أيمن عودة.. مشروع غاندي فلسطيني

رئيس القائمة المشتركة لفلسطينيي 48 في الكنيست الإسرائيلي.. لا يخاف على الهوية العربية

أيمن عودة.. مشروع غاندي فلسطيني
TT

أيمن عودة.. مشروع غاندي فلسطيني

أيمن عودة.. مشروع غاندي فلسطيني

إذا كان القول إن «الأرض منبت المناضلين» شعارا فضفاضا يرفعه الثوار، فإنه عند أيمن عودة سنة حياة. لقد انشغل العالم هذا الأسبوع بالمسيرة التي قادها من النقب إلى القدس، مشيا على الأقدام طيلة 4 أيام، وكان هناك من انتقده قائلا: «مجرد مظاهرة فردية لرجل سياسي لم يشاور حلفاءه». لكنهم تجاهلوا أن أيمن عودة مرتبط بالنقب منذ سنين طويلة. ومرتبط دائما بالقواعد الشعبية في العمل السياسي. ومن هنا قوته. ومن هنا جاء نجاحه في ترؤس «القائمة المشتركة»، التي تضم الأحزاب العربية الوطنية لفلسطينيي 48 وتمكنه ورفاقه في الجبهة والأحزاب الأخرى (الحركة الإسلامية والتجمع الوطني والحركة العربية للتغيير) من تحقيق المكسب الكبير: 13 مقعدا من مجموع 120 مقعدا في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، وجعلها ثالث أكبر كتلة برلمانية.

والمسيرات الشعبية لها وقع مميز في حياة أيمن عودة وثقافته السياسية. فكثيرا ما يذكر مسيرة مارتن لوثر كينغ، الثائر الأميركي على العنصرية، ونيلسون مانديلا، رمز الانتصار على الأبرتهايد. والمهاتما غاندي رمز النضال السلمي ولا يتردد في القول إنه يستمد منهم الكثير من الفكر والممارسة.
وفي الواقع، أن مسيرة أيمن عودة من النقب إلى القدس، لم تكن الأولى. فقد كان قاد مسيرة أخرى في الاتجاه المعاكس ذات مرة، ترك فيها بصمات واضحة. سار من حيفا، مسقط رأسه، إلى النقب، عندما قامت مجنزرات السلطة الإسرائيلية بهدم بيوت قرية العراقيب هناك قبل 6 سنوات. بقي مع أهلها طيلة الليلة حتى الفجر، ثم قرر أن يبقى في النقب حتى يتعرف إلى أهله وبلداته أجمعين. وأمضى شهرا كاملا هناك، يتنقل من مضرب بدوي إلى مضرب، يفترش أرض الصحراء مع مشردي سياسة الترحيل الإسرائيلية، يعيش معيشتهم القاسية الخالية من أية خدمات أساسية، بلا كهرباء وبلا ماء ولا مجار ولا مدارس ولا عيادات. يسافر من بلدة لأخرى بسيارته القديمة. ويضرب لنفسه أوتادا تمتد إلى الجذور والوجدان، عند هذه الشريحة من فلسطينيي 48، الذين هم أيضا أهملوا النقب لسنين طويلة. وأقسم أن يرفع قضايا النقب، من الآن فصاعدا في رأس همومه الوطنية.
ولم يخيب آمال أهل النقب، فأصبحوا يجدونه بينهم في كل مصيبة تحل بهمم، والمصائب هنا كثيرة: عندما يهدم بيت وعندما يقع حادث طرق مروع وعندما تشن الشرطة هجوما لكي تعزز لديهم «الردع». بلدة العراقيب بالذات عرفته تقريبا في كل مرة هدمت، وقد هدمت حتى الآن 80 مرة وأعادوا بناءها وأيمن معهم. وبسبب وقوفه إلى جانبهم في صد قوات الهدم، تم اعتقاله ومحاكمته بتهمة عرقلة عمل رجال الأمن.
* «من أين جئت؟ لماذا لا يعرفك أحد في الوسط اليهودي؟»، سأله أحد الصحافيين اليهود، في تقرير خاص للقناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي المستقل.. فأجاب: «المشكلة ليس أنكم لا تعرفونني، فأنا معروف بين أبناء شعبي، لكن المشكلة أن المجتمع اليهودي في إسرائيل يعيش في عزلة حتى داخل إسرائيل فلا يرى العرب الذين يشكلون 20 في المائة من سكان الدولة. وأنا أنوي تعريفكم بنا وبقضايانا».
هذا هو أيمن عودة. من هنا جاء تفرده عن قادة سياسيين كثيرين في الساحة الفلسطينية. وتدرجه في سلم القيادة حتى بلغ أوجها، بدا تطورا منطقيا لمسيرة شاب نما وترعرع على أعتاب السياسة والقيادة السياسية.
ولد أيمن عادل عودة سنة 1974 لعائلة كدح في حي الكبابير على إحدى قمم جبال الكرمل. من بيته المختبئ في كوشة أشجار صنوبر، تشاهد البحر الأبيض المتوسط متلألئا تحت أقدام الجبل وغابات خُضر تطل من خلالها بيوت الحجر الفخمة. هدوء وسكينة في الليل والنهار، إلا عندما يعود الطيب واسيل وشام. وهؤلاء هم أطفال أيمن ونردين. ولكل من اسمه قصة وانتماء. الطيب، مأخوذ من أبو الطيب المتنبي، شاعر العرب، الذي يعشقه أيمن ويذكره ويقتبسه في كثير من خطاباته. وأسيل، هو اسم شقيق زوجته، أسيل عاصلة، الذي كان قد استشهد برصاص رجال الشرطة الإسرائيلية في سنة 2000، سوية مع 12 شابا آخر من فلسطينيي 48. وأما شام، فهو الاسم المأخوذ من أعماق الانتماء العروبي لأيمن ولوالديه، اللذين وعى على نشاطهما السياسي الوطني منذ نعومة أظفاره.
كان عمره لا يتجاوز بدايات المراهقة عندما دخل في النشاط السياسي، وانتخب رئيسا للجنة الصف ثم رئيسا لمجلس الطلاب في مدرسته الثانوية. إنها مدرسة القديس يوحنا في حيفا، مدرسة كنسية مبنية على أخلاقيات النظم والانتظام والانصياع، لكنه زرع بذور التمرد فيها. هو نفسه لم يكن رفضيا ولا مقاتلا، بل كما هو اليوم كذلك في صغره، حرص على التصرف بأدب مع «من علمني حرفا»، ولكن بتصميم ومثابرة وعناد في طرح المطالب. والتحق بالجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة في تلك المرحلة من حياته، وهي التي كانت الجهة السياسية الوحيدة القوية على ساحة النضال. فيقرأ جريدتها «الاتحاد»، فيتعرف على كبار الأدباء والشعراء الذين عملوا في هيئة تحريرها، الأديب إميل حبيبي والمؤرخ إميل توما، اللذين تناوبا على رئاسة تحريرها، ومحمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وسالم جبران ومحمد علي طه وغيرهم.
درس المحاماة، لكنه قلما عمل بها. بعد النشاط الطلابي، تركز في الحراك البلدي الشعبي، فانتخب عضوا لبلدية حيفا (من 1998 وحتى 2003). وبرز يومها كسياسي نشيط، قريب من الناس ويحترم انتخابهم له. كان يحصل في التلخيص السنوي على درجة الأنشط بين أعضاء البلدية في تقديم الاقتراحات على جدول الأعمال والاستجوابات. وقد أصدر في حينه كراسيْن عن ضرائب السكن (الأرنونا) وقضايا التخطيط والبناء باللغة العربية، كي يشكلا مُعينًا لأهالي حيفا العرب يعرفهم فيهما على حقوقهم وكيفية تحصيلها. وخصص للأهالي مكتب عمل بلديا في الأحياء العربية الفقيرة لمساعدتهم «بدل أن نأتي نحن للبلدية ونضيع في أروقتها الرحبة، جلب لنا البلدية إلى حارتنا»، قالت يومها امرأة فاضلة في حي وادي النسناس في المدينة. وفي فترة عضويته في بلدية حيفا اعتقل عدة مرات نتيجة لنشاطه السياسي ولوحق من طرف المخابرات والشرطة.

في صف القيادة الأول

وفي سنة 2006 انتخب أمينا عاما للجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، ويستمر في المنصب حتى اليوم. وهو منصب يتولى فيه المسؤولية التنظيمية لعمل الجبهة، كبرى الأحزاب الفاعلة في صفوف العرب في إسرائيل. وهو منصب ثان في أهميته، بعد رئيس الجبهة، محمد بركة. حظي به بفضل نجاحه في العمل التنظيمي عموما، ولكن أيضا بفضل قدرته على الوصل الودي مع رفاقه، دماثته ووديته وحميميته جعلت له قاعدة شعبية واسعة. وقد أعطى زخما خاصا للمنصب. وحوله إلى انطلاقة للقيادة الأولى، مثلما حصل لسابقه محمد بركة. قام بزيارة جميع الفروع (67 فرعا)، مرة واحدة على الأقل في السنة وبعضها زارها 10 مرات وأكثر. وقد أحيا عددا من الفروع النائمة ودب الحماس في نفوس الشباب وجدد قسما غير قليل من الكوادر.
في سنة 2008، حاولت السلطات الإسرائيلية فرض الخدمة المدنية على الشباب العرب، بحجة أن «عليهم تقديم خدمة ما للدولة مقابل المساواة في الحقوق». فقررت لجنة المتابعة العليا لشؤون المواطنين العرب في إسرائيل، التي تضمّ كل الأحزاب والفعاليات السياسية والبلدية، التصدي لهذا المشروع وانتخبت أيمن عودة رئيسًا «للجنة مناهضة الخدمة المدنية وكل أشكال التجنّد في الجيش الإسرائيلي». فالتقى كل سنة آلاف طلاب المدارس الثانوية، وزار 60 إلى 70 مدرسة ثانوية لمدة 6 سنوات، ونظم محاضرات في المؤسسات الحزبية والجماهيرية وعشرات المناظرات والمقالات، الأمر الذي كان له أبلغ الأثر على وعي الشباب العرب ضد المشروع. ولكن عودة تميز حتى في هذه القضية بخطاب متعقل مسؤول. فعلى طول مناهضة الخدمة المدنية كان عودة يرفض بشدة تخوين الشباب الذين يخدمون، وكان يؤكد أن النضال يتركز ضد المؤسسة الحاكمة، «أما هؤلاء الشباب فهم أبناؤنا الذين يجب أن نصل إليهم ونقنعهم بصحة موقفنا». ولم يرفض عودة مبدأ التطوع لدى الشباب، إنما وضع شروطا له: * الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي مرفوضة تماما فلا يمكن للعربي الفلسطيني أن يكون جزءًا من آلة الاحتلال ضد شعبه. * الخدمة المدنية ارتبطت دائما بالعسكرية منذ قانون العام 1953. وأيضا حين أُقرّت بخصوص المواطنين العرب في العام 2005 كانت جزءًا من وزارة الأمن. * نرفض ربط الحقوق بالواجبات من ناحية ديمقراطية، حيث إن الحقوق مطلقة للمواطن بينما الواجبات نسبية. وكذلك للخصوصية الإسرائيلية التي تعتبر الانتماء القومي لليهود المدخل الأساس للمواطنة وكل الحقوق. وأكد أن للمواطنين العرب حقوقا بديهية كونهم أهل البلاد الأصليين ومواطنين في الدولة، وهذا ما لا تعترف به الدولة. *الخدمة المدنية تهدف إلى تشغيل الشباب بالسُّخرة مجانا بدلا من إعطائهم فرص العمل، لا بل وتزيد البطالة كون المؤسسات ستستعمل الخادمين مجانا بدلا من العمال بالأجرة. * مشاريع حكومية هكذا تأتي ضمن مصالحة تاريخية واتفاق على مجمل علاقات المواطنة بين الأقلية القومية والدولة، ولكن ما حدث أن دولة إسرائيل قدمت هذا الاقتراح في ذروة تحريضها على المواطنين العرب، كجزء من مخطط لربطهم مع وزارة الأمن (التشويه القومي) وربط الحقوق بالواجبات (التشويه المدني).

تغيير لأجل التأثير

خلال عمله الشعبي تميز بحسن الإصغاء لنبض الشارع. كان يسمع الانتقاد الجماهيري للقيادات العربية السياسية، بأنها تتبنى خطابا سياسيا متشنجا لدرجة أنها في بعض الأحيان تزايد على قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وتعطي لليمين المتطرف في إسرائيل سلاحا ضدها. انتقد سفر عدد من القيادات العربية إلى ليبيا للقاء الرئيس معمر القذافي. تحفظ على علاقات بعض القيادات مع قطر. انتقد التعصب الديني والطائفي. نادى بخطاب عقلاني يلائم الوضع المميز للمواطنين العرب في إسرائيل. وبادر إلى تغيير في الخطاب السياسي العربي - «بدلا من المساهمة في سياسة اليمين المتطرف الذي يريدنا أدوات في سياسته المعادية للعرب وللسلام، ينبغي علينا إدارة سياسة تقربنا من المجتمع اليهودي حتى يسمع خطابنا المؤيد للسلام»، ظل يقول.
وقد تعرض خطابه هذا لانتقادات من بعض القوى السياسية الوطنية، التي اعتبرته «خطابا متأسرلا»، بل اتهمته بالنفاق لليهود. وعندما نذكر ذلك أمامه، يرد بحدة قائلا: «لدينا قادة يبدون ضعفا في الإيمان بانتمائنا الفكري والوجداني. نحن نخوض نضالاتنا لصالح قضايا شعبنا بثقة عالية في النفس. وضعنا المميز يحتم علينا التصرف بحكمة. وأنا لا أخاف أبدا على ضياع هويتنا القومية في مواجهة السياسة الإسرائيلية. فقد حافظنا على انتمائنا لشعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية، عندما كنا مجموعة من بقايا شعب رحل وتشرد. كنا شراذم في الوطن. ثلثنا لاجئون في وطننا وكلنا يتعرض لحكم عسكري قمعي بشع. ولم تكن لدينا أية علاقة بأمتنا العربية وشعبنا الفلسطيني. ومع ذلك حافظنا على هذا الانتماء. كل ما بنته إسرائيل فوق أرضنا، لم يفلح في قطع صلتنا بتراثنا. لغة القرآن الكريم وأبي الطيب المتنبي بقيت لغتنا. ومع أول الغيث العربي علينا أقمنا الروابط مع منظمة التحرير والقيادات العربية الوطنية. تلقفنا فكرة أداء فريضة الحج في الديار المقدسة وسافرنا إلى القاهرة وعمان ودمشق. وحافظنا في أدبياتنا على النفس العربي الحر. لذلك أنا لا أخاف على انتمائنا أبدا».
ويتابع: «نحن نشكل أقل من 20 في المائة من المجتمع الإسرائيلي، وهذه قوة لا يستهان بها. لكننا لكي نصبح مؤثرين، لا بد من أن نجند إلى جانبنا 31 في المائة من المجتمع اليهودي على الأقل، فنصبح 51 في المائة. من دون شركاء يهود في نضالنا لن نحسن التأثير لتغيير السياسة الرسمية للحكومات الإسرائيلية. ونحن بحاجة ماسة لهذا التغيير، أولا من أجل حقوقنا اليومية كمواطنين وثانيا من أجل حقوق شعبنا والتخلص من الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، عاصمتها القدس الشرقية، إلى جانب إسرائيل. عالمنا العربي طرح مبادرة سلام على إسرائيل، وفيما بعد تبنتها الدول الإسلامية. واجبنا أن نقنع الجمهور الإسرائيلي بها ونطمئنه بأن السلام ممكن وليس كما يقول قادته من اليمين المتطرف».
ونقول له: «لاحظنا أن خطابك السياسي المميز يلقى اهتماما إيجابيا في الصحف وفي الشارع، ولكن الغالبية صوتت في النهاية لصالح نتنياهو؟» فيرد: «أجل طريقنا طويل. والمجتمع الإسرائيلي لا يزال مفتونا باليمين، ولكن ليس لأنه يميني. بل لأن اليمين يطرح فكرا واضحا لا لبس فيه. بينما اليسار يدير سياسة ضبابية مترددة. وعلينا أن نسهم في المعركة لتوضيح الأمور. وكما تفضلت، إن لقاءاتنا خلال المعركة الانتخابية وقبلها بعدة سنوات تشير إلى أن التأثير ممكن. حتى في أوساط يهودية دينية ويمينية، لم يصل إليها عربي في يوم من الأيام، تمكنا من فتح الأبواب لحوار صادق ومفيد ومباشر بلا وساطة سياسيين وأحزاب، حاولنا أن نثبت فيه أن الاحتلال مضر للشعبين والعنصرية مضرة للشعبين. حاولنا أن نعيد الأمل، للأجيال القادمة. هذا طريق صعب، أعرف. ولكنه الطريق الأفضل والأنجع».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.