع تايوان. وأوضحت غير مرة، أنها لا تؤيد استقلال تايوان، لكنها تبيع لها أسلحة في ظل قانون العلاقات التايوانية؛ كي تمكّنها من الدفاع عن نفسها.
الصحافي الهندي البارز شيكار غوبتا في صحيفة «برينت»، أوضح شارحاً، أن «تايوان نالت دعماً من العالم الغربي باعتبارها (الصين الحقيقية) لبعض السنوات». وجرى إعطاء المقعد الدائم المخصص للصين داخل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في بادئ الأمر إلى جمهورية الصين، أي تايوان.
وبالتالي، فقط عام 1971، بعد مباحثات سرية كان أطرافها ماو تسي تونغ ورئيس حكومته شو إن لاي (عن الجانب الصيني) ووزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر ومن خلفه الرئيس الأميركي السابق ريتشارد نيكسون (عن الجانب الأميركي) - بوساطة الباكستانيين - وافق الأميركيون على منح هذا المقعد للحزب الشيوعي الصيني. وحسب غوبتا «اليوم، لدينا موقف يُمكِّن أبناء تايوان من السفر عبر أرجاء العالم باستخدام جوازات سفر تايوانية. ومكتوب عليها (جمهورية الصين) بحروف صينية صغيرة، لكن ليس باستطاعتهم دخول مبنى الأمم المتحدة باستخدام هذا الجواز».
من ناحية أخرى، طبقاً لما ورد في تقرير لـ«بي بي سي» (هيئة الإذاعة البريطانية)، فإنه خلال الثمانينات عرضت الصين على تايوان إطار عمل «دولة واحدة بنظامين»، الأمر الذي يشبه إلى حد ما هونغ كونغ. ووعدت بكين بمنح تايوان «قدراً كبيراً من الاستقلال الذاتي إذا قبلت الأخيرة بالوحدة من جديد مع الصين». واستطرد التقرير، أن «تايوان رفضت العرض، لكنها خففت صرامة القواعد المفروضة على الزيارات والاستثمارات في الصين. وعام 1991، أعلنت انتهاء الحرب مع جمهورية الصين الشعبية في الأجزاء القارية من الصين». ولكن في الوقت الحاضر، تعترف 15 دولة فقط بتايوان كدولة مستقلة. ورغم كل ما سبق، تُعتبَر تايوان واحدة من أكبر المستثمرين في الصين. وخلال عام 2019، كانت هناك 2.68 مليون زيارة من الصين إلى تايوان.
الاستفزازات العسكرية الأخيرة
حول «الاستفزازات» الصينية الأخيرة، أعرب شاشانك ماتو عن اعتقاده بأن «ثمة قوتين دافعتين وراء تزايد التصرفات العدائية من جانب بكين: الأوضاع السياسية الداخلية في تايوان، والدعم والاهتمام الدولي بتايوان».
ومع أن الحزب الشيوعي الصيني يمكن أن يقبل على مضض بوجود تايوان تعمل على نحو مستقل عنه، فإنه يتخوّف من مستقبل تعلن فيه تايوان استقلالها الرسمي. وفي مواجهة التلاشي السريع للتأييد الشعبي في تايوان لفكرة الوحدة الصينية، يساور بكين القلق من أنها أمام فرصة آخذة في الانكماش للتحرك قبل أن يصبح استقلال تايوان حقيقة واقعة. ومن ثم، من خلال الضغوط العسكرية الأخيرة، قد تسعى بكين لتكرار نجاحات سابقة لها في تقويض الحماسة الشعبية التايوانية تجاه الاستقلال.
علاوة على ذلك، اجتذب صراع الصين مع تايوان اهتماماً هائلاً على الصعيد الدولي. إذ كانت تايوان قد لفتت أنظار العالم بقيادتها واحدة من أكثر حملات الاستجابة لجائحة «كوفيد ـ 19» فاعلية. وعليه، شعر العديد من الدول بأن العالم يستطيع الاستفادة من المعرفة التي تملكها تايوان وتجربة إدارتها الجائحة، وبالتالي دعم كثيرون انضمامها إلى منظمة الصحة العالمية.
ثم أن الضغط الصيني ضد تايوان تزايد في وقت لاحظت الصين أن الاعتداءات ضد جيرانها استحوذت على اهتمام عالمي كبير. وقد تفجّرت موجة دعم لتايوان من جانب الجميع تقريباً، بداية من رئيس الوزراء الأسترالي السابق توني أبوت وصولاً إلى مجموعة من البرلمانيين الفرنسيين الذين حرصوا على زيارة تايبيه.
المصالح الأميركية
وأميركياً، أعلن الرئيس جو بايدن، أن الولايات المتحدة ستسارع إلى الدفاع عن تايوان حال تعرض الجزيرة لهجوم من جانب الصين. وكرر بايدن التأكيد رداً على سؤال صحافي بأن «واشنطن ملتزمة بالدفاع عن تايوان». ومقابل ذلك، في بكين، حث المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الصينية واشنطن على «توخي الحرص في تصريحاتها وأفعالها تجاه القضية التايوانية، والامتناع عن إرسال إشارات خاطئة إلى القوى الانفصالية الداعمة لاستقلال تايوان، كي لا يُلحق هذا الأمر ضرراً خطيراً بالعلاقات الصينية - الأميركية... وأيضاً السلام والاستقرار في مضيق تايوان». وهذا، في حين يقول فيكتور غاو، نائب «رئيس مركز الصين والعولمة» والذي عمل مترجماً رسمياً للإنجليزية للزعيم الصيني السابق دينغ زياو ببنغ، عن اتفاقه مع الرأي القائل بأن العلاقات بين الولايات المتحدة وتايوان تبدو في أفضل حالاتها منذ عقود.
ويذكر أنه خلال الصيف، وافقت إدارة بايدن على حزمة مبيعات أسلحة لتايوان بقيمة 750 مليون دولار أميركي، لتواصل بذلك تقليداً مستمراً منذ أربعة عقود تلتزم به الإدارات الأميركية الديمقراطية والجمهورية على حد سواء. وهذا، مع ملاحظة تنامي التعاون بين الولايات المتحدة وتايوان أيضاً.
وقبل وقت قريب، زار قائد الجيش التايواني الولايات المتحدة، بينما عقد وكيل وزارة الخارجية الأميركية جوزيه فيرنانديز أخيراً مؤتمراً صحافياً مع ممثل تايوان لدى الولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)
حصاد الأسبوع خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب

«الشرق الأوسط» ( واشنطن)
حصاد الأسبوع 
مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)

سانشيز يضع مدريد في مواجهة مباشرة مع واشنطن

عندما وقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على مدخل مقر رئاسة الحكومة في الرابع من هذا الشهر ليقول إن موقف بلاده من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران

شوقي الريّس ( مدريد)
حصاد الأسبوع سانشيز يخطب امام البرلمان (آ ف ب)

سانشيز يراهن على المشاعر وتعاطف الحلفاء والأصدقاء

لا يغيب عن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن الخروج عن «بيت الطاعة» الأميركي في ظل إدارة دونالد ترمب، تترتب عليه تكلفة باهظة. إلا أنه يدرك أيضاً أن له


الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.