أبطال يعيشون مأساة الحب والتطرف

الإرهاب والتطرف الديني في «خطف الحبيب» لطالب الرفاعي

أبطال يعيشون مأساة الحب والتطرف
TT

أبطال يعيشون مأساة الحب والتطرف

أبطال يعيشون مأساة الحب والتطرف

تنضم رواية «خطف الحبيب» للقاص والروائي الكويتي طالب الرفاعي، التي صدرت عن «الدار المصرية اللبنانية»، إلى قائمة الأعمال الروائية العربية التي تعمل في محورها الأول على مواجهة قضية الإرهاب والتطرف الديني؛ إذ ينفتح الخطاب الروائي منذ الصفحات الأولى على حبكة واقع اجتماعي وسياسي مخيف ومحزن يشدّ القارئ إلى متابعة القراءة مأخوذاً بتقنية التشويق، وتعدد الأصوات السردية، ووجود حكاية «حب» موازية تمضي بالتجاور مع القضية الرئيسية، مما يجعلنا منذ البدء أمام وجهات نظر متعددة ليس للحكاية المحورية فحسب، بل للحياة ككل.
لكن يظل صوت البطل الراوي الرئيسي «يعقوب» الذي تبدأ معه الأحداث ويشغل مساحة أوسع في السرد رافداً رئيسياً تنتهي مع تحركاته الرواية كما بدأت. «يعقوب»، هو مليونير كويتي صاحب شركة مقاولات كبرى، مندمج في عمله حد التلاشي به، محب لأسرته وأبنائه الأربعة، ومخلص لزوجته طوال سنوات زواجهما التي قاربت الأربعين عاماً، يجد نفسه فجأة ضمن واقع عبثي، يجبره على المضي في اتجاهات شتى محاولاً إنقاذ ابنه؛ فهل ينجح؟
يمضي طالب الرفاعي في مغامرة روائية جريئة كما سيتكشف من النص، ومنذ الصفحة الأولى لا يتأخر عن تقديم حوار يدور بين الأب «يعقوب» والابن «أحمد»، ليكشف أي بؤرة تدور فيها الوقائع، فالابن «تزيا فجأة باللباس الأفغاني»، ولم يتورع عن التهديد والتوعد لأسرته قائلاً: «عقابكم قادم». تمهّد هذه الكلمات لمأساة غياب «أحمد» الابن الأصغر لأسرة كويتية بالغة الثراء، لكنه ينزلق في دوامة الإرهاب لتخطفه بعيداً، ولعل دلالات العنوان في كلمة «خطف»، تكفي لأن تحيل النص لحالة من الفزع، فالخطف يعني أخذ الشيء أو الشخص عنوة على حين غرة، وتظل عودته في قيد المجهول، لأنها نتاج سلسلة من الأحداث التي سبقت الخطف وخلاله وبعده.
بيد أن قارئ «خطف الحبيب» وهو يتابع شخوص الرواية، يتنبه إلى حالة اختطاف جماعية تسيطر على النص، فشخوص الرواية جميعهم كل منهم مختطف إلى عالمه: يعقوب إلى عمله، و«شيخة» زوجته عاشت طوال سنينها مخطوفة إلى انشغالها مع أبنائها وعملها، ثم تتنبه متأخرة لكل ما غاب عنها، والابن أحمد يستحوذ عليه التطرف، فرناز حبيبة يعقوب تعيش منشطرة في دوامة قلقها من الرجوع لإيران، وتمني حصول أي تغيير يضمن ألا تكون حياتها وحياة أفراد أسرتها مهددة بالفقر والترحيل، أما الخال عثمان فهو منخطف لقناعاته الخاصة المؤيدة للإرهاب، هكذا يعيش كل بطل في الرواية مأساة داخلية تأخذه في متاهتها. يرى الناقد محمد قطب في كتابه «سرد الحياة» أن «كل أدب جميل هو أدب سياسي بالمفهوم العام... كما أن الرؤية السياسية إحدى آليات البناء في الموضوع الأدبي. ولأن الرواية تتسم بالجمال والجلال معاً، فإن تأثيرها ملموس في حركة الحياة وتشكيل الوجدان الإنساني».
انطلاقاً من هذا المعنى، يمكن ملاحظة كيف يدين النص في «خطف الحبيب» الإرهاب، ويمضي متتبعاً نواة تشكله ونتائجه القاتلة، وفي الوقت ذاته، ينبه القارئ: «ما يحدث حولنا أقرب مما نظن، فالمتسبب في ضياع ابنه لم يكن غريباً. إنه فرد من العائلة يموّل جماعة إرهابية، وللمفارقة القدرية فإن هذا الرجل (عثمان)، يعمل في شركة يعقوب، ويكاد يكون مساعده المقرب». يقول: «قبل أكثر من سنة ونصف السنة، دخل عثمان علي، بوجه لم أستطع تفسير نظراته، لينقل الخبر: (الحمد لله، أحمد صار أميراً لجماعة جهادية في سوريا، وأصبحت كنيته أبا الفتح الكويتي)».

- البناء المعماري للرواية
تنقسم الرواية البالغ عدد صفحاتها (335) إلى فصول صغيرة، ويعتمد الكاتب على تقنية الأصوات المتعددة، إذ تحكي الحكاية من أكثر من وجهة نظر، أو بعبارة أدق كل شخصية تقدم رؤيتها للعالم من خلال زاويتها الشخصية في تبرير أفعالها، وإلى جانب تعدد الأصوات اعتمد الكاتب بشكل كبير على تقنية «تيار الوعي»، في ربطه ثلاثة أزمنة ضمن مقطع سردي واحد، يتنقل بين ماض بعيد، وحاضر، وتساؤلات عن الغد، خاصة فيما يتعلق بعودة ابنه، لنقرأ تجلي هذه الصيغة: «بعد مرور أقل من سنة على غيابه، ما عادت شيخة تذكره، نظفت غرفته، رمت كل ما فيها، وأعادت صبغ جدرانها، أحمد اختفى من حياتنا واعتاد الجميع على عدم وجوده... وحدها فرناز شغلت بالي عنه خلال الأيام الفائتة. لا بد أن أراها وأجلس معها».

- الشخصيات والحبكة الدرامية
يرصد صاحب رواية «حابي» بشكل غير مباشر التحولات الاجتماعية التي عصفت بالكويت، منذ ظهور النفط، كيف كانت علاقة أهل الكويت مع البحر أولاً، ثم كيف تغيرت بعد ظهور النفط، هذا الرصد يتمظهر في تقديمه عدة تفاصيل حياتية ترتبط بماضيه وحاضرته، وحياته اليومية مع عائلته وفي عمله، أيضاً في أسلوب الحياة الذي اختارته العائلة، زوجته «شيخة» مثلاً، تحكي عن علاقتها بالملابس الكثيرة التي تملأ دواليبها، وفي الوقت نفسه تعاني من خواء داخلي رهيب نتيجة ابتعاد يعقوب عنها، وانشغال أولادها واختفاء ابنها الأصغر، يمنح الكاتب صوتاً خاصاً لشيخة لتحكي عن مكنوناتها الداخلية وصراعاتها، وإحساسها بالتلاشي رغم كل ما تنعم به من ثراء، وقد بدا صوت «شيخة» من أكثر الأصوات السردية في التلقائية والصدق الإنساني، تمكن الروائي من منحها فصولاً سردية قصيرة، لكنها مفعمة بالبوح الشفيف، كما حملها أيضاً جزءاً من التغيرات الاجتماعية، لنقرأ: «أحياناً أتساءل: لمن أشتري كل هذه الملابس إذا كان زوجي لاهياً عني؟ ما الذي جعل كلاً منا يُهمل الآخر ويصد عنه؟ لماذا اعتلَّت علاقتنا ووهنت. أحياناً حين أستمع لشكوى صديقاتي من خلافاتهن اليومية مع أزواجهن أشعر بالغيرة، فبعض الخلافات الزوجية صحية، تخفي لهفة وحرصاً على الآخر».
ضمن هذه الحبكة الدرامية المتوترة؛ ابن غائب وعلاقة زوجية فاترة، يباغت يعقوب تغير جذري في حياته، لا يبدو مفهوماً، يقول: «ولدي يترأس جماعة إرهابية تقاتل في بلاد الشام، وها هي فتاة شابة لا أعرفها تعترض طريقي فجأة فتشغل بالي».
تظهر الشابة الإيرانية «فرناز» التي تعمل موظفة في شركة يعقوب، لكن لا تبدو العلاقة الوليدة بينهما إلا انعكاساً آخر للمأساة الأساسية في النص، سرعان ما تتطور الأمور بسرعة بين يعقوب وفرناز، ببطء لكن بثبات؛ تبدو الأمور تحدث من جهة واحدة في البداية، أي من جانب يعقوب؛ فهو المحرك الرئيسي للعلاقة، لكن في المقابل لا يمكن تجاهل تمني فرناز أن تصبح جزءاً من حياة المليونير الذي تجاوز الستين، وهذا ما يتضح في أكثر من موضع في النص ضمن مونولوجاتها الداخلية، أيضاً موافقتها على لقائه على انفراد في ذاك «الأوتيل» الفخم. بيد أن علاقة يعقوب مع فرناز ظلت موشومة على مدار النص بحضور طيف الابن الغائب أحمد، وهذا يتضح في اللعبة السردية التي اعتمدها الكاتب بعد كل ظهور لفرناز؛ لا بد من الحديث عن أحمد، ثم طرح سؤال مباشر من يعقوب: «ما علاقة هذه الفتاة بأحمد؟». لعل الإجابة عن هذا السؤال تظل خافية حتى الفصول الأخيرة، حين يكشف الكاتب عن غاية قدرية ما كانت وراء ظهور فرناز في حياته. يكرر البطل جملة أن جده كان «نوخذة»، والمعروف أن النوخذة قائد السفينة ينطلق في البحار ويعتمد على بصيرته في التنبؤ بما سيأتي، هكذا هو يعقوب يعتمد منذ اللحظة الأولى لمشاهدته فرناز عند باب المصعد على إحساسه في أنها ستقوده إلى ابنه بشكل أو بآخر. لنقرأ: «تلاقت نظراتنا، أنا وهي، فلمحت جانباً من وجهها، وبريقاً في نظرة عينيها، ومستني رائحة عطر آسر بقربها. تمنيت لو أقف لأراها بكامل جسدها. كأن نظرتها خاطبتني بشيء لا أعرفه».
لقد نجح الكاتب في إخفاء العلاقة خلف ضباب الأحداث والأصوات الروائية المتعددة، يلاحق القارئ السؤال عن تطور الصلة بين الموظفة الفقيرة، ومدير الشركة الثري، إلا أنها تظل بعيدة تماماً عن الحسية، بل مسورة بالبحث عما يشغل بال يعقوب ويقض مضجعه، وهو غياب ابنه، لكن في الوقت ذاته تُجسد هذه الصلة بكل ما حملته من تفاصيل فكرة العلاقة مع الغرباء وحب الاستطلاع نحوَ من لا يشبهنا والرغبة في الاتصال به، التساؤل بشأنه وبشأن عالمه وحياته، وهذا يتجلى في طرفي العلاقة: «يعقوب وفرناز»، ففي مونولوجاتهما الداخلية، يطرح كل طرف تساؤلاته عن واقع الآخر وعالمه، وهذا يبدو منطقياً جداً في رواية اعتمدت كثيراً في أحداثها وتفاصيلها على بيان التناقضات الكثيفة التي تسربل المجتمع ككل من جهة، وتُفرق بين أفراد الأسرة الواحدة من جهة أخرى.
تمكن الكاتب من تشكيل حالة من التعاطف مع الأبطال جميعاً، من خلال لعبة المرايا المتجاورة التي تكشف الأمر وعكسه مع كل الشخوص.
تظل الإشارة إلى لغة الرواية؛ فقد امتازت لغة السرد بالسلاسة والتشويق والتلقائية وارتباطها بطبيعة الشخصيات، مع يعقوب بدت أكثر تركيباً على المستوى النفسي في الوثبات الزمنية، هذا لا نجده مع باقي الشخصيات، فيما بدت اللغة مع أحمد في الفصول السردية الخاصة به معبرة عن شخصيته وأحواله، ومع شيخة تميزت اللغة بالقدرة على وصف عالمها المرتبك والجاف؛ إذ لديها كل أسباب السعادة قبل غياب الابن، لكنها لم تكن سعيدة يوماً، في المقابل بدا صوت فرناز أكثر بساطة وتلقائية في وصف واقعها ومخاوفها وتطلعاتها. لم يسترسل الكاتب في استخدام اللغة الوصفية إلا في حدود الحاجة للوصف المكاني أو الذاتي للأشخاص، مما جعل لغة السرد تواكب التحولات المتصاعدة في حياة الأبطال.
«خطف الحبيب»، رواية كاشفة للمجتمع العربي ككل في تحولاته وليس الكويتي فقط، تميط اللثام عن كثيرٍ من التفاصيل المسكوت عنها، وتطرح أفكارها بجرأة غرضها التنبه لكل ما يعصف حولنا ويهدد حياتنا الآمنة.



شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.