اعتذار سويدي أنهى أزمة 16 يوما مع الرياض

تدخل ملك السويد وسعي رئيس الحكومة لتوضيح موقفه ساهم في قرار إعادة السفير السعودي إلى استوكهولم

اعتذار سويدي أنهى أزمة 16 يوما مع الرياض
TT

اعتذار سويدي أنهى أزمة 16 يوما مع الرياض

اعتذار سويدي أنهى أزمة 16 يوما مع الرياض

أثمرت جهود اللحظات الأخيرة التي سعت فيها السويد إلى استعادة علاقاتها الطبيعية مع السعودية بكل السبل والوسائل المتاحة والاستثنائية، في إعادة المياه إلى مجاريها بين الرياض واستوكهولم لتنهي أزمة 16 يوما زلزلت أركان العلاقات الثنائية. تدخل ملك السويد غوستاف السادس عشر ورئيس وزرائه، في الأزمة بإرسالهما مندوبا رفيع المستوى يمثل الدولة والحكومة الائتلافية إلى الرياض، لتدارك الظروف غير الطبيعية التي سادت بين البلدين في الفترة الأخيرة، وقد تكللت الزيارة والرسائل التي حملها إلى القيادة السعودية، بنتائج إيجابية قررت بعدها الرياض وفي ضوئها إعادة سفيرها المعتمد إلى العاصمة السويدية وإتاحة الفرصة مجددا لاستمرار العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين البلدين.

كان واضحا خلال أسابيع، التوتر الشديد داخل المؤسسات الرسمية والدستورية السويدية طوال أيام الأزمة، وذلك من خلال تضارب التصريحات وسط عجز حكومي عن أية مبادرة للحل، كما أسهمت وسائل الإعلام السويدية المرئية والمقروءة ومواقع الرأي والصحف المتخصصة بالقضايا التجارية والصناعية في الحوار المفتوح حول الأزمة ونتائجها السلبية الكبيرة على الاقتصاد السويدي وذلك إثر التصريحات التي تعرضت فيها وزيرة الخارجية مارغوت فالستروم للقضاء السعودي والنظم الاجتماعية السائدة خارج الأطر الدبلوماسية المعهودة والتي اعتبرت السعودية فيها تلك التصريحات مسيئة وغير ودّية.
وكانت التسريبات التي أحاطت بجهود الملك السويدي خلال فترة الأزمة تشير إلى اتصالاته الشخصية بعدد من الاستشاريين والخبراء العرب والسويديين لتدارك الأزمة وإيجاد الحلول الضرورية لها، حيث اختار الملك أخيرا إرسال شخصية رفيعة المستوى ممثلة في وزير الدفاع السويدي السابق البارون بيورن فون سيدو ممثلا فوق العادة يحمل رسالة الملك الشخصية ورسالة رئيس الحكومة استيفان لوفين تتضمن اعتذار الحكومة وتوضيحا من لوفين لموقف حكومته الإيجابي من الإسلام، مشيرا إلى أن السعودية تبذل كل جهد للحفاظ على قيم الإسلام الرفيعة والسمحة.
وقد أبدت المملكة العربية السعودية خلال استقبال خادم الحرمين الشريفين لمندوب الملك السويدي تفهما واضحا لموقف الحكومة السويدية الساعي إلى توضيح ملابسات الأزمة الدبلوماسية بين البلدين كما اتضحت مواقف المملكة أيضا خلال استقبال الأمير محمد بن سلمان وزير الدفاع السعودي للموفد السويدي خلال جلسة مباحثات تمهيدية أوضح من خلالها مبعوث ملك السويد رغبة السويد باستعادة العلاقات الطبيعية بين البلدين.
وكانت الأزمة الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية والسويد، قد نشبت إثر تصريحات مسيئة للوزيرة السويدية، فالستروم حينما تحدثت في جلسة برلمانية مفتوحة يوم السادس من مارس (آذار) الماضي، طالبة عدم تجديد الاتفاق الثنائي مع السعودية وبخاصة الجوانب المتعلقة بالصناعة والإنتاج المشترك، كما تعرضت للنظم القضائية في المملكة بشكل كشف عن تفاوت في الفهم للخصوصية الثقافية والقانونية وقيم المجتمع في السعودية. لكن تداعيات الأزمة حدثت في التاسع من مارس، بمنعها من التحدث في الجامعة العربية، ثم تلا ذلك سحب الرياض لسفيرها المعتمد لدى السويد يوم 11 مارس، ثم قرار الرياض إيقاف منح وتأشيرات الدخول لرجال الأعمال السويديين، مما أضر بالمصالح السويدية التجارية والتي تبلغ وارداتها السنوية من السعودية قرابة 13 مليار دولار سنويا، ومن ثم إعلان السعودية أنها «تأمل ألا تضطر إلى إجراء مراجعة لجدوى الاستمرار في العديد من أوجه العلاقات التي تربطها» مع السويد. قبل أن تنتهي فصول الأزمة بقرار إعادة السفير السعودي في 26 مارس.
وكشفت تطورات الأزمة جوانب مثيرة للاهتمام في تداعياتها السياسية والاقتصادية داخل السويد وعلى مستوى رجال الأعمال والأوساط الدبلوماسية خصوصا. وكانت مجموعة من الشركات السويدية الكبرى العاملة في السعودية قد أصدرت بيانا عارضت فيه تصريحات وزيرة الخارجية كما طالبت تلك الشركات الحكومة السويدية بتجديد الاتفاقية الثنائية بين البلدين.
وشهدت استوكهولم تحركات داخلية بين وزارتي الخارجية والصناعة ومجموعة الشركات الصناعية الكبرى العاملة في السعودية، وتشكلت مجموعة لإدارة الأزمة في وزارة الصناعة مثلما شكل تجمع الشركات الكبرى النافذة مجموعة اتصال من أجل تسهيل عملية التواصل مع الأطراف الرسمية السعودية.
كما شهدت أروقة وسائل الإعلام ومعاهد الدراسات والبحوث المتخصصة بالسياسة الخارجية نشاطا مكثفا، شارك فيه صحافيون وخبراء ودبلوماسيون وأكاديميون سويديون متخصصون، تحدثوا عن الأزمة التي أضفت توترا غير مسبوق على العلاقات بين السويد والسعودية.
وقد أشار كثيرون إلى العلاقات التاريخية التي أسست ثوابت التعامل والعمل المشتركين. ومع تعدد الأصوات التي ناقشت الأزمة والأصوات الداعية إلى تطبيع العلاقات ظهرت أصوات منصفة حاولت أيضا أن تضع الحوارات والآراء في حالة من التوازن الضروري وبخاصة الدكتورة ماريانا لاناتزا الأستاذة في جامعة لوند المتخصصة بشؤون دول الشرق الأوسط والعلاقات السياسية التي شاركت في الحوارات حين كتبت دراسة في هذا الشأن وكتبت تقول: «نحن هنا في السويد نطلق أحكاما ونحدد شكل علاقاتنا بالآخر بينما الآخر غائب يتلقى أحكامنا المسبقة. إن غياب الصوت السعودي الذي يمثل موقف الطرف الآخر في الحوار هو الذي يجعل قراءاتنا وأفكارنا مسبقة وربما مرتجلة وبخاصة حين تتم الدعوة لإيقاف اتفاقيات مشتركة أو وصف قوانين وإجراءات الآخر بأنها مدعاة للنقد وإني أرى أن مواقفنا وآراءنا في غياب الطرف الآخر غير محقة».
وكانت الدكتورة ماريانا لانتزا قد تحدثت عن التحولات الكبيرة في السعودية ومسيرة الإصلاح والتنمية في مجالات التعليم والتشريعات وبناء الجامعات وإشراك المرأة في المؤسسات التشريعية والتعليم حتى بلغت النسبة التي تمثلها المرأة في التعليم نسبة 30 في المائة من المشمولين بالتعليم في السعودية وطالبت الباحثة والأستاذة الأكاديمية بأن تمنح فرصة أوسع في الحوارات مع الآخرين قبل أن يتخذ أي قرار مرتجل.
وفي نفس السياق كتب الدكتور محمود الآغا رئيس تحرير جريدة «الكومبس» الصادرة في استوكهولم ونشرت أيضا على موقع الجريدة افتتاحية بعنوان «الأزمة بين السويد والسعودية أزمة في ثقافة معرفة الآخر»، يقول فيها: «التعرف على ثقافة الآخر وتفهم خصوصياته الاجتماعية والفكرية، من خلال الاطلاع على الحقائق التاريخية ومتابعة ما ينتجه حاليا ضمن المجالات الأدبية والفكرية والفنية وغيرها، يسهل ويساعد على تقوية بقية الجوانب ذات الطابع الاقتصادي ويضمن استمرارية العلاقات السياسية المبنية على الاحترام المتبادل. ومع أن الخلاف بين السعودية والسويد الذي بدأ يتسع ويكبر بعد أن تدحرجت عجلته ككرة الثلج، هو خلاف بين حكومتين لدولتين مستقلتين، فإن له أيضا جوانب قد تمتد إلى طبيعة الاختلاف بين الثقافات».
وتابع الكاتب يقول: «الاختلاف، وهو شيء واقعي، بل ضروري ومنطقي في الطبيعة البشرية، ظهر بين البلدين حول تفسير مفاهيم عديدة منها، الرأي السويدي في القضاء في السعودية وطريقة تنفيذ الأحكام فيها. هذا الانتقاد وصفته الرياض بالتدخل السافر بالشأن الداخلي، واعتبرت ربط هذا (التدخل) بمسائل حقوق الإنسان أكثر من تصريح (ساذج) لوزيرة تماهت بين مسؤوليات منصبها السياسي الحالي ومبادئ موقعها كناشطة نسوية في السابق».
من جهته، قدم الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط ودول الخليج والسعودية ثورد يانسون من جامعة يوتبرغ تحليلا مميزا للغة الخطاب التي عالجت بها وسائل الإعلام السعودية أزمة الخلاف بين السويد والسعودية في مقالة تعيد قراءة الافتتاحيات والمقالات المتخصصة التي نشرتها الصحف اليومية الصادرة في الرياض.
وقال كاتب المقالة ثورد يانسون: «بعد قراءة متفحصة لما تنشره وسائل الإعلام السعودية لاحظت نبرة هادئة ومعتدلة في خطاب الصحافة السعودية اليومية التي تصدر في الرياض، خلال المقالات التي تنشرها الصحافة حول الأزمة الدبلوماسية ورأيت أن الاعتدال في لغة الصحافة اليومية السعودية التي تحدثت عن عمق العلاقة بين البلدين وعن إمكانيات حل إشكالات الأزمة عبر الحوار بين البلدين لا يأتي من مجرد تعبير عن تمنيات الصحافيين والكتاب، بل هي صورة لأجواء العلاقات الخارجية التي تشيعها الدبلوماسية الهادئة إزاء المشكلة والمشاكل المشابهة التي اختطتها وزارة الخارجية السعودية لزمن طويل».
وتحدث لـ«الشرق الأوسط» الخبير العسكري والسياسي السويدي ستيلان بويرود الذي سبق أن عمل ميدانيا مراسلا ومحللا مع راديو السويد خلال حرب الخليج عام 1991 السابقة قائلا: «كنت دائما أشير على الحكومة السويدية في حواراتي ومقالاتي إلى ضرورة الاستماع إلى الرأي السعودي قبل اتخاذ أي قرار يبدو وكأنه من طرف موجه إلى طرف آخر شريك دون درايته أو حضوره. وكنت قد أكدت بعد تطور الأحداث في اليمن ودور السعودية القيادي فيه إلى أن هناك 3 حقائق لا تستطيع التداعيات الإقليمية في المنطقة إخفاءها وهي، القلق الدولي على التوازنات السياسية، وتدفق النفط من الدول المصدرة إلى أوروبا وأميركا وكندا، واستمرار التجارة الدولية عبر الممرات البحرية، باب المندب والخليج وقناة السويس. وهذه الممرات هي رمز من رموز التفاهمات التاريخية الأساسية بين دول العالم حول العلاقات والمصالح والاحترام المتبادل للاتفاقات والتعاون المشترك. وأن أي تهديد لهذه الدلالة الرمزية للتفاهم الدولي إنما يعني تخريب أسس العلاقات الدولية واستقلالها. وأجد أن القرار السعودي بإعادة العلاقات السويدية السعودية إلى سياقها الطبيعي قرار حكيم».
وخلال الأزمة سعت الأحزاب المنضوية تحت خيمة تحالف يمين الوسط السويدي المعارض (وهي حزب الشعب والحزب الديمقراطي المسيحي وحزب الوسط والحزب الأكبر حزب المحافظين) إلى توخي الحذر في معالجة القضايا الثنائية مع دول العالم واعتبروا النموذج الذي عكسه قرار إيقاف الاتفاق الثنائي مع السعودية بأنه قرار من طرف واحد يجعل مصداقية السويد ووضوح خطابها بعيدا عن متطلبات إدامة الحوار مع الشركاء الدوليين مهما بلغت الاختلافات في الرأي والمواقف.
وقد تحدثت إلى «الشرق الأوسط» رئيسة كتلة المعارضة في البرلمان جيسكا بولفييرد، ردا على سؤال حول رؤيتها للقرار السعودي بإعادة السفير المعتمد إلى استوكهولم وإتاحة الفرصة لمراجعة إيجابية للعلاقات الثنائية، وقالت: «لا شك أنني أجد أن تلك بادرة مهمة في علاقاتنا الثنائية وكنا مجموعة قد أشرنا إلى استدعاء وزيرة الخارجية السويدية للمثول أمام البرلمان لكي نوضح نقدنا لما سببته تصريحاتها من إرباك للسياسة السويدية القائمة على التعاون المشترك وأكدنا أن احترام الخصوصية على الحفاظ بين ما يقال بين الشركاء خلف أبواب مغلقة أو في العلن من أجل احترام الطبيعة الحساسة للعلاقات الثنائية وعواملها الداخلية وعناصرها المضافة.. وأجد أن عودة العلاقات الطبيعية بين السويد والسعودية هو نتيجة منطقية لجهود مشتركة داخل البرلمان وخارجه من أجل تصحيح الأخطاء وإعادة المياه إلى مجاريها بين البلدين السويد والسعودية».
ويبدو أن تداعيات الأزمة السياسية الداخلية جراء إيقاف الحكومة الاتفاقية الثنائية وتصريحات وزيرة الخارجية السويدية التي أحرجت السويد مع الرياض والقرارات الأخرى التي اتخذتها حكومة الأقلية البرلمانية الحاكمة من تحالف الحمر والخضر لا تزال مستمرة على الرغم من الجوانب الإيجابية التي انطوى عليها القرار السعودي بإعادة العلاقات الدبلوماسية وعودة السفير السعودي المعتمد إلى العاصمة السويدية استوكهولم واستئناف النشاط التجاري والاقتصادي المشترك بين البلدين، فقد أظهرت الأحداث طبيعة الانقسام العميق والواضح بين القوى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في المجتمع السويدي. حيث كشفت وسائل الإعلام السويدية بعد استعراض العناصر الإيجابية في إعادة العلاقات بين البلدين، عن وجود استياء متزايد داخل حزب المحافظين وبعض أحزاب يمين الوسط المؤتلفة معه كمجموعة للأغلبية البرلمانية المعارضة عن رغبتها في فك تفاهمات أحزاب الأغلبية التي أنقذت الحكومة الحالية من السقوط في شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 2014. وكان ذلك قد حدث على خلفية التصويت ضد مشروع الميزانية الذي تقدمت به حكومة الاشتراكيين وحزب البيئة ذات الأقلية البرلمانية والذي عرض على الحكومة خيار الاستقالة وإجراء انتخابات تكميلية في 22 مارس 2015 ولكن مشروع التسوية الذي تقدمت به كتلة المعارضة من أجل إنقاذ البلاد من فوضى سياسية تتيح ربما للحزب العنصري فرصا لتسلق سلم الصعود وتوسيع نفوذه البرلماني إلى الاتفاق مع الحكومة الحالية على إدارة البلاد باعتماد مشروع ميزانية الظل التي اعتمدها البرلمان بالأغلبية حيث نظم الاتفاق العلاقة بين أحزاب تحالف يمين الوسط المعارض وحزبي الحكومة المؤلفة من الحزب الاشتراكي الديمقراطي والبيئة. وأوضحت رئيسة كتلة المحافظين البرلمانية عن تزايد الرغبة في فك تلك التفاهمات مع أحزاب حكومة الأقلية مما يعرضها للسقوط والعودة إلى إجراء انتخابات تكميلية تكون خلالها هذه الحكومة حكومة تسيير أعمال، لأن اتفاق ديسمبر والتسوية بين الحكومة والأحزاب المعارضة، قد أضرا بحزب المحافظين.

أيام الأزمة بين السويد والسعودية

* 6 مارس 2015: وزيرة الخارجية السويدية تضمنت كلمتها في جلسة البرلمان السويدي تصريحات ضد القضاء السعودي والدعوة إلى إيقاف اتفاقية التعاون المشترك.
* 7 مارس: إصدار الشركات السويدية الكبرى المعروفة بمجموعة الثلاثين بيانا يعترضون فيه على التصريحات غير الدبلوماسية لوزيرة الخارجية ويطالبون الحكومة بتجديد الاتفاقية مع السعودية مدة 5 سنوات أخرى من أجل استكمال المشاريع والاتفاقات بين البلدين.
* 9 مارس 2015: الوزيرة ضيفة شرف على مجلس الجامعة العربية لكنها تبلغ برغبة المندوبين الممثلين للجامعة العربية بإلغاء الفقرة الخاصة بإلقاء خطابها.
* 10 مارس: إعلان الحكومة السويدية إلغاء اتفاقية التعاون المشترك بين السويد والسعودية من طرف واحد.
* 11 مارس: السعودية تستدعي سفيرها المعتمد السيد إبراهيم بن سعد الإبراهيم.
* 12 مارس: موجة اعتراضات رجال الأعمال السويديين واجتماعات متواصلة مع المسؤولين ومع رئيس الحكومة.
* 13 مارس: رئيسة كتلة الأغلبية المعارضة تقدم بلاغا برلمانيا تطلب فيه حضور وزيرة الخارجية لجلسة استجواب جراء الارتباك الذي تسببت فيه للسياسة الخارجية السويدية.
* 14 - 16 مارس: السفراء العرب المعتمدون في السويد يبلغون وزارة الخارجية السويدية اعتراضهم على تصريحات وزيرة الخارجية التي تسببت في الأزمة.
* 17 مارس: بلغ عدد الدول العربية والإسلامية التي اعترضت على تصريحات وزيرة الخارجية السويدية 60 دولة.
* 18 مارس: دولة الإمارات العربية تستدعي سفيرها السيد سلطان راشد الكيتوب النعيمي المعتمد في السويد.
* 19 مارس: الحكومة السعودية توقف منح تأشيرات الدخول لرجال الأعمال السويديين.
* 20 مارس: مثول وزيرة الخارجية أمام جلسة استجواب في البرلمان قالت فيها إن السعودية دولة محورية مهمة ودولة مانحة في إطار مواجهة الإرهاب واجتماع موسع لرجال الأعمال مع وزير الصناعة السويدي بحضور وزيرة الخارجية وتشكيل مجموعة لإدارة الأزمة.
* 21 مارس: ملك السويد يعرض على الحكومة المساعدة في حل الأزمة مع السعودية.
* 23 مارس: ملك السويد يلتقي مع وزيرة الخارجية في قلعة استوكهولم للبحث عن حلول للأزمة.
* 24 مارس: وزير خارجية السويد السابق يعلن عن خسارة السويد للآلاف من فرص العمل بسبب إيقاف اتفاقية العمل المشترك مع السعودية.
* 25 مارس: استمرار التنديدات العربية والدول الإسلامية والصديقة.
* 26 مارس: استقبال خادم الحرمين الشريفين لمندوب ملك السويد وتسلمه رسالتين من ملك السويد ورئيس الحكومة السويدية الذي استقبله وزير الدفاع مستشار الملك، من قبل، وقرار المملكة بعودة سفيرها إلى استوكهولم ووضع الأسس لمراجعة إيجابية للعلاقة ووضع حد للأزمة.



«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.