واشنطن تلوّح بـ«خيارات عدة» لإعادة الحكم المدني في السودان

بلينكن يتصل بحمدوك... والبنك الدولي يوقف دفعاته والاتحاد الأفريقي يعلّق العضوية

جانب من احتجاجات مدينة عطبرة في السودان أمس (رويترز)
جانب من احتجاجات مدينة عطبرة في السودان أمس (رويترز)
TT

واشنطن تلوّح بـ«خيارات عدة» لإعادة الحكم المدني في السودان

جانب من احتجاجات مدينة عطبرة في السودان أمس (رويترز)
جانب من احتجاجات مدينة عطبرة في السودان أمس (رويترز)

لم توفر إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن أي جهد للتعبير عن غضبها من إطاحة الحكومة المدنية في السودان، برئاسة عبد الله حمدوك، إذ اتخذ المسؤولون الأميركيون على كل المستويات، خطوات استثنائية دبلوماسية ومالياً واقتصادياً للضغط على القوات المسلحة بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، من أجل إعادة الحكم إلى المدنيين والتزام التعهدات الواردة في الوثيقة الدستورية واتفاق جوبا للسلام.
وذهبت إلى التلويح بـ«خيارات متعددة»، من أجل دعم الشعب السوداني ومسيرته نحو الديمقراطية. وتجلى هذا الجهد الأميركي أولاً في تعبير المبعوث الأميركي الخاص للقرن الأفريقي جيفري فيلتمان، الذي كان في الخرطوم حتى عشية الانقلاب العسكري، عن غضبه الشديد من استيلاء العسكريين على السلطة. وكان قد حصل على وعود من البرهان بالاستمرار في نقل السلطة للمدنيين، خلال محادثات أجراها في الخرطوم في اجتماع مشترك مع حمدوك والبرهان ونائبه محمد حمدان دقلو، المعروف أيضاً باسم «حميدتي»، في سياق وساطة أميركية للتغلب على الصعاب التي تواجه عملية الانتقال السياسي، وعلى الخلافات المتزايدة بين القيادات المدنية والعسكرية في البلاد.
غير أن غضب واشنطن لم يقتصر فقط على فيلتمان، الذي لم يستشفِ ما يشير إلى تغيير كبير تعده قيادة الجيش لإطاحة حمدوك؛ فقام وزير الخارجية أنطوني بلينكن باتصالات واسعة النطاق دولياً وعربياً من أجل اتخاذ موقف موحد يعارض استيلاء العسكريين على الحكم في الخرطوم، ويطالب بإطلاق جميع المعتقلين، وأولهم حمدوك وبإعادة العملية الانتقالية إلى الخط المرسوم لها بين القيادات السودانية، ولكن بدعم دولي.

- البنك الدولي
من جهته، علق البنك الدولي دفعات الأموال المقدمة للسودان في أعقاب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالحكومة الانتقالية في البلاد. وقال رئيس البنك الدولي ديفيد مالباس: «أشعر بقلق بالغ إزاء الأحداث الأخيرة في السودان، وأخشى من التأثير الكبير الذي يمكن أن يحدثه ذلك على التنمية والانتعاش الاجتماعي والاقتصادي للبلاد».
وكان إعلان إدارة بايدن تعليق المساعدات الأميركية البالغة قيمتها 700 مليون دولار، مجرد إشارة لبقية الدول والمؤسسات المالية الدولية من أجل المشاركة في الضغوط على المؤسسة العسكرية السودانية وعلى البرهان نفسه. وأدى ذلك إلى إعلان العديد من الدول والمؤسسات الأوروبية استعدادها لاتخاذ خطوات مماثلة للخطوة الأميركية، قبل أن يصل الأمر إلى تسريبات من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تفيد بأن هناك «اتجاهاً لتعليق المعونات المالية والاقتصادية للسودان إذ لم يتم الاتزام بالعملية الانتقالية للمدنيين».
وظلت الإدارة الأميركية الحالية تتابع باهتمام الجهود التي بدأت خلال عهد الرئيس السابق دونالد ترمب، مما أدى إلى رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، عقب الاتفاق على تعويض عائلات ضحايا استهداف المدمرة «يو إس إس كول» وتفجيري السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا.
غير أن الجهد الآخر توجه نحو الاتصالات على المستوى الدولي والعربي للمشاركة في الضغوط الأميركية التي أدت إلى إعادة حمدوك إلى منزله. وبادر بلينكن على الأثر إلى إجراء مكالمة هاتفية معه للترحيب بإطلاقه، مؤكداً في بيان أن واشنطن «قلقة» على المحتجزين وتسعى إلى «التأكد من سلامتهم، وإطلاقهم جميعاً». وعبر عن «قلقه العميق من استمرار استيلاء الجيش على السلطة»، مكرراً مطالبته القوات العسكرية بـ«ضبط النفس وتجنب العنف في الرد على المتظاهرين». وشدد على «دعم الولايات المتحدة للانتقال بقيادة مدنية إلى الديمقراطية في السودان، وللعودة إلى مبادئ إطار العمل الانتقالي، على النحو المنصوص عليه في الإعلان الدستوري لعام 2019. واتفاقية جوبا للسلام لعام 2020»، مشيراً إلى «تزايد الأصوات الدولية المنددة بـ(استيلاء) العسكريين على الحكم».
وعكس بلينكن هذا التوجه الأميركي في اتصال أجراه مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان بن عبد العزيز. وأفاد الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس في بيان بأن الاتصال ركز على هذا الوضع و«تأثيره على استقرار السودان والمنطقة»، مجدداً دعم تطلعات الشعب السوداني إلى الديمقراطية، ومشدداً على الحاجة إلى العودة الفورية للحكومة الانتقالية، التي يقودها المدنيون في السودان. وأضاف: «ندد الطرفان بالاستيلاء العسكري على الحكم، وناقشا أهمية التزام جميع الأطراف بالإطار المنصوص عليه في الإعلان الدستوري، واتفاقية جوبا للسلام، وأن الفشل في ذلك يعرض الدعم الدولي للسودان للخطر».

- «ترويكا» والاتحاد الأفريقي
وشمل التحرك الأميركي بياناً مشتركاً أصدرته دول «الترويكا» المعنية بملف السودان، وهي الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج، يندد بما حصل، ويطالب بإطلاق المعتقلين فوراً وبعودة الحكم المدني، غير أن التحرك الأميركي الأبرز جاء عبر مجلس الأمن الذي عقد جلسة مشاورات طارئة، أول من أمس (الثلاثاء)، بطلب من ست دول هي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وآيرلندا والنرويج وإستونيا، بدعم من الدول الأفريقية الثلاث في المجلس، وهي كينيا والنيجر وتونس، واستمع خلالها إلى إحاطة من المبعوث الخاص للأمم المتحدة فولكر بيرثيس. ولم يتمكن أعضاء المجلس من التوافق فوراً على مشروع بيان يندد باستيلاء العسكريين على السلطة، ويطالب بإطلاق حمدوك، وغيره من المعتقلين لدى الجيش، وصولاً إلى إعادة الحكم إلى الحكومة الانتقالية، تمهيداً لإجراء انتخابات تتشكل على أثرها حكومة متوافق عليها وذات سلطة شرعية.
وعزا دبلوماسيون هذا الفشل إلى اعتراضات من روسيا التي «ترفض التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للسودان»، وترفض أيضاً تسمية ما حدث في السودان بانقلاب عسكري. ولكنهم أشاروا إلى غياب غالبية المندوبين الدائمين الذين كانوا في رحلة لمجلس الأمن إلى أفريقيا، وبينهم المندوبة الأميركية ليندا توماس غرينفيلد والفرنسي نيكولا دو ريفيير وغيرهما.
وعاد هؤلاء جميعاً إلى نيويورك، أمس (الأربعاء)، وكان مقرراً أن يعودوا مناقشة الوضع السوداني على أرفع المستويات في جلسة مغلقة من خارج جدول أعمالهم اليومي.
من جانبه، أعلن الاتحاد الأفريقي، أمس (الأربعاء) أنه علق عضوية السودان في الاتحاد المؤلف من 55 دولة بعد الإجراءات التي اتخذها القائد العام للقوات المسلحة السودانية عبد الفتاح برهان، وشملت حل مجلسي السيادة والوزراء، وفرض حالة الطوارئ.
وجاء في بيان مجلس السلام والأمن بالاتحاد الأفريقي أن قرار التعليق «(تم تفعيله فوراً)، ويحظر السودان من جميع أنشطة الاتحاد، لحين الاستعادة الفعلية للسلطة الانتقالية بقيادة المدنيين».
وطالب المجلس من رئيس الاتحاد الأفريقي أن «يرسل فوراً إلى السودان مبعوثه للحوار مع الأطراف السودانية بشأن الخطوات الضرورية اللازمة، للتعجيل باستعادة النظام الدستوري في السودان».

- الجهات الدولية
واعتبر الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس أن الإجراءات «المناهضة للديمقراطية» التي اتخذها الجيش السوداني «تقوضت الإعلان الدستوري لعام 2019»، كما تقوّض «التطلعات الديمقراطية للشعب السوداني»، مؤكداً توافق بلاده مع الدول والمنظمات من كل أنحاء العالم في التعبير عن القلق، معدداً تلك الجهات مثل الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، و«منظمة التعاون الإسلامي»، ودول أخرى مثل فرنسا، وألمانيا، وكندا، والمملكة المتحدة، والدول المجاورة للسودان أيضاً.
وقال خلال مؤتمره الصحافي إن مصر وإثيوبيا وجنوب السودان دعت أيضاً إلى وقف التصعيد والحوار في السودان، والإفراج «الفوري» عن جميع السياسيين المحتجزين.
وفي رد على سؤال من «الشرق الأوسط»، أوضح برايس أن المساعدات التي علقت «مؤقتاً» تبلغ 700 مليون دولار ومرتبطة بدعم الصناديق الاقتصادية الطارئة، فيما المساعدات الإنسانية الأخرى لم تتوقف. وقال: «قدمت الولايات المتحدة 60 مليون دولار خلال السنة المالية التي انتهت في نهاية الشهر الماضي، وذلك في صورة مساعدات ثنائية للصحة والتنمية، وركزت على دعم الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والأمن والمشاركة المدنية وتخفيف حدة النزاعات والمساعدة الصحية العالمية».
واستطرد قائلاً: «بالإضافة إلى ذلك، قدّمنا 438 مليون دولار مساعدات إنسانية منقذة للسودان في السنة المالية الماضية، وجميع المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة لا تخضع للتوقف الحالي للمساعدة. وكل هذه المساعدات تتماشى مع القيود المطبّقة، بما في ذلك تلك القيود التي كانت مفروضة على السودان، منذ الانقلاب العسكري في عام 1989، عندما صعد نظام البشير السابق إلى السلطة». واتهم الجيش السوداني بأنه «خطف التحول الديمقراطي»، مضيفاً أن الاستيلاء على السلطة «غير مقبول».
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر أميركي أن واشنطن لا تزال تدرس خياراتها فيما يخص الوضع بالسودان، مؤكداً أن «خيار العقوبات ربما يكون مطروحاً على الطاولة خلال الأيام المقبلة، إذا لم تُحَل الأزمة». وأوضح أن العقوبات المقصودة ربما تطال أشخاصاً لهم ارتباط وثيق بـ«السيطرة» في المؤسسة العسكرية السودانية أو خارجها.



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.